هل بات الكاتب مجرد «مفبرك بيانات»؟

معارك محتدمة بين المؤلفين وشركات الذكاء الاصطناعي

الذكاء الاصطناعي يقلب المقاييس
الذكاء الاصطناعي يقلب المقاييس
TT

هل بات الكاتب مجرد «مفبرك بيانات»؟

الذكاء الاصطناعي يقلب المقاييس
الذكاء الاصطناعي يقلب المقاييس

كتب بعشرات الآلاف، باتت في متناول القراء، هي كلياً من إنتاج الذكاء الاصطناعي. عدد كبير آخر هجين، كتب بتعاون بشري وآلي، وما تبقى لا يزال بشرياً. مؤلفو الصنف الأخير يحاربون لإثبات أن مؤلفاتهم، هي من بنات أفكارهم وحدهم، ولا علاقة للآلة فيها، ويحاولون الدفاع عن حقوقهم وسط غابة من الفوضى العارمة، التي لم يشهد التاريخ لها مثيلاً، منذ عرفت الكتابة. وهو ما يثير في أميركا الكثير من الأخذ والرد، ويطرح أسئلة حول مستقبل الكاتب والكتابة بالشكل الذي نعرفه اليوم.

كتب الذكاء الاصطناعي مطروحة للقراء تحت أسماء مستعارة، وهي في الغالب رديئة. لكن القارئ قد لا يميز بين الغث والسمين، ثم إنه لا قانون يمنع أي أحد من أن يولّد كتاباً آلياً، ويكتب عليه الاسم الذي يختار وينشره. فعالم الكتب مليء بالأسماء المستعارة التي لم يوجد قانون يمنعها أو يجرّمها. والسرعة الهائلة التي يتم فيها توليد الكتب اصطناعياً، جعلت منصّات بيع الكتب في حالة ازدحام، والغلبة للعنوان الأكثر جذباً، والمؤلّف الأفضل ترويجاً. الأظرف أن ثمة كتباً كثيرة، تباع على أنها من صناعة آلية خالصة، ومع ذلك تجد رواجاً بين القراء، الذين لا يرون غضاضة في قراءتها. ولو سألت «غوغل» عن هذا الصنف من الكتب لاقترح عليك ما لا يحصى من العناوين المعروضة للبيع، وبمقدورك أن تكتشف أسماءها بكبسة زر.

غلاف كتاب من تأليف الذكاء الاصطاعي

كل 6 ساعات كتاب

الأسوأ هو استغلال كتب المؤلفين، والعمل على إعادة صياغة أفكارها بأسلوب مختلف، عبر الذكاء الاصطناعي، في عملية انتحال آلي، تصعّب على صاحب الكتاب ملاحقة اللصوص أو إثبات جريمتهم.

يباهي تيم بوشيه، الأميركي الذي لا نعرف إن كان يستحق صفة روائي أم لا، أنه ألف سبعة وتسعين كتاباً خلال تسعة أشهر، تحوي قصصاً كتبها متسلحاً بخياله (حسب قوله) وأدوات الذكاء الاصطناعي. وهي تجمع بين الخيال العلمي وعالم الديستوبيا. ويشرح في مقالة نشرها في «نيوزويك» تفاصيل تجربته الشخصية، قائلاً: «عادةً، ما يستغرق كل كتاب مني ما بين 6 إلى 8 ساعات تقريباً لإنشائه ونشره. في بعض الحالات، تمكنت من إنتاج مجلد كامل في ثلاث ساعات فقط، شاملةً كل شيء». كل ذلك يعيده بوشية إلى مهارته في الجمع بين التكنولوجيا وأفكاره الشخصية، التي يباهي بأنها جلبت له ربحاً بلغ آلاف الدولارات. هذا تحول كبير، كانت الاستعانة بالتأليف الآلي غايتها الربح، وتدريجياً قد يصبح الهدف تحقيق الشهرة والحصول على جوائز.

قراء يقبلون على الرداءة

هذه الكتب القصصية الصغيرة، شبه المتسلسلة ويجمعها عالم واحد، تمكن قراءتها منفصلة أو كأنها مترابطة، تغري القراء بالفعل. فقد اشترى كثيرون أكثر من اثني عشر عنواناً، وفي بعض الحالات ثمة من اشترى أكثر من ثلاثين عنواناً. وهو ما يصيب أي روائي مجتهد يكدّ ليكتب مقطعاً أو يرسم شخصية روائية، بكثير من الإحباط، حين يصبح جمهور القراء متقبلاً، لا بل ومقبلاً على كتب يفاخر صاحبها بأنه لم يفعل شيئاً تقريباً، وأنه يتفوق على الكتّاب الحقيقيين بقدرته على إدارة هذه الأداة الجديدة.

