ألمانيا تبدأ مسيرة بناء جيش قوي... وتبني عقيدة قتالية

مع تراكم علامات الاستفهام حول مدى التزام واشنطن «أطلسياً»

جنود ألمان في ليتوانيا (آ ف ب)
جنود ألمان في ليتوانيا (آ ف ب)
TT

ألمانيا تبدأ مسيرة بناء جيش قوي... وتبني عقيدة قتالية

جنود ألمان في ليتوانيا (آ ف ب)
جنود ألمان في ليتوانيا (آ ف ب)

عندما استقبل الرئيس الأميركي دونالد ترمب المستشار الألماني فريدريك ميرتس في البيت الأبيض، الشهر الماضي، بدا راضياً عن خطط ألمانيا بزيادة إنفاقها الدفاعي، وهو قرار مثير للجدل اتخذته برلين بعد الحرب في أوكرانيا، مهّد لبداية مسيرة «إعادة عسكرة» متزايدة في البلاد للمرة الأولى منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. وعلى الرغم من الجدل المرافق لهذا القرار داخل ألمانيا بسبب الأصداء التاريخية، فإن حكومة المستشار ميرتس تبدو عازمة على إكمال ما بدأه، ولو متلكأً، المستشار السابق أولاف شولتس بالإعلان عن تخصيص صندوق بقيمة 100 مليار يورو لزيادة الإنفاق العسكري في خطاب تاريخي داخل البرلمان الألماني. آنذاك، في فبراير (شباط) 2022، ألقى شولتس خطابه الشهير تحت عنوان «نقطة تحوّل» عن زيادة الإنفاق العسكري لمواجهة الخطر المتزايد من روسيا. وقال إن أموال الصندوق ستخصّص لإعادة تسليح الجيش الألماني الهرم وتجهيزه ليغدو في مستوى قتالي قادر على الدفاع عن البلاد. ومع أن حكومة شولتس انهارت بعد ثلاث سنوات من ذلك الخطاب، فإن «نقطة التحوّل» مستمرة وعلى نطاق أوسع ونمط أسرع، في ظل الحكومة الجديدة التي تسلمها حزب «الاتحاد الديمقراطي المسيحي» الذي كان في المعارضة في عهد شولتس. فهل تعود ألمانيا بجيشها القوي قريباً؟ وماذا يعني ذلك للعالم ولأوروبا؟

قد يكون الرئيس الأميركي دونالد ترمب، بين المزاح والجد، قد عبّر عما يدور في خلد كثيرين عندما قال بينما المستشار فريدريش ميرتس يجلس بجانبه في البيت الأبيض: «أنتم تنفقون المزيد على الدفاع الآن وهذا أمر إيجابي». وتابع ضاحكاً: «لا أعرف إذا كان الجنرال ماك آرثر سيقول الشيء نفسه. فهو ما كان ليحب ذلك لكنني أنا أعتقد أن الأمر جيد». ترمب هنا كان يشير إلى الجنرال دوغلاس ماك آرثر، القائد الأعلى لقوات «الحلفاء» إبان الحرب العالمية الثانية.

ثم أضاف: «لقد قال: أبداً لا تَدَعو ألمانيا تتسلح من جديد، وأنا دائماً أفكر بذلك عندما يقولون نحن ننفق المزيد على إعادة التسليح وأنا أتساءل: هل هذا جيد أم سيئ؟... باعتقادي إنه أمر جيّد، على الأقل حتى نقطة معينة!». وتابع ضاحكاً، بينما ميرتس يصغي مبتسماً: «سنصل إلى مكان أقول فيه: رجاءً أوقفوا التسلح ما لم يكن لديكم مانع».

شبح دائم

هذه المخاوف من إعادة تسليح ألمانيا كانت شبحاً دائماً يخيّم على قرارات الحكومات المتعاقبة منذ نهاية الحرب العالمية الثانية في ألمانيا. ومنذ ذلك الحين، حدّت مجموعة من الأسباب القانونية والنفسية قوة الجيش الألماني.

من الناحية القانونية، يمنع القانون الأساسي الألماني، أي الدستور الذي أُقرّ عام 1949 من العودة إلى «الحرب أو العدوان»، ويحدد دور الجيش بأنه «دفاعي» حصراً. ويفوّض البرلمان الفيدرالي - أي «البوندستاغ» - مهمة الموافقة على أي مهام خارجية للجيش الألماني، وهو ما يحصل اليوم في كل مهام ألمانيا، التي تشارك بشكل أساسي في قوات حفظ سلام دولية تحت رعاية الأمم المتحدة.

وأبعد من القوانين الألمانية الداخلية، فكّكت قوات «الحلفاء» بعد انتصارها في الحرب العالمية الثانية الجيش الألماني ومنعته من إعادة البناء. وعندما أعيد تشكيله عام 1955 جاء ذلك حصراً ضمن تكامل مع قوات حلف شمالي الأطلسي (ناتو). وهذا ما دفع الولايات المتحدة لأن تصبح الضامن الأمني لألمانيا إبان «الحرب الباردة»، واستمر هذا الوضع من خلال وجود قواعد عسكرية أميركية داخل ألمانيا، ونشرها صواريخ نووية سرية على أراضيها تشكل ردعاً لروسيا.

وبعد الوحدة الألمانية مطلع التسعينات، اتخذت الحكومات المتعاقبة قرارات بخفض الإنفاق الدفاعي أكثر، بعد باعتبار أن «خطر الحروب» تقلص، وصوغ برلين علاقات أكثر تقارباً مع روسيا، خاصة من الناحية الاقتصادية، وهذه العلاقات تعززت في عهد المستشارة السابقة أنجيلا ميركل التي كانت تؤمن بأن «التجارة مفتاح السلام» مع موسكو.

الردع الأخلاقي

إلى جانب هذه الروادع القانونية، فإن الرادع الأخلاقي ظل يحكم الألمان لعقود منذ نهاية الحرب، وتحوّلت «عقدة الذنب» التي يحملها الأبناء عن خطايا أهاليهم، إلى سند لبناء سياسات «سلمية». وحتى اليوم ما زال الانتماء إلى الجيش الألماني يحمل شيئاً من العار، ولا يعدّ مصدر فخر كما هو الحال في معظم الدول الأخرى. وما زال كثيرون من العسكريين يعربون عن «قلة الارتياح» من الظهور بلباسهم العسكري في أماكن عامة.

