«للحياة خيال واسع»... بناء هوية وانتماء داخل جغرافيا بديلة

المغربية الفرنسية نجاة فالو بلقاسم تمزج بين المذكرات والتاريخ السياسي ــ الاجتماعي

«للحياة خيال واسع»... بناء هوية وانتماء داخل جغرافيا بديلة
TT

«للحياة خيال واسع»... بناء هوية وانتماء داخل جغرافيا بديلة

«للحياة خيال واسع»... بناء هوية وانتماء داخل جغرافيا بديلة

في مقدمة كتاب «للحياة خيال أوسع» (La vie a plus d'imagination que toi) لنجاة فالو - بلقاسم، (منشورات ملتقى الطرق La croisée des chemins، الدار البيضاء، 2025)، تتوقف الكاتبة عند السبب الذي دعاها لإصدار طبعة مغربية، محددة إياه في الحرص على إبراز الوجه الفرنسي لهويتها الذي يجب أن يعرفه المغاربة، بعد أن اطلع الفرنسيون في طبعة غراسي، التي صدرت بباريس، على وجهها المغربي في أصوله الأولى. صحيح أن دار النشر المغربية المتحمسة للأدب المكتوب بالفرنسية، اضطلعت بدور أساسي في لفت انتباهها لأهمية جمهور الضفة الجنوبية، بالنسبة لمن هو في مثل وضعها (كما تؤكد بوضوح في المقدمة)؛ بيد أنها ستدرك بعد الصلات التي انتسجت تدريجياً مع بلدها الأصلي، إثر انتهاء مسؤولياتها السياسية، أنه من المهم ليس فقط تدوين شهادة مؤثرة عن مسيرة استثنائية من الاندماج والنجاح السياسي، بل أساساً الوقوف عند مفارقات هذا الاستثناء وما تخلله من أعطاب والتباسات، وجدران يبنيها الوجود خارج المحيط المرجعي. وبذا يضحى الكتاب متجاوزاً لوسم «سيرة ذاتية» الذي يبرز على الغلاف، ليتحول إلى مزيج من المذكرات والسجال السياسي، والسرد الشخصي، والتاريخ الاجتماعي، الذي يعيد بناء تقاسيم ذات، وهوية وانتماء فكري ولغوي وعرقي داخل جغرافيا بديلة، سيأخذها الشأن العام لتتقاطع مع قضايا ثقافية وعاطفية وسياسية كبرى في فرنسا كما في المغرب.

تبنى السيرة عبر المراوحة السردية بين وقائع مقرونة بزمنها، وبين لحظة إعادة إدراكها وكتابتها، أي بالتنقل الخطابي ما بين الذاكرة والوعي بها، وما يتخلل ذلك من فجوات يملؤها التأمل والتشخيص والنقد. لتنتهي إلى متن سردي يوثق الواقعة وطبيعة تمثلها، مع ما يقترن بها من رهانات سياسية. حيث تنطلق الساردة من استعاد الذاكرة لمرتع طفولتها المبكرة في قرية «بني شيكر» في منطقة الريف شمال المغرب، حيث وُلدت عام 1977، والتي لن تعود لزيارتها مرة أخرى إلا بعد مرور عشر سنوات، لتتمثل شيئاً فشيئاً الملامح المرزئة لاندثار الظلال، وتلاشي اللغة، والانمحاء التدريجي للمحيط العائلي. استرجاع يلوح في بداية السرد أشبه بومضات تونع من عمق الحلم المفارق الذي تحقق، لذا سرعان ما يتخلل التحول من المرتع إلى بلد الإقامة والانتماء، ما بعد الهجرة، وقفات تأملية تستدعي الطفولة مقرونة بوعي الهنا والآن، قبل السفر في الجغرافيا، ورحلة التعلم واكتساب اللغة، وانزياحات الانتماء، وإدراك مأزق الوجود في البين بين. في فقرة من السيرة نقرأ ما يلي: «بين سن الرابعة عشرة والثامنة عشرة، عندما عدتُ إلى بني شيكر ثلاث مرات لقضاء الصيف، وجدتُ نفسي أغوص من جديد في عالم أدهشني. كانت قريتي قد تغيرت كثيراً، ولكن بقيت تلك الشمس الحارقة، وذلك البُعد عن كل شيء، والفقر أيضاً، وغياب الأطباء والرعاية والتعليم والأنشطة الاقتصادية. كانت الأيام تمضي ببطء، وكل ما كنت أنتظره هو العودة إلى فرنسا» (ص 35-36)

