كنوز مخفية في باريس

متاحف لم يسمع بها حتى الكثير من أهل مدينة النور

كنوز مخفية في باريس
TT

كنوز مخفية في باريس

كنوز مخفية في باريس

باريس مدينة المتاحف، حيث يوجد فيها ما يقرب من 150 متحفاً حسب إحصاءٍ غير رسمي. إلى جانب المتاحف الكبرى المملوكة للدولة - مثل متحف اللوفر ومتحف أورسيه وفرساي (إذا ما اعتبرنا القصر متحفاً) - هناك متاحف مجانية تابعة للمدينة (من بينها متحف القصر الصغير ومتحف كارنافاليه)، ومتاحف مخصصة لفنان واحد (أوغست رودان، وبابلو بيكاسو)، وكاتب واحد (أونوريه دي بالزاك، وجورج ساند)، وموضوع واحد (العطور، وأوراق اللعب)، وحتى نشاط واحد (التزوير، والتدخين). لكن بعض المجموعات الأكثر إثارة للاهتمام قد تكون تلك التي لم تسمع بها من قبل، والمخبأة في أماكن سرية. إليك ثلاثة متاحف لم يسمع بها حتى الكثير من أهل باريس.

يوجد في باريس ما يقرب من 150 متحفاً (نيويورك تايمز)

قاعة الاستشارة للمطبوعات والرسومات في متحف اللوفر

في أقصى نهاية متحف اللوفر المترامي الأطراف، يوجد جناح صغير حميمي لا يزوره الكثيرون: غرفة الاستشارة التابعة لقسم الفنون التصويرية، التي يحرس مدخلها أسدان حجريان، وتطل على حديقة كاروسيل المجاورة لحديقة التويلري. هناك يمكنك مشاهدة أعمال بعض أشهر الفنانين في العالم عن قرب، خارج إطاراتها، للمدة التي تريدها. لا يُعلن متحف اللوفر عن كيفية زيارة غرفة الاستشارة. يضم القسم ما يقرب من ربع مليون رسم، ورسومات بالباستيل، ومنمنمات، ومطبوعات، ولوحات محفورة، وكتب نادرة، وتوقيعات، ونقوش خشبية، وأحجار حجرية، ومخطوطات، معظمها لم ير النور قط.

تتطلب زيارة هذه القاعة المثابرة. يجب عليك تقديم طلب باللغة الفرنسية، من خلال موقع متحف اللوفر على الإنترنت، للحصول على موعد مع ذكر اسم ورقم ما يصل إلى 10 حافظات من الكتالوج الإلكتروني للمتحف. ثم تنتظر قبولاً كتابياً، يُرسل عادة في غضون أيام قليلة. يمكنك إحضار دفتر ملاحظات أو كمبيوتر محمول أو كاميرا أو هاتف محمول، ولكن يجب تخزين المتعلقات الأخرى في خزانة. سيتم تزويدك بقلم رصاص من دون ممحاة. إذا كنت ترغب في فحص ألبومات نادرة أو منمنمات على الخشب، فسوف يزودونك بقفازات مطاطية. تبدو غرفة الاستشارة أشبه بمكتبة فخمة أكثر من كونها معرضاً. تروي أربعة نقوش بارزة مقوسة ومنحوتة في الجدران، قصة انتصار فلورا، إلهة الزهور والحدائق والخصوبة في العصر الروماني القديم. كذلك تحتفي لوحة بيضاوية على السقف من تصميم ألكسندر كابانيل بمهرجان فلورا الانتصاري في الربيع. يتدفق الضوء من خلال نوافذ زجاجية ملونة بارتفاع 10 أقدام تطل على نهر السين. تجلس على طاولة مغطاة بالجلد مضاءة بمصباح بغطاء زجاجي أخضر. يخرج أحد الموظفين أحد الصناديق السوداء التي يتم حفظها في خزائن مغلقة تصطف على جوانب الغرفة، ويفتحها ليكشف عن رسومات غير مؤطرة مغطاة بورق مقوى ثقيل، ويُخرج لك الرسم الذي اخترته، ويضعه على حامل على الطاولة. ذات يوم، طلبت رؤية بعض أعمال أوجين ديلاكروا. اخترت 10 رسومات وأعمال تخطيطية بالألوان المائية والقلم والحبر، وعُرضت عليّ عدة أعمال، بما في ذلك لوحة ديلاكروا «فناء في طنجة»، التي تظهر سلماً وخيمة. وعرضت لوحة أخرى ست نساء ذوات عضلات مفتولة؛ وكانت تظهر على الورقة بعض البقع البنية والصفراء التي تسببت فيها جراثيم العفن منذ زمن بعيد.