وعلى الرغم من المخاوف المتزايدة لدى الألمان من إمكانية تمدّد الصراع بين روسيا وأوكرانيا إلى دول «ناتو»، فما زالت غالبية الألمان مترددة في دعم تورط عسكري مباشر لألمانيا حتى ضمن قوات «ناتو»؛ إذ أظهر استطلاع للرأي أجراه معهد «كوربر» في مارس (آذار) 2022، بعد أيام من بدء العملية العسكرية الروسية في أوكرانيا، أن 80 في المائة من المستطلعين يخشون تمدّد الصراع، ومع ذلك عبر 14 في المائة فقط عن تأييدهم لتورط عسكري مباشر لألمانيا، بينما اعتبر 65 في المائة منهم أن التعامل الدبلوماسي هو السبيل الأفضل.

اليوم ربما الحال بدأ يتغير. فقد أظهرت استطلاعات للرأي أجريت مطلع العام بأن الغالبية تؤيد زيادة الإنفاق العسكري لتقوية الجيش الألماني، وتدعم إنفاق 5 في المائة من الناتج الإجمال العام على الدفاع، وهي النسبة الجديدة التي اعتمدها «ناتو» في اجتماعه الأخير، الشهر الماضي، ليوصي بها دول الحلف بدءاً من عام 2035، وأعلنت حكومة ميرتس استعدادها للالتزام بها.

وبالفعل بدأت حكومة ميرتس اتخاذ قرارات لتسريع تقوية الجيش الذي بات أضعف حتى في السنوات الأخيرة؛ بسبب تخليه عن الكثير من أسلحته التي سبق تقديمها لأوكرانيا لتتمكن من الصمود أمام روسيا. وفي تقرير لإيفا هوغل، مفوضة الدفاع في «البوندستاغ»، خلال مارس الماضي، حذّرت هوغل من أن ما لدى الجيش الألماني «القليل من كل شيء»، رغم زيادة الإنفاق عام 2022، ومن أن الكثير من الوحدات «تفتقر للجهوزية القتالية»، وأن أعداد العسكريين يتناقص بسبب انسحاب واحد من كل أربعة منتمين جُدد في الأشهر الستة الأولى بعد انضمامهم.

أيضاً تناولت هوغل أيضاً فقدان البنى التحتية الرئيسة، إلى جانب المعدات والعناصر. وباختصار، رسمت هوغل صورة قاتمة لمستوى جهوزية الجيش الألماني الذي لن يكون قادراً على الصمود أمام أي اعتداء قد تتعرض له ألمانيا في السنوات المقبلة ما لم تتحرك الحكومة بسرعة لتغيير المسار.

ميرتز (آ ف ب)

التعديل الدستوري

ميرتس يعي هذه التحديات بشكل واضح، وهو ما جعله يسارع إلى طرح وتمرير تعديل دستوري في البرلمان القديم يخوّل حكومته الاستدانة من دون حدود لتمويل الدفاع ومشاريع بنى تحتية. والواقع، لم ينتظر ميرتس بدء مهام البرلمان الجديد، الذي ما كان سيمرّر القوانين بسبب تشكيلته الجديدة، وقدرة المعارضة على وقف التعديلات التي كانت بحاجة إلى ثلثي أصوات البرلمان، وهو ما لا تملكه الحكومة الحالية في البرلمان الجديد.

وبجانب زيادة الإنفاق على الدفاع والبنى التحتية، تبحث حكومة ميرتس اليوم إعادة طرح التجنيد الإجباري في البلاد، رغم الجدل الكبير حول ذلك. وراهناً يبلغ عدد الجيش الألماني 180 ألف عنصر، فيما تسعى الحكومة لزيادته إلى 250 ألف تقريباً. وبناء عليه، يعتبر كثيرون أن جعل التجنيد إجبارياً مجدّداً قد يكون ضرورياً لتحقيق ذلك، في ظل استمرار تلكؤ الشباب بالانضمام إلى الجيش. وبالفعل أظهر تقرير مفوضة الدفاع هوغل أن الجيش بات «هرماً»، وثمة صعوبة في جذب الشبان للانضمام. وفيما يخصه، قدم وزير الدفاع بوريس بيستوريوس عدة اقتراحات لتبني إعادة التجنيد، تبدأ بإرسال استبيانات إجبارية للشبان البالغة أعمارهم 18 سنة، وغير إجبارية للفتيات في العمر نفسه، من أجل تقييم مستوى لياقتهم البدنية ومهاراتهم ودفعهم.

بحسب تقديرات وزارة الدفاع، فإن قرابة 400 ألف سيتلقون هذه الاستبيانات سنوياً، وأن 25 في المائة منهم قد يظهرون اهتماماً بالانتماء للجيش، وبعدها يصار إلى استدعاء قرابة 50 ألف للخضوع للفحوص الطبية وعملية الاختيار. وفي نطاق الخطة، سيخضع المختارون إلى فترة تدريب أساسية إجبارية لـ6 أشهر يمكن تمديدها إلى سنتين ثم نقلهم ليصبحوا ضمن «قوات الاحتياط». وإذا لم تنجح خطط الضم الاختيارية، يقترح بيستوريوس اعتماد الخدمة الإجبارية.

أظهرت استطلاعات للرأي أن الغالبية

تؤيد زيادة الإنفاق العسكري لتقوية الجيش الألماني

وتدعم إنفاق 5 % من الناتج الإجمالي العام على الدفاع

استطلاع «يوغوف»

من ناحية أخرى، ومع أن خطط وزير الدفاع تحظى بتأييد نسبي سياسي وشعبي، فإن تأييد الشباب، أي الفئة الأهم التي يستهدفها التجنيد، ما زال ناقصاً. وقد أظهر استطلاع للرأي أجراه معهد «يوغوف» في يونيو (حزيران) الماضي، أن 54 في المائة يؤيدون إعادة العمل بالخدمة الإجبارية، 66 في المائة من بين هؤلاء هم في سن الـ70 وما فوق، بينما الفئة المستهدفة - أي من هم في سن الـ18 سنة - فلا يؤيد المشروع منها سوى نسبة 35 في المائة فقط.

