«أثر مكتشف»... منحوتات خشبية تُعبّر عن التراث ببساطة مفرطة

معرض مصري للفنان هاني مجلي يضم 35 عملاً

الفنان المصري هاني مجلي الفقي (الشرق الأوسط)
الفنان المصري هاني مجلي الفقي (الشرق الأوسط)
TT

«أثر مكتشف»... منحوتات خشبية تُعبّر عن التراث ببساطة مفرطة

الفنان المصري هاني مجلي الفقي (الشرق الأوسط)
الفنان المصري هاني مجلي الفقي (الشرق الأوسط)

النظر إلى إحدى القطع الفنية الخشبية، والتجول حولها، يعني رؤية الفن نفسه، والشعور به والتأثر به، من دون الحاجة إلى لمسه أو محاولة الوصول إلى الأفكار التي تقف وراءه.

وربما ما يُفسّر ذلك أن هذه القطع تعكس تجارب إبداعية تستند إلى خامة طبيعية، لها خصوصيتها التي تخاطب الأرواح قبل أن تجتذب الحواس البصرية.

وعلى الرغم من العنوان الذي يبدو طويلاً و«معقّداً» لمعرضه «أثر مكتشف متهالك شديد القِدم»، فإن التشكيلي المصري، المولع بالخشب، هاني مجلي الفقي قدّم أعمالاً تتمتع بالبساطة المفرطة، طارحاً قضايا فلسفية وتراثية وحضارية بلغة فنية تخلو من التعقيد.

وعن ذلك، يقول الفنان لـ«الشرق الأوسط»: «ترتبط عناوين معارضي بكونها قائمة فكرياً على التجريب، فهي تحمل تجربة حقيقية، وليست مجرد عنوان فلسفي أو تخيّلاً لشيء ما».

ويتابع: «هذا العنوان ناتج عن تجربة عملية، استغرقت سنوات قضيتها ما بين الخامات المستدامة والبيئية والتقليدية، ولحظات وثيقة الصلة بالفن والإنسان والأرض، وذلك ما أفعله دوماً في معارضي، وليس في هذا المعرض فقط».

ويضيف: «ومن هنا، تكون العناوين مستلهمة من مواقف وعناصر إنسانية تأثّرت بها، وذات علاقة قوية بفكرة السكن والصمود والدفء».

صاحب المعرض ينظر إلى الخشب ككائن حي يشبه الإنسان (الشرق الأوسط)

ويُعدّ الفنان معرضه المقام في متحف «أحمد شوقي» بالقاهرة حتى 21 يونيو (حزيران) الحالي ذا علاقة قوية بالحياة والإنسان، لأن محتوياته مصنوعة من الخشب.

يقول مجلي: «أنظر إلى الخشب ككائن حيّ، يشبه الإنسان؛ كلٌّ منهما يتقدّم في العمر، ويمرّ بمراحل حياتية مختلفة، كما أن كلاً منهما يتعرّض لأزمات وأحداث سعيدة ومؤلمة على السواء، بل إنهما يشتركان في كونهما يتعرّضان لمواقف خذلان واستغناء في بعض الحالات؛ ولذلك جمعت بين الخشب والبورتريه في معظم أعمالي».

يزيل الفوارق بين المسميات الفنية (الشرق الأوسط)

ويتابع: «قد تكون نظرتي إليه فلسفية، لكنها حقيقة. على سبيل المثال، على المستوى الشخصي، كنت عند النظر إلى كرسي اعتادت والدتي الجلوس عليه ألاحظ علامات يديها عليه، في حين أنه لو لم يكن من الخشب، ما كان ذلك ليحدث».

أيضاً استعان الفقي في خلفية إحدى لوحاته، وهي «على حافة النهر»، بأجزاء من مجموعة كراسي خشبية كانت واسعة الانتشار في البيوت المصرية في القرن الماضي، وتُعرف باسم «كرسي القهوة».