قاعة الاستشارة للمطبوعات والرسومات في متحف اللوفر (نيويورك تايمز)

شاهدتُ، خلال زيارة أخرى، مجلداً جلدياً يحتوي على نقوش ألبريشت دورر عن آلام وموت المسيح. كان الكتاب موضوعاً على قطعة لباد حمراء، ووسادة بيضاء تدعم ظهره. همس لي أحد مسؤولي متحف اللوفر قائلاً: «ليس عليك أن تكون مؤرخاً فنياً أو أستاذاً لتأتي إلى هنا. ما عليك سوى أن تكون عاشقاً جاداً للفن. إننا نرحب بالجميع من جميع أنحاء العالم!».

متحف دينيري

في 59 شارع فوش، الذي يُعدّ أحد أعرق شوارع باريس التاريخية، يقع قصر نيوكلاسيكي من القرن التاسع عشر، بقي على حاله إلى حد كبير لمدة 150 عاماً. تُصدر أرضيات الباركيه المجرية أزيزاً واضحاً؛ ويجب فتح النوافذ الهشة بحذر؛ ونادراً ما يتم تشغيل التدفئة خلال فصل الشتاء. القصر مكتظ بأكثر من 8000 قطعة صينية ويابانية من مجموعة كليمانس دينيري، وهي جامعة شديدة التوق للفنون الآسيوية. يُدار متحف دينيري بواسطة متحف غيميه المملوك للدولة منذ عام 1908، وقد أعيد فتحه بصورة متقطعة منذ عام 2011 لمجموعات صغيرة لبضع ساعات في الأسبوع. ولأجل الزيارة، لا بد من التسجيل عبر الإنترنت.

متحف دينيري القصر مكتظ بأكثر من 8000 قطعة صينية ويابانية (نيويورك تايمز)

ولدت دينيري عام 1823 في عائلة ثرية، وكانت تتمتع بروح حرة. أثناء انفصالها القانوني عن زوجها الأول، أصبحت عقيلة أدولف فيليب دينيري، وهو كاتب مسرحي وروائي، ثم تزوجته في النهاية. لم تطأ قدمي كليمانس دينيري أرض آسيا على الإطلاق. بدلاً من ذلك، حصلت على مقتنياتها من خلال عشرات التجار في فرنسا. مع اتساع مجموعتها، استخدمت أموالها الخاصة في بناء القصر بالقرب من غابة بولون. وأصبح القصر صالوناً مهماً في باريس، حيث كان الممثلون والكتاب والسياسيون والفنانون يأتون بعربات تجرها الخيول للقاء بها ومشاهدة مجموعتها. قالت المؤرخة الفنية والمرشدة فيرونيك كرومبي: «كانت تجمع كل ما تريده، كل ما يعجبها. لم تتظاهر قط بأنها خبيرة». لم تُنجب دينيري أطفالاً، فأوصت بمنزلها ومجموعتها الفنية لصالح الدولة الفرنسية لتكون متحفاً عاماً، شريطة أن تبقى كل القطع كما هي. ولم تبقَ لها أي صورة.

قطع آسيوية في متحف دينيري (نيويورك تايمز)

بفضل ترميم جزئي جرى قبل بضع سنوات، تتألق «خزانة التحف» الفخمة في الطابق الثاني كما كان الحال في أيام «لا بيل إيبوك». تضم ثلاث صالات عرض، ذات أسقف مرتفعة وأعمدة رخامية وثريات كريستالية، خزائن مليئة بمختلف القطع: صناديق مطلية بالورنيش، وخزف مطلي بالمينا، وأحجار كريمة منحوتة، ومخلوقات صينية خيالية تُعرف باسم «كيميرا»، وأقنعة مستوحاة من مسرح «نوه» (وهو شكل من أشكال الرقص الدرامي الياباني التقليدي). يحتوي أحد المعارض على ما يُعتقد أنه أكبر عرض عام في العالم لفن النتسوكي الياباني: نحو 2500 ثقل زخرفي مصغر منحوت من مواد مثل العاج والخشب والبورسلين، يُعلق تقليدياً على أحزمة الكيمونو. تقول يانيك لينتز، مديرة متحف غيميه، للصحافيين خلال زيارة: «سوف يتكلف ترميم المبنى 15 مليون يورو، وهو مبلغ لا نملكه بالطبع». وهي تعمل بنشاط على جمع التبرعات، وتقول إنها تحلم بمتحف مرمم مع مقهى خاص به.

