مهمات أميركية وأوروبية ويابانية لاستكشاف القمر

تنافس دولي يتسم بالابتكار والتعاون

تضاريس سطح القمر تزيد صعوبة الهبوط عليه
تضاريس سطح القمر تزيد صعوبة الهبوط عليه
TT

مهمات أميركية وأوروبية ويابانية لاستكشاف القمر

تضاريس سطح القمر تزيد صعوبة الهبوط عليه
تضاريس سطح القمر تزيد صعوبة الهبوط عليه

بعد نصف قرن من ترك رواد رحلة «أبولو» آخر بصمات أقدامهم على غبار القمر، عاد القمر ليبرز من جديد كوجهة للطموح الجامح والهندسة الدقيقة.

ومع ذلك، تأتي هذه المرة مختلفة، فالمنافسة لا تقتصر على القوى العظمى التي تتسابق لرفع أعلامها على القمر، بل انضمت للمنافسة كذلك شركات خاصة، وشراكات متعددة الجنسيات، و«كشافة روبوتية»، كلها تسعى إلى سبر أغوار القمر وتمهيد الطريق لعودة البشر إليه مستقبلاً.

بعثات القمر البارزة

حتى الآن في عام 2025، أحرزت جهود استكشاف القمر تقدماً ملحوظاً، مع انطلاق عدة بعثات بارزة نحو القمر، أو بعثات هبطت عليه بالفعل، بعدما اجتاز كل منها الرحلة الطويلة عبر الفضاء، ثم مرحلة الهبوط الأشد تعقيداً على سطح القمر أو الدخول في مداره، بدرجات متفاوتة من النجاح. وتعكس هذه البعثات معاً ما يحمله السباق الفضائي الجديد من وعود وصعوبات - سباق يتسم بالابتكار والمنافسة والتعاون.

وبصفتي مهندساً في مجال الطيران والفضاء، متخصصاً في تقنيات التوجيه والملاحة والسيطرة، يثير اهتمامي العميق كيف أن كل مهمة - سواء نجحت أم فشلت - تسهم في إثراء المعرفة الجماعية للعلماء. وعلى وجه التحديد، تساعد هذه المهام المهندسين على تعلم كيفية التنقل في تعقيدات الفضاء، والعمل في بيئات قمرية معادية، والتقدم بثبات نحو وجود بشري مستدام على سطح القمر.

سفينة "بلو غوست 1"

مصاعب الهبوط على القمر

لماذا يُعد الهبوط على القمر بهذه الصعوبة؟ يظل استكشاف القمر أحد أكثر المجالات تطلباً من الناحية التقنية، على صعيد رحلات الفضاء الحديثة، فاختيار موقع الهبوط يتطلب موازنة معقدة بين الأهمية العلمية وسلامة التضاريس وتعرض الموقع لأشعة الشمس.

ويتسم القطب الجنوبي للقمر بجاذبية خاصة، لاحتمالية احتوائه على ماء في صورة جليد داخل الفوهات المظللة - وهي مورد بالغ الأهمية للبعثات المستقبلية. وقد تحتوي مواقع أخرى على أدلة حول النشاط البركاني في القمر أو التاريخ المبكر للنظام الشمسي.

ويجب حساب مسار كل مهمة بدقة شديدة، لضمان وصول المركبة وهبوطها في المكان والزمان المناسبين. ويأخذ المهندسون في اعتبارهم الموقع المتغير باستمرار للقمر في مداره حول الأرض، وتوقيت نوافذ الإطلاق، وقوى الجاذبية التي تؤثر على المركبة طوال رحلتها.

كما يحتاجون إلى تخطيط مسار المركبة بعناية، لتصل بزاوية وسرعة مناسبتين للهبوط الآمن، فحتى الأخطاء الصغيرة في الحسابات في المراحل المبكرة قد تؤدي إلى انحراف كبير في موقع الهبوط - أو فقدان فرصة الهبوط بالكامل.

وبمجرد الهبوط على السطح، يتعين على المركبات الهابطة أن تتحمل تقلبات شديدة في درجات الحرارة - من أكثر من 250 درجة فهرنهايت (121 درجة مئوية) في النهار إلى ما دون 208 فهرنهايت (-133 درجة مئوية) في الليل - بالإضافة إلى الغبار، والإشعاع، وتأخر الاتصالات مع الأرض. ويجب أن تعمل أنظمة الطاقة، والتحكم الحراري، وأرجل الهبوط، وروابط الاتصال في المركبة بشكل مثالي. وفي الوقت نفسه، يجب أن تتجنب هذه المركبات التضاريس الخطرة، وتعتمد على ضوء الشمس لتشغيل أجهزتها وإعادة شحن بطارياتها.