وكانت هذه الكراسي تزدان بطباعة أيقونات مصرية مثل الأهرامات، أو زهرة اللوتس، أو الملكة نفرتيتي على أجزاء منها، فاستعان بتلك الأجزاء ليطعّم بها لوحته؛ فجاءت محمّلة بأبعاد حضارية واجتماعية وثقافية.

أعمال الفقي تعكس حالة من التنقيب عن الأثر الإنساني (الشرق الأوسط)

يقول: «هذه الكراسي لها دلالات عميقة، وتعبّر عن الفكر التشاركي عند المصريين؛ فلم يخلُ منها منزل مصري في السابق، وكانت حاضرة في الأفراح والمآتم، ويتشاركها الجيران عند الحاجة».

ويواصل: «بعضها تعرَّض في هذا القرن للخذلان، حين استغنى الجيل الجديد من بعض الأسر عنها بدلاً من إصلاحها، وبعضها تمسّك بها أصحابها، تماماً مثل الإنسان الذي يتعرّض لمثل هذه المواقف!».

إذن، يستكشف الفنان، كما يشير عنوان معرضه، الأثر بشكل عام داخله وحوله: «تأخذ أعمالي الجمهور في رحلة من الاكتشاف، سواء لي أو لخاماتي أو التقنيات الجديدة التي استطعت الوصول إليها».

ويتابع: «لكن قبل ذلك، هي تمثّل حالة من التنقيب عن الأثر الإنساني في كل مكان أصل إليه؛ فأبحث عن أي أشياء من صنع الإنسان، ومن حياته، أو أشياء تغيّرت وتكوّنت عليها طبقات بفعل الزمن».

يحتفي الفنان هاني مجلي الفقي بالبورتريه (الشرق الأوسط)

«في هذا السياق، تستوقفك في أعماله أجزاء مأخوذة من أشياء قديمة مرّت عليها عشرات السنين، ومنها أبواب عتيقة شاهدة على ذكريات وأحداث ولحظات عاطفية احتضنتها البيوت، وكانت زاخرة بالحياة. يُعيد الفنان معالجتها وتصليحها وتوظيفها في لوحاته: «أقوم بما يُعرف بإعادة التدوير لأثر الإنسان، لكن ليس بوصفه عملية صناعية بحتة، إنما بمعنى منحها حياة أخرى؛ لتبقى سنوات كثيرة مقبلة، وتشهد ما تشهده من مواقف جديدة، فتصبح أثراً جديداً في الحياة».

أحد الأعمال بالمعرض (الشرق الأوسط)

من هنا، يُعِدُّ النحات المصري أي عمل يقدمه أنه «ماستر بيس» أو قطعة واحدة لا تقبل التكرار؛ يقول: «عندما تُنتج عملاً فنياً من الخشب، فإنه من المستحيل أن تستنسخه؛ لأنك لن تجد نفس القطعة بالآثار نفسها التي تحملها، سواء ما كان عليها تهشير أو تكسير أو تجازيع، أو آثار من الألوان، أو أحاسيس شعرت بها حين تحملها بين يديك».

ويتابع: «لذلك أشعر بأن (البالتة الخشبية) الخاصة بي واحدة ولن تتكرر مرة أخرى، وحين أنتهي من عمل ما أبحث عن أثر آخر حتى أشكّل به عملاً جديداً لا أعرف كيف سيكون حين أنتهي منه، وهذه هي متعة العملية الإبداعية باستخدام الخشب؛ فأنت لا تعرف أبداً إلى أين قد ينتهي بك الأمر».

أمام أعماله المتنوعة التي تبلغ 35 عملاً ما بين المسطحة والمركبة والمجسمة، الغائرة والبارزة، المطعمة بأخشاب وخامات أخرى، أو الخالية من أي عناصر إضافية، قد تُصيبك الحيرة في المسمى الفني الدقيق لها وله!