متحف المعادن التابع لمدرسة باريس للمناجم

متحف في كلية هندسة: منذ عام 1794، صارت مجموعة المعادن جزءاً من جامعة الهندسة والتعدين النخبوية، مناجم باريس، أو (مدرسة باريس للمناجم) بالقرب من حديقة لوكسمبورغ. لم تتغير واجهات العرض المصنوعة من خشب البلوط المجري في صالتها الكبرى منذ منتصف القرن التاسع عشر. يعرض المتحف أكثر من 1200 نوع من المعادن، ما يجعله رابع أكبر مجموعة من نوعها على العالم. تملأ الصخور والنيازك والخامات والأحجار الكريمة بألوان قوس قزح مختلف الغرف. تقول المديرة إيلويس غايو: «حتى متحف سميثسونيان لا يعرض عدداً من أنواع المعادن يضاهي ما نعرضه». لأكثر من قرنين من الزمان، جاب المتحف العالم بحثاً عن الكنوز. تم شراؤها وتبادلها والتبرع بها، على الرغم من أن بعضها تمت مصادرته من مجموعات العائلات المالكة والنبلاء ورجال الدين خلال الثورة الفرنسية. يضم المتحف الآن أكثر من 100 ألف قطعة؛ 5000 قطعة منها فقط معروضة؛ والباقي مكدس في الخزائن والأدراج.

تملأ الصخور والنيازك والخامات والأحجار الكريمة بألوان قوس قزح مختلف غرف متحف المعادن (نيويورك تايمز)

تقول السيدة غايو: «متحفنا معروف أكثر لدى هواة جمع المعادن والجيولوجيين والمتخصصين في المعادن من جميع أنحاء العالم أكثر من السياح». وبالنسبة لها، فإن الموناليزا في المجموعة هي ريوليت بركاني من المكسيك به عقيدات زرقاء وحمراء وخضراء من حجر الأوبال الثمين. بالنسبة للفرنسيين، فقد يكون النجم الأكثر بروزاً هو بلورة الكوبريت القادوسية الكبيرة المغطاة بالمالاكيت من منجم تشيسي-لي-مين في مقاطعة رون. ومن القطع النادرة الأخرى ماسة ثمانية الأضلاع كبيرة مرصعة في صخرة بركانية من جنوب أفريقيا. هناك أيضاً عينات من المريخ والقمر، ومعادن فلورية تتوهج تحت ضوء الأشعة فوق البنفسجية، وأحجار أوبال براقة باللون الوردي والأخضر والأحمر والأزرق والأرجواني. يُعرض ستون نيزكاً، بما في ذلك الكوندريت أليندي الشهير، الذي يحتوي على بعض أقدم الجزيئات في النظام الشمسي؛ وشظية وزنها 500 رطل من نيزك كانيون ديابلو الذي سقط قبل نحو 50 ألف عام فيما يُعرف الآن بولاية أريزونا.

جواهر التاج الفرنسي في متحف المعادن (نيويورك تايمز)

وسوف يكتشف عشاق المجوهرات مجموعة مختارة من نحو 1200 حجر كريم مقطوع (200 منها معروضة)، بما في ذلك بعض الأحجار التي كانت في يوم من الأيام جزءاً من جواهر التاج الفرنسي: أحجار توباز وردية غير مثبتة تُعرف باسم «الياقوت البرازيلي»، وأحجار جمشت لمجوهرات الإمبراطورة ماري لويز، فضلاً عن 45 زمردة صغيرة زينت تاج تتويج الإمبراطور نابليون الثالث. يقول أحد كتيبات المتحف: «يروي المتحف قصصاً عن الاستكشافات العظيمة والاكتشافات والاختراعات والصراعات. دع نفسك تنغمس فيما تحكيه تلك الأحجار».

* خدمة «نيويورك تايمز»


مقالات ذات صلة

في متحف الذهب الأسود بالرياض... التصميم في خدمة الفن

خاص التصميم الداخلي لمتحف الذهب الأسود «كابسارك» (هيئة المتاحف)

في متحف الذهب الأسود بالرياض... التصميم في خدمة الفن

مبنى كابسارك الذي صممته الراحلة زها حديد بتصميمه المميز والمنساب برشاقة يعد تحفة معمارية وبتحوله إلى متحف للذهب الاسود أصبح مركزا ثقافيا وفنيا بامتياز.

عبير مشخص (لندن)
يوميات الشرق رفيق أناضول (سيلا شيلوني - نيويورك تايمز)

في متحف الذكاء الاصطناعي تشعر بالفن... وهو بدوره يشعر بك

يُعدّ «داتالاند»، الذي أسّسه أناضول وزوجته الرسامة إفسون إركيليتش، إضافةً مُرتقبةً بشدة إلى المشهد الفني - التقني المُزدهر في لوس أنجليس.