وتُفسر هذه التحديات سبب تحطم أو الفشل الجزئي الذي منيت به الكثير من المركبات، رغم التقدم الكبير في التكنولوجيا منذ عصر أبولو.

وتواجه الشركات التجارية نفس التحديات التقنية التي تواجهها الوكالات الحكومية، لكن غالباً بميزانيات أقل، وفرق أصغر، وأجهزة ومعدات أقل اعتماداً على إرث سابق. وعلى عكس المهمات الحكومية التي تستند إلى عقود من الخبرة والبنية التحتية المؤسسية، تخوض الكثير من الجهود التجارية لاستكشاف القمر هذه التحديات للمرة الأولى.

نجاحات وصعوبات برنامج «ناسا»

ما الهبوطات الناجحة والدروس الصعبة لبرنامج خدمات الحمولة القمرية التجارية؟ تعود عدة بعثات قمرية، أُطلقت هذا العام، إلى برنامج خدمات الحمولة القمرية التجارية، التابع لوكالة ناسا، والمعروف اختصاراً باسم (CLPS)، وهو مبادرة تتعاقد فيها «ناسا» مع شركات خاصة لنقل حمولة علمية وتكنولوجية إلى القمر، بهدف تسريع وتيرة جهود الاستكشاف، مع تقليل التكاليف وتشجيع الابتكار التجاري.

> انطلقت أول مهمة قمرية عام 2025، «بلو غوست 1» Blue Ghost 1، التابعة لشركة «فايرفلاي إيروسبيس» Firefly Aerospace، في يناير (كانون الثاني)، وهبطت بنجاح في أوائل مارس (آذار).

وتمكنت السفينة الفضائية من الصمود خلال النهار القمري القاسي، وأرسلت بيانات طيلة نحو أسبوعين، قبل أن تفقد الطاقة في أثناء الليل القمري المتجمد - وهو الحد التشغيلي المعتاد لمعظم المركبات القمرية غير المزودة بأنظمة تدفئة.

وقد أظهرت «بلو غوست 1» كيف يمكن للمركبات التجارية أن تتحمل مسؤولية الاضطلاع بأدوار حاسمة، ضمن برنامج «أرتميس» التابع لـ«ناسا»، الذي يهدف لإعادة إرسال رواد الفضاء إلى القمر في وقت لاحق من هذا العقد.

> أما ثاني عملية إطلاق ضمن برنامج خدمات الحمولة القمرية التجارية هذا العام، فكانت لمهمة «آي إم ـ 2» IM-2»، التابعة لشركة «إنتويتيف ماشينز» Intuitive Machines، والتي انطلقت في أواخر فبراير (شباط). واستهدفت العملية موقعاً علمياً مثيراً للاهتمام، قرب منطقة القطب الجنوبي للقمر.

> وهبطت السفينة «نوفا ـ سي» Nova-C، أُطلق عليها «أثينا» Athena، في السادس من مارس (آذار)، بالقرب من القطب الجنوبي، لكنها انقلبت في أثناء الهبوط. وبسبب هبوطها على جانبها داخل فوهة ذات تضاريس غير مستوية، لم تتمكن من نشر ألواحها الشمسية لتوليد الطاقة، مما أدى إلى إنهاء المهمة مبكراً.

ورغم أن انقلاب «أثينا» منعها من تنفيذ جميع التجارب العلمية المخطط لها، فإن البيانات التي أرسلتها لا تزال ذات قيمة، في فهم كيفية تفادي مثل هذه المصائر، في التضاريس الوعرة بالمناطق القطبية.

> وليس من الضروري أن تهبط كل البعثات القمرية، فقد أُطلقت سفينة «لونار تريلبليزر»، التابعة لـ«ناسا»، وهي عبارة عن قمر اصطناعي صغير، في فبراير (شباط)، مع «آي إن ـ 2». وكان الهدف منها أن تدور حول القمر، لرسم خريطة لتوزيع الماء الموجود في صورة جليد، خاصة في الفوهات المظللة قرب الأقطاب.