توثق لوحاته النحتية لحظات إنسانية مؤثرة (الشرق الأوسط)

فهل تُعدُّ لوحات نحتية أم قطعاً نحتية أم «بورتريهات» أم تماثيل في بعض الأحيان؟ وأيضاً، هل نحن أمام نحَّات أم مصوِّر؟ لكن حين تتحدث مع الفقي عن ذلك، تكتشف أنه لا تشغله هذه المسميات وغيرها من الأصل.

يقول: «ما يعنيني هو انتماء أعمالي لفنون الخشب، وأن أعمل على إزالة الفواصل بين المسميات؛ فالعمل يكتسب أهميته من قيمته الفنية لا اسمه»، مشيراً إلى أن «الاتجاهات المعاصرة وفنون ما بعد الحداثة تُعزز جمع الفنان بين فنون عدّة حتى في العمل الواحد».

في أعماله أجزاء خشبية عتيقة (الشرق الأوسط)

لا يتوقف جهد هاني مجلي الفقي، المدرس في كلية التربية النوعية جامعة سوهاج، بمجال الأخشاب على العمل الأكاديمي وتعليم تقنياته، كما لا يقتصر على تقديم أعمال فنية من هذه الخامة، إنما يُجري أبحاثاً علمية تُنشر في مجلات علمية محلية ودولية حولها.

يقول: «يدخل الخشب في مجالات تطبيقية كثيرة إلى جانب الفنون، وهو ما يقتضي عمل دراسات وأبحاث مستمرة لتطويره الاستدامة وتحقيقها، وهو ما أعكف عليه بجانب أعمالي الفنية».


مقالات ذات صلة

«جدارية غزة» في معرض قاهري يجسّد معاناة الناجين من الحرب

يوميات الشرق مشاهد متفرقة وقصص إنسانية سجَّلتها «جدارية غزة» (الشرق الأوسط)

«جدارية غزة» في معرض قاهري يجسّد معاناة الناجين من الحرب

«جدارية غزة» هو اسم العمل الرئيسي الذي يمتدُّ لنحو 30 متراً، للفنان التشكيلي المصري عبد الرازق عكاشة، ضمن معرضه الأحدث.

محمد الكفراوي (القاهرة )
يوميات الشرق لوحات الفنانة تحمل زخماً في الألوان والشخوص والرموز (الشرق الأوسط)

«إلى أين؟»... معرض فني يحتفي بسحر النوبة والهوية

بألوان تشع بهجة ولوحات تحمل أبعاداً أسطورية عن النيل والروح المصرية الأصيلة، تحتفي الفنانة رندا إسماعيل بسحر النوبة والهوية المصرية عبر معرضها الأحدث.

محمد الكفراوي (القاهرة )
لمسات الموضة لم تعد السوق السعودية تكتفي بدور المستهلك والمتفرج بل دخلت إلى العالمية على يد مؤسسات لعلامات تجميل مهمة (أستيري)

سوق الجمال في الشرق الأوسط... تبتسم في وجه التحديات الاقتصادية والسياسية

اختُتمت فعاليات معرض كوزموبروف وورلدوايد بولونيا 2026، مؤكدة أن صناعة الجمال ستظل صامدة ومُشرقة حتى في أكلح أيام الركود. فالحاجة إلى طمأنة النفس والرفع من…

«الشرق الأوسط» (لندن)
يوميات الشرق من لوحات الفنان حسن غانم (الشرق الأوسط)

«الهارب من بني حسن»... معرض يحتفي بالحضارة المصرية القديمة

التجربة «الغرافيكية» في معرض «الهارب من بني حسن» للفنان التشكيلي المصري حسن غانم، لا تسعى إلى تمثيل العالم، وإنما إلى تفكيك حضوره.

محمد الكفراوي (القاهرة )
ثقافة وفنون جانب من معرض «الملكة إليزابيث الثانية: حياتها من خلال الأناقة»... في معرض الملك بقصر باكنغهام لندن 9 أبريل 2026 (رويترز)

بالصور: بريطانيا تحتفي بالملكة إليزابيث الثانية أيقونةً للموضة بمعرض ضخم في الذكرى المئوية لميلادها

تحتفي بريطانيا بمرور مائة عام على ميلاد الملكة إليزابيث الثانية عبر معرض ضخم في قصر باكنغهام يبرز دور أزيائها أداةً دبلوماسيةً ورمزاً لأناقتها وتأثيرها الثقافي.