يوميات الشرق جانب من المقتنيات التي سيضمها المتحف (حسابه على «فيسبوك»)

متحف السينما المصرية لاستعادة «زمن الفن الجميل»

يواصل المنتج المصري هشام سليمان العمل على مشروع «متحف السينما المصرية»، الذي من المنتظر أن يضم مقتنيات خاصة لعدد من نجوم السينما المصرية.

أحمد عدلي (القاهرة )
يوميات الشرق نجح متحف أورسيه في تبسيط ترميم الأعمال الفنية من خلال تحويل العملية الدقيقة التي استغرقت عاماً كاملاً للوحة غوستاف كوربيه التي يبلغ طولها 22 قدماً إلى حدث عام (إليوت فيردييه - نيويورك تايمز)

متحف باريسي يحوِّل عملية ترميم لوحة شهيرة إلى عرض ممتع للزوار

عادةً ما تتم عمليات ترميم الأعمال الفنية العظيمة بهدوء خلف الأبواب المغلقة، لكن هذه المرة، سمح متحف «أورسيه» في باريس للزوار بالاطلاع من كثب على عملية الترميم…

إيلين شيلينو (باريس)
يوميات الشرق من مقتنيات متحف أم كلثوم (متحف أم كلثوم)

احتفاء مصري بمرور ربع قرن على تدشين متحفي أم كلثوم وعبد الوهاب

احتفى بيت المعمار المصري بمرور ربع قرن على تدشين متحفي أم كلثوم ومحمد عبد الوهاب، ضمن احتفالات وزارة الثقافة المصرية باليوم العالمي للمتاحف.

محمد الكفراوي (القاهرة )

مصر: اقتراح برلماني بإنشاء نقابة لصناع المحتوى يفجر جدلاً

مبنى الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات في مصر (فيسبوك)
مبنى الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات في مصر (فيسبوك)
TT

مصر: اقتراح برلماني بإنشاء نقابة لصناع المحتوى يفجر جدلاً

مبنى الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات في مصر (فيسبوك)
مبنى الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات في مصر (فيسبوك)

فجَّر مقترح برلماني بشأن إنشاء نقابة لصُنَّاع المحتوى في مصر جدلاً واسعاً على وسائل التواصل الاجتماعي، بين مَن يراه فرصةً لتقنين أوضاع صُنَّاع المحتوى وتنظيم عملهم ومواجهة التجاوزات، ومن يُعده وسيلةً تمنحهم شرعيةً قانونيةً قد يستغلها بعضهم بطرق غير متوقعة لتحقيق مكاسب مادية من خلال محتوى قد يتضمَّن «تجاوزات».

وكان النائب محمد الجندي، عضو مجلس الشيوخ (الغرفة الثانية للبرلمان المصري)، قد تقدَّم باقتراح برغبة إلى رئيس المجلس بشأن إنشاء نقابة لصُنَّاع المحتوى الرقمي، ووضعِ إطار مهني وقانوني يُنظِّم ممارسة المهنة ويضمن الالتزام بالمعايير المهنية والأخلاقية، وفق ما نشرته وسائل إعلام محلية.

وأكد الجندي أنَّ صناعة المحتوى الرقمي أصبحت من أسرع القطاعات نمواً وتأثيراً في المجتمع المصري، في ظلِّ التطوُّر المتسارع الذي تشهده مجالات التكنولوجيا والاتصالات والتَّحوُّل الرقمي. وأضاف أنَّ المنصات الرقمية تحوَّلت إلى أدوات رئيسية في تشكيل الوعي العام، لا سيما مع تجاوز عدد مستخدمي الإنترنت 100 مليون مستخدم، إلى جانب الانتشار الواسع لمنصات التواصل الاجتماعي، مما يجعل هذا القطاع أحد أبرز المجالات الواعدة اقتصادياً وثقافياً.

وحظي المقترح بتفاعل لافت، إذ تصدَّر وسم «نقابة صُنَّاع المحتوى» قوائم الأكثر تداولاً على منصة «إكس» في مصر يومَي الجمعة والسبت. وتباينت الآراء بين مُؤيِّدٍ يرى في هذا المقترح فرصةً لتقنين الأوضاع وتنظيم عمل صُنَّاع المحتوى، ومُعارض يراه باباً خلفياً قد يتيح لبعض صُنَّاع المحتوى «الرديء» أو «غير اللائق» الظهور في الفضاء العام بصفةٍ مشروعة.

