«الفساد عبر التاريخ» من بلاد الرافدين حتى العصر الحديث

يرى المؤلفون أن الديمقراطية وحدها لا تؤدي إلى اختفائه وأن هذا الاعتقاد مجرد وهم

«الفساد عبر التاريخ» من بلاد الرافدين حتى العصر الحديث
TT

«الفساد عبر التاريخ» من بلاد الرافدين حتى العصر الحديث

«الفساد عبر التاريخ» من بلاد الرافدين حتى العصر الحديث

يقدم لنا الباحثون المتخصصون في التاريخ: رونالد كروزي، وجي. غيلتنر (هولنديان)، وزميلهما البرتغالي أندريه فيتوريا، عرضاً مثيراً للفساد في تاريخ العالمَين القديم والحديث، في كتاب «مكافحة الفساد عبر التاريخ».

ترجم الكتاب إيهاب عبد الرحيم، ونشرته سلسلة «عالم المعرفة» الكويتية في جزأين، يقع كل منهما في أكثر من 300 صفحة من القطع المتوسط.

يتعرض الكتابان بالأرقام والتواريخ والحقائق لظاهرة الفساد في العالم، والإجراءات المتخذة في كل عصر لمكافحة هذه الآفة الاقتصادية الاجتماعية السياسية الموغلة في القدم. ويقدمون بعد كل عرض استنتاجاتهم وتقييمهم لكل حالة، ويقارنون بعضها ببعض، وبالعصر الحديث.

وما أكثر حالات الفساد العالمية المعروفة التي تمتد بين الإسكندر المقدوني، وأثينا وروما القديمتين، وبلاد الرافدين، والإمبراطورية العثمانية، وصولاً إلى العصر الحديث في بريطانيا وهولندا.

يُعرِّف العلماء الفساد حسب المفاهيم القديمة في العصر الغابر، ثم حسب معايير العالم الجديد والمعاصر، ويتوصلون إلى أن الفساد تأصل أكثر في العالم، فانتقل من «الرِّشى الصغيرة» في بلدان العالم الصغيرة إلى عصر الرِّشى الكبيرة في عصر «الإنترنت» و«البتكوين».

ويعتقد المؤلفون أن الفساد لا يزول بوجود النظام الاقتصادي القائم في العالم؛ ما دام الفصل يتعذر هذه الأيام بين السياسي والتاجر اللذين ما زالا يمتلكان ما يكفي من أسباب جيدة للتعاون، من أجل تحقيق أقصى الأرباح.

تعريف مختلف للفساد

وتعريف الفساد يختلف من عصر إلى آخر، ومن حزب إلى آخر، ومن سياسي إلى آخر. فهو: التحايل الضريبي، والدعارة، والرشوة، بالنسبة للمسيحي المتشدد. وهو: الكحول، والسفور، والمثلية، والسينما، والمسرح، بالنسبة للإسلامي المتشدد. ومن هنا، لم تنفع طرق مكافحة الفساد القديمة والحديثة في درء الفساد في العالم بسبب تنوعه.

وسواء في الدويلات البريطانية في القرون الوسطى، أو في الدولة العثمانية «الرشيدة»، كان عدم الفصل بين خزينة الدولة وخزينة «الوالي العثماني» مصدر الفساد الكبير على مستوى الدولة. وكان الولاة وعائلاتهم وزمراتهم هم مصدر الاختلاس والرشى على أعلى المستويات، وكانوا فوق القانون (عدم الفصل بين الجهازين القضائي والسياسي). وإذا كانت روما تسمي الرشوة باسمها، فإن الدولة العثمانية لا تسمي الرشوة فساداً (Fessad)؛ لأن «الله لعن الراشي والمرتشي»، وتسمِّيها استغلال المنصب أو المنافع المتبادلة.