غير أنه بعد الإطلاق بوقت قصير، فقدت «ناسا» الاتصال بالمركبة. ويُرجّح المهندسون أن عطلاً في الطاقة قد أدى إلى نفاد بطارياتها. وتواصل «ناسا» جهود إعادة تنشيط منظومة الطاقة، على أمل أن تعيد الألواح الشمسية شحن البطاريات في شهري مايو (أيار) ويونيو (حزيران).

بعثات حالية ومستقبلية

> سفينة يابانية. في نفس يوم انطلاق «بلو غوست» في يناير (كانون الثاني) الماضي، كانت مهمة «هاكوتو ـ آر 2» Hakuto-R Mission 2 (رزيليانس Resilience)، التابعة لشركة «آي سبيس» ispace اليابانية، في طريقها إلى القمر، وقد دخلت مداره بنجاح.

ونفذت السفينة تحليقاً ناجحاً حول القمر في 15 فبراير (شباط)، ومن المتوقع أن تهبط في أوائل يونيو (حزيران) المقبل.

ورغم انطلاقها في التوقيت نفسه، سلكت «ريزيليانس» مساراً أطول من «بلو غوست»، لتوفير الطاقة. كما أتاح لها ذلك إجراء ملاحظات علمية إضافية، في أثناء الدوران حول القمر.وحال نجاح المهمة، ستكون بمثابة تقدم مهم لقطاع الفضاء التجاري الياباني، وستشكل عودة قوية لشركة «آي سبيس»، بعد تحطم مركبتها الأولى خلال الهبوط النهائي عام 2023.

> سفينة أوروبية. أما وكالة الفضاء الأوروبية، فتعتزم إطلاق «لونار باثفايندر»، Lunar Pathfinder قمر اصطناعي مخصص للاتصالات القمرية، لتسهيل تواصل البعثات المستقبلية، خاصة تلك التي تعمل على الجانب البعيد أو عند الأقطاب، مع الأرض.

> سفينة وعربة جوالة أميركية. ومن المتوقع أن يشهد ما تبقى من عام 2025 جدولاً مزدحماً بالبعثات القمرية. مثلاً، تخطط شركة «إنتويتيف ماشينز»، لإطلاق «آي إم ـ 3»، أواخر العام، لاختبار أدوات متطورة جديدة، وربما نقل تجارب علمية لوكالة «ناسا» إلى القمر.

> في الوقت ذاته، من المقرر أن تنقل مهمة «غريفين 1» Griffin Mission-1، التابعة لشركة «أستروبوتيك» عربة «ناسا» الجوالة «فايبر» VIPER إلى القطب الجنوبي للقمر، حيث ستقوم بالبحث المباشر أسفل الجليد تحت السطح. وتشير هذه البعثات مجتمعة إلى نهج دولي وتجاري متزايد، على صعيد تطوير علوم القمر واستكشافه.

ومع توجه أنظار العالم نحو القمر، فإن كل بعثة – سواء أحرزت نجاحاً أو منيت بإخفاق - تقرّب البشرية خطوة جديدة نحو عودة دائمة إلى أقرب «جيراننا السماويين».

* أستاذ مشارك في الهندسة الميكانيكية والفضائية في جامعة تينيسي. مجلة «فاست كومباني»

ـ خمات «تريبيون ميديا»


مقالات ذات صلة

«تسرب هواء» قد يجبر رواد محطة الفضاء الدولية على إخلائها

علوم محطة الفضاء الدولية (أ.ف.ب)

«تسرب هواء» قد يجبر رواد محطة الفضاء الدولية على إخلائها

أعلنت وكالة «ناسا» أنها أصدرت أوامر إلى روّاد الفضاء الموجودين على متن محطة الفضاء الدولية بالاستعداد لإخلاء محتمل، الجمعة، مع حدوث تسرّب هواء في المحطة.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
يوميات الشرق أحياناً تبدأ الرحلات الكبرى من خسارة شخصية (وكالة الفضاء الأوروبية)

بطل بارالمبي قد يصبح أول رائد فضاء ذي إعاقة يعيش في المدار

قد يصبح جراح وبطل بارالمبي بريطاني أول شخص ذي إعاقة جسدية يعيش في المدار...