وفي هذا السياق، وصف خالد البرماوي، الخبير في وسائل التواصل الاجتماعي والإعلام الرقمي، وجود مقترح يستهدف تقنين أوضاع صُنَّاع المحتوى في مصر بأنه «أمر محمود ومطلوب»، لكنه أبدى تحفظه على فكرة إنشاء نقابة خاصة بهم. وقال لـ«الشرق الأوسط»: «ربما نجد نموذجاً مشابهاً في الولايات المتحدة، لكنه لم يكن في صورة نقابة مستقلة، بل كان فرعاً تابعاً لإحدى النقابات الفنية يضمُّ مؤدي المحتوى. ومن حيث المبدأ، من المهم جداً تقنين أوضاع صُنَّاع المحتوى والمؤثرين، لكن السؤال هو: مَن الجهة التي ستتولى هذا التقنين؟ لا أعتقد أن الأمر يتطلَّب إنشاء نقابة، بل يمكن لصُنَّاع المحتوى أنفسهم، إذا أرادوا تنظيم عملهم وتطويره وحمايته، أن يؤسِّسوا رابطة أو اتحاداً أو جمعية، فالقانون يتيح ذلك».

وكان المقترح البرلماني قد أشار إلى أهمية إنشاء نقابة متخصِّصة لصُنَّاع المحتوى الرقمي تكون بمثابة مظلة قانونية ومهنية للعاملين في هذا المجال، تتولَّى تنظيم المهنة، ووضع ميثاق شرف مهني، وتوفير برامج التدريب والتأهيل، وحماية الحقوق الفكرية، ودعم المحتوى التعليمي والثقافي والتوعوي الهادف. كما لفت إلى أنَّ النمو المتسارع لهذه الصناعة لا يزال بحاجة إلى إطار قانوني ومهني منظَّم يحفظ حقوق العاملين فيها، ويُسهم في مواجهة بعض الظواهر السلبية المرتبطة بالمحتوى غير الهادف أو المضلل.

ويؤكد الخبير في الإعلام الرقمي أنَّ من حق صُنَّاع المحتوى تأسيس كيان يحمي حقوقهم، غير أنَّ حماية المجتمع يجب أن تظلَّ في إطار سلطة وعمل النقابات المعنية، والمجلس الأعلى للإعلام، ووزارة الاتصالات، خصوصاً جهاز تنظيم الاتصالات المعني بالتعامل مع المنصات الرقمية، وهذا الجهاز لا بدَّ أن يعمل على تقنين أوضاع صناع المحتوى.

وتشهد مصر، بصورة متزايدة، حالات توقيف لبعض صُنَّاع المحتوى أو «البلوغرز»؛ بسبب نشرهم محتوى يتضمَّن ما تصفه الجهات الأمنية بـ«تجاوزات تُضرُّ بقيم المجتمع والأسرة المصرية». وقد صدرت بالفعل أحكام بالسجن بحق عدد منهم، تصل في بعض الحالات إلى السجن لمدة 3 سنوات، إلى جانب غرامات مالية، وذلك استناداً إلى قانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات رقم 175 لسنة 2018.

وكان الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات قد أصدر تقريراً حول مؤشرات استخدام تطبيقات الإنترنت خلال 24 ساعة في العام الحالي، أشار فيه إلى زيادة ملحوظة في استخدام تطبيقات المحتوى الترفيهي بنسبة بلغت 60 في المائة. كما أظهرت مقارنة المؤشرات بالفترة نفسها من عام 2025 ارتفاع استخدام خدمات الإنترنت عبر الهاتف المحمول بنسبة 12 في المائة، بالتزامن مع زيادة عدد مستخدمي هذه الخدمات بنحو 7.9 مليون مستخدم جديد.


«دار إقامة كبار الفنانين» بمصر... ملاذ آمن لدراما آخر العمر

محمود حميدة وياسر جلال خلال زيارتهما للدار (دار إقامة كبار الفنانين)
محمود حميدة وياسر جلال خلال زيارتهما للدار (دار إقامة كبار الفنانين)
TT

«دار إقامة كبار الفنانين» بمصر... ملاذ آمن لدراما آخر العمر

محمود حميدة وياسر جلال خلال زيارتهما للدار (دار إقامة كبار الفنانين)
محمود حميدة وياسر جلال خلال زيارتهما للدار (دار إقامة كبار الفنانين)

في فيلا أنيقة بمدينة 6 أكتوبر (غرب القاهرة) تصدرتها لافتة «دار إقامة كبار الفنانين» تبدأ الحياة من جديد في أول دار من نوعها بمصر تستقبل الفنانين الكبار لتكون بمثابة حائط الأمان من غدر الزمن، والونس في أوقات الوحدة، والصحبة في خريف العمر.