في خطوة أثارت الجدل في عالم النشر الأدبي الأميركي، تحدثت تقارير صحافية عن عرض تقدّمت به دار النشر الأميركية الكبرى «هاربر كولينز» لبعض مؤلفيها، يتضمّن السماح لإحدى شركات الذكاء الاصطناعي – مجهولة الاسم – باستخدام أعمالهم المنشورة لتغذية نماذجها اللغوية التوليدية، مقابل 2500 دولار لكل كتاب، على أن يستخدم لمدة ثلاث سنوات.

مؤلفون أمام الأمر الواقع

العرض، الذي أتى بالتنسيق مع شركة تكنولوجيا ناشئة، الغاية منه تدريب نماذج ذكاء اصطناعي قادرة على توليد محتوى بأنماط وأساليب متنوعة. وقد أكدت «هاربر كولينز» إبرامها بالفعل عقداً يسمح بالاستخدام «المحدود» لمحتوى بعض الكتب، مع تأكيدها أنّ الاتفاق «ينظم بشكل واضح استخدام هذه الأعمال مع احترام حقوق النشر». وهذه الجملة الأخيرة، بات لها على ما يبدو معنى غير الذي كنا نعرفه.

لكنّ مؤلفين كثر عبّروا عن رفضهم القاطع، وفي مقدّمتهم الكاتب الأميركي دانييل كيبلسميث الذي كتب عبر منصة «بلوسكاي»: «ربما أوافق فقط مقابل مليار دولار، وهو مبلغ يتيح لي التوقف عن العمل نهائياً، لأن هذا هو الهدف الحقيقي من وراء هذه التكنولوجيا». وهو ما يعبر عن الإحساس بالخطر الذي يشعر به كتّاب في مواجهة هذه الهجمة.

دار نشر «هاربر كولينز» ليست الأولى التي تقترح على كتّابها هذا النوع من الاتفاقات، فقد سبقتها دار «ويلي» المتخصصة بالكتب العلمية، حين أتاحت لشركة تكنولوجية استخدام محتوى أكاديمي ومهني من كتبها كنماذج تدريبية، مقابل 23 مليون دولار، بحسب ما كشف عنه.

غلاف كتاب آخر من تأليف الذكاء الاصطناعي

هل صار الكاتب «بائع بيانات»؟

وسواء حصلت الشركات التكنولوجية على موافقة الكتاب ودور النشر، أم لم تحصل، فإنها في النهاية ستجد السبيل ولن تعدم الحيلة للالتفاف على القوانين، للحصول على تلك الكميات الهائلة من النصوص لتدرب نماذج الذكاء الاصطناعي التي تعدّها، وهو ما يجعل الكتّاب أمام خيارين كلاهما مرّ: إما بيع الجهد الذي بذلوه بأبخس الأثمان، أو المكابرة والرفض، وترك هذه الشركات تنهش في نصوصهم من دون إذن أو مقابل.

لكن الحقيقة أيضاً أن الشركات التي تعمل على تطوير الذكاء الاصطناعي استنفدت أو تكاد كل النصوص المتاحة لاستخدامها مجاناً مع ضمان عدم الملاحقة، وباتت تجد نفسها مضطرة للجوء إلى مصادر جديدة مدفوعة الثمن. في هذه الحالة، هل تحوّل الكاتب إلى مجرّد «بائع بيانات»؟

ثمة من يعدّ قيام بعض الشركات بمحاولة إرضاء المؤلفين، تقدماً ملحوظاً يفسح المجال أمام أصحاب المؤلفات البشرية، من حيث الإفادة المادية، ولو كانت غير مجزية. وليست كل الكتب سواء، ولا هي بمستوى واحد، كي تعامل بعدّها مجرد كلمات صالحة للالتهام الآلي.

الصحافة مستهدفة أيضاً

الصحافة أيضاً مستهدفة، بعد أن نضبت النصوص أو تكاد، ويبدو أن نصوصها تستغل أيضاً مما دفع صحيفة «نيويورك تايمز» إلى رفع دعوى ضد شركتي «أوبن إيه آي» و«مايكروسوفت» بتهمة انتهاك حقوق النشر، بينما اتجهت مؤسسات إعلامية أخرى نحو توقيع اتفاقات ترخيص مع شركات التكنولوجيا، شبيهة بتلك التي تعرض على دور النشر، كي تستفيد من تخزين موادها بمقابل، بدل أن تسرق.