ويعكس هذا الاستطلاع التحديات التي ستواجهها ألمانيا في زيادة عدد قواتها وتجنيد عناصر إضافية. ورغم وجود القرار السياسي والموارد المادية لتحويل الجيش الألماني من وضعه الهرِم حالياً إلى جيش قوي، فقد تصطدم الحكومة بعوائق تؤخر تحقيق ذلك، على رأسها البيروقراطية والقدرة الصناعية لإنتاج أسلحة وعتاد بالسرعة المطلوبة. ذلك أن نظام المشتريات في ألمانيا نظام معقد، ويستغرق وقتاً طويلاً، ما يطيل فترة توقيع عقود شراء أسلحة وعتاد.

ثم إن شركات الأسلحة الألمانية لا تستطيع الإنتاج بالسرعة المطلوبة؛ بسبب نقص العمالة الماهرة وسلسلة التوريد وطلبات سابقة وضعت لإنتاج وتسليم أسلحة لأوكرانيا. ويضاف إلى كل هذا تحدي تجنيد عناصر إضافية، وتحديث البنية التحتية التي ستكون بحاجة إلى استثمارات بعشرات المليارات وسرعة في التحديث. بل، والأهم، أن الجيش الألماني سيبقى مقيّداً بتعقيدات قانونية، وقد يواجه تحديات قانونية في المحاكم الدستورية أو اعتراضات برلمانية تعرقل أو تبطئ مسيرته نحو التحول إلى جيش قوي قادر على الدفاع عن البلاد والانتشار في دول «ناتو» عند الحاجة.

يضاف إلى ما سبق، أنه إن كانت الأحزاب الرئيسة تؤيد تطوير الجيش، فإن الحزبين المتطرفين على اليمين واليسار، «البديل من أجل ألمانيا» و«دي لينكا»، يعارضان ذلك، وهما يتمتعان حالياً بكتلة قادرة على عرقلة قرارات بحاجة إلى ثلثي الأصوات في البرلمان.

ترحيب من الحلفاء

في أي حال، ورغم التشكك الداخلي، فإن حلفاء ألمانيا الأوروبيين يرحبون اليوم بمساعي برلين لتطوير جيشها. وكان الترحيب الذي لقيته القوات المقاتلة الألمانية وهي تنتشر في ليتوانيا ضمن قوات «ناتو»، دليلاً على ذلك. وفي مايو (أيار) الماضي، وصلت وحدة ألمانية مقاتلة قوامها 4800 جندي إلى ليتوانيا ضمن مساعي الحلف لتعزيز دفاعاته في دول البلطيق، وحضر حفل إطلاق المهمة رسمياً المستشار ميرتس ووزير دفاعه. وكانت الحشود التي تجمّعت حاملة الأعلام الألمانية والليتوانية صورةً مناقضة تماماً لصور الماضي حين دخلت القوات النازية محتلة عندما كانت ليتوانيا جزءاً من الاتحاد السوفياتي، ودليلاً على أن النظرة الأوروبية للجيش الألماني لم تعد نفسها.وللعلم، تؤيد كل من فرنسا وبريطانيا مساعي الحكومة الألمانية لزيادة الإنفاق الدفاعي، خاصة وسط مخاوف من انسحاب أميركي من حماية أوروبا. ومع أن واشنطن لم تعلن بعد عن خطوات عملية لتحقيق هذا الانسحاب، فقد بات واضحاً أن «البنتاغون» يُعد لسحب جزء من عسكرييه البالغ عددهم 35 ألفاً حالياً ينتشرون في عدة قواعد أميركية عسكرية في ألمانيا، إضافة إلى قرابة 20 ألف موظف مدني. ووسط هذه المخاوف من الانسحاب الأميركي، تدفع فرنسا حليفتها ألمانيا نحو المشاركة في بناء جيش أوروبي موحّد. ومع أن برلين متشككة من هذه الخطط، فإنها توصلت إلى قناعة بضرورة زيادة إنفاقها الدفاعي لسد أي فراغ قد يخلفه الانسحاب الأميركي.


مقالات ذات صلة

واشنطن ترسم بـ«القنابل» حدود التفاوض مع طهران

حصاد الأسبوع مروحيات "أباتشي" فوق مياه مضيق هرمز (آ ف ب/سنتكوم)

واشنطن ترسم بـ«القنابل» حدود التفاوض مع طهران

لم تعد المواجهة الأميركية - الإيرانية تدور عند هامش الهدنة، أو في منطقة الالتباس بين الحرب والتفاوض؛ فمع الضربات الجوية الأميركية، دخلت الأزمة طور

إيلي يوسف ( واشنطن)
حصاد الأسبوع صورة أقمار اصطناعية تُظهِر منشأة «نطنز» النووية بمحافظة أصفهان وسط إيران 7 مارس 2026 (أ.ف.ب)

أربع قضايا نووية تركز عليها أميركا وإيران في المباحثات

على الرغم من حدة الاشتباكات الميدانية، فقد كشفت التقارير الدبلوماسية عن أن خلف الكواليس تستمر مفاوضات صاغ فيها مساعدو الرئيس ترمب مع وزير الخارجية الإيراني

حصاد الأسبوع في أبريل 2026 أصبح أرتان أول حكم كرة قدم صومالي يُسمى للتحكيم في نهائيات كأس العالم

عمر أرتان... موهبة صومالية أفقدتها حسابات السياسة صافرة «المونديال»

في أحد أحياء العاصمة الصومالية مقديشو ووسط أجواء حرب أهلية، أبصر عمر أرتان النور يوم يونيو (حزيران) 1992، ليشق طريقه وسط ظروف قاسية نحو عالم كرة القدم.

محمد الريس (القاهرة)
حصاد الأسبوع غرب العراق... في صميم أخبار الحرب الإقليمية الحالية (آ ف ب)

هل تكون صحراء العراق الغربية قنبلة مؤجلة بين إيران وإسرائيل؟

على الرغم من الإجراءات التي بدأتها الحكومة العراقية الجديدة برئاسة علي الزيدي لجهة «حصر السلاح بيد الدولة»، يظل باب المفاجآت مفتوحاً. للعلم بند «حصر السلاح»

حمزة مصطفى (بغداد)
حصاد الأسبوع اللواء مقداد ميري (واع)

قصة «القواعد الإسرائيلية» تقابل بنفي وارتباك عراقيين

نفت كل من وزارتي الداخلية والدفاع العراقيتين التقارير الصحافية الأميركية عن وجود قواعد إسرائيلية داخل الأراضي العراقية، لكن الأمر يبقى لغزاً من الألغاز.