«الشرق الأوسط» (لندن)

شيرين عبد الوهاب لتجاوز أزماتها بغناء «عايزة أشتكي»

شيرين عبد الوهاب تطرح أغنية جديدة (فيسبوك)
شيرين عبد الوهاب تطرح أغنية جديدة (فيسبوك)
TT

شيرين عبد الوهاب لتجاوز أزماتها بغناء «عايزة أشتكي»

شيرين عبد الوهاب تطرح أغنية جديدة (فيسبوك)
شيرين عبد الوهاب تطرح أغنية جديدة (فيسبوك)

عادت المطربة المصرية شيرين عبد الوهاب للأضواء مرة أخرى، بعد إعلان الملحن والموزع عزيز الشافعي عن قرب إصدار أغنية جديدة لها بعنوان «عايزة أشتكي»، ما حظي باهتمام لافت على صفحات «سوشيالية»، وتصدر «الترند» على «غوغل» في مصر، الأحد، وعَدّه بعض المتابعين والنقاد خطوة من شيرين لتجاوز أزمات تعرضت لها في الفترة الأخيرة، تسببت في غيابها عن الساحة الغنائية.

ونشر الملحن عزيز الشافعي مقطع فيديو تظهر فيه شيرين خلال تصوير أغنية جديدة تقول كلماتها «عايزة أشتكي... أشكي»، وقال في الفيديو إنه يعرف أنها أوحشت جمهورها كثيراً، وهي أيضاً تشتاق إليهم، معلناً عن عودتها قريباً بعد فترة غياب شغلت كل محبيها.

وتعرضت شيرين عبد الوهاب للعديد من الأزمات والقضايا والمحاضر المتبادلة بينها والملحن والمطرب حسام حبيب بعد ارتباطهما وانفصالهما أكثر من مرة، كما شهدت أزمات أخرى حول حقوق استغلال صفحاتها «السوشيالية» وفي علاقتها بأخيها وأسرتها، وتعرضت لأزمة صحية بعد جدل أثير حول حفل قدمته في المغرب، واتهمها الجمهور باستخدام «البلاي باك» على خلاف المتوقع منها.

شيرين عبد الوهاب (إنستغرام)

وغابت شيرين عن الساحة الفنية والغنائية لفترة طويلة، إلى أن ظهرت في مارس (آذار) الماضي عبر فيديو متداول على «السوشيال ميديا» بصحبة ابنتها هنا وهما يغنيان في حالة من البهجة والمرح، إلى أن ظهرت أخيراً في مقطع الفيديو الذي نشره عزيز الشافعي من كواليس التسجيل، معلناً عن عودتها للساحة الغنائية.

ويرى الناقد الموسيقي المصري، محمود فوزي السيد، أن محبي وجمهور شيرين يتمنى عودتها بشكل نهائي للساحة الغنائية وتجاوز كل أزماتها، وقال لـ«الشرق الأوسط»: «للأسف رفاهية الفرص الجديدة لم تعد متاحة بشكل كبير بالنسبة لشيرين، خصوصاً أنها حظيت بفرص للعودة من قبل ولم تستثمرها بالشكل المنشود».

وتابع: «نتمنى رجوعها طبعاً لأنها صوت مهم جداً على ساحتي الغناء المصرية والعربية، ونتمنى أن يكون هذا قرار العودة النهائية بألبوم كامل، وأن يكون فريق العمل معها من ملحنين وشعراء وموزعين ومهندسي صوت على قدر المسؤولية؛ لأنها مسؤولية كبيرة عودة شيرين، ويجب أن تكون أعمالها القادمة مناسبة لقيمتها الفنية وموهبتها واشتياق الجمهور لها، وليست مجرد أعمال لملء الألبوم».