سواء حصلت الشركات التكنولوجية على موافقة الكاتب ودور النشر، أم لم تحصل، فإنها في النهاية لن تعدم الحيلة للالتفاف على القوانين

حيرة أصحاب المكتبات

والحيرة كبيرة، عند بعض أصحاب المكتبات الذين بدأت تصلهم كتب غير مصرح عليها بأنها مكتوبة بواسطة الذكاء الاصطناعي، وثمة من قرر ألا يقبلها حين يكتشف أمرها، ويعيدها من حيث أتت، لكن هؤلاء أنفسهم يتساءلون كم من الوقت بمقدورهم أن يقاوموا الموجة، فهذه التقنيات تزداد مهارة، ثم إذا تحول أحد هذه الكتب إلى «بست سيلر»، وجاء الطلب عليه جارفاً، هل بنقدورهم الاستمرار في رفض بيعه؟ وهل الرفض في هذه الحالة يبقى ممكناً؟

كتّاب أميركيون يرفعون الصوت بعد أن خذلتهم المحاكم

وجّه أكثر من 70 كاتباً أميركياً بارزاً، بينهم دينيس ليهان وغريغوري ماغواير ولورين غروف، رسالة مفتوحة نُشرت على منصة «ليت هب»، دعوا فيها دور النشر الكبرى إلى التوقف عن نشر أي كتاب من تأليف الذكاء الاصطناعي، لأن «الإبداع الإنساني لا يُستبدل». وطالب الكتاب في بيانهم، بمنع استخدام الذكاء الاصطناعي وتطبيق القوانين التي تمنع النشر دون إذن، أو تعويض، واستبدال الآلات بالبشر في دور النشر كما في تسجيل الكتب الصوتية. ووجهت الرسالة والمطالب إلى دور نشر كبيرة، بدل اللجوء إلى المحاكم، نظراً للخذلان من الأحكام التي تصدر غالباً لصالح الشركات التكنولوجية. وهو أمر يصيب الكتاب والفنانين بإحباط كبير، وبإحساس بالغبن في مواجهة قوة تزداد نفوذاً.

«أتلانتيك» تتساءل بمرارة

ومؤخراً نشرت «أتلانتيك» مقالة عنوانها «القضاة لا يعرفون ماذا تعني قرصنة الذكاء الاصطناعي للكتب؟» وذلك بعد صدور حكمين جديدين في قضيتين رفعتا ضد شركات الذكاء الاصطناعي، إحداهما على «أنثروبيك» والثانية على «ميتا». وعدّ القاضيان في حكمهما أن استخدام الشركات للكتب كان «عادلاً»، لأنه جاء بطريقة «تحويلية» أدت إلى منتج مختلف تماماً عن الأصل. وهو بذلك (أي المنتج الجديد) لا ينافس الكتب التي أخذ عنها، ولا يشكل أذى لها، وشبه القاضيان ذلك باستخدام الاستشهادات في الأبحاث. وهو ما حدا بمجلة «أتلانتيك» لأن تعدّ القضاة غير مدركين بعد لما هو الذكاء الاصطناعي، فكيف لهم أن يصدروا أحكاماً بخصوصه.


مقالات ذات صلة

وود: الحكم الإسلامي في مناطق الرومان كان فترة تطور ثقافي

ثقافة وفنون فيليب وود

وود: الحكم الإسلامي في مناطق الرومان كان فترة تطور ثقافي

قد يفاجأ من يلتقي بالباحث في الكتابات التاريخية، فيليب وود، بصغر سنه، خصوصاً إذا كان اطّلع على قائمة ما أنجزه من كتب، وأوراق بحثية، وقيادته لعدد من مشاريع البحث

لؤي عبد الإله
ثقافة وفنون جانب من لقاء ثقافي في الرياض

المرجعية الجغرافية والتاريخية للأدب الخليجي

يُعد الأدب أحد أهم العوامل الثقافية التي تحفظ ذاكرة المجتمعات وتوثق تحولات الإنسان في المكان والزمان

د. فهد توفيق الهندال
كتب كيف سقط «الأبد» في «اللحظة المواتية»؟

كيف سقط «الأبد» في «اللحظة المواتية»؟

في كل قراءة لخرائط المشرق العربي، تتبدى سوريا رقماً صعباً في معادلات التوازن والاستقرار؛ جغرافيتها الممتدة بين الداخل الآسيوي وشواطئ المتوسط، وهويتها الحاضنة...

ندى حطيط
كتب محاولة علمية لفكّ معضلة الفضاء السيبراني

محاولة علمية لفكّ معضلة الفضاء السيبراني

عن دار «أركاديا للنشر والتوزيع»، في تونس، صدر مؤخراً كتاب: «الزّمن الميدياتيكي... معضلة الفضاء السيبراني»، للباحث التونسي الدكتور عبد الله الزين الحيدري

ميرزا الخويلدي (الدمام)
كتب «دون أثر يُذكر»... امرأة غير مرئية

«دون أثر يُذكر»... امرأة غير مرئية

صدر حديثاً عن «دار المحرر» في القاهرة رواية «دون أثر يُذكر» للروائية والصحافية المصرية نسرين البخشونجي، التي صدر لها من قبل المجموعات القصصية: «بعد إجباري»...