كان للطفلة «نجاة» خمس سنوات حين التحقت العائلة بالأب المهاجر، في إطار خطة التجمع العائلي التي كفلتها قوانين الهجرة الفرنسية في ذلك الوقت، ولم تكن تطوي تحت أعطافها إلا كلماتها الأمازيغية، ومعانيها الزهيدة، ستترك وراءها المنزل والفناء المفتوح، والمراعي المقفرة، وقطيع الماعز، والبئر، وذاكرة اليباب. كما ستفارق كيانها الفطري الذي لم تستقم فتوته بعد، لتلتحق بضفة بعيدة، حيث «ستجرف الفرنسية الأسماء كلها» (ص22)... بدأت الرحلة سنة 1982، من إبحار السفينة إلى مرسيليا، مطوحة بالماضي في قعر المتوسط إلى الأبد. بالموازاة مع تخايل الضفة الأخرى. وتدريجياً ستسكن الضوضاء أرجاء الكون، مثلما المطر، مبددة أثر القرية المشمسة الهاربة. حيث يلتحق والدها بالعمل. وهي مع إخوتها بالمدرسة. لتتوالى شهور السعي للانتماء. قبل أن تطوي صفحة العودة نهائياً، حيث إن زوجها نفسه وأبناءها لن يعرفوا يوماً القرية الأصل.

والشيء الأكيد أن هذا الانتقال كان اللحظة الفارقة الأولى في مسار عبور الحواجز اللغوية والثقافية والعقائدية، بالنسبة لطفلة في الخامسة من عمرها. وبقدر ما مثلت تلك المحطة نقطة تحول حياتي راديكالي، غير أنها شكلت القاعدة الأساس للقدرة على التكيف والاندماج. هذه البداية المتواضعة شكلت الخلفية الدرامية لمسيرة نجاة فالو-بلقاسم اللاحقة، فوصولها إلى أعلى المناصب السياسية في فرنسا وزيرة للتعليم والشباب والرياضة، ثم وزيرة لحقوق المرأة، يمثل قصة نجاح ملهمة. يُبرز الكتاب كيف أن قدرة الحياة على «تجاوز الخيال» تجلت في مسارها، حيث لم تكن تلك المسيرة متوقعة بأي شكل من الأشكال في طفولتها.

وليس من شك أن الصدمة القاعدية الأولى لم تتمثل في لغة التخاطب ولا المجتمع ولا الفضاء المحيط فحسب، وإنما في الوجود الاسمي ذاته: «نجاة»، في سياق زمني كان الكل فيه يسمى «ماري» أو «أوليفيي» أو ما شابهاهما من أسماء، قبل أن تتحول الأسماء العربية إلى ملمح فرنسي. مثلما كانت الصدمة في وجود له امتناعاته المسترسلة في مدن «الجمهورية العلمانية»، المتصالحة مع «التعدد» في شعاراتها الكبرى، والرافضة له في مزاجها العميق. ذلك ما تؤكده الساردة مرة تلو أخرى في فصول السيرة، منذ الأيام والسنوات الأولى في أبوفيل Abbeville و أميين Amiens، قبل الانتقال لباريس وليون... إنما في الإقامة والترحال ما بين الهامش والمدن، لم يكن يخيم فقط الجدار العاطفي للعنصرية الكامنة، خلف رفض الأسماء والسحنات التي شرع اليمين المتطرف في تعرية عمقها تدريجياً، بل كان ثمة أيضاً وقبل كل اختلاف، «وطن الخيال» الساكن في الأدب والفكر والفلسفة والقانون، بين الحروف المرصوصة في المكتبات، القادمة في جوف عربات متنقلة بين شوارع القرى والمدن الصغيرة، وفي المباني العريقة للجامعات ودور الثقافة والمتاحف، وتلك التي تبيع الإصدارات القديمة على جنبات السين حيث «القراءة تنقذ، وتمنح حيوات أخرى» (ص 23).

 القراءة هي النسيان، هي الصحوة، هي التعلم، هي التغيير، هي الذهاب إلى المرآة للفهم وللتحول

لذا يبدو طبيعياً أن تعترف الساردة أن القراءة أنقذت كل شيء في داخلها. لقد كانت القراءة في اللحظات السعيدة أو الصعبة تتجلى دوماً بوصفها ملجأ. سيما أن السياسي، في فجوات الحياة، كان التلفاز هو رهابه الكبير لهذا كانت القراءة لا تقتصر فقط على ملأ الفجوات، وإنما باختصار المسافات. «القراءة هي النسيان، هي الصحوة، هي التعلم، هي التغيير، هي الذهاب إلى المرآة للفهم، وللتحول» (ص23). من هنا كان طبيعياً أن تخط المهاجرة النهمة للقراءة والتعلم مسار صعود لامع من المدرسة الثانوية في مدينة أميين Amiens ثم بعد الالتحاق بمعهد الدراسات السياسية في باريس (Science Po Paris) عام 2002. تلك المحطة الحاسمة، التي لم تكن مجرد إنجاز أكاديمي، بل بوابة ولوج عالم السياسة والعمل العام، لشخصية فذة ومحاربة وبذكاء استثنائي.