واشنطن ترسم بـ«القنابل» حدود التفاوض مع طهران

مروحيات "أباتشي" فوق مياه مضيق هرمز (آ ف ب/سنتكوم)
مروحيات "أباتشي" فوق مياه مضيق هرمز (آ ف ب/سنتكوم)
TT

واشنطن ترسم بـ«القنابل» حدود التفاوض مع طهران

مروحيات "أباتشي" فوق مياه مضيق هرمز (آ ف ب/سنتكوم)
مروحيات "أباتشي" فوق مياه مضيق هرمز (آ ف ب/سنتكوم)

لم تعد المواجهة الأميركية - الإيرانية تدور عند هامش الهدنة، أو في منطقة الالتباس بين الحرب والتفاوض؛ فمع الضربات الجوية الأميركية، دخلت الأزمة طور «التفاوض تحت النار»؛ إذ نفّذ الرئيس الأميركي دونالد ترمب تهديداته بعدما اتهم طهران بالمماطلة و«اللعب على الوقت»، وأمر بموجة ضربات على أهداف في جنوب إيران، شملت، بحسب مسؤولين أميركيين، منظومات دفاع جوي ورادارات ووحدات قيادة وسيطرة للطائرات المسيّرة. كذلك، لم تعد واشنطن تعرض القوة باعتبارها رداً محدوداً على إسقاط مروحية «أباتشي» أميركية قرب مضيق هرمز فحسب، بل كأداة ضغط لإجبار إيران على القبول باتفاق بشروط أميركية. وبهذا المعنى، انتقلت إدارة ترمب من الردع الدفاعي إلى «الدبلوماسية القسرية» المكشوفة. وتصريحات وزير الدفاع بيت هيغسيث، بأن واشنطن «ستفاوض بالقنابل إذا لزم الأمر»، أوضحت الهدف السياسي من الضربات. لكن المفارقة الخطرة أن استخدام القوة لتقصير طريق الاتفاق قد يدفع طهران إلى رد يوسّع الاشتباك، ويفتح الباب أمام حرب تقول واشنطن إنها لا تريدها.

بدأ التصعيد الأخير في «الحرب الإيرانية - الأميركية - الإسرائيلية» بردّ أميركي على إسقاط مروحية من نوع «أباتشي» في منطقة مضيق هرمز. وفي حينه بدت الضربات الأولى محسوبة: استهداف رادارات ومنظومات دفاعية ومواقع تحكّم، مع الحرص على تجنب سقوط قتلى إيرانيين يفرضون على طهران ردّاً أكبر. إلا أن موجة الأربعاء غيّرت المعنى السياسي والعسكري للعملية. ذلك أن الضربة الثانية لم تُقدَّم فقط بوصفها انتقاماً من حادث بعينه، بل كجزء من قرار أميركي بزيادة الكلفة على إيران كلما تأخرت في توقيع اتفاق.

أكبر من رسالة وأقل من حرب

هذا التدرّج يشرح حسابات ترمب، أي: ضربات كبيرة بما يكفي لإيصال رسالة، ومحدودة بما يكفي لتجنب حرب شاملة.

إنه يريد إثبات أن تهديداته ليست كلاماً انتخابياً، مع إبقاء الباب مفتوحاً أمام صفقة. غير أن المعادلة باتت أكثر هشاشة، بعدما تحوّلت التهديدات إلى ضربات مباشرة داخل أراضٍ إيرانية حساسة بجنوب البلاد وقرب مضيق هرمز.

فرزين نديمي، الباحث المتخصص في شؤون الأمن والدفاع في إيران ومنطقة الخليج في «معهد واشنطن لشؤون الشرق الأدنى»، رأى في لقاء مع «الشرق الأوسط»، أن الطرفين يحاولان في هذه المرحلة «فرض إرادتيهما ووضع القواعد». وهنا لا يستبعد نديمي كلياً أن يكون اصطدام المسيّرة الإيرانية بالمروحية الأميركية حادثاً غير مقصود، لكنه يقرأ السلوك الإيراني في سياقه الأوسع، أي أنه محاولة لإظهار مَن يملك اليد العليا في المضيق، والتدخل في العمليات الأميركية، واختبار حدود الردع الأميركي. ولذا، في رأيه، جاء رد ترمب السريع على أهداف عسكرية داخل إيران لإفهام طهران أن العبث بحرية الحركة الأميركية في الخليج لن يبقى بلا ثمن.

في المقابل، تدرك واشنطن أن مقتل جنود أميركيين أو إصابة منشآت خليجية كبرى قد يخرج الأزمة من دائرة «الضغط من أجل الاتفاق» إلى دائرة الحرب. ولهذا فإن عبارة «الضرب من أجل التفاوض» لا تلغي خطر الانزلاق، بل تكشف عنه. فالقوة هنا محاولة لإعادة ترتيب الطاولة قبل الجلوس إليها، لكن الطرف الآخر قد يردّ على الطاولة نفسها بالقوة أيضاً.

ربط الساحات

في خلفية التصعيد، تواصل إيران العمل بمنطق «ربط الساحات». وهي اليوم لا تتعامل مع مضيق هرمز، والملف النووي، ولبنان، وإسرائيل، والقواعد الأميركية كملفات منفصلة، بل تحاول تحويلها إلى أوراق داخل مساومة واحدة مع واشنطن: فإذا ضُغط عليها نووياً، لوّحت بالملاحة؛ وإذا استُنزف «حزب الله» في لبنان، أمكنها التصعيد ضد إسرائيل أو في الخليج؛ وإذا طُلبت منها تنازلات قاسية، حضرت ورقة القواعد الأميركية والسفن ومنشآت النفط.

نديمي، بالتالي، يضع المسألة في إطارها السياسي الأوضح. فهو يقول إن النظام الإيراني يريد إدخال لبنان، أو على الأقل بيروت وضواحيها، في أي «صفقة» مع الولايات المتحدة، لكنه يستبعد قبول إسرائيل بذلك. وبحسب هذه القراءة، لا يقتصر «ربط الساحات» على تحريك حلفاء أو إطلاق صواريخ، بل يشمل أيضاً استخدام خطر اشتعال الجبهة الإيرانية - الإسرائيلية، وتهديد المضيق والقواعد الأميركية، من أجل منع إسرائيل من استكمال تقويض «حزب الله» في لبنان، ومنع الدولة اللبنانية من احتكار القرارين الأمني والعسكري.