يعيش الفنان حياة مبهجة حين يحقق نجاحات ويتصدر اسمه وصورته الأفيش ويحيطه التصفيق والإعجاب أينما حل، فيُستقبل بالزهور، ويُقيم في أفخم الفنادق، غير أن النهاية ليست دائماً وردية، لا سيما حين تنحسر الأضواء، وتتبدَّل الأحوال فينزوي، وقد لا يجد المسكن أو المأوى أو الرعاية المطلوبة حين يتقدَّم به العمر.

حدث هذا مع فنانين كبار، فقد عاشت الفنانة فاطمة رشدي إحدى رائدات الفن المصري الملقبة بـ«سارة برنار الشرق» أواخر أيامها في «بنسيون صغير» بوسط القاهرة بعد اعتزالها الفن وتدهور حالتها الصحية والمادية، وكان حلم حياتها أن يكون لها شقة تعيش بها، وتَدخَّل الفنان فريد شوقي لدى المسؤولين حتى خصَّصت لها الدولة وحدة سكنية، لكن الفنانة الرائدة رحلت بعد وقت قليل فلم تهنأ بالإقامة فيها.

دار إقامة كبار الفنانين مجهزة بخدمات كثيرة (إدارة الدار)

في حين عاش الفنان عبد العزيز مكيوي أحد نجوم فيلم «القاهرة 30» أواخر أيامه مُشرداً في شوارع الإسكندرية، وتدخلت نقابة الممثلين لعلاجه وإقامته بدار مسنين قبل وفاته؛ وغيرهما من حالات مماثلة عاشت قمة المجد، وشهدت نهاية مؤلمة على غرار الفنانَين زينات صدقي، وعبد الفتاح القصري. وهذه الحالات وغيرها كانت ماثلة أمام أعين نقابة الممثلين؛ ما جعلهم يتطلعون إلى إقامة دار لرعاية الفنانين الكبار.

يؤكد الدكتور أشرف زكي نقيب المهن التمثيلية، أن «دار إقامة كبار الفنانين كانت حلماً نتطلَّع إليه من واقع نهايات مأساوية عاشها بعض رموز الفن، لكن هذا الحلم ظلَّ بعيدَ المنال، ولم يتحوَّل إلى واقع سوى حين تدخَّل الشيخ سلطان القاسمي حاكم إمارة الشارقة لتمويله منذ البداية، فهو رجل محب لمصر، ويقدِّر الفنانين الذين أثروا الوجدان العربي، وقد تحمَّس لفكرة الدار، ويقوم برعايتها رعاية كاملة، ويتحمَّل جميع نفقاتها، وقد حرص منذ البداية لتكون هذه الدار مجانية بحيث لا يدفع الفنان أي رسوم مقابل إقامته».

ويضيف زكي لـ«الشرق الأوسط» أنه «عند تأسيس الدار رأينا أن تكون دار إقامة لكبار الفنانين وليست دار مسنين، لأن بعضهم لا يزال لديه تحفظ على مسمى (دار المسنين)».

وتحتفل الدار بمرور 3 سنوات على تشغيلها الذي بدأ في 16 يوليو (تموز) 2023، وقد حصلت مؤخراً على قطعة أرض جديدة بجوارها ضمن توسُّعاتها الجديدة، واستقبلت نحو 40 فناناً منذ افتتاحها. حسبما يقول مديرها الفنان محمود عبد الغفار، مضيفا لـ«الشرق الأوسط» أنها تستقبل كبار الفنانين للإقامة الكاملة بها مجاناً، وتُقدِّم لهم خدمة فندقية في غرف فردية أنيقة مكيفة بحمام خاص، كما تضم حمام سباحة، ومكتبة، وصالة رياضة، واستراحة لاستقبال الضيوف، وحديقة واسعة.

نقيب الممثلين أشرف زكي والفنان محمود عبد الغفار مع عدد من الفنانين (إدارة دار إقامة كبار الفنانين)

ويشير عبد الغفار إلى أن استقبال الفنانين يتم من خلال تقدُّمهم شخصياً، أو عبر ذويهم، بطلب للإقامة في الدار، وأحياناً من خلال الدكتور أشرف زكي، نقيب الممثلين ومؤسس الدار، الذي قد يجد بعض الفنانين متحرجين من التقدم بطلب الإقامة فيها، فيرفع عنهم هذا الحرج، ويدعوهم إلى الإقامة بها، كما حدث مع الفنان محيي إسماعيل.