وتدريجياً تنتقل السيرة الحافلة بالسجال السياسي حول قيم العدالة والحرية والمساواة، والدفاع عن فكر اليسار، وتعرية مفارقات المجتمع الفرنسي تجاه المهاجرين، إلى التأريخ لمرحلة مفصلية في فرنسا، شهدت تناميا تدريجياً لأحزاب اليمين في مرحلة ما بعد جاك شيراك، هكذا تروي الساردة في مقاطع عديدة من النص كيف بدأت مسيرتها السياسية بالانخراط في العمل المحلي، مستشارة لمكتب رئيس بلدية ليون، جيرار كولومب؛ حيث تعرفت من كثب على آليات العمل البلدي وتحديات الإدارة المحلية. وسرعان ما لمع اسمها داخل الحزب الاشتراكي، باعتبارها امرأة من أصول مغاربية مقنعة وجذابة، ويحتاجها الحزب لاستقطاب الناخبين من أوساط المهاجرين. وتتوقف السيرة ملياً عند لحظات الانتخابات البلدية والتشريعية التي خاضتها نجاة بلقاسم مع مناضلي الحزب الاشتراكي عبر أقاليم الجمهورية، سيما لحظة اختيارها ناطقة باسم سيغولين رويال خلال حملتها الرئاسية عام 2007، وذلك لتضمين النص العديد من رؤى وخيبات الساسة الفرنسيين اليوم؛ تقول مثلاً في أحد المقاطع: «يمتلك الفرنسيون علاقة متناقضة مع السياسة؛ فهم يعتقدون في آنٍ واحد أننا (أي الساسة) عديمو الفائدة، وفي الوقت نفسه يحمّلوننا مسؤولية كل شيء، هذه المعضلة يصعب فكها عندما تواجهها بوصفك سياسياً» (ص 60). ومباشرة بعد فوز فرنسوا هولاند بالانتخابات الرئاسية عام 2012، عُينت نجاة فالو بلقاسم في مناصب وزارية رفيعة: وزيرة لحقوق المرأة والناطقة باسم الحكومة (2012-2014): في هذا المنصب، عملت على قضايا المساواة بين الجنسين ومكافحة التمييز. ثم وزيرة للمدن والشباب والرياضة (2014-2014): قبل أن تصبح وزيرة للتربية الوطنية والتعليم العالي: (2014- 2017)، وهي المحطة الأبرز في مسيرتها، حيث أصبحت أول امرأة تتقلد هذا المنصب في تاريخ فرنسا. وقد قادت خلال هذه الفترة، إصلاحات تعليمية جذرية، وواجهت معارضة شرسة من اليمين، ومن الصحافة، ومن المجتمع الشعبوي أساساً، وهو ما تتوقف عند آثاره الموجعة على شخصيتها وعلى تفكيرها وعلى ممارستها السياسية بعد ذلك، وكذا على مسارها العائلي.

والحق أنه بقدر ما تجلت سيرة: «للحياة خيال أوسع»، بوصفها محكية صعود سياسي، فإن نبرتها في نقد مآل الممارسة السياسية المرتهنة للمشهدية التواصلية والإعلامية، سرعان ما هيمنت على مبنى استرجاع الوقائع، وتبيين المواقف والأفكار. وهو ما يضع القارئ أمام مشهد مرعب لرأي عام كيفته مطحنة الصحافة، وأعادت صياغة صوره ورموزه ومفاهيمه السياسية، مكرسة قاعدة الاتهام تجاه كل مسؤولية في تسيير الشأن العام. الأمر الذي جعل النص يتجلى في غير ما موضع بما هو رثاء للسياسية، وتحديداً في مصيرها الفرنسي. ولا يخفف من قتامة المشهد إلا الفقرات المفردة للحديث عن العائلة؛ عن الأم الأمازيغية العصامية، التي تعلمت الفرنسية على كبر، والزوج بوريس فالو الذي «يجسد فرنسا في روعتها وإنسانيتها» (ص 46)، ثم الأبناء الذين لم يعرفوا تلك الأصول البعيدة لأمهم في قرية بني شيكر في الريف المغربي، والذين أضحو في النهاية يجسدون عبقرية الحياة، وخيالها الواسع: «أبناء طفلة مهاجرة، وأبناء صعود اجتماعي، وأبناء وزيرة، وأبناء فرنسا» (ص 134).


مقالات ذات صلة

من تاريخ المدن إلى سير الأحياء

كتب من تاريخ المدن إلى سير الأحياء

من تاريخ المدن إلى سير الأحياء

تعيش المدن بأسمائها، أي بتفاصيلها؛ بأحيائها وشوارعها ومقاهيها، وأصداء من سكنوها أو مروا بها؛ أسماء تحافظ على نظارتها ولا تذوي، مهما تغيرت ملامح المدن.

شرف الدين ماجدولين
كتب وليد سيف يختتم رباعيته الأندلسية بـ«غرناطة... آخر الأيام»

وليد سيف يختتم رباعيته الأندلسية بـ«غرناطة... آخر الأيام»

في روايته الجديدة «غرناطة... آخر الأيام»، يواصل الكاتب ‏والشاعر والروائي الفلسطيني وليد سيف مشروعه الإبداعي في ‌‏استعادة التاريخ العربي الإسلامي في الأندلس

«الشرق الأوسط» (دمشق)
ثقافة وفنون من يعيد لبيوت الجنوب بريقها المدفون تحت الركام؟

من يعيد لبيوت الجنوب بريقها المدفون تحت الركام؟

لم يحدث لأحد من الفلاسفة والباحثين، وربما من الشعراء، أن احتفى بالبيوت، في دلالاتها الأكثر عمقاً وقابلية للتأويل، كما فعل غاستون باشلار.