لكن هذه الاستراتيجية تعكس القدرة على التعطيل أكثر مما تعكس قدرة على فرض تسوية مستقرة؛ فإيران تستطيع إرباك الملاحة، لكنها لا تتحمل إغلاقاً طويلاً للمضيق من دون رد عسكري واقتصادي واسع. وهي تستطيع أيضاً استخدام «حزب الله» كورقة ردع، لكنها لا تستطيع بسهولة إعادة بناء موقعه السابق بعد الحرب والضربات الإسرائيلية والضغط الأميركي. ثم إن تفوّق الولايات المتحدة وإسرائيل الجوي والاستخباراتي يجعل كلفة المواجهة المفتوحة باهظة.

لا تتعامل واشنطن مع هرمز والنووي ولبنان وإسرائيل والقواعد الأميركية كملفات منفصلة

مضيق هرمز: ورقة الضغط الأخطر

يبقى مضيق هرمز قلب الأزمة. فإسقاط المروحية الأميركية، والحديث عن مضايقة السفن، والضربات على الرادارات والدفاعات الجوية في الجنوب الإيراني، عناصر تؤكد أن الصراع على المضيق صار أحد مفاتيح التفاوض.

واشنطن تريد تثبيت أن المرور في هذا الشريان العالمي لن يخضع لإذن إيراني، وأن أي محاولة لفرض «رسوم سياسية» أو أمنية على الملاحة ستواجه بالقوة. أما إيران فتريد إثبات أن أي اتفاق يتجاهل قدرتها على التأثير في المضيق سيكون اتفاقاً ناقصاً.

وتنسجم هذه القراءة مع ما يقوله نديمي عن أن طهران لا تختبر فقط قدرة واشنطن على الرد، بل تختبر أيضاً مدى استعدادها لفرض قواعد اشتباك جديدة في الممر البحري الأكثر حساسية في العالم. وهي مع محاولة إظهار اليد العليا في المضيق لا تهدف فقط إلى إحراج الجيش الأميركي، بل إلى تثبيت فكرة أن أي تفاهم حول النووي أو العقوبات أو خفض التصعيد لا يمكن أن يتجاهل موقع إيران الجغرافي وقدرتها على تهديد خطوط الطاقة.

هذه النقطة تكتسب أهمية أكبر بعد كشف ترمب عن عمليات أميركية لمرافقة سفن تجارية عبر المضيق، وكلامه عن استمرار تدفق كميات كبيرة من النفط على الرغم من التهديدات الإيرانية. وحتى لو بالغ في تصوير العملية باعتبارها «سرية»، تظل الرسالة السياسية واضحة وهي واشنطن تريد كسر الانطباع بأن إيران تستطيع خنق السوق النفطية العالمية متى شاءت. فاضطراب التأمين والشحن يمنح طهران ورقة ضغط، بينما نجاح واشنطن في تأمين المرور يضعفها.

... لبنان داخل «الصفقة الكبرى»

وسط هذه المواجهة، لا يغيب لبنان عن الحسابات الإيرانية والأميركية والإسرائيلية. فإيران تنظر إلى «حزب الله» باعتباره آخر أوراق نفوذها الكبرى في المشرق، وأي تسوية لا تحمي موقعه أو تمنع استكمال إضعافه ستُقرأ في طهران كهزيمة استراتيجية. لذا تحاول إيران، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، إدخال لبنان في أي تفاهم مع واشنطن، أو على الأقل منع إسرائيل من استثمار اللحظة لإعادة رسم ميزان القوى جنوب لبنان.

في المقابل، لا تريد واشنطن أن تتحوّل المفاوضات اللبنانية - الإسرائيلية إلى رهينة إيرانية. ويشرح ديفيد شينكر، نائب وزير الخارجية الأميركي الأسبق لشؤون الشرق الأدنى، أن إدارة ترمب تدرك مخاوف الحكومة اللبنانية من مواجهة مباشرة مع «حزب الله»، لذلك تدفع بخطة تقلل احتمالات الصدام تتضمن نشر وحدات الجيش اللبناني في مناطق تكون إسرائيل قد أخلتها من عناصر الحزب ومخازنه، ثم تتولى منع عودة المقاتلين والسلاح إليها. ويضيف شينكر أن عودة السكان، وبالذات الشيعة، قد تمنح الحكومة رصيداً إذا نجحت في تأمين المناطق. لكنه يحذّر من أن «حزب الله» سيختبر الجيش ويحاول إعادة بناء حضوره، وأن الخطة ستفشل ما لم يتخذ الجيش خطوات فعلية لمنع ذلك.

هنا تدخل العقوبات الأميركية كأداة ضغط موازية للضغط العسكري في الخليج. وبحسب شينكر، فإن صدور عقوبات جديدة مسألة «شبه مضمونة»، وأن استهداف معاوني رئيس مجلس النواب نبيه برّي الأمنيين «كان رسالة بأنه نفسه سيحاسَب إذا عرقل المسارين السياسي والعسكري بين لبنان وإسرائيل». أما العقوبات على ضباط في الأمن العام واستخبارات الجيش، فهي في رأيه أهم؛ لأنها تستهدف نمطاً قديماً من التنسيق والتسريب والتعايش بين مؤسسات أمنية لبنانية و«حزب الله». وبالتالي، فالرسالة الأميركية ليست موجهة إلى الحزب وحده، بل أيضاً إلى بنية الدولة التي سمحت له بالبقاء داخل القرار الأمني.

عقدة «النووي» والصفقة الناقصة

في سياق متصل، في قلب التصعيد كله، تبقى المفاوضات النووية. فواشنطن لا تريد تهدئة عسكرية فقط، بل «اتفاقاً ذا معنى»، كما قال ترمب، يقيّد البرنامج النووي الإيراني لسنوات.

الملفات المطروحة معقدة: تعليق التخصيب، التعامل مع مخزون اليورانيوم المخصب، تعطيل أو تفكيك منشآت رئيسية، وقبول تفتيش مفاجئ. وهذه ليست تنازلات تقنية بسيطة، بل تمسّ ما تعدّه إيران سيادة وطنية ورمزاً لقدرتها على تحدي الضغوط الغربية.

لذلك، تبدو طهران مترددة. فهي تريد تخفيف العقوبات والإفراج عن الأموال المجمّدة والاعتراف بدورها الإقليمي، لكنها لا تريد الظهور كأنها وقّعت تحت القصف.