ويرى الباحث مارك نايتز، في تقريره عن الفساد في بريطانيا في القرنين السابع عشر والثامن عشر، أن الاستعمار نفسه نوع من الفساد ترعاه الدولة. ويقول إن كلمة «الوطني» (Patriot) كانت تطلق في ذلك الزمن على السياسيين النزيهين الذين يكافحون الفساد، واستُخدمت لأول مرة في إنجلترا في القرن السادس عشر.

النبيل هاربالوس يهرب بخزينة الإسكندر

قصة النبيل المقدوني هاربالوس هي من أطرف القصص التي يسردها الكتابان عن الفساد في العصور القديمة؛ إذ استغل هاربالوس، النبيل في بلاط الإسكندر، غياب سيده في حروبه في الشرق سنة 323 قبل الميلاد، وهرب بالخزينة إلى أثينا. وما اختلسه هاربالوس يبلغ 700 ألف طالن، أي ما يعادل نصف خزينة أثينا في ذلك الزمان.

اعتُقل هاربالوس بعد عدة خطب عصماء، هاجمه فيها النبيل الأثيني ديموثينيس، ودعا أثينا إلى عدم التعامل معه. بعد أيام نجح هاربالوس في الهروب من السجن ومعه 350 ألف طالن، أي نصف المبلغ. واتضح بعد التحقيق أن النصف الثاني من المبلغ ناله النبيل ديموثينيس وحفنة من أصدقائه، بمثابة رشوة «دورودوكيا» لقاء تهريب السجين. وكانت أثينا الديمقراطية (30 ألف نسمة) يحكمها مجلس يحضره من 6 آلاف إلى 13500 مواطن من عامة الشعب ونبلائه كل مرة، قبل أن يتحول لاحقاً إلى مجلس للميسورين فقط. وهذا المجلس دان ديموثينيس وزملاءه بالخزي والعار والعزلة عن الشعب؛ إذ كان الخزي الاجتماعي واعتبار الفاسد غير أثيني من أهم وسائل ردع الفساد في أثينا.

مَلِك يتلقى رشوة من «لوكهيد»

يأخذ الباحث رونالد كروزي الأمير بيرنهارد (زوج الملكة جوليانا في هولندا) مثلاً على مستوى الفساد في العصر الحديث. وهي فضيحة تم الكشف عنها سنة 1977، وتورط فيها الأمير الذي يعدُّ ملكاً بحكم زواجه من ملكة هولندا.

اضطلع الأمير بيرنهارد بكثير من الوظائف الشرفية والبروتوكولية، من ضمنها «المفتش العام في الجيش الهولندي»، وسفير الشركات الهولندية الكبرى في الخارج، وكان سفيراً لمنظمات إنسانية عدَّة. ووقعت بين أيدي لجنة التحقيق رسالة من الأمير إلى شركة «لوكهيد» يشكو من تسلُّمه مبلغاً يقل عن 4- 6 ملايين دولار، وهو الذي وعدته الشركة به لقاء رفض عرض شركة فرنسية، وقبول عرض شركة «لوكهيد» لشراء طائرات «ستار فايتر» لتعزيز الدفاع الجوي الهولندي. واتضح لاحقاً أنها المرة الثالثة التي يتلقى فيها الأمير رشى من «لوكهيد» بين 1968 و1977.

واكتفى القضاء الهولندي بعزل الأمير عن وظائفه السياسية والأمنية، بعد أن هددت الملكة بالتخلي عن العرش. ونزلت الصحافة عند طلب العرش والحكومة بالكف عن إثارة الموضوع.ويصل الباحث كروزي إلى استنتاج مهم، مفاده أن الاعتقاد بأن الديمقراطية تؤدي إلى اختفاء الفساد ليس أكثر من وهم وخرافة. فالفساد تمت عولمته، حاله حال الأمراض والاتصالات والسياحة، وليست الديمقراطية برادعةٍ له.

ويطلق الباحث على فساد العالم الرأسمالي اسم «فساد سوق النفوذ»، أسوة بفساد السوق الحرة، وفساد سوق المعلوماتية. وفساد سوق النفوذ يعني استخدام الثروة للتأثير في المؤسسات السياسية والإدارية، وتغذية مسعى السياسيين لتنمية ثرواتهم. وهو أيضاً تمويل حملات انتخابية وتسهيلات ضرائبية، والتغاضي عن الفساد، وفتح حسابات مصرفية سرية... إلخ.