«الشرق الأوسط» (لندن)
علوم كواكب المجموعة الشمسية (أرشيفية-رويترز)

اكتشاف كواكب بمجالات مغناطيسية خارج المجموعة الشمسية

توصّل علماء الفلك إلى أقوى دليل حتى الآن على أن الكواكب الواقعة خارج منظومتنا الشمسية، لها مجالات مغناطيسية، مثل الأرض وخمسة كواكب أخرى في المجموعة الشمسية.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
يوميات الشرق خلف الضوء الهائل... نبض غامض يتبدّل (غيتي)

الشمس تُفاجئ العلماء بسلوك غامض وغير مُتوقَّع

وجد العلماء أنّ الشمس تتصرّف بطرق غامضة وغير متوقَّعة، وذلك بعد استماعهم إلى «نبضها» الداخلي.

«الشرق الأوسط» (لندن)
يوميات الشرق آثار «افتراس كوني» لكواكب صخرية (وكالة الفضاء الأوروبية)

علماء يكتشفون نجوماً تبتلع كواكب شبيهة بالأرض

بعض النجوم القزمة الحمراء قد ابتلعت كواكب صخرية شبيهة بالأرض خلال المراحل المُبكرة من تكوُّن الأنظمة الكوكبية.

«الشرق الأوسط» (القاهرة )

تجارب سريرية لأول دواء لإعادة برمجة الخلايا بهدف مكافحة الشيخوخة

تجارب سريرية لأول دواء لإعادة برمجة الخلايا بهدف مكافحة الشيخوخة
TT

تجارب سريرية لأول دواء لإعادة برمجة الخلايا بهدف مكافحة الشيخوخة

تجارب سريرية لأول دواء لإعادة برمجة الخلايا بهدف مكافحة الشيخوخة

حصلت شركة «نيوليميت» (NewLimit) الناشئة في مجال التكنولوجيا الحيوية، على «جولة تمويلية» ضخمة جديدة بقيمة 435 مليون دولار، بعد إعلانها عن اكتشاف علمي رائد لدواء أوليّ يُعيد عقارب الساعة إلى الوراء لمنع شيخوخة خلايا الكبد، كما كتب كيفن هاينز(*). ويُرسّخ إعلان الشركة عن استثمارٍ يقارب نصف مليار دولار في هذا الدواء المُصمّم لعكس آثار الشيخوخة، مكانتها في طليعة صناعة التكنولوجيا الحيوية المبتكَرة والمُربِحة.

البدء بتجارب سريرية

وقال جاكوب سي كيميل، المؤسس المشارك والرئيس بـ«نيوليميت»، في منشور على مدوَّنة الشركة، معلناً عن هذا التمويل الضخم: «سنبدأ التجارب السريرية على البشر لأول دواء لدينا، لإعادة برمجة الخلايا لمكافحة الشيخوخة، العام المقبل. ويأتي تسريع الجدول الزمني للتجارب مدفوعاً بالاكتشاف الرائد لدواء أوليّ يُعيد عقارب الساعة إلى الوراء في شيخوخة خلايا الكبد البشرية المُسنة».

وتتخصص الشركة، ومقرّها كاليفورنيا، في البرمجة «فوق الجينية» (يدرس علم «فوق الجينات أو «علم التخلّق» Epigenetics الظواهر الناتجة عن التأثيرات الخارجية على الجينات). وتسعى هذه التقنية البيولوجية، المدعومة بالذكاء الاصطناعي، إلى إعادة ضبط «برمجيات» الخلية الحية لجعلها نظرياً أصغر سناً وأكثر صحة، دون تغيير حمضها النووي الأساسي.

«استعادة شباب» أجهزة الجسم

وقد صرحت الشركة بأنها تركز على «استعادة وظائف الشباب» في الكبد والجهاز المناعي والأوعية الدموية. وإذا تكللت هذه الأدوية بالنجاح، فنتوقع أن تُعيد الحيوية إلى عملية التمثيل الغذائي، ومستويات الطاقة، ومقاومة الأمراض، وحتى القدرات الإدراكية في مراحل لاحقة من العمر.

توقعت «نيوليميت»، في البداية، أن يستغرق تطوير أدوية قابلة للتجربة على البشر عقداً أو أكثر. إلا أن نجاح دواء نموذجي مصمم لإعادة برمجة شيخوخة خلايا الكبد أسهم في الحصول على جولة تمويل ضخمة جديدة، مما قلّص المدة الزمنية إلى النصف تقريباً.