شوقي بزيع
ثقافة وفنون جدارية الوجوه الثلاثة في قصير عمرة

جدارية الوجوه الثلاثة في قصير عمرة

يحتلّ قصير عمرة موقعاً استثنائياً في خريطة القصور التي شيّدها خلفاء بني أميّة في صحاري بلاد الشام، وتتمثّل أهميّته بالدرجة الأولى في لوحاته الجدارية

محمود الزيباوي
ثقافة وفنون «الطرف الثالث»... بين أغاثا كريستي وبليك إدواردز

«الطرف الثالث»... بين أغاثا كريستي وبليك إدواردز

ينتقل الكاتب والمؤلف المسرحي ماجد الخطيب، في عمله المسرحي الجديد «الطرف الثالث - في قطار الشرق السريع» (دار السرد)، هو الثاني عشر له، من نمطه المفضل في...

عامر درويش (بغداد)

من يعيد لبيوت الجنوب بريقها المدفون تحت الركام؟

الدمار في بلدة كفركلا بجنوب لبنان (رويترز)
الدمار في بلدة كفركلا بجنوب لبنان (رويترز)
TT

من يعيد لبيوت الجنوب بريقها المدفون تحت الركام؟

الدمار في بلدة كفركلا بجنوب لبنان (رويترز)
الدمار في بلدة كفركلا بجنوب لبنان (رويترز)

لم يحدث لأحد من الفلاسفة والباحثين، وربما من الشعراء، أن احتفى بالبيوت، في دلالاتها الأكثر عمقاً وقابلية للتأويل، كما فعل غاستون باشلار. ذلك أن الفيلسوف الفرنسي الظاهراتي لم ير إلى البيوت بوصفها هندسة جمالية «موضوعية»، أو وجوداً مادياً لامبالياً بسكانه، بل اعتبرها حاضنة الحياة الأمومية، والحارس الأوفى لخزائن الذكريات، والينبوع المتجدد للألفة الدافئة.

على أن أهل الجنوب اللبناني، الذين اضطرتهم الحروب المتلاحقة والعنف الدموي الإسرائيلي، إلى النزوح المتكرر عن بيوتهم وأماكن سكناهم بحثاً عن ملاذ آمن، لم يكن عليهم قراءة باشلار، لكي يدركوا أهمية تلك الأماكن، التي تركوا في عهدتها مهج قلوبهم، وضوء عيونهم، وأعذب ما ادّخروه لشتاء أعمارهم من الذكريات. ولعل هذا التشبث المرَضي بالبيوت قد وجد ترجمته في إصرار الكثيرين منهم على ملازمة قراهم في أشد الظروف حلكةً، سواء تعلق الأمر بخراب الزراعة وكساد مصادر الرزق، أو بتعاقب الاجتياحات وأهوال الحروب.

اللافت أن أولئك الذين اضطروا لمغادرة بلداتهم باتجاه بيروت والمهاجر البعيدة، بحثاً عن فرص أفضل للعيش، كانوا يضعون في رأس أولوياتهم بناء بيوت لائقة بما كابدوه من مشقات، يحولونها عندما يعودون إلى فسحة هانئة لضغضغة الأيام واستقبال الزائرين، وتزجية المساحة الفاصلة بين الشيخوخة والموت. وإذا كان الشريط الطويل من الفيلات والدور الباذخة، الذي يمتد من الناقورة إلى العرقوب، قد بدا من بعض نواحيه ثمرة اليسر المادي لمغتربي المناطق الحدودية، فإن مبالغة «جنوبيي الجنوب» في الاعتناء المفرط بالبيوت، التي أحاطوها بالحدائق والأسوار، لم يكن سببها التنافس فيما بينهم فحسب، بل لأنهم رأوا فيها المجسمات الرمزية لتشبثهم بالبقاء، وعلامات التحدي المرفوعة بثقة بالغة في وجه الاحتلال.

إلا أن كل ما تحمله الجنوبيون من متاعب، وكل ما فعلوه لتضليل اليأس، وكل احتفائهم الكرنفالي بالنجاة، سرعان ما حولته أسلحة الفتك الإسرائيلي إلى ركام. وحيث حسبوا واهمين أن ما عبر ستة عقود متعاقبة من فظاعات وأهوال كان كافياً لتسديد ما توجب عليهم دفعه من أثمان، فقد بدت الحروب المتعاقبة التي كُتبت عليهم مواجهتها من قبل، مجرد «بروفات» تمهيدية مصغرة للحرب الأخيرة، التي تكفلت خلالها الآلة العسكرية الزاحفة للعدو، بمحو القرى من جذورها، والإجهاز على ما يفصح عنه رمادها المتبقي من مظاهر الحياة.