العراق في الفترة المظلمة

ليست هناك مؤلفات أو سجلات رسمية توثِّق الفساد وحالاته وطرق مكافحته في بلدان الشرق الأوسط قبل سنة 1500 ميلادية. وربما هناك مؤلفات الوزير البويهي مسكويه (توفي 1030م) الذي يكشف مدى ضعف الدولة وانتشار الفساد. واستخدم البويهيون أساليب الدولة العباسية نفسها، ولكن بشكل أضعف، وهو ما فعله السلاجقة أيضاً. وإذا وُجدت بعض الوثائق التي تؤرخ وضع الفساد في الدولة والمجتمع، فهي وثائق كُتبت بتعليمات من قبل الفاسدين أنفسهم.

ولم تُستخدم كلمة الفساد في القرنين العاشر والحادي عشر في بلاد الرافدين، وإنما «الشر الأخلاقي» وإساءة استخدام السلطة. وكان الاختلاس والتلاعب يتركز بأيدي الولاة والحكام والوزراء وأبنائهم، في حين تنتشر الرشوة والمحسوبية بين موظفي الدولة الصغار.

مثلاً: ابن الفرات الذي صوره مسكويه على أنه «الإداري القوي والماكر»، أمر بتحويل مبلغ 70 ألف دينار مباشرة من خزينة الدولة إلى محفظته الخاصة، بعد أن سجلها كمدفوعات خاصة للجيش. ويضيف مسكويه أن ابن الفرات جمع دخلاً غير قانوني، بلغ 1.2 مليون دينار خلال فترة استيزاره. وهو مبلغ هائل مقارنة بمجموع ميزانية الدولة البالغ 14 مليوناً.

ويسرد أمين سر البويهيين ورئيس دائرة المحفوظات، هلال الصابئ، حكاية مسلية تكشف علاقة الحاكم بالفساد، وتعامله مع خزينة الدولة كخزينة له؛ إذ منح الخليفة العباسي السادس عشر، المعتضد، واحدة من محظياته قطعة من الأرض، وحينما ماطل مدير دائرة التدقيق في التنفيذ، نصح المعتضد محظيته بدفع رشوة للمدير. وهو ما حصل، ووقَّع المدير الوثيقة على الفور.

وبقي النظام المالي على حاله في «الفترة المظلمة»، وكانت خزينة الدولة هي نفسها خزينة الوالي.

وكانت الرشوة ومحاباة الأقارب والمحسوبية والمنسوبية شائعة في العهدين البويهي والسلجوقي؛ بل لجأ الحكام والوزراء إلى إلغاء معظم الدوائر التي قد تراقب تصرفهم في مالية الدولة.

مع ذلك، كانت الدولة في ذلك الزمان تكافح استغلال المناصب و«المظالم» بطرق عدة. بين هذه الطرق إنشاء «ديوان المظالم» للنظر في شكاوى المواطنين ضد ظُلَّامهم. وإذا كان الخليفة العباسي ينظر بنفسه في مظالم الناس بمجلسه، فإن المهمة أوكلت إلى وزراء أو موظفين ثانويين في العهدين البويهي والسلجوقي.

الطريقة الثانية هي «المصادرة والمناظرة» التي تُستخدم لقسر موظفي الدولة المختلسين على إرجاع ما اختلسوه أو إرجاع جزء منه. وكان الفاسد يُزج به في السجن، ليس كإجراء قضائي عقابي، وإنما كإجراء لقسره على رد ما اختلسه ثم يُطلق سراحه. وعموماً كانت الغرامة لا تتناسب أبداً مع المبلغ المختلَس.