إعادة برمجة الكبد

وقال كيميل: «يُمكّن علاجنا لإعادة برمجة الكبد الكبدَ من التعافي، بشكل أسرع، بعد الإصابة، وتجنب الضرر الناتج عن التحديات الغذائية، وتسريع التعافي من آثار استهلاك الكحول. ستكشف تجربتنا، في العام المقبل، عن كيفية تطبيق إعادة برمجة شيخوخة الكبد على البشر، لأول مرة. وخلال السنوات المقبلة، سنضيف برامج علاجية جديدة ونُدخل مجموعة متنوعة من العلاجات إلى التجارب السريرية».

تحذير علمي

ومع ذلك، يحذر الباحثون من أن عكْس مؤشرات شيخوخة الخلايا في الخلايا المزروعة مخبرياً لم يُسفر بعدُ عن علاجات مُثبتة لمكافحة الشيخوخة لدى البشر.

شركات منافِسة

وتشمل الشركات المُنافِسة لـ«نيوليميت» شركة «ريترو بيوساينسز»، المدعومة من سام ألتمان، الرئيس التنفيذي لشركة أوبن إيه آي، وشركة ألتوس لابز، التي انطلقت، قبل أربع سنوات، بقيادة مؤسس «أمازون»، جيف بيزوس

«إنك»، خدمات «تريبيون ميديا»


بودكاست شخصي بالذكاء الاصطناعي يُزوّد ​​المستخدمين بآخر مؤشراتهم الصحية

بودكاست شخصي بالذكاء الاصطناعي يُزوّد ​​المستخدمين بآخر مؤشراتهم الصحية
TT

بودكاست شخصي بالذكاء الاصطناعي يُزوّد ​​المستخدمين بآخر مؤشراتهم الصحية

بودكاست شخصي بالذكاء الاصطناعي يُزوّد ​​المستخدمين بآخر مؤشراتهم الصحية

ستُنتج شركة «إيترنال» الأميركية الناشئة في مجال الصحة، «بودكاست» أسبوعياً خاصاً بأي فرد، يُركز على نتائج تحاليل دمه، كما كتب سام بيكر(*).

بيانات شخصية

نحن غارقون في البيانات، لكن كثيرين يجدون صعوبة في فهمها واستيعابها. إلا أن شركة إيترنال تعتقد أنها وجدت حلاً للاستفادة من البيانات الصحية، وهو تقديم بودكاست شخصي أسبوعي مُولَّد بتقنية الذكاء الاصطناعي، يُزوّد ​​المستخدمين بآخر التحديثات حول إحصائياتهم الصحية واللياقة البدنية، وجودة نومهم، وغير ذلك.

بودكاست موجّه أساساً للرياضيين

يُعدّ هذا البودكاست (بث صوتي) أحدث منتجات الشركة الناشئة في مجال الصحة وإطالة العمر، مُوجّهة خصوصاً للرياضيين. تجمع الشركة بين خدمات متنوعة، مثل فحوصات الجسم وتحاليل الدم، وتُحوّلها إلى تقارير وقراءات مُخصصة.

كانت منصة إيترنال «Eternal» قد انطلقت، في أوائل عام 2025، لتتيح لعملائها ربط أجهزتهم القابلة للارتداء أو تحميل بياناتهم المختبرية أولاً. ويجري تجميع البيانات الصحية وتحليلها بمرور الوقت، ما يسمح للمنصة بتتبع التغييرات وإطلاع المستخدمين على تقدمهم أثناء توجههم لتحقيق أهداف صحية مختلفة، مثل إنقاص الوزن أو تحسين جودة النوم. والآن يمكن للمستخدمين الاستماع إلى «تجربة صوتية» أسبوعية قصيرة للحصول على آخِر التحديثات.

أحاديث صوتية أفضل من أرقام المؤشرات الصحية

ويقول أليكس ماثر، مؤسس المنصة، لمجلة «فاست كومباني»: «بدأ الأمر بالتحاليل المختبرية - كنا نُجري تحاليل الدم أو فحص DEXA للعظام، ولاحظنا أن قلة قليلة من الناس تتعمق في قراءة التقارير التي نرسلها إليهم. كنا نُنتج لهم محتوى غزيراً، لكنهم لم يكونوا يستهلكونه».

ويشير إلى أن هذا كان بمثابة اكتشاف: «أدركنا سريعاً أن معظم الناس يُفضلون القصص والروايات، ولا يُريدون النظر إلى الأرقام».