ثم إنها تخشى من أن يؤدي اتفاق نووي صارم إلى تقليص أوراق قوتها من دون ضمانات لبقاء نفوذها الإقليمي. لكن مغادرة الوفد القطري المفاوض للعاصمة طهران، مساء الأربعاء، من دون تحقيق أي خرق دبلوماسي، أكدت أن الفجوة لا تزال عميقة. وفي المقابل، يعتقد ترمب أن الوقت الذي منحته واشنطن لإيران استُهلك بلا نتيجة، وأن الضربات قد تكسر المراوحة وتدفع طهران إلى قرار سريع.

الدبلوماسي الأميركي المخضرم دينيس روس رأى في مقالة رأي أن لجوء ترمب لسياسات الضغط القصوى دفع القادة الإيرانيين إلى الشعور بأنه ليس لديهم ما يخسرونه، فاستخدموا أوراقاً قصوى كتعطيل الملاحة. لكن روس يشدد على أن الاقتصاد الإيراني بات على حافة الانهيار، وأن تدمير الرادارات والدفاعات الجوية وشبكات المياه - كما حدث في مقاطعة سيريك الإيرانية - يعمّق أزمات النظام الداخلية.

ويضيف روس أن «الخطر الأكبر ليس في انهيار المفاوضات فقط، بل في التوصل إلى صفقة ناقصة». فقد ينجح الطرفان في وقف الضربات وفتح المضيق وتجميد بعض عناصر البرنامج النووي، لكن من دون معالجة آليات التصعيد الأخرى، مثل: المضايقات البحرية، ونشاط «حزب الله» في لبنان، وحرية إسرائيل في تنفيذ ضربات ضد أهداف إيرانية أو حليفة لإيران. عندها لن تنتهي الحرب، بل سيعاد تنظيمها في اشتباكات محسوبة قابلة للانفجار في أي لحظة.

أيضاً فإن تخفيفاً اقتصادياً واسعاً وغير مشروط للعقوبات قد يمنح النظام الإيراني فرصة لإعادة ترميم قدراته وشبكاته الإقليمية، بينما قد يدفعه الضغط بلا أفق سياسي إلى تصعيد أوسع. لذلك تبدو واشنطن أمام توازن بالغ الدقة: أن تقدم لإيران مخرجاً لا يبدو إنقاذاً مجانياً، وأن تفرض قيوداً لا تجعل التوقيع مستحيلاً، وأن تردع من دون أن تنزلق إلى حرب لا تريدها.


أربع قضايا نووية تركز عليها أميركا وإيران في المباحثات

صورة أقمار اصطناعية تُظهِر منشأة «نطنز» النووية بمحافظة أصفهان وسط إيران 7 مارس 2026 (أ.ف.ب)
صورة أقمار اصطناعية تُظهِر منشأة «نطنز» النووية بمحافظة أصفهان وسط إيران 7 مارس 2026 (أ.ف.ب)
TT

أربع قضايا نووية تركز عليها أميركا وإيران في المباحثات

صورة أقمار اصطناعية تُظهِر منشأة «نطنز» النووية بمحافظة أصفهان وسط إيران 7 مارس 2026 (أ.ف.ب)
صورة أقمار اصطناعية تُظهِر منشأة «نطنز» النووية بمحافظة أصفهان وسط إيران 7 مارس 2026 (أ.ف.ب)

على الرغم من حدة الاشتباكات الميدانية، فقد كشفت التقارير الدبلوماسية عن أن خلف الكواليس تستمر مفاوضات صاغ فيها مساعدو الرئيس ترمب مع وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي الخطوط العريضة لاتفاق نووي محتمل مدته 15 سنة، يتجاوز مجرد تأمين حرية الملاحة في مضيق هرمز المغلق منذ ما يزيد على 100 يوم. وبحسب صحيفة الـ«نيويورك تايمز»، الخلاصات الأساسية لهذه المفاوضات المعقدة، تتمحور حول أربعة ملفات شائكة:

- مدة تعليق التخصيب: تطالب واشنطن بوقف كامل لتخصيب اليورانيوم لمدة لا تقل عن 20 عاماً، في حين تصر طهران على 10 سنوات، مع وجود مؤشرات على إمكانية التسوية عند 15 عاماً.

- مصير المخزون المخصب: تسعى الولايات المتحدة بالتعاون مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية لـ«تخفيف» كامل المخزون الإيراني البالغ 11 طناً (بما في ذلك الوقود القريب من درجة إنتاج الأسلحة)، وسط خلاف حول ما إذا كان التدمير سيجري محلياً أم بنقله خارج البلاد.

- تفكيك المنشآت الحصينة: تصرّ واشنطن على التفكيك التام لمواقع نطنز وفوردو وأصفهان، التي تضررت سابقاً في ضربات «مطرقة منتصف الليل»، بينما ترفض إيران التخلي عما تسميه «حق التخصيب» وتطالب بالإبقاء على منشأة واحدة مفتوحة.

- التفتيش الفجائي والصارم: يطالب الجانب الأميركي بمنح المفتشين الدوليين صلاحية الدخول «في أي وقت وإلى أي مكان»، وهو ما يواجه ممانعة إيرانية شديدة؛ نظراً لوجود العديد من المواقع المشتبه بها داخل القواعد العسكرية المغلقة التابعة لـ«الحرس الثوري».

وتُظهر الخلاصات أن أي اتفاق نووي مستقبلي - رغم أفضليته الفنية مقارنة باتفاق عام 2015 - سيبقى رهينة لمدى التزام النظام الإيراني على أرض الواقع، وقدرته على كبح جماح التيار المتشدد داخل «الحرس الثوري»، الذي يرى في هذه الشروط استسلاماً كاملاً. وهو ما يفسر لجوء طهران لرفع وتيرة التصعيد العسكري كأداة لتحسين شروط التفاوض هرباً من تقديم تنازلات استراتيجية تمس جوهر بقاء النظام ونفوذه الإقليمي.