ومن الأمثلة على ذلك، أن الدولة أجبرت ابن الفرات وموظفيه على إعادة مبلغ 4.4 مليون دينار إلى خزينة الدولة، ويمكن تصور حجم المبلغ الذي اختلسوه إذا كانت الغرامة لا تعادل سوى ربع المبلغ المختلَس.

يمكن تعريف الفساد في هذه الفترة من تاريخ بلاد ما بين النهرين، على أنه عكس مفهوم الحكم الرشيد في أيام تألق الدولة العباسية. ويبدو أن اختلاس أموال الدولة كان مصدر القلق الرئيس للمجتمع، أما الرشوة والمحسوبية والمنسوبية فكانت ممارسة يومية لم تُثِر أي مخاوف على الإطلاق.

يخلص القارئ إلى نتيجة واضحة من قراءة هذا الفصل، وهي أن الفساد في عراق اليوم أكبر من فساد الفترة المظلمة، أو ربما يعادله؛ وكذلك كانت أساليب مكافحة الفساد أفضل أيضاً من ناحية العقوبات الجزائية والمالية.


مقالات ذات صلة

إدوارد سعيد يسأل عمَّا «بعد السماء الأخيرة»

ثقافة وفنون  عروسان بمخيم البداوي - طرابلس 1983 بعدسة السويسري جان مور

إدوارد سعيد يسأل عمَّا «بعد السماء الأخيرة»

بعد أربعين عاماً على صدور كتاب إدوارد سعيد «بعد السماء الأخيرة»، أحسنت فعلاً «دار الساقي» أن أعادت نشر ترجمته العربية في هذا الوقت بالذات،

سوسن الأبطح (بيروت)
ثقافة وفنون «سر الأسرار» لدان براون بالعربية

«سر الأسرار» لدان براون بالعربية

خلال رحلته برفقة العالمة المرموقة كاثرين سولومون التي دُعيت لإلقاء محاضرة في العاصمة التشيكية براغ، يجد العالم روبرت لانغدون نفسه في دوامة تخرج عن السيطرة

«الشرق الأوسط» (القاهرة: )
ثقافة وفنون الدولة الحية والدولة التاريخية

الدولة الحية والدولة التاريخية

الدولة الحية والدولة التاريخية ليستا توصيفين زمنيّين بقدر ما هما طريقتان في العيش داخل الزمان. ليست المسألة أن تكون الدولة قديمة أو حديثة، بل كيف تفهم نفسها،

خالد الغنامي
ثقافة وفنون براساي مصور ليل باريس وعلاماتها السرية

براساي مصور ليل باريس وعلاماتها السرية

غالباً ما يفشل المرء في القبض على سحر المشهد وتأثيره العاطفي حين يصوِّره.

فاروق يوسف
ثقافة وفنون «الأديب الثقافية»... عدد خاص عن الشاعر العراقي عدنان الصائغ

«الأديب الثقافية»... عدد خاص عن الشاعر العراقي عدنان الصائغ

صدر العدد الخامس عشر من «مجلة الأديب الثقافية»، وهو عدد خاص بالشاعر العراقي عدنان الصائغ، وقد أسهمت فيه مجموعة من النقاد والكتاب العراقيين والعرب والأجانب

«الشرق الأوسط» (بغداد)

دور نشر فرنسية تفتح أبوابها للكتّاب العرب

حنان الشيخ
حنان الشيخ
TT

دور نشر فرنسية تفتح أبوابها للكتّاب العرب

حنان الشيخ
حنان الشيخ

اتّسعت خريطة دور النشر الفرنسية المهتمة بالأدب العربي اتّساعاً ملحوظاً في السنوات الأخيرة، حتى باتت تضمّ، إلى جانب الدور التاريخية الكبرى، مبادراتٍ تحريريةً مستقلة وشراكاتٍ عابرة للمتوسط. غير أن الأرقام، رغم ارتفاعها النسبي، لا تزال متواضعةً قياساً بحجم الإنتاج الأدبي العربي، فيما تظلّ إشكاليةُ الوساطة الثقافية وفخّ التوقعات الاستشراقية يُلقيان بظلالهما على هذه الصورة البرّاقة في ظاهرها.