«الشرق الأوسط» (القاهرة)

كيف سقط «الأبد» في «اللحظة المواتية»؟

كيف سقط «الأبد» في «اللحظة المواتية»؟
TT

كيف سقط «الأبد» في «اللحظة المواتية»؟

كيف سقط «الأبد» في «اللحظة المواتية»؟

في كل قراءة لخرائط المشرق العربي، تتبدى سوريا رقماً صعباً في معادلات التوازن والاستقرار؛ جغرافيتها الممتدة بين الداخل الآسيوي وشواطئ المتوسط، وهويتها الحاضنة لتنوع سكاني وثقافي معقد، جعلتا منها دائماً محوراً فاعلاً ومنفعلاً بالتحولات. فالجغرافيا تمنح هذا المشرق موقعه الاستراتيجي كعقدة مواصلات وممر دولي للتجارة ولخطوط الطاقة، والتاريخ يُضفي عليه وزنه الحضاري المتراكم عبر ألوف السنين من تقاطع الممالك والإمبراطوريات، بينما تسعى السياسة باستمرار إلى توظيف هذين العنصرين في صراعات النفوذ والقوة. وبسبب هذا التقاطع الفريد، عاشت البلاد في قلب الاضطرابات والتوترات، إذ يعكس استقرارها هدوءاً إقليمياً شاملاً، ويمتد اضطرابها ليتجاوز حدودها بمسافات بعيدة.

طوال تاريخ ممتد لـ54 عاماً، اختُزلت جغرافية البلاد وتاريخها وسياساتها في حدود أسرة الأسد، وفرض عليها «القائد الخالد» ووريثه كيقين ثابت مستمر «إلى الأبد».

إلى أن كانت لحظة سقوط «الأبد» السوري ذات ديسمبر (2024)، التي يكتب عنها الصحافي اللبناني منير الربيع شهادة جيل كامل تربى على يقين «أن ما يأتي من دمشق قدر لا مفر منه في بيروت». «خفايا سقوط الأسد ورؤية أحمد الشرع» الصادر حديثاً (عن دار رياض الريس للنشر) وثيقة سياسية وسردية مهمة تمزج بين الرصد التوثيقي والتحليل البنيوي، لتخرج من عباءة التقرير إلى فضاء التأمل في ماهية الطغيان وسقوطه، ثم في إمكانية ولادة دولة جديدة على أنقاض خمسة عقود من القمع والفساد.

ليس منير الربيع مراقباً بعيداً. مساره الصحافي، وإقامته في بلد عانى طويلاً من الوصاية السورية، وعلاقاته المتشعبة مع مختلف الأطياف السورية، كلها منحته مقعداً في الصف الأول لرصد الزلزال الجيوسياسي الذي ضرب المشرق العربي عام 2024 في نص يتوزع على محورين متكاملين: تشريح بنيوي لانهيار نظام آل الأسد، ورصد لرؤية أحمد الشرع في بناء سوريا الجديدة وإعادة تموضعها في قلب التحولات الإقليمية والدولية.

خواء النظام السابق

يقدم الربيع قراءة مفادها أن السقوط السريع للنظام السابق في 11 يوماً كان ثمرة اهتراء طويل وتآكل أصاب مفاصل «دولة المخابرات» من الداخل. الجيش العربي السوري بغياب مظلة الحلفاء - الروس بطائراتهم، الإيرانيون ومستشاروهم، «حزب الله»، وألوية «فاطميون» و«زينبيون» - انتهوا كمنظومة هرِمة متصدعة، «أذلت الجندي في معيشته» فتلاشت الرغبة في الموت من أجل نظام غير قادر على أن يكافئ جنوده إلا بالتجاهل والإهمال. السقوط إذاً لم يكن فشلاً عسكرياً تقليدياً بقدر ما كان خواءً وجودياً لمنظومة بنيت أركانها على القمع والولاء، لا على الكفاءة والمهنية. النظام، في وصف الربيع، أشبه بـ«احتلال داخلي» دمّر البلاد وجعلها «ديار قتل وخراب»، ونظريته أن بقاء النظام بعد 2015 لم يكن دليلاً على عافيته، بل على حجم اعتماده على الخارج للبقاء، وهكذا عندما بدأت تلك المظلة تتآكل، انهار كل شيء كما أحجار الدومينو.

يرسم محور الكتاب الأول صورة شاملة - بالقدر الذي تسمح به راهنية الحدث - للمشهد السوري عشية السقوط. : «كيف يمكن لسلطة بدت أبدية أن تختفي بين عشية وضحاها؟» بلهجة حاسمة: إنه الخواء الذي كان ممتداً تحت القشرة طوال الوقت، وأن قناعة السوريين بأن «الظلم أبدي والموت أبدي» كانت الوهم الأخير الذي تحطم مع أول خيوط فجر الثامن من ديسمبر.