وخلال جولة لـ«الشرق الأوسط» في الدار، التقينا الفنان نبيل نور الدين، الذي انتقل للإقامة فيها مؤخراً إثر حادث سير تعرّض له. ويقول: «كنت أعبر الشارع عندما صدمتني دراجة نارية، وخضعت إثر ذلك لجراحة صعبة أقعدتني عن الحركة فترة من الزمن. ورغم أن عائلتي مستورة الحال، والحمد لله، وأن أبناء إخوتي دعوني للإقامة معهم بدلاً من العيش بمفردي في منزلي، فإنني زرت الدار بعد أن اقترح عليَّ الدكتور أشرف زكي الإقامة فيها. وقد أعجبتني كثيراً، وفضّلت أن أعيش وسط أصدقائي. ووجدت فيها كل ما أحتاج إليه، من العلاج الطبيعي إلى نظافة المكان وأناقته، فضلاً عن توافر جميع الخدمات، حتى باتت بمثابة منزلي».

ويؤكد نبيل نور الدين أنه قرر التوقف عن التمثيل منذ عامين، بعد أن قدّم نحو 400 عمل فني، تنوعت بين الأفلام والمسلسلات والعروض المسرحية، موضحاً أن قراره جاء بسبب تحفظه على أجواء العمل الحالية. ويقول: «في الماضي، كنا ندخل موقع التصوير ونحن جميعاً أصدقاء، أما في السنوات الأخيرة فكنت أبقى وحيداً في غرفتي حتى ينادوني لتصوير المشهد. هذه ليست الأجواء التي اعتدتها وأحببتها».

الشاعرة كوثر مصطفى داخل مكتبة دار إقامة كبار الفنانين (إدارة الدار)

يحصل المقيمون في الدار على رعاية طبية ونفسية واجتماعية؛ إذ تضم عيادة طبية مجهزة، يتناوب عليها طبيب متخصص في أمراض القلب والحالات الحرجة، وطبيبة متخصصة في طب المسنين، إلى جانب استشاري للعلاج الطبيعي. كما تضم الدار مركزاً مجهزاً على أعلى مستوى للعلاج الطبيعي، يعمل تحت إشراف طبي، فضلاً عن توفير رعاية كاملة لمن لا يستطيع خدمة نفسه.

ويشير المخرج أشرف فايق، نجل شقيق الفنان محيي إسماعيل، الذي يقيم في الدار منذ أشهر عدًَّة، إلى أنه بعد انتهاء علاج إسماعيل في المستشفى، تقرر نقله إلى الدار بناءً على اقتراح من الدكتور أشرف زكي. وأضاف لـ«الشرق الأوسط»: «رأيت أن الدار لا ينقصها شيء، سواء من حيث الرعاية أو الإقامة الكاملة أو متابعة الحالة الصحية والنفسية»، لافتاً إلى أن عمه الكاتب بهيج إسماعيل يقيم في الدار منذ 3 سنوات. وأشاد فايق بهذا الصرح العظيم الذي يحفظ كرامة الفنانين، عادّاً ذلك نوعاً من التكريم للفنان.

وأحدثت زيارة الفنانين محمود حميدة، وياسر جلال لدار إقامة كبار الفنانين أثراً إيجابياً كبيراً في المقيمين؛ إذ حرصا على المرور بغرفهم والاطمئنان عليهم. ويلفت مدير الدار إلى أن هذه الزيارات تسعد المقيمين، مؤكداً أن الدار «بيت كل فناني مصر»، وأنها ترحب بزيارة الفنانين لزملائهم المقيمين فيها. ويوضح أن «الإقامة بالدار لا تقتصر على أعضاء نقابة الممثلين، بل تشمل فنانين من مختلف النقابات الفنية، مثل نقابتي الموسيقيين والسينمائيين».


عالم يبتكر «كوناً مصغراً» لقياس الزمن من دون ساعة

مصيدة مغناطيسية بصرية لذرات الروبيديوم عند درجة حرارة تبلغ نحو 0.0001 درجة مئوية فوق الصفر المطلق (جامعة برمنغهام)
مصيدة مغناطيسية بصرية لذرات الروبيديوم عند درجة حرارة تبلغ نحو 0.0001 درجة مئوية فوق الصفر المطلق (جامعة برمنغهام)
TT

عالم يبتكر «كوناً مصغراً» لقياس الزمن من دون ساعة

مصيدة مغناطيسية بصرية لذرات الروبيديوم عند درجة حرارة تبلغ نحو 0.0001 درجة مئوية فوق الصفر المطلق (جامعة برمنغهام)
مصيدة مغناطيسية بصرية لذرات الروبيديوم عند درجة حرارة تبلغ نحو 0.0001 درجة مئوية فوق الصفر المطلق (جامعة برمنغهام)

ابتكر عالم من جامعة برمنغهام البريطانية «كوناً مصغراً» في المختبر في محاولة تجريبية للإجابة على أحد أهم أسئلة العلم: «ما هو الزمن؟».