وبالتفكير في تجربته بإنشاء وإطلاق بودكاستات ناجحة، خلال فترة عمله السابق في الصحافة، خطرت لماثر فكرة: «ماذا لو استطعنا دمج بودكاست الصحة واللياقة البدنية في محتوى أكثر تخصيصاً؟ لقد خطونا الخطوة الأولى».

بث صوتي أسبوعي

أطلقت «إيترنال» أخيراً هذه الميزة الجديدة، حيث يُمكن للمستخدمين، من خلال ربط أجهزتهم القابلة للارتداء أو تحديث نتائج تحاليلهم المختبرية على مدار الأسبوع، الحصول على تجربة صوتية مُخصصة، صباح كل اثنين.

يركز المحتوى على المجالات الأساسية - النوم، والحركة، وتمارين القوة، وتمارين القلب، والاستشفاء - ويُكمّل بميزات دردشة تُشجع المستخدمين أو تسألهم عن حالتهم النفسية وموضوعات أخرى عبر الرسائل النصية.

تأتي هذه الميزة في وقتٍ تُجرّب فيه الشركات بمختلف القطاعات طرقاً مبتكرة لتقديم المحتوى للمستخدمين بمساعدة الذكاء الاصطناعي التوليدي. فعلى سبيل المثال، أطلقت «أمازون» ملفات بودكاست للتسوق مُولَّدة بالذكاء الاصطناعي، بالإضافة إلى ميزات صوتية تتعلق بأوصاف المنتجات وتقييماتها.

الوقوع في الأخطاء وخرق الخصوصية

ورغم وجود بعض المخاوف بشأن احتمالية حدوث أخطاء أو عدم دقة في قراءة الذكاء الاصطناعي، يؤكد ماثر أن الشركة تعمل باستمرار على تحسين إطار التقييم الخاص بها لتقليل المعلومات غير الصحيحة والادعاءات غير المدعومة.

وفيما يتعلق بالخصوصية، تُشير «إيترنال» إلى أن ملفات البودكاست غير قابلة للبحث أو الاكتشاف علناً، ويجري تسليمها، بشكل آمن ومباشر، إلى المستخدم. كما تؤكد الشركة عدم مشاركة أي معلومات تعريفية تتجاوز اسم المستخدم الأول.

5 دقائق تحصل على رضا المستخدمين

أما بالنسبة لرضا المستخدمين، فيقول ماثر إن ردود الفعل التي تلقّتها الشركة، حتى الآن، كانت إيجابية. ويضيف أن هذه الطريقة سهلة وبسيطة لتلقّي المعلومات، ما يجعل تحديث الحالة الصحية يبدو كأنه محاضرة أو مهمة روتينية، كما أنها سريعة - نحو خمس دقائق. ويتابع: «أردنا أن نجعل الناس يتفاعلون مع بياناتهم الصحية بطريقة فعّالة... وأولويتنا، الآن، هي توسيع نطاق هذه الفكرة».

* مجلة «فاست كومباني»


الذكاء الاصطناعي... الأميركيون يجابهونه بردود فعل سلبية شديدة

الذكاء الاصطناعي... الأميركيون يجابهونه بردود فعل سلبية شديدة
TT

الذكاء الاصطناعي... الأميركيون يجابهونه بردود فعل سلبية شديدة

الذكاء الاصطناعي... الأميركيون يجابهونه بردود فعل سلبية شديدة

تواجه شركات الذكاء الاصطناعي مع استثمارها مليارات الدولارات في تطويره خطراً متزايداً، يتمثل في عدم شعبيته بشكل كبير.

ردود الفعل السلبية ليست مفاجئة

هذا الخطر يتمثل في الردود السلبية للأميركيين: هل نريد حقاً تكنولوجيا تقضي على الوظائف، وتستهلك كميات هائلة من الطاقة والمياه، وتُضعف قدرتنا على التفكير، وتُشكل مجموعة واسعة من المخاطر الأخرى، بدءاً من تسهيل مراقبة الحكومة للمواطنين وصولاً إلى تشجيع انتحار المراهقين؟ من الواضح أن الذكاء الاصطناعي قد يكون أداة مفيدة أيضاً -إذ يُمكن أن يُساعد في تطوير أدوية أفضل وحلول مناخية، على سبيل المثال- لكن للمعارضين وجهة نظر أخرى.