تحولات الإقليم

يرصد الربيع خروج «حزب الله» كلاعب أساسي من الأراضي السورية قبل انطلاق ما سُمي بعملية «ردع العدوان». الضربات الإسرائيلية المكثفة طالت كبار قادة الحرس الثوري الإيراني والحزب، تحديداً «فرقة الرضوان»، ثم كانت تفجيرات أجهزة الاتصال واغتيال الأمين العام حسن نصر الله، وكلها أحدثت تخلخلاً في البنية القيادية للمحور الداعم للنظام. هذا الإنهاك أجبر «حزب الله» على بدء إعادة انتشار تدريجي، انتهى بانسحاب شبه كامل من سوريا، تاركاً حلب ومحيطها في حالة فراغ شامل قبيل انطلاق العملية. توازى ذلك مع ضغوط أميركية وإسرائيلية برية وجوية صارمة، قيدت قدرة طهران على إيصال التعزيزات العسكرية والإمدادات.

عن الجانب الروسي، يلتقط الربيع نفساً براغماتياً بامتياز. انشغال موسكو بحربها المفتوحة في أوكرانيا قلص غطاء النظام الجوي والبري إلى حدوده الدنيا. لكن الأهم أن اتصالات خلفية جرت بوساطة تركية بين فريق أحمد الشرع والروس، قُدم فيها عرض واضح: تحييد القوات الروسية وقواعدها (لا سيما حميميم) والحفاظ على عقودها الاستثمارية الاقتصادية، مقابل تجنب التصادم الميداني. هذا العرض قُبل من جانب موسكو، وتُرجم فعلياً بتوقف الطيران الروسي عن استهداف قوات المعارضة في الثالث من ديسمبر.

«ردع العدوان»... انتظار اللحظة المناسبة

في مقابل اهتراء النظام، يضيء الكتاب صعود قوات شابة ذات هدف واضح وإعداد دؤوب استمر سنوات. «ردع العدوان» كانت ثمرة ثلاث سنوات من إعادة التنظيم، وتصحيح الأخطاء، وانتظار اللحظة المواتية. الشرع كان يردد في دائرته المقربة عبارة اختصرت فلسفته: «المعركة دوماً استعداد وفرصة». أي أن الاستعداد يمكن التحكم به، أما الفرصة المواتية فهي لحظة نادرة لا تتكرر، وعلى المرء أن يترصد متى وكيف يلتقطها. وفي الحروب، أحياناً لا ينتصر الأسرع، بل الأقدر على الانتظار.

يكشف الربيع النقاب عن عمل استخباراتي دؤوب سبق الهجوم العسكري بأشهر طويلة. فريق تقني داخل «هيئة تحرير الشام» صمم تطبيقاً إلكترونياً بدا للوهلة الأولى خيرياً، يزعم أنه تابع لإحدى المؤسسات المرتبطة بأسماء الأسد، ويهدف إلى تقديم مساعدات مالية وغذائية لعائلات الضباط والعناصر «تقديراً لتضحياتهم»، في بلد تراجعت فيه الرواتب إلى حدود لا تكفي لشراء الخبز، كان عرض 25 دولاراً إضافياً ومعونات غذائية وطبية مغرياً. كل ما كان مطلوباً تحميل التطبيق وتسجيل الاسم الكامل والرتبة العسكرية ومكان الخدمة. هكذا جُمعت قاعدة بيانات دقيقة كشفت أماكن توزع الوحدات العسكرية وعديدها وعتادها وسلاسل الأوامر.

لكن الذروة في هذا العمل الاستخباراتي كانت الاتصالات الليلية المباشرة. عنصر في غرفة عمليات السابع من نيسان أو ضابط في الفرقة الرابعة يتلقى اتصالاً من رقم دولي، يظهر على الشاشة بمقدمة أميركية. صوت المتصل هادئ ومباشر: يبلغه أن غرفة العمليات التابع لها، أو التي يقع موقعه قربها ستستهدف خلال دقائق، وعليه إخلاء المكان فوراً. لا يمنحه وقتاً طويلاً للتفكير، ينهي المكالمة، وبعد دقائق يهز انفجار محيط الموقع. هنا يبدأ العامل النفسي: يقتنع الضابط أن ما يجري ليس مجرد هجوم بري تقليدي، بل عملية عسكرية واسعة ربما بغطاء دولي. الرسالة بنيت على معرفة دقيقة، وهذا ما جعلها قابلة للتصديق. خلال دقائق تفرغ الغرفة أو يتقلص عدد الموجودين فيها إلى الحد الأدنى، عندها تفقد القوة تماسكها، وتتقدم قوات «ردع العدوان». وهكذا لم يكن السلاح الحقيقي القذائف وحدها، وإنما المعلومات التي أحسن استخدامها فكانت أقوى وأكثر تأثيراً من الأسلحة النارية.

يرسم المؤلف ملامح القيادة السورية الجديدة من خلال رحلاته المتكررة إلى دمشق ولقاءاته المطولة مع الرئيس أحمد الشرع

من آيديولوجيا الخنادق إلى براغماتية الدولة

ينتقل الربيع إلى رسم ملامح القيادة السورية الجديدة من خلال رحلاته المتكررة إلى دمشق ولقاءاته المطولة مع الرئيس أحمد الشرع داخل القصر الجمهوري.