ووصف السيد صوت شيرين بأنه «يتميز بالأصالة الشديدة، ومن ثم حين تعود يجب أن تعود بكامل لياقتها الصوتية، لأنها صوت مميز جداً، وهذا التميز يجب أن يظل العلامة المميزة لصوتها وأدائها».

من كواليس الأغنية الجديدة (صفحة عزيز الشافعي على فيسبوك)

وقدمت شيرين العديد من الألبومات الغنائية والأغاني الفردية على مدى مشورها كما أحيت عشرات الحفلات في مصر والخارج، وكان أول ألبوماتها المفردة «جرح تاني» الذي صدر عام 2003، ثم توالت أعمالها مثل «آه يا ليل» و«بتوحشني» و«أنا كثير» و«حبيت»، وكانت أحدث أغنياتها بعنوان «باتمنى أنساك».

ويصف الناقد الموسيقي المصري، أحمد السماحي، الاهتمام بعودة شيرين بأنها «قد يكون مفتعلاً من صفحات مؤثرة»، ويضيف لـ«الشرق الأوسط» أن «شيرين بقدر محبة جمهورها لها فهو غاضب منها، وربما كان الاهتمام بإعلان عزيز الشافعي قرب عودة شيرين؛ لأن الشافعي واحد من فرسان الساحة الغنائية حالياً، والجميع يهتم بما يعلن عنه».

وتابع السماحي: «أرجو أن تبعد شيرين أزماتها الأسرية والشخصية عن الإعلام والمجال العام، كما تفعل الكثير من المطربات، فهناك العديد من الأسرار في حياة النجوم ونجمات الغناء لا نعرف عنها شيئاً، لأنهم تمكنوا من بناء حائط صد وخط أحمر يفصل بين حياتهم الفنية وحياتهم الشخصية وأتمنى أن تتمكن شيرين من رسم هذا الخط الأحمر لحياتها الشخصية والأسرية، وتبتعد عن الصخب والجدل الذي يحيط بوجودها وتترك المساحة لصوتها فقط وأغنياتها؛ أقول ذلك بحكم محبتي لصوتها ومتابعتي لها منذ بداياتها، وأعرف مدى طيبتها وعفويتها».

وأشار السماحي إلى أن حضور شيرين حالياً في وجدان محبيها وجمهورها يعود إلى «عذوبة وجمال صوتها، واختياراتها الغنائية الموفقة، فهي من المطربات القليلات في مصر والوطن العربي اللائي يجيدن اختيار أغانيهن، لذلك حظيت بمكانة ما في قلب الجمهور العربي، لكن هذا المكان أصبح عرضة للتراجع بسبب الخلط بين الحياة الشخصية وبين المشوار الفني»؛ على حد تعبيره.


العلا تعيد رسم موقعها على خريطة الأفلام العالمية

استوديوهات «فيلم العلا»... بنية حديثة للإنتاج السينمائي (فليم العلا)
استوديوهات «فيلم العلا»... بنية حديثة للإنتاج السينمائي (فليم العلا)
TT

العلا تعيد رسم موقعها على خريطة الأفلام العالمية

استوديوهات «فيلم العلا»... بنية حديثة للإنتاج السينمائي (فليم العلا)
استوديوهات «فيلم العلا»... بنية حديثة للإنتاج السينمائي (فليم العلا)

في سباق عالمي محتدم على استقطاب كبرى الإنتاجات السينمائية، تدخل العلا المشهد بثقل مختلف، لا يعتمد فقط على سحر الموقع، بل على «مشروع متكامل» يعيد تشكيل مفهوم صناعة الفيلم في المنطقة. فمن صحرائها التي احتضنت عبر التاريخ حضارات متعاقبة، تنطلق اليوم رؤية حديثة يقودها «فيلم العلا»، ليضع المملكة في موقع تنافسي جديد، ليس بوصفها محطة تصوير عابرة، بل وجهة إنتاج سينمائي متكاملة تسعى إلى ترسيخ حضورها في قلب الصناعة العالمية.