وفي حين قد يبدو أن تطوير الذكاء الاصطناعي لا يُمكن إيقافه، فإن نقص الدعم يعني أنه بات من الصعب جداً على شركات التكنولوجيا بناء مراكز البيانات الجديدة التي ترغب بها بشدة.

وهناك أربعة جوانب لردود الفعل السلبية تلك:

الأميركيون لا يريدون العيش بجوار مراكز البيانات

* معارضة شديدة. في أقل من عام تغيّرت الآراء حول مراكز البيانات بسرعة، ففي استطلاع أجرته شركة «هيت ماب» في أغسطس (آب) الماضي، أفاد 24 في المائة من المشاركين بمعارضتهم الشديدة لبناء مركز بيانات بالقرب من أماكن سكنهم. وفي أحدث استطلاع أجرته الشركة في مايو (أيار) وشمل أكثر من 4 آلاف ناخب، ارتفعت هذه النسبة إلى 55 في المائة. وهكذا تضاعفت المعارضة الشديدة أكثر من مرتين، خلال الأشهر التسعة الماضية.

70 في المائة من الأميركيين يبدون معارضتهم لبناء مركز بيانات جديد للذكاء الاصطناعي في منطقتهم

*مخاوف التأثير على موارد الطاقة والمياه. في استطلاع أجرته مؤسسة «غالوب» في مايو أيضاً، أعرب 71 في المائة من الأميركيين عن معارضتهم بناء مركز بيانات جديد للذكاء الاصطناعي في منطقتهم، مع معارضة شديدة من نصفهم تقريباً. (تجدر الإشارة إلى أنه في الاستطلاع نفسه، أعرب 53 في المائة فقط من المشاركين عن معارضتهم لبناء محطة طاقة نووية جديدة في منطقتهم). ومن الصعب تحديد ما إذا كانت معارضة مراكز البيانات مرتبطة بالذكاء الاصطناعي ذاته أم بمخاوف أخرى أكثر إلحاحاً مثل ارتفاع فواتير الكهرباء؛ ففي استطلاع «غالوب»، أشار نصف المعارضين إلى تأثيرات المشروع على الموارد مثل الماء والطاقة، في حين ذكرت نسبة أقل كراهيتهم للذكاء الاصطناعي. ولكن من الصحيح أيضاً أن العديد من مراكز البيانات المقترحة ما كانت لتوجد لولا الذكاء الاصطناعي، والناخبون يدركون ذلك.

* تعليق وحظر إنشاء مراكز البيانات. في ولاية فرجينيا، وهي مركز رئيسي لمراكز البيانات، انخفض الدعم للمشروعات المحلية من 69 في المائة عام 2023 إلى 35 في المائة هذا العام. وتخلّت إحدى المقاطعات أخيراً عن خطط لبناء مجمع ضخم يضم ما يصل إلى 37 مركز بيانات. وأصبحت مدينة في كاليفورنيا أخيراً أول مدينة تحظر إنشاء مراكز بيانات جديدة. وأصدرت مدن أخرى في أنحاء البلاد قرارات تعليق مؤقتة. وفي بلدة بولاية ميسوري، تم التصويت على إقالة أربعة أعضاء من مجلس المدينة بعد موافقتهم على مركز بيانات بتكلفة 6 مليارات دولار. بالنسبة إلى مطوري مراكز البيانات الذين كانوا يُعانون بالفعل صعوبة الحصول على الطاقة والمياه والتراخيص، ستزداد صعوبة البناء.

الذكاء الاصطناعي الأقل شعبية بين الشباب

وفقاً لاستطلاع رأي وطني أجرته شبكة «إن بي سي» وشمل 1000 ناخب في مارس (آذار)، ينظر 26 في المائة فقط من الناخبين إلى الذكاء الاصطناعي بإيجابية، في حين ينظر إليه 46 في المائة بسلبية. وبصافي تأييد سلبي بلغ -20، كان الذكاء الاصطناعي أقل شعبية من إدارة الهجرة والجمارك الأميركية أو الرئيس ترمب. (منذ ذلك الاستطلاع، ازدادت شعبية ترمب المتدنية سوءاً، لذا من المحتمل أن يكون للذكاء الاصطناعي الآن ميزة). منح الناخبون الشباب، الذين تتراوح أعمارهم بين 18 و34 عاماً، الذكاء الاصطناعي تقييماً سلبياً بلغ -44.