لم تعد دار «سندباد» تحتكر نشر الأدب العربي في فرنسا كما كانت في السابق؛ إذ دخلت دور نشر أخرى في منافسة فاعلة لاستقطاب المواهب العربية الجديدة. ففي هذا السياق، استقطبت «غاليمار» أسماءً عربية في سلاسل مختلفة، وفتحت كلٌّ من «غراسيه» و«بايار» و«لو بروي دو موند» و«إليزاد» أبوابها أمام كتّاب عرب ناشئين.

سعيد خطيبي

والحدثُ التأسيسي الأبرز في هذه المرحلة هو انطلاق مجموعة «خمسة» في أكتوبر (تشرين الأول) 2023، وهي شراكة تجمع دار «فيليب ري» الباريسية بدار «بَرزَخ» الجزائرية بقيادة الناشر صفيان حاجج، تختصّ بترجمة الأدب المغاربي المكتوب بالعربية من خمسة بلدان هي: الجزائر وليبيا والمغرب وموريتانيا وتونس. وفي أقلّ من عامين على انطلاقها، كشفت هذه المجموعة عن طاقة اكتشافية حقيقية؛ فقد كان من بين إصداراتها الأولى رواية الكاتبة التونسية أميرة غنيم «الكارثة بيت النبلاء» التي فازت بجائزة الأدب العربي عام 2024. أمّا دار «سندباد»، عرّاب هذا الحقل بلا منازع منذ خمسة عقود، فتواصل مسيرتها تحت إدارة الناشر السوري فاروق مردم بيه، وقد أصدرت حتى اليوم ما يزيد على ثلاثمائة عنوان، تضمّ الرواية والشعر والتراث الكلاسيكي، مستوعبةً أدبَ المشرق والمغرب معاً.

شادي لويس

وفي عام 2022، أطلقت الدار مجموعة «سندباد الصغير» للأدب مزدوج اللغة (عربي - فرنسي) الموجَّه إلى الناشئة، في محاولة جريئة لتجسير الهوّة بين جيلين ولغتين. وفي سياق برنامجها الأخير، أصدرت «سندباد» رواية «عين الطاووس» للبنانية حنان الشيخ بترجمة خالد عثمان، فضلاً عن «تاريخ قصير للخليقة وشرق القاهرة» للمصري شادي لويس، وكلاهما ضمن قائمة جائزة الأدب العربي 2025.

وإذا كان ثمة نصٌّ واحد استطاع في السنوات الأخيرة أن يختبر حدود المشهدين الأدبيين الأوروبي والعربي معاً، فهو رواية الفلسطينية عدانية شبلي «تفصيل ثانوي»، التي نشرتها «سندباد/أكت سود» عام 2020 بترجمة ستيفاني دوجول، فغدت ظاهرةً دولية نادرة في عالم الأدب العربي المُترجَم، وبلغت أصداؤها أرفع الجوائز الأدبية في أوروبا والولايات المتحدة.

عدانية شبلي

وعلى صعيد الأسماء التي شقّت طريقها إلى القارئ الفرنسي عبر هذه الدور، يبرز جيلٌ جديد، فالليبي محمد الناعس، الذي أصدرت له «لو برو دو موند» روايتَي «خبز على طاولة عمي ميلاد» و«نكهة الشاي المرّ»، رُشّح مرتين على التوالي لجائزة الأدب العربي، وباتت أعماله رهاناً تحريرياً ثابتاً لدى ناشره الفرنسي. أما الجزائري سعيد خطيبي فأصدرت له «غاليمار» في سلسلة «سيري نوار» رواية «نهاية الصحراء» بترجمة لطفي نية. ويوظف خطيبي التاريخ السياسي في بنية السّرد البوليسي.