وفي مؤشر واضح على تصاعد حضورها الدولي، جاءت العلا مؤخراً ضمن القائمة النهائية لـ«جوائز الإنتاج العالمية 2026»، في فئة «مدينة الأفلام»، وهي من أبرز الجوائز المهنية التي تُنظم سنوياً بالتزامن مع «مهرجان كان السينمائي». ومن المقرر أن تُعلن النتائج في 18 مايو (أيار) 2026 خلال حفل رسمي بمدينة كان الفرنسية، حيث تتنافس العلا مع وجهات إنتاج عالمية، في سباق يعكس مكانتها المتنامية في صناعة السينما الدولية.

هذا الترشيح لا يُقرأ على أنه إنجاز رمزي فحسب، بل أيضاً بوصفه دليلاً على انتقال «فيلم العلا» من مشروع محلي ناشئ إلى لاعب حاضر في مشهد الإنتاج العالمي، مدعوماً ببنية تحتية متطورة ومواقع تصوير استثنائية.

من موقع تصوير إلى مركز إنتاج عالمي

لم يعد الرهان على جمال الطبيعة وحده كافياً، فالعلا، كما يؤكد لـ«الشرق الأوسط» المدير التنفيذي المكلف بالإنابة «فيلم العلا»، زيد شاكر، «تتحرك بخطى مدروسة نحو بناء منظومة إنتاج متكاملة، قادرة على استقطاب المشروعات العالمية وتوطينها في الوقت ذاته». ويشير إلى أن البنية التحتية التي يجري تطويرها ليست مجرد إضافة تقنية، «بل هي أيضاً عنصر حاسم في هذا التحول»، موضحاً أن الهدف هو الانتقال بالعلا «من موقع تصوير مميز إلى مركز إنتاج سينمائي متكامل يستقطب كبرى المشروعات العالمية».

خلال تصوير عدد من الأعمال العالمية، لم تكن الطبيعة وحدها هي العامل الجاذب، بل تكاملها مع بنية إنتاجية متقدمة. ويؤكد شاكر أن العلا تمتلك مزيجاً فريداً من «الصحارى والجبال والتكوينات الصخرية والمواقع الأثرية»؛ مما يمنحها قدرة استثنائية على تمثيل بيئات متعددة على الشاشة، دون الحاجة إلى التنقل بين مواقع مختلفة. لكن الأهم، وفقه، هو «ما وراء الكاميرا: استوديوهات مجهزة، ومرافق إنتاج، ودعم لوجيستي، وخدمات متكاملة... تتيح تنفيذ المشروعات السينمائية الكبرى بكفاءة عالية».

بين العالمية والمحلية

أحد أبرز رهانات «فيلم العلا» تمثل في تحقيق توازن مستدام بين استقطاب الإنتاجات العالمية، وبناء كوادر وطنية قادرة على قيادة الصناعة مستقبلاً. وفي هذا السياق، يوضح شاكر أن «الجهود تتركز على برامج تدريبية وشراكات تعليمية دولية، إلى جانب حوافز إنتاجية تنافسية لدعم المشروعات المحلية والعالمية، بما يسهم في نقل المعرفة وتوطينها».

قبل وصولهم إلى العلا، يحمل كثير من صناع الأفلام تصورات مسبقة عن تحديات التصوير في المنطقة، لكن هذه الصورة تتغير سريعاً بمجرد بدء العمل. ويشير شاكر إلى أن «الشركاء الدوليين يفاجأون بمستوى الجاهزية، وسلاسة الإجراءات، والدعم اللوجيستي المتكامل؛ مما يعزز ثقتهم ويشجعهم على العودة بمشروعات جديدة».