57 في المائة من الأميركيين يعتقدون أن مخاطر الذكاء الاصطناعي تفوق فوائده

وقال 57 في المائة من المشاركين في الاستطلاع إنهم يعتقدون أن مخاطر الذكاء الاصطناعي تفوق فوائده. كما قال ثلث المشاركين إن كلا الحزبَين السياسيين لا يُحسن التعامل مع سياسات الذكاء الاصطناعي.

قلق الأميركيين من الذكاء الاصطناعي أكثر من حماسهم له

في سلسلة من استطلاعات مركز «بيو» للأبحاث التي بدأت عام 2021، تراجع الحماس الشعبي للذكاء الاصطناعي. ففي عام 2021، قال 37 في المائة من الأميركيين إنهم أكثر قلقاً من حماسهم لهذه التقنية. أما الآن فيقول 50 في المائة إنهم أكثر قلقاً، في حين أن 10 في المائة فقط أكثر حماساً من قلقهم.

ويقول 57 في المائة إن المخاطر المجتمعية لهذه التقنية عالية. قال نحو نصف المشاركين في استطلاع عام 2025 إنهم يعتقدون أن الذكاء الاصطناعي سيجعل التفكير الإبداعي أو بناء علاقات ذات معنى مع الآخرين أكثر صعوبة.

الذكاء الاصطناعي يتطور بسرعة مفرطة

أظهر استطلاع رأي أجرته مؤسسة «يوغوف» (YouGov)، بالتعاون مع مجلة «الإيكونوميست» في مايو، أن غالبية الأميركيين، بنسبة 65 في المائة، يعتقدون أن الذكاء الاصطناعي يتطور بسرعة مفرطة. (في استطلاع سابق أُجري في الشهر نفسه، كانت هذه النسبة أعلى قليلاً، حيث بلغت 71 في المائة). وقال غالبية المشاركين في الاستطلاع إنه من غير المرجح أن تعود المكاسب الاقتصادية من الذكاء الاصطناعي بالنفع على الجميع. وأعرب نحو ثلاثة أرباع المشاركين عن قلقهم -تراوح بين قلق طفيف وقلق بالغ- بشأن تأثير الذكاء الاصطناعي على الوظائف.

غالبية التقنيات الجديدة تواجه ردود فعل سلبية

من الواضح أن هذه ليست أول تقنية تواجه ردود فعل سلبية. ففي القرن الخامس عشر، جادل بعض النقاد بأن المطابع الجديدة ستنشر معلومات مضللة وانحلالاً أخلاقياً. وفي أواخر القرن التاسع عشر، حذّر صحافي من أن انتشار المجلات الجديدة سيؤدي إلى تدهور العقول، بحيث يصبح الناس غير قادرين على التركيز، وسيفكرون «مثل طيور بأفكار متقطعة». لذا فقد يكون بعض المخاطر مبالغاً فيها، لكن بعضها الآخر قد لا يكون كذلك.

تناقضات التقدم

ويشير مؤيدو الذكاء الاصطناعي إلى حقيقة أنه عندما هددت تقنيات أخرى الوظائف، أدى ذلك في نهاية المطاف إلى ظهور مسارات مهنية جديدة، لكن من المحتمل أن يكون حجم التغييرات الناتجة عن الذكاء الاصطناعي مختلفاً. وكان الرئيس التنفيذي لشركة «أوبن إيه آي»، سام ألتمان، حذّر من كارثة الوظائف، وإن كان قد غيّر رأيه أخيراً. من جهة أخرى، يجري بناء محطات وقود لتشغيل مراكز البيانات في وقت لم يعد لدينا فيه متسع من الوقت لخفض الانبعاثات. كما أن شركة «أنثروبيك» جادلت أخيراً بأن مختبرات الذكاء الاصطناعي قد تحتاج إلى التباطؤ بسبب مخاطر أن يبدأ الذكاء الاصطناعي في تطوير نفسه بطرق قد تضر بالمجتمع.

وأخيراً، فقد تكون وتيرة التطوير هي التحدي الأكبر، إذ يتحدد السؤال في أنه مع تسابق شركات التكنولوجيا لبناء أنظمة أكثر قوة، هل تستطيع الحكومات الاستجابة في الوقت المناسب؟

* مجلة «فاست كومباني»

Your Premium trial has ended