لكن التحدي الأكبر لرؤية طموحة كهذه يبقى داخلياً: كيف تطمئن الأكثرية السنية دون إثارة قلق الأقليات؟ الربيع يرى أن الشرع أدرك في دمشق أن نموذج إدلب لا يمكن نسخه استنساخاً على سوريا كلها. العاصمة بتنوعها الديني والطائفي والاجتماعي والثقافي تشكل صورة مكثفة لتعقيدات البلاد. معادلة الأكثرية والأقليات اهتزت بعنف مع أحداث الساحل والسويداء، ما وضع الشرع أمام امتحان أخلاقي وتاريخي. كان جوابه أن «الدولة تنظم الاختلاف وتمنع إدارة التوحش»، حيث عقلية الدولة تعني الاعتراف بالتعقيد لا تبسيطه، والفصل بين حق الضحايا في العدالة وبين خطر تحويل العدالة إلى انتقام جماعي. وعنده أن بناء الدولة لا يقوم على الانتصار العسكري وحده، بل على صوغ جديد للعلاقة بين السلطة والمجتمع، تقوم على المؤسسات والقانون والمساءلة، لا على عاطفة اللحظة أو منطق الثأر.

العلاقة مع لبنان

يفرد الربيع فصلاً كاملاً تحت عنوان «الخروج من إرث العلاقات اللبنانية - السورية» يحمل نبرة شخصية عميقة. كصحافي لبناني عاش طويلاً تحت وطأة وصاية دمشق على بلده، يكتب بدهشة عن تحول الخطاب في دمشق الجديدة. فالشرع يعلن تطلع سوريا إلى علاقة ندية طبيعية بين دولتين جارتين، تقوم على المصالح المتبادلة واحترام السيادة الكاملة، مع رفضه أن تستخدم الجماعات والأحزاب اللبنانية سوريا للاستقواء بها في صراعاتها الداخلية.

في هذا المشترك، يجد البلدان مصلحة وجودية في التعاون، لا في الصراع. ويخلص الربيع إلى أن القضايا العالقة بين بيروت ودمشق لم تعد شأناً ثنائياً فحسب، بل عقدة تتقاطع فيها اعتبارات الأمن والسياسة والتوازنات الإقليمية. لبنان الذي كان مُلهمَ المعارضات العربية وملجأَ المعارضين السوريين لعقود، يمكن أن يتحول اليوم إلى منصة فعلية في عملية إعادة إعمار سوريا، وأن يبني معها شراكات استراتيجية في الاقتصاد والتجارة والخدمات. والعبرة أن تجربة لبنان، بما فيها من أزمات وصدامات طائفية، تحمل دروساً يمكن لسوريا أن تستفيد منها: احترام التعددية، والسعي إلى حياة سياسية ديمقراطية، وترسيخ منطق التسوية بين الجماعات بدلاً من منطق الغلبة وفق معادلة «لا غالب ولا مغلوب».


محاولة علمية لفكّ معضلة الفضاء السيبراني

محاولة علمية لفكّ معضلة الفضاء السيبراني
TT

محاولة علمية لفكّ معضلة الفضاء السيبراني

محاولة علمية لفكّ معضلة الفضاء السيبراني

عن دار «أركاديا للنشر والتوزيع»، في تونس، صدر مؤخراً كتاب: «الزّمن الميدياتيكي... معضلة الفضاء السيبراني»، للباحث التونسي الدكتور عبد الله الزين الحيدري، ويقع في 226 صفحة. ويمثّل الكتاب رحلة فلسفية وعلمية تبحث في كيفية تحول الفضاء الرقمي من مجرد وسيلة اتصال إلى بيئة فيزيائية موازية، لها زمنها الخاص، وجاذبيتها، وقوانينها التي تعيد تشكيل الوعي الإنساني. كما ينطلق الكتاب من أطروحة مركزية مفادها بأن «الزمن» لم يعد مجرد وعاء للأحداث، بل أصبح متغيراً فيزيائياً واتصالياً يتشكل عبر الشاشات والخوارزميات.

يتكون الكتاب من ثلاثة فصول رئيسية، تتناول التحولات العميقة لمفهوم الزمن وتأثيرات الفضاء الرقمي على الوعي الإنساني؛ حيث يتناول الفصل الأول، بحثين، الأول بعنوان: «موضوع الزمن في بحوث الإعلام والاتصال»، حيث يفكك مشكلة الزمن في أدبيات الاتصال، ومعضلة «الزمن الحاضر»، وموضوع «الزّمن في بحوث الإعلام».