أما شعار «حرب الحضارة على البربرية»، الذي رُفع قبل سنوات لتسويغ ما لحق بغزة وفلسطين من دمار كارثي، فقد تم رفعه على نحو معدّل، لا بهدف إلحاق الأذى المماثل ببيوت البشر الآمنين ومحاصيلهم ومصادر عيشهم فحسب، بل لكي تسوّى بالأرض، شواهد شديدة التنوع والثراء من تاريخهم القريب والبعيد. والأدلّ على ذلك هو تركيز قادة الاحتلال على أن تحظى المدن والبلدات الأكثر ازدحاماً بالرموز الأثرية، وبيوتات العلم والأدب، كالخيام والنبطية وبنت جبيل وعيترون وصور وعيناثا وغيرها، بالنصيب الأوفر من الاستهداف والقصف التدميري.

وإذا كان التصميم الملح على إسقاط قلعة الشقيف، التي تشرف من مكانها الشاهق على مساحات واسعة من لبنان وسوريا وفلسطين، يمكن أن يجد له مسوغات أمنية وعسكرية، فأي حجة مقنعة يمكن لها تبرير ذلك القدر من العنف الهمجي، الذي يراد منه اقتلاع شعب بأسره من جذوره، وتسليمه للعراء الكوني.

ففي مدينة الخيام، التي يربو عدد سكانها على ثلاثين ألفاً، لم تكن البيوت المغضية بخوف على حيوات سكانها، هي التي تعرضت للقصف، بل إن الوابل المتلاحق لنيران الاحتلال راح يطول في الآن ذاته معتقل المدينة الشهير، ومؤسساتها التعليمية، ودور عبادتها، ومراكزها الفكرية التنويرية، إضافة إلى ما خلّفه أهلها من الذكريات، ورساموها من الألوان، وشعراؤها من نثار الاستعارات ومسوّدات القصائد.

أما مدينتا النبطية وبنت جبيل، وهما الحاضنتان الأكثر عراقة لتاريخ جبل عامل وثقافته وذاكرة بنيه، فقد تعرضتا بدورهما لقدر غير مسبوق من التدمير الاستئصالي، حيث لم تكتف القوات الزاحفة شمالاً، بتحويل الأسواق الشعبية القديمة في كلتا المدينتين إلى ركام، بل راحت تستهدف في الوقت نفسه المراكز الثقافية والمؤسسات الصحية، والأبنية التراثية ذات التصاميم الجمالية اللافتة، التي حوّلها أصحابها إلى مزارات.

ولم يكن حظ مدينة صور الساحلية من القصف والتدمير أفضل من حظ شقيقاتها الأخريات. وحيث لم يشفع لها أن يكون ملكها الفينيقي حيرام، قد أسهم قبل ثلاثة آلاف عام في بناء هيكل سليمان، ولا شفع لها وضعها من قبل اليونيسكو على لائحة الأماكن التراثية والثقافية العالمية، فإن من نصّبوا أنفسهم حماةً للحضارة، لم يجدوا أي حرج يُذكر في قصف أحيائها ومدارسها، وأبنيتها المملوكية، وصولاً إلى آثارها العريقة التي يعود تاريخها إلى العصرين الفينيقي والروماني.

كما أن حرص الإسرائيليين على هدم الفواصل الطبقية والاجتماعية بين ضحاياهم، هو الذي دفعهم على الأرجح إلى جعل الجميع سواسية، في الميزان العادل لحديد المجنزرات وقنابل الطائرات المغيرة، حيث لا فرق في منسوب التدمير ومعدلاته، بين غني وفقير، «متورط» وبريء، مغترب ومقيم، مثقف وأمي. لا بل إن اللافتات المختلفة التي خيضت باسمها الحرب، عادت لتجد في استهداف بيوت المثقفين الجنوبيين ومكتباتهم ومساقط إبداعهم براهينها المثلى ودلالاتها الساطعة.

وإذا كان المجال لا يتسع لتعداد ضحايا الشغف الإسرائيلي بالثقافة وأهلها، من المبدعين الجنوبيين، فيكفي أن أذكر في هذه العجالة المنزل المتميز في هندسته وجماله المعماري لسعد الزين، والمنازل المشابهة لآل الزين في النبطية، التي أزالها المحتلون مع مقتنياتها الثمينة من الوجود. وأن أذكر الدارة الأنيقة التي بناها الفنان عبد الحميد بعلبكي في بلدة عديسة الحدودية، وأرادها أن تكون منزلاً لسكناه ومتحفاً للوحاته، قبل أن تحولها الطائرات إلى كومة من الأنقاض. وأن أذكر كتّاباً ومفكرين كثيرين، خسروا منازلهم ومكتبات بيوتهم على نحو مشابه، كما حدث لعبد الكريم قبلان في عيترون، ولعون جابر وأحمد بيضون ومنذر جابر في بنت جبيل.