عمر أرتان... موهبة صومالية أفقدتها حسابات السياسة صافرة «المونديال»

في أبريل 2026 أصبح أرتان أول حكم كرة قدم صومالي يُسمى للتحكيم في نهائيات كأس العالم
في أبريل 2026 أصبح أرتان أول حكم كرة قدم صومالي يُسمى للتحكيم في نهائيات كأس العالم
TT

عمر أرتان... موهبة صومالية أفقدتها حسابات السياسة صافرة «المونديال»

في أبريل 2026 أصبح أرتان أول حكم كرة قدم صومالي يُسمى للتحكيم في نهائيات كأس العالم
في أبريل 2026 أصبح أرتان أول حكم كرة قدم صومالي يُسمى للتحكيم في نهائيات كأس العالم

في أحد أحياء العاصمة الصومالية مقديشو ووسط أجواء حرب أهلية، أبصر عمر أرتان النور يوم يونيو (حزيران) 1992، ليشق طريقه وسط ظروف قاسية نحو عالم كرة القدم. لم يكن نجماً يطارد الأهداف؛ بل كان حكماً حمل الصافرة ليصبح وجهاً صومالياً بارزاً في الملاعب الأفريقية. وبعد 34 سنة وبالشهر ذاته، يونيو 2026، كاد أرتان يولد من جديد ويدخل منصة الكبار عبر حلم «المونديال» بالمشاركة في نهائيات كأس العالم التي انطلقت الخميس، لولا «كارت أحمر» أصدرته واشنطن ضده في مطار ميامي الأميركي، بزعم «تطبيق قانون يمنع دخول جنسيات من بينها الصومال». وهكذا تحوّل عمر إلى «أيقونة عالمية»، وتصدّر اسمه النشرات الإخبارية وسط مواقف دعم من مختلف البلدان، واستقبلته بلاده استقبال الملوك في احتفال غير مسبوق، وتقدّم المستقبلين الرئيس حسن شيخ محمود.

في مسيرة الـ34 سنة، نجاحات عديدة خطّها عمر عبد القادر أرتان، الحاصل على بكالوريوس في التنمية. وفي دولة أنهكتها الحرب الأهلية، يواجه كثيرون تحدّيات جمة في رسم مستقبل ناجح، ولكن كان لأرتان رأي آخر تكشفه الأرقام؛ إذ سرعان ما حصل على الشارة الدولية في عام 2018، وأدرج رسمياً في قائمة حكام «الفيفا» (الاتحاد الدولي لكرة القدم) الدوليين بعد سنتين فقط من حصوله على فرصة التحكيم في دوري الدرجة الأولى الصومالي عام 2016، و4 سنوات من ولوجه تدريبات التحكيم الرياضي عام 2014، وبدء إدارة الدرجة الثالثة بالدوري الصومالي.

اعتماده حكماً دولياً

كانت أول مباراة تولّى أرتان تحكيمها خارج النطاق المحلي، بعد اعتماده حكماً دولياً، مباراة أجريت في كينيا بين فريقي ناديين من كينيا ومدغشقر. وبعدها شارك أرتان حكماً في دورة اتحاد شمال أفريقيا تحت 20 سنة في عام 2022، وفي كأس الأمم الأفريقية تحت 23 سنة في عام 2023.

ثم، في يناير (كانون الثاني) 2024، أصبح أول صومالي يدير مباراة في كأس الأمم الأفريقية بكوت ديفوار، لدى إشرافه على لقاء تونس وناميبيا ضمن دور المجموعات، وقد وصفت وكالة الأنباء الصومالية (صونا) تلك المباراة يومذاك، بـ«المباراة الصعبة».

هذا السجل المشرّف لم يتوقف؛ إذ صار أرتان أول صومالي يحكم مباراة نهائي أفريقيا، حين أدار مباراة الإياب بين بيراميدز المصري وماميلودي صنداونز الجنوب أفريقي في القاهرة، وكانت تلك الخطوة المتفردة في شهر يونيو (حزيران) في عام 2025.

وفي يوليو (تموز) 2025، اختير الحكم الصومالي الموهوب ضمن قائمة «الفيفا» التي يدير حكامها مباريات كأس العالم للشباب تحت 20 سنة، التي نظمت في تشيلي. وبعدها، في نوفمبر (تشرين الثاني) 2025، عرف أرتان نجاحاً جديداً وكبيراً عندما توّج بجائزة «أفضل حكم في أفريقيا» لعام 2025، خلال حفل جوائز الاتحاد الأفريقي لكرة القدم (الكاف) الذي استضافته العاصمة المغربية الرباط، وكان هذا الإنجاز وفق وكالة الأنباء الصومالية «الأكبر في تاريخ التحكيم الصومالي».

حكم أفريقيا البارز

جاء اختيار أرتان، في حينه، بعد منافسة قوية مع حكمين من جنوب أفريقيا وموريشيوس. وأعلنت لجنة الجوائز في «الكاف» فوزه تقديراً لأدائه الاستثنائي خلال العام الحالي، وإدارته عدداً من أهم المباريات القارية والدولية، وعلى رأسها نهائي دوري أبطال أفريقيا، ومباريات كأس العالم تحت 20 سنة التي تُوِّج بها المنتخب المغربي.

وحقاً، يُعدّ هذا التتويج محطة بارزة في مسيرة أرتان، الذي لمع اسمه خلال السنوات الأخيرة بفضل انضباطه، وحرفيته، وقراراته الدقيقة داخل الملعب، ما جعله - بحسب وكالة الأنباء الصومالية - واحداً من أبرز حكام القارة.

ومن ثم، دفع هذا التتويج رئيس الصومال، حسن شيخ محمود، للقاء أرتان والإشادة به، واعتبار نجاحه «إنجازاً تاريخياً يعكس صورة مشرقة للشباب الصومالي وقدرته على التنافس في الميادين الدولية». وأردف أنه «يمثل نموذجاً للإصرار والتميز... وفوزه يشرف الصومال وشعبها».

في مصاف «الكبار»... وصدمة مؤلمة

في أبريل (نيسان) 2026، دخل عمر أرتان مكانة الكبار في كرة القدم باختياره للمشاركة في نهائيات كأس العالم لكرة القدم، ليصبح بذلك أول حكم صومالي يبلغ هذا الإنجاز التاريخي في مسيرة الرياضة الوطنية. وهذه المحطة دفعت رئيس البلاد لتهنئته للمرة الثانية، واعتباره «نموذجاً مُلهماً ومصدر فخر للأجيال الصاعدة من الشباب الطامح إلى التميز».

غير أن فرحة مقديشو وعمر أرتان لم تدُم سوى شهرين؛ إذ صدمه قرار رسمي أميركي من واشنطن منعه في يونيو الحالي من دخول البلاد.