وفي السياق ذاته، اختارت «بايار» نشر آخر أعمال المغربية ريم بطّال «سأنظر في عينيّ»، لتقطع بذلك مسافةً واسعة بين الكتابة النسائية العربية وجمهور فرنسي جديد. وأفرزت مجموعة «خمسة»، بدورها، اسمين تونسيين بارزين: أميرة غنيم بروايتها «الكارثة بيت النبلاء» الفائزة بجائزة الأدب العربي 2024، وأيمن دبوسي برواية «دفاتر الرازي». والحالة الأكثر رمزيةً في هذه الدورة هي حالة الكاتب الفلسطيني ناصر أبو سرور، الذي أمضى اثنين وثلاثين عاماً خلف القضبان في سجون الاحتلال الإسرائيلي، قبل أن يُطلَق سراحه في أكتوبر 2025. وجد أبو سرور طريقه إلى «غاليمار» عبر روايته «حكاية جدار»، الصادرة بالفرنسية تحت عنوان «Je suis ma liberté» (أنا حريتي) بترجمة ستيفاني دوجول، وسرعان ما توّجته لجنة جائزة الأدب العربي لعام 2025 بالجائزة الكبرى بالإجماع، مانحةً إياه اعترافاً طالما حجبه عنه السجنُ وعزلةُ الأسر. ولم يكن هذا التتويج إعلاناً أدبياً فحسب، بل كان فعلاً سياسياً وأخلاقياً في الوقت ذاته.

وتوفّر أرقام السوق سياقاً لا غنى عنه لفهم هذا المشهد؛ فوفق بيانات نقابة الناشرين الفرنسيين (SNE)، بلغ رقم أعمال قطاع النشر في فرنسا 2945 مليون يورو عام 2023، ثم تراجع إلى 2901 مليون يورو عام 2024، مع انخفاض في عدد النسخ المبيعة بنسبة 3.1 في المائة. وتمثّل الكتب المترجمة في الوقت الراهن ما بين 19 و20 في المائة من مجمل الإنتاج النشري الفرنسي، مما يجعل فرنسا من أكثر الأسواق الثقافية الغربية انفتاحاً على الآداب الأجنبية. وبحسب أحدث بيانات «ليفر إيبدو/إلكتر» المتعلقة بعام 2025، بلغ عدد العناوين المترجمة إلى الفرنسية 12892 عنواناً؛ تستأثر العربية منها بنسبة 0.9 في المائة؛ أي ما يناهز مائة وستة عشر عنواناً، مسجّلةً ارتفاعاً بمقدار 0.2 نقطة مئوية قياساً بالعام السابق. وتجدر الإشارة إلى أن العقود المُبرمة على الأدب العربي تشمل في حالات كثيرة الحقوق العالمية لا الحقوق الفرنسية وحدها، مما يفتح آفاق الانتشار لتتجاوز الحدود الأوروبية.

وتُعدّ «جائزة الأدب العربي»، التي انطلقت عام 2013 بتعاون بين مؤسسة جان لوك لاغارديير ومعهد العالم العربي في باريس، مرجعاً أساسياً لقياس حضور الأدب العربي في سوق النشر الفرنسي. وقد تجلّى هذا الحضور في دورة عام 2025 عبر تنوع غير مسبوق شمل ثمانية أعمال لكتّاب من سبع دول عربية أصدرتها دور نشر فرنسية كبرى. كما شهدت هذه الدورة خطوةً لافتة بإنشاء منحة مالية مخصصة للمترجمين، ولم يكن هذا الزخم النشري ليكتمل في غياب جيل جديد من المترجمين ورثوا شعلة أسلافهم وأضافوا إليها. فإلى جانب ستيفاني دوجول الذي يُترجم منذ ثلاثة عقود أعمال حنان الشيخ وعدانية شبلي ومصطفى خليفة، ثمة لطفي نية المتخصص في الأدب الجزائري والمغاربي العامل مع «غاليمار» ومجموعة «خمسة»، وصواد لبّيزة التي ترجمت رواية أميرة غنيم فنالت بذلك جائزة ابن خلدون - سنغور للترجمة عام 2024، وهي جائزة مشتركة تمنحها المنظمةُ الدولية للفرنكفونية والمنظمةُ العربية للتربية والثقافة والعلوم (ألكسو)، وسارة رولفو التي تُترجم النثر الليبي.