ومع أن الوقت لا يزال مبكراً قليلاً على تتبُّع انعكاس ذلك الهول الأبوكاليبسي، في لوحات الرسامين وأعمال الروائيين وقصائد الشعراء الجنوبيين، فإن وسط سيل الكتابات التي تم ارتجالها على عجل، ثمة نصوصاً ولقىً وشذرات، استطاعت أن تعكس بما تختزنه من قوة العصب وسداد الرؤية، الكثير من الملامح التراجيدية الملحمية لواقع الجنوب الراهن، وبينها قصيدة «البيوت»، التي أهداها عباس بيضون إلى صديقه المؤرخ منذر جابر، وجاء فيها:

البيوت لا تموت مرة واحدة

إنها تعيش بالساعة

ذاكرة هائلة لكنْ أيضاً عجلةٌ للنسيان

تحفظ بالدقائق وتنسى بالأيام

نصل إليها أرواحاً

وسرعان ما نذوب في الهواء

ولعل أفضل ما أختم به هذه المقالة هو مقطع معبّر من قصيدة «بيت الريح» للشاعر الفرنسي لوي غوليم، الذي بدا لقوة بصيرته، ورهافة إصغائه إلى المستقبل، وكأنه يحدس بالمآلات المأساوية لبيوت أهل الجنوب، التي حوّلها فولاذ الضغائن الوحشي إلى أثر بعد عين، فهتف بلسان كل واحد من أهلها النازحين:

«طويلاً بنيتك أيها البيت. مع كل ذكرى أحمل الحجارة من الأرض، حتى أعالي جدرانك. لقد رأيت سطحك يصقله الزمن، متغيراً كالبحر، يرقص على خلفية من الغيوم. يا بيت الريح، أيها المأوى الذي أزالته نفخة واحدة»!


جدارية الوجوه الثلاثة في قصير عمرة

جدارية من قصير عمرة في بادية الأردن
جدارية من قصير عمرة في بادية الأردن
TT

جدارية الوجوه الثلاثة في قصير عمرة

جدارية من قصير عمرة في بادية الأردن
جدارية من قصير عمرة في بادية الأردن

يحتلّ قصير عمرة موقعاً استثنائياً في خريطة القصور التي شيّدها خلفاء بني أميّة في صحاري بلاد الشام، وتتمثّل أهميّته بالدرجة الأولى في لوحاته الجدارية التي تمتدّ على جدرانه وسقوفه، وتشكّل أكبر برنامج تصويري معروف في العالم المتوسّطي القديم. يجمع هذا القصير بين مجلس مكوّن من ثلاثة إيوانات معقودة، وحمّام تقليدي كبير مؤلَّف من ثلاث غرف، تمثل تباعاً قاعة المدخل، والقاعة الرطبة، والقاعة الحارة. تزيّن سقف القاعة الأولى جدارية تأخذ شكل شبكة تشكيلية عريضة تحتلّ وسطها ثلاثة وجوه آدمية تظهر في وضعيّة المواجهة، كأنّها تحدّق بعيونها الشاخصة في الناظر إليها.

تجمع هذه الشبكة بين الإطار الهندسي والعناصر التصويرية المتعدّدة، وتمتد على مساحة السقف المقبّب، بحيث تشكّل مساحتين مقوّستين.

يعتمد هذا التأليف وحدة هندسية ثابتة تُعرف في قاموس الهندسة الرياضية باسم «مُعَيَّن»، وهي وحدة بسيطة لها أربعة أضلاع متساوية الطول، قطراها متعامدان ومتناصفان. تحضر في وسط هذا الشبكة ثلاث قامات نصفية، تحتل كلّ منها خانة مستقلة. تحلّ هذه الوجوه في ترتيب عمودي متين، ويظهر في الأسفل وجه شيخ بلحية بيضاء، يعلوه وجه امرأة نضرة، ثمّ وجه شاب أمرد. حافظت هذه القامات على ملامحها بشكل شبه كامل، واستعادت بريقها الأول إثر عملية التنقية والترميم التي قام بها فريق إيطالي في الموقع خلال عام 2010.

يغلب على هذه الوجوه الطابع الكلاسيكي، كما يشهد أسلوبها الذي يحاكي المثال الحي، ويجمع بين التجسيم والتظليل في تحديد ملامح كل منها. يظهر الشيخ الجليل بلحية بيضاء طويلة تبلغ أسفل الرقبة. وتبدو جبهته عريضة، وأعلى رأسه أصلع، مع كتلة صغيرة من الشعر، تحيط بها خصل عريضة تلتف حول الوجه. العينان واسعتان، ويعلوهما حاجبان عريضان مقوّسان، صيغتا باللون الأسود. بؤبؤ العين محدد بدقة، كذلك الحدقة والجفن والأهداب. الأنف هرمي، وعناصر تكوينه محدّدة بدقة بالغة. الأذنان ظاهرتان، ومكوّناتهما واضحة كذلك. صدرُ هذا الشيخ عارٍ جزئياً، ويعلوه معطف ينسدل على الكتف اليسرى. الجزء الأسفل ممحوّ، ويوحي ما تبقّى منه بحضور يد تقبض على رمح طويل، ظهر طرفه الأعلى كاملاً في الجانب الأيسر من الصورة. تحتل هذه القامة خانة بيضاء مجرّدة، يزيّنها غصنان مورقان متواجهان يحيطان بذراعَي الشيخ.