فلقد أوقف أرتان في مطار ميامي ومنع من دخول الولايات المتحدة، ونقلت وكالة «رويترز» الأربعاء، عن إدارة الجمارك وحماية الحدود الأميركية في بيان، أن مواطناً صومالياً، دون ذكر اسمه، وصل إلى مطار ميامي الدولي آتياً من إسطنبول يوم السبت الماضي، واعتُبر غير مسموح له بالدخول بسبب مخاوف تتعلق بالتحريات الأمنية. وجاء القرار بعد أشهر من فرض واشنطن حظراً شاملاً على سفر مواطني 12 دولة منها الصومال في عام 2025.

الاتحاد الدولي (الفيفا) أكد الاثنين الماضي، أن أرتان لن يتمكن من التدريب والتحكيم في نهائيات كأس العالم، التي انطلقت الخميس في كل من الولايات المتحدة وكندا والمكسيك. ولم يجد الرئيس الأميركي دونالد ترمب، تبريراً في مواجهة انتقاد رياضي بدأ يتزايد إلى أن يخرج الأربعاء، مدّعياً أن الولايات المتحدة منعت دخول الحكم الصومالي بسبب صلته بأفراد «يشتبه في انتمائهم إلى منظمات إرهابية»، من دون أن يقدم دليلاً على ذلك.

غير أن اتهام ترمب كان بلا صدى؛ إذ كان ضجيج الاحتفالات والتضامن مع الحكم الصومالي الأعلى أصداءً. وأفادت وكالة الأنباء الصومالية الأربعاء، بأن «أرتان وصل إلى العاصمة مقديشو وسط استقبال حافل في مطار آدم عبد الله الدولي، تقدمه وزراء ونواب في البرلمان الفيدرالي، وممثلون عن الاتحاد الوطني لكرة القدم، بالإضافة إلى مسؤولين آخرين وشرائح المجتمع المدني المختلفة، بخلاف دعم دولي».

وبحسب الصورة التي نشرتها الوكالة، كانت ملامح وجه أرتان تشع بالفرحة وسط زحام كبير، عزّزته لغة صمود بدت في تصريحاته، وقال أثناء تلويح مئات الجماهير بعلم الصومال: «أعدكم، بمشيئة الله، أنني سأحضر البطولة التالية. أريد أن يطمئنّ الشعب الصومالي إلى هذا، وأن يظل واثقاً».

أما «وكالة الصحافة الفرنسية» (أ.ف.ب) فنقلت عن أرتان قوله: «على الرغم من الظروف التي أمرّ بها، فإنني في مزاج إيجابي وأركّز على التحدّيات المقبلة في مسيرتي التحكيمية». وتابع: «أود أن أشكر عائلة كرة القدم على رسائلها، وأتمنى لزملائي كل التوفيق والنجاح خلال كأس العالم، وأتطلع إلى الانضمام إليهم مجدّداً في مسابقات مستقبلية».

تعليقات صومالية

سعاد جالو، الرئيسة بالإنابة للجنة الأولمبية الوطنية الصومالية، قالت لـ«الشرق الأوسط» معلّقة، إنها «حزينة لما يحدث... وإذا كانت هناك اعتبارات أمنية، فلماذا مُنحت له التأشيرة أصلاً؟»، قبل أن تجيب: «عندما تغيب الشفافية عن الإجراءات، تتراجع الثقة في النظام بأكمله وتمسّ مصداقية (الفيفا)، وتتناقض مع الإرث الطويل من الانفتاح والاستضافة للولايات المتحدة».

أما المحلل السياسي الصومالي حسن نور، فقد اعتبر أن «الصومال ربح أكثر من مرة من هذا الحكم الصومالي المتميز»، وأضاف لـ«الشرق الأوسط»، أن أرتان «رمز رياضي كبير استطاع أن يجمع الشعب الصومالي حكومة ومعارضة عليه، رغم خلافاتهما التي تجاوزت أكثر من سنة، والجميع توحّد خلف دعمه، في موقف غير مسبوق».

من جهة أخرى، رأى نور أن كأس العالم خسرت حكماً متميزاً، «وعرف العالم أن الصومال يضم نجوماً كباراً، فضلاً عن الاحتفاء الواسع والتضامن الكبير الذي لاقاه أرتان عقب عودته إلى بلاده، بخلاف دعم غير منقطع النظير من السلطات الحكومية».

بدوره، أعرب الاتحاد الصومالي لكرة القدم في بيان، عن «حزنه إزاء ما حدث»، واصفاً تعيين أرتان لإدارة مباريات كأس العالم بأنه إنجاز تاريخي للبلاد نتج عن سنوات من التفاني والمهنية والنزاهة. وتابع أنه «رغم أن نهائيات كأس العالم انطلقت الخميس بمشاركة 48 منتخباً، بحثاً عن تتويج وفوز عالمي يوم الختام 19 يوليو، فإن الحكم الصومالي المبعد عمر أرتان كان أول الفائزين باحتفاء عالمي غير مسبوق، كان ربما لا يصل إليه حال استمر بالبطولة، وكأنه ينطبق عليه عبارة (من رحم المعاناة يولد الأمل)».

على الصعيد الرسمي

أما على الصعيد الرسمي، فقد أعربت وزارة الخارجية الصومالية في بيان الأربعاء، عن أسفها الشديد إزاء قرار السلطات الأميركية منع دخول الحكم الدولي الصومالي، مشددة على أن أرتان «أحد أبرز الرموز الرياضية في الصومال، ومصدر فخر واعتزاز وطني لإسهاماته الكبيرة وإنجازاته التي ألهمت الشباب الصومالي».وقالت الوزارة إن الحكومة الفيدرالية بذلت جهوداً دبلوماسية مكثفة مع الجهات المعنية لتسهيل سفر أرتان، إلا أن تلك المساعي لم تفضِ إلى النتيجة المرجوة. وبالتالي، عاد الحكم إلى مقديشو وسيواصل أداء مهامه ومسؤولياته الوطنية والقارية بالمستوى نفسه من التفاني والمهنية العالية التي عُرف بها طوال مسيرته الرياضية. ووجّهت «الخارجية» الصومالية خالص شكرها وتقديرها لجميع الدول الشقيقة، والأفراد، والهيئات والمؤسسات الرياضية التي عبّرت عن تضامنها ودعمها خلال هذه الفترة. وشدد البيان على أن «الخارجية» ستواصل اتصالاتها مع الشركاء المعنيين للحصول على إيضاحات إضافية بشأن هذه المسألة، مؤكدةً التزامها الثابت بصون كرامة مواطنيها وحماية حقوقهم في الخارج.