ونشر البروفيسور جيوفاني بارونتيني نتائج بحثه في مجلة «فيزيكال ريفيو ريسيرش»، موضحاً كيف يُمكن قياس تدفق الزمن من دون استخدام ساعة على الإطلاق.

ووفق الدراسة، تُوفِّر هذه التجربة بيئة اختبار قوية لأفكار علم الكون الكمومي والجاذبية، مما يعني أنه يُمكن الآن اختبار الأفكار المُتعلقة بنشأة الكون المبكر تجريبياً في المختبر.

كما يُمكن توسيع نطاق هذا النهج ليشمل أنظمة أكثر تعقيداً، وربما يسمح للباحثين باستكشاف فيزياء «الانفجار العظيم» و«الانكماش العظيم». ومحاكاة الثقوب السوداء في المختبر أو لاختبار النظريات المتنافسة في كيفية نشوء الزمن في الكون.

وكما أفاد بيان نشر الجمعة بأن هذه النتائج تُقدِّم نموذجاً علمياً ينبثق فيه مفهوم الزمن من التجربة نفسها، حيث تشير بعض نظريات الفيزياء إلى أن الكون، في جوهره، لا يمتلك زمناً داخلياً، بل هو حالة كمومية واحدة ثابتة، تُظهر فيها الجسيمات خصائص موجية وجسيمية. في حين تتعامل هذه النظرية الجديدة مع الكون بوصفه وحدة متكاملة من دون ساعة خارجية، وأن أي إحساس بالزمن ينشأ من العلاقات الداخلية بين أجزائه.

كيف يعمل الكون المصغر؟

استخدم بارونتيني سحابةً من 24 ألف ذرة فائقة البرودة، على بُعد أجزاء قليلة من المليار من الدرجة فوق الصفر المطلق، لإنشاء نظام كمومي مُحكم الإغلاق يُحاكي «كوناً» بسيطاً. حُصرت الجسيمات وفُصلت بواسطة حاجز رقيق مُشكَّل من شعاعي ليزر بترددات مختلفة، لتكوين منطقة مرصودة «مضيئة» وأخرى غير مرصودة «مظلمة» كما هو حال الكون الذي نعيش فيه.

يتمدد القطاع «المضيء» وينهار بشكل متكرِّر، مُختبراً السيناريو الافتراضي لما يُشبه الانفجار العظيم والانكماش العظيم، وهو سيناريو افتراضي يبدأ فيه تمدد الكون بالانعكاس في نهاية المطاف. وتُتيح هذه التجربة إعادة بناء تسلسل الأحداث من داخل الكون المصغَّر نفسه، دون الحاجة إلى أي مرجع لساعة مختبرية خارجية.

ووفق نتائج الدراسة فقد أثبتت التجربة أن الزمن قد ينشأ من التغيرات التي تحدث داخل النظام، بدلاً من اعتبار الزمن شيئاً خارجياً يعمل بشكل مستقل. وأثبت نموذج «الكون المصغر» إمكانية خلق «الزمن» من خلال فوضى الذَّرات وانتشارها وسلوكها داخل النظام أو ما يُعرف علمياً بـ«الإنتروبيا».

الزمن الإنتروبي قيد العمل

عندما يزداد أو ينقص انتشار الجسيمات في القطاع المضيء مع تحرك الذرات إلى الداخل أو إلى الخارج، يكون النظام «يتحرك للأمام في الزمن». وعندما لا يتغيَّر هذا التوزيع للذَّرات، يتوقف الزمن فعلياً.

أطلق بارونتيني على هذه العملية اسم «الزمن الإنتروبي» بعد أن وجد أن هذا النوع من الزمن يتدفَّق في اتجاه واحد ثابت، مما يُعطي «سهماً زمنياً» واضحاً يُرتِّب الأحداث ترتيباً متوالياً صحيحاً، حتى في نظام يتمدَّد وينكمش مثل كون مُصغَّر يتسارع أو يتباطأ تبعاً لكيفية تحرك الإنتروبيا.

قال بارونتيني: «في بعض نظريات الكون، خصوصاً نظرية (الجاذبية الكمومية)، لا يظهر الزمن كخاصية أساسية. ومع ذلك، في الحياة اليومية، يتدفَّق الزمن من الماضي إلى المستقبل. لماذا يحدث هذا، في حين أن معظم قوانين الفيزياء الأساسية تعمل بالطريقة نفسها في الاتجاهين الأمامي والخلفي؟».

ووفق النتائج المنشورة، تُقدم هذه الدراسة أوَّل دليل تجريبي مضبوط على أن «الزمن» يُمكن تعريفه بالتغيُّرات التي تحدث داخل النظام بدلاً من كونه «ساعة خارجية» كما نتصوَّره الآن.