تحضر فوق قامة هذا الشيخ قامة أنثوية تقف في وضعيّة مشابهة. الأسلوب واحد في تجسيم الملامح، مع بقعتين باللون الأحمر الخمري تستقران على الوجنتين المكتنزتين. تكلّل الرأس كتلة من الشعر الكثيف تنسدل خصله على الكتفين، مع فارق نصفي في الوسط. ترتدي هذه المرأة ثوباً عسلياً تعلوه بطانة حمراء عريضة تنعقد حول الكتفين، وتزيّن هذه البطانة شبكة زخرفية، تجمع بين أزهار محوّرة تتألف كل منها من أربع بتلات متساوية. تظهر اليد اليمنى في أسفل الخانة، وتقبض شتلة تعلوها كوكبة من البراعم البيضاء. تزيّن هذه الخانة كرمة تتألف من غصنين مورقين يستقران فوق هامة هذه القامة الأنثوية، ويتدلّى من كلٍّ من هذين الغصنين عنقود من العنب الأحمر حُدّدت حبّاته المرصوفة بدقّة.

تعلو هاتين القامتين قامةٌ ثالثة تمثّل شاباً في مقتبل العمر، تُكلّل وجهه خصل من الشعر تنسدل على طرفي الخدين. يرتدي هذا الفتى الأمرد لباساً أرجوانياً تعلوه بطانة على شكل مربّع تحيط بصدره، ويرفع بيده اليمنى عصا نحيلة طويلة تمتدّ في الأفق. يُزيّن هذه الخانة غصنان متقابلان ومتواجهان، كما نرى في خانة الشيخ الجليل. تحتلّ هذه الوجوه الثلاثة وسط السقف المقبّب، وتحدّ خاناتها الثلاث سلسلة من الخانات المتشابكة، تزيّنها عناصر تصويرية متعدّدة الأشكال، تحضر وسط أغصان مورقة تلتف في الأفق المجرّد.

يظهر من جهة غزالان، كل منهما في خانة مستقلّة، ويظهر في الجهة المقابلة كذلك غزالان، يتبعان تقسيماً تعادلياً مشابهاً. لا تتماثل هذه الغزلان إطلاقاً، إذ يحضر كل منها في وضعية خاصة به. يظهر من جهةٍ غزال في وضعية جانبية، يحني رأسه في مواجهة غزالٍ يدير برأسه نحو الخلف. في الطرف المعاكس، يظهر غزال يحني رأسه نحو الأرض كأنه يقتات من العشب، ويقابله غزال يعلو رأسه قرنان طويلان، يحدّق في وضعيّة المواجهة.

تتشابك هذه الخانات الأربع بست خانات تحوي صوراً مغايرة. يَظهر من جهةٍ دبٌّ على طاولة صغيرة، حاضناً عوداً يعزف عليه بأنامل قائمتيه الأماميتين. في مواجهة هذا العازف، يَظهر قردٌ منتصباً، رافعاً قائمتيه الأماميتين نحو الأعلى، كأنه يُصغي إلى عزفه. من خلف هذا القرد، يقف فتى يرفع يده اليمنى نحو رأسه، ويده اليسرى نحو صدره، كأنه يشارك في هذه الوصلة. في الجهة المعاكسة، تحضر ثلاث خانات تختزل كما يبدو وصلة عزف أخرى، وفيها يحضر فتى يقف منتصباً وهو يعزف بمزمار يحمله بين يديه المرفوعتين، وتحضر في مواجهته صبية تتمايل في وضعية راقصة، ويحضر في الخانة الأخيرة فتى يرافقها في هذه الوصلة.

تكتمل هذه الشبكة مع أربع خانات تسكن كلا منها بهيمة حيّة. يظهر من جهة ابن آوى يحدّق في اتجاه غزال يحني رأسه أرضاً، ويظهر في الطرف المعاكس غزال ينظر إلى الخلف، وغزال يقفز نحو الأمام. تحد هذه الشبكة الكبيرة سلسلة من المثلثات، تسكنها طائفة من الطيور والحيوانات المتنوّعة، ضاع أثر بعض منها. يظهر في الطرف العمودي نمس وأفعى وسنجاب، وتقابلها في الطرف المعاكس ثلاثة كائنات انمحت أشكالها كلّياً. في الطرف الأفقي، تظهر أربعة طيور مائية، منها البجع والإوز، وتقابها في الطرف المقابل مجموعة مشابهة من الطيور.

تجمع هذه الشبكة الأموية بين عناصر متعدّدة مستمدّة من قاموس الفن المتوسّطي، وتشكّل في هذا السياق امتداداً حيّاً لهذا الفن الذي ازدهر في بلاد الشام خلال القرون الميلادية الأولى. ورث الفن الأموي المدني تقاليد هذا القاموس الراسخة، وأعاد قولبتها في مكوّنات مبتكرة، تشهد لاستمراريتها طوال القرن الثامن. تتجلّى هذه الاستمرارية في جداريات قصير عمرة، كما تتجلّى في أعمال فنية أخرى خرجت من قصور أموية أخرى، كشفت عنها حملات التنقيب في صحاري بلاد الشام الواسعة خلال العقود التي تلت اكتشاف القصير الأردني.