بيد أن المشهد لا يخلو من نقاط ظل تستوجب التأمل النقدي؛ فرغم هذا الزخم التراكمي، تظلّ مكانة الأدب العربي في المنظومة النشرية الفرنسية هشّةً في بعض مفاصلها. فعدد الترجمات السنوية يبقى محدوداً قياساً بضخامة الإنتاج الأدبي العربي. وقد أفاد مردم بيه بأن مبيعات نجيب محفوظ (الكاتب العربي الأكثر قراءة في فرنسا) تراجعت من عشرة آلاف نسخة إلى نحو ألف وخمسمائة في غضون عقود، عاكسةً تراجعاً أعمق في انفتاح القارئ الفرنسي على الآداب الأجنبية المترجمة. يُضاف إلى ذلك أن الأسماء العربية المألوفة في هذا المشهد لم تتجدد كثيراً خلال العقود الماضية، مما يُضيّق النافذة أمام التجديد والتنوع الجغرافي والأسلوبي.

ويُلاحَظ كذلك أن الكاتب العربي لا يصل إلى دور النشر الكبرى في الغالب إلا عبر بوابة الجائزة الدولية أو الصدى الإعلامي خارج فرنسا، مما يعني أن الاعتراف لا ينبثق دائماً من قراءة مباشرة، بل كثيراً ما يتغذّى من سلطة الصدى الخارجي. ويظلّ الفخّ الأخطر هو الفخّ الاستشراقي المتجدّد: فالنص العربي الذي يتناول الحرب أو الديكتاتورية أو المرأة المقهورة أو أزمة الهوية يجد طريقه إلى دور النشر الفرنسية أسهل بكثير مما يجده النص المنصرف إلى أسئلة جمالية بحتة أو جدل فلسفي داخلي. وهو ما يعني أن ثمة مِصفاةً خفيّة تصوغ ملامح الأدب العربي المقبول في الفضاء الفرنسي، فتُعيد في نهاية المطاف إنتاجَ توقعات المتلقي عوضاً عن تحريرها.

وفي مواجهة هذه الإشكالية، تبقى باريس رمزاً للتكريس الأدبي بامتياز: فالنشر في فرنسا يمنح الكاتب العربي رأسمال رمزياً يتجاوز حدود اللغة؛ إذ كثيراً ما فتح الانتشار الأوروبي أبواب الترجمة في لغات أخرى، وأمدّ مسيرات مهنية كانت ستظلّ محلية لولا ذلك. غير أن هذه المعادلة تخفي وراءها سُلَّم قيم ضمنياً: يُقيَّم النص العربي في نهاية المطاف بمقدار ما يستهوي القارئ الفرنسي ويلبّي فضوله، أكثر مما يُنصَت فيه إلى ما يقوله عن نفسه وعن قارئه الطبيعي.


ثورة مبكرة في صناعة النشر

ثورة مبكرة في صناعة النشر
TT

ثورة مبكرة في صناعة النشر

ثورة مبكرة في صناعة النشر

في القرن التاسع عشر، تدفقت صوب مصر موجات من الهجرة السورية ضمت رواداً أوائل في مجالات المسرح والفنون والطباعة والنشر، ومنهم أحمد مصطفى البابي الحلبي الذي وُلد في أزقة قرية الباب بريف «حلب» 1816 ثم هاجر إلى القاهرة ليشبع شغفه في مجال الطباعة ونشر الكتب وتتحول مطبعته إلى واحدة من أشهر وجهات التراث العربي في الفترة من عام 1859 حتى 1960.

هذا ما يكشف عنه الباحث أشرف مؤنس في كتابه «مطبعة البابي الحلبي – ودورها في حركة الطباعة والنشر في مصر والعالم العربي»، الصادر عن الهيئة المصرية