الجغرافيا بوصفها عاملاً إبداعياً... لا مجرد خلفية

ليست العلا مجرد موقع بصري جذاب، بل بيئة سردية تؤثر في طبيعة الأعمال التي تنتَج فيها. ويؤكد شاكر أن «الخصائص الجغرافية والتاريخية للمنطقة تلعب دوراً مباشراً في اختيار المشروعات؛ لما توفره من تنوع بصري وسردي يفتح آفاقاً واسعة أمام صناع الأفلام». ورغم البعد الاقتصادي الواضح، فإن «فيلم العلا» يحمل بعداً ثقافياً استراتيجياً، فالمشروع، وفق شاكر، «يسهم في إعادة تشكيل الصورة السينمائية للمملكة عالمياً، ويعزز حضورها مصدراً للقصص، وليس فقط موقعَ تصوير».

وعند تلخيص التجربة، تبدو الرسالة واضحة: العلا ليست مجرد موقع تصوير، بل بيئة متكاملة لصناعة القصص، ففي وقت تتنافس فيه الوجهات العالمية على جذب الإنتاجات، تقدم العلا نموذجاً مختلفاً، يجمع بين المكان، والبنية، والرؤية، ليؤسس لصناعة سينمائية واعدة، تتجاوز حدود الجغرافيا نحو فضاء أوسع من التأثير والحضور.


حل لغز اختفاء عائلة عام 1958 بعد سبعة عقود

العائلة المفقودة منذ عام 1958 (شرطة مقاطعة هود ريفر)
العائلة المفقودة منذ عام 1958 (شرطة مقاطعة هود ريفر)
TT

حل لغز اختفاء عائلة عام 1958 بعد سبعة عقود

العائلة المفقودة منذ عام 1958 (شرطة مقاطعة هود ريفر)
العائلة المفقودة منذ عام 1958 (شرطة مقاطعة هود ريفر)

كُشف أخيراً عن مصير عائلة أميركية اختفت في ظروف غامضة قبل نحو سبعة عقود، في قضية أثارت اهتماماً واسعاً آنذاك. فقد اختفت عائلة مارتن، المكوّنة من الوالدين كينيث وباربرا، وبناتهما: باربي (14 عاماً)، وفيرجينيا (13 عاماً)، وسوزان (11 عاماً)، في ديسمبر (كانون الأول) 1958 بولاية أوريغون، بعد تغيّب الوالدين عن العمل بشكل مفاجئ. وعُثر بعد أشهر على جثتي فيرجينيا وسوزان، في حين ظل مصير بقية أفراد الأسرة مجهولاً، حسب «سي إن إن» الأميركية. وظل اختفاء باربي ووالديها لغزاً لعقود، إلى أن قاد اكتشاف حديث إلى حل القضية، إذ عثر الغواص آرتشر مايو، عام 2024 على سيارة من طراز «فورد ستيشن واغن» في نهر كولومبيا، قبل أن تُنتشل في العام التالي وبداخلها بقايا بشرية.

وأكدت فحوص الحمض النووي أنها تعود إلى بقية أفراد عائلة مارتن. وقالت كريستن ميتمان، من مختبر «أورثام»: «كثيرون عملوا لسنوات طويلة لكشف مصير العائلة، ونحن فخورون بالإسهام في هذا الإنجاز. مثل هذه الألغاز لا تثقل كاهل العائلة فحسب، بل المجتمع بأسره، ونأمل أن ينهي هذا حالة الانتظار الطويلة». وكان الابن الأكبر دونالد، الذي كان يبلغ 28 عاماً آنذاك ويقيم في نيويورك، قد شكك في فرضية الحادث العرضي، مرجحاً وجود شُبهة جنائية.

غير أن مكتب شريف مقاطعة هود ريفر، أكد عدم وجود أي دليل على وقوع جريمة، موضحاً أن العائلة اختفت خلال زيارة يُعتقد أنهم قاموا بها إلى منطقة كولومبيا ريفر غورج لجمع نباتات عيد الميلاد، وأنه رغم العثور على بقايا فيرجينيا وسوزان في مجرى النهر بعد أشهر، لم تُثمر عمليات البحث المكثفة، بما فيها الغوص، عن العثور على الوالدين كينيث وباربرا، أو الابنة الكبرى باربي آنذاك.