«الطرف الثالث»... بين أغاثا كريستي وبليك إدواردز

«الطرف الثالث»... بين أغاثا كريستي وبليك إدواردز
TT

«الطرف الثالث»... بين أغاثا كريستي وبليك إدواردز

«الطرف الثالث»... بين أغاثا كريستي وبليك إدواردز

ينتقل الكاتب والمؤلف المسرحي ماجد الخطيب، في عمله المسرحي الجديد «الطرف الثالث - في قطار الشرق السريع» (دار السرد)، هو الثاني عشر له، من نمطه المفضل في الكوميديا السوداء إلى كوميديا التقليد الساخر (Parody). وهو يستقطب انتباهنا عن طريق المفردات والتعابير ثنائية المعاني، وأحياناً المتعددة، على صعيد العنوان والشخصيات والأحداث.

العنوان الرئيسي «الطرف الثالث» له دلالته ومغزاه في المخزون الثقافي العراقي، حين ألقت السلطات العراقية مسؤولية قتل مئات المتظاهرين، وجرح الآلاف في انتفاضة تشرين 2019، على «طرف ثالث».

أما العنوان الفرعي، فهو يشير إلى رواية «جريمة في قطار الشرق السريع» لأغاثا كريستي، التي استوحى منها الخطيب مسرحيته الجديدة، كما هو مثبت على الغلاف الداخلي: هي «مسرحية بوليسية ساخرة من وحي أغاثا كريستي». كأن المؤلف يخاطب من جديد مخزوننا الثقافي «البوليسي» القديم تاركاً لمخيلتنا حرية التفاعل المتبادل بين جريمتي القطارين.

يحافظ الخطيب على هذه الثنائية طوال أحداث وسطور نصه الدرامي في اختياره لإطار العمل وطبيعة شخصيات المسرحية، حيث يبقي على الأحداث جغرافياً في قطار الغرب، وتجري وتتنقل الأحداث، كما في عمل أغاثا كريستي، بين مختلف غرف وقاعات القطار.

كما أنه، رغم المحتوى الضاحك، يستخدم التصاعد التدريجي للحدث وتراكم الإشارات والمعلومات إلى لحظة الكشف النهائية عن ملابسات الجريمة، كما هي الحال في أعمال كريستي البوليسية. وإلى أن يبلغ الكاتب هذه الذروة يفاجئ القارئ والشخصيات على حد سواء بنتائج التحقيق.

أما الجانب الآخر للثنائية في العمل، فنجده في اختياره للشخصيات. فهو يستعير من كوميديا بلاك إدواردز وبيتر سيلرز في سلسلة أفلام «النمر الوردي» شخصية «المفتش كلوزو»، كما جسدها سيلرز. ونجدها ثانية في طريقة كتابته للمشاهد مستخدماً «كوميديا الموقف» ومضيفاً لها، على طريقة «سيلرز»، الهفوات أو «الإفيه»، كما تسمى في المسرح المصري.

تدور أحداث مسرحية «الطرف الثالث» حول رئيس الوزراء «لوستيت»، وبعض وزرائه، وهم يرافقون المدعو «رايتهاند»، المتهم بالإرهاب، إلى محكمة لاهاي الدولية في هولندا. وتجري هذه الأحداث في عربة الدرجة الأولى في قطار الغرب السريع (يوروستار) الذي يربط بين لندن وباريس في نفق يمر تحت بحر المانش. يتعرض رايتهاند للقتل في عربة الدرجة الأولى والقطار تحت المياه الإقليمية الفرنسية. يؤكد الوزراء براءتهم من الجريمة ويدّعون بوجود «طرف ثالث» نفذ الجريمة. لكن المفتش الشهير «كلوزو»، الذي يستدعى للتحقيق في الجريمة، يثبت خطل نظرية «الطرف الثالث».

لم يركز الخطيب هنا على تطوير شخصيات العمل درامياً إلا بما يسمح بتطوير الأحداث رغم اهتمامه بتوصيفاتهم و«وظائفهم» الدرامية من خلال تحديد مواقعهم الشخصية. واختار البناء الدرامي الكلاسيكي الذي يعنى بالحبكة وتفاعلها بشكل تصاعدي، بحيث تتراكم الأحداث بتتابع يؤدي إلى نقطة الذروة وانكشاف الحدث النهائي. ويطرح حل لغز الجريمة - في إطار معروف ومتداول في روايات وقصص الجريمة والغموض «البوليسية» مثل أعمال أغاثا كريستي والأعمال الدرامية أو أفلام أو مسلسلات الجريمة والغموض مثل أعمال بلاك إدواردز الكوميدية أو سدني لوميت الجادة وغيرهما.

صدرت المسرحية عن دار «السرد»، قطع متوسط، في 87 صفحة. وكانت لوحة الغلاف للفنان العراقي طه سبع.