أما البحث الثاني في هذا الفصل، فيحمل عنوان: «من الزّمن الأدبي إلى الزّمن الميدياتيكي»، وفيه يتتبع تطور مفهوم الزمن وانتقاله من الزمن الشعري إلى الزمن الميدياتيكي ثمّ الزمن السيبراني اللحظي.

بينما يركز الفصل الثاني على: «الزمن اللولبي والاستقطاب السيبراني»، ويسلط الضوء على الظواهر السلوكية والسياسية الناتجة عن إدمان الإنترنت، وزمن «القبيلة السيبرانية»، وزمن «الذباب الإلكتروني»، وظاهرة «ما بعد الحقيقة»، بالإضافة إلى دراسة المكونات الأنطولوجية للشبكات الرقمية الفاعلة.

الفصل الثالث، يحمل بحثين هما: «الوعي المنغمس والثقوب السوداء الرّقميّة»، ويتناول موضوعات مثل: الوعي المنغمس، والثقوب السّوداء الرّقميّة، والزّمن المشوّه. أما البحث الثاني فيحمل عنوان: «الزّمن الغائر: نحو بناء فيزياء رقميّة»، ويقدّم هذا الفصل مقاربة مبتكرة تسعى لبناء «فيزياء رقمية» لتفسير الفضاء السيبراني؛ عبر إسقاط مفاهيم فيزيائية كونية كـ«الزمن الغائر»، و«القوّة والجاذبيّة: أنطولوجيا الفضاء السيبراني»، و«القوّة الخامسة»، و«شياطين الأنتروبيا السيبرانية» على آليات عمل الشبكة واستهلاكها لوعي المستخدم ووقتِه.

ما الذي يصنع الزّمن؟

في مقدمة الكتاب، يتساءل المؤلف: ما الذي يصنع الزّمن حين لا تعود الساعة وحدها ما يقيسه؟ وفي إجابته يلاحظ أن هذا الكتاب «ليس كتاباً عن الزّمن، وإنْ لاح الزّمن العنصر الأبرز في عبورنا من فصل إلى فصل، ولا هو كتاب عن الميديا، على الرّغم مما قد يوحي به عنوان الكتاب». ويوضح أن محور البحث في هذا الكتاب هو «الزّمن الميدياتيكي».

وفي مكان آخر يقول المؤلف: «إذا كان سؤال (الوجود) قد ارتبط في تاريخه الفلسفي الطويل بمقولات الحضور والثبات والتعيّن في المكان، فإنّ هذا السّؤال يواجه اليوم شروطاً مغايرة لإثارته، ذلك لأنّ (الوجود) لم يعد يُختبر فيما هو قائم ومتحقّق، إنّما فيما هو جارٍ، متدفّق ويتكوّن باستمرار داخل مجرّات ميدياتيكيّة تُعيد تنظيم العلاقة بين الزّمن والتجربة والمعنى. والميديا كما ورَد توصيفها في عَملنا، ليست مجرّد منظومة تقنيّة من الوسائط، بقدر ما نراها بُنى زمنيّة - إدراكيّة تدير إيقاع الظهور والاختفاء، والحضور والغياب، والقرب والبعد».

ويقول: «لقد سَلَكنا هذا المسار لنبيّن أنّ الزّمن الذي نعالجه، ليس زمناً فيزيائيّاً ولا سيكولوجيّاً فحسب، إنّه، في المقام الأوّل، زمن سيبرني تتشكّل أليافه داخل شروط ميدياتيكيّة تصنع طرائق الوجود. إنّه باختصار شديد صيغة وجود».

ويضيف: «يصبح تفكير الفضاء السيبراني ممكناً في اتجاه الكفّ عن اعتباره تمدّداً تكنولوجيّاً فاحشاً؛ لأنّ جوهر التقنية في بنيته العميقة، كما يصرّح بذلك هايدجير، ليس تقنيّاً. من هنا، تنكشف حقيقة جديدة لحقل فيزيائي - سيبرني، يستدعي مفهوميّة مغايرة، ويؤسّس لإمكانية فيزياء لا تكتفي بوصف المادّة، بل تُصغي إلى ما يَصنع الوعي حين يَسقط في مدار الجذب الرّقمي».

ويكمل قائلاً: «لا يعني أنّنا سنتجاوز القوانين الفيزيائيّة، أو أنْ نُجبر الفيزياء على الانسجام مع طبيعة الفضاء السيبراني. إنّ همّ هذا الكتاب، على العكس من ذلك، يتمثّلّ في استخدام لغة الفيزياء لفكّ معضلة الفضاء السيبراني. ومن ثمّ، يُصبح ممكناً التفكير في بناء فيزياء رقميّة تكون جسراً مفاهيميّاً وعلميّاً يُدمج المبادئ الفيزيائيّة مع عالم التكنولوجيا والمعلومات ككيان أصبح جزءاً لا يتجزّأ من تجربتنا اليوميّة ومعرفتنا. غير أنّ هذا المشروع لا يمكن أن يتحقّق إلا من بوّابة الفلسفة».

والمؤلف، د. عبد الله الزين الحيدري، هو باحث تونسي في علوم الإعلام والاتصال، يعمل في قسم الإعلام بكلية الآداب والعلوم، بجامعة قطر. وله عدد من الدراسات المنشورة، بينها: «الإعلام الجديد النظام والفوضى»، و«مصفوفة المفاهيم والمصطلحات في مقدّمة ابن خلدون»، و«الصورة والتلفزيون، بناء المعنى وصناعة المضمون»، و«الزّمن: مقاربات وشهادات» (تأليف جماعي)، وغيرها.


«دون أثر يُذكر»... امرأة غير مرئية

«دون أثر يُذكر»... امرأة غير مرئية
TT

«دون أثر يُذكر»... امرأة غير مرئية

«دون أثر يُذكر»... امرأة غير مرئية

صدر حديثاً عن «دار المحرر» في القاهرة رواية «دون أثر يُذكر» للروائية والصحافية المصرية نسرين البخشونجي، التي صدر لها من قبل المجموعات القصصية: «بعد إجباري» و«تفاصيل» و«باليرينا»، وروايات: «غرف حنين» و«اتجاه عكسي» و«عطرشاه».

تدور الرواية حول «ليلى»، الشخصية المركزية التي تعاني اغتراباً وجودياً، وأزمات نفسية، وتشعر أنها غير مرئية من كل المحيطين بها، سواء في أسرتها أو حياتها أو مسارها المهني الذي لم يتحقق كما كانت تطمح، وقد تذوقت مرارات الفقد أكثر من مرة، بدءاً من طفولتها حين فقدت والدتها، مروراً بفقد حبيبها الأول في أثناء دراستها الجامعية، وصولاً إلى فقد ذاتها، وتحول حياتها إلى متاهة، لا استقرار فيها ولا ثوابت، وتعيش بإحساس مُمضّ أنها تمضي في الحياة دون أثر يُذكر.

ورغم زواجها من رجل يحبها، وسفرها إلى مدينة أوروبية، فإن إحساس التيه انتقل معها إلى أسرتها الجديدة ومكانها المغاير، فأساس أزمتها يكمن في مدينتها الساحلية الهادئة، التي عاشت فيها مرحلة طفولتها ومراهقتها، فاضطرت بعد سنوات في أوروبا للعودة إلى مكانها الأول بحثاً عن مصالحة ذلك العالم القديم، ومصالحة ذاتها بشكل أكبر، وبحثاً عن غفران للماضي؛ أن تغفر لمن خذلوها، وأن تغفر لنفسها أيضاً ما ارتكبته من أخطاء.

الرواية قصيرة، أقرب إلى نوفيلا، وتتكون من ثلاثة فصول رئيسة، كل منها يتكون من عدة وحدات سردية. يأتي السرد في الفصل الأول باستخدام ضمير الراوي العليم، الذي يحكي عن «ليلى» من الخارج، ومن زمن وجودها في أوروبا، ثم قرارها المفاجئ العودة إلى الماضي. ويستعيد الراوي عبر كثير من الاسترجاعات ماضي الشخصية وما ينطوي عليه من توترات. في الفصل الثاني يتحول السرد إلى ضمير الأنا، وتتولى «ليلى» عبر التداعي الحر حكي تاريخها ومشاعرها ووعيها وأزماتها. وينفتح الفصل الثالث على تعدد الرواة، وتأتي كل وحدة سردية منه بصوت من مروا في حياة البطلة: الأب، والجدة، والصديقة، والزوج، وغيرهم. ويكشف كل منهم عن ضعفه وأزماته، لتبدو في الأخير كل الشخصيات مأزومة وتائهة، فكل منهم كانت تحركه مخاوفه وهواجسه الخاصة، خصوصاً الخوف من ألا يكون كل منهم مرئياً.

من أجواء الرواية نقرأ:

«آدم، رافقني في كل مراحل المتاهة، دون أن أستدعيه، هو يعرف تماماً متى يجب أن يكون إلى جواري، وكأني متأصلة داخله مثل علامة ولادة خفية لا يراها أحد سواي. ورغم ذلك، أنا الذي خذلته. أول مرة حين تصورت أن الطموح أهم، وأن الحب لا يطعم القلب، ولا يعترف بالمستقبل، ولا يبني حياة. وثانية حين قررت أن أختبئ في حضنه، عندما أدركت فداحة ما فعلته. كان حينها عقلي مشوشاً، وروحي محبوسة في جسد لم يعد نقياً. لكنه، وللعجب، لم يعطني ظهره، بل استقبلني فاتحاً ذراعَيه. لم يتجنبني، لم يحاكمني، لم يسألني لماذا غبت، لماذا عدت وبداخلي جثة امرأة كنتها. هادئ، وديع، طيب، يحب بصمت، يغفر بغير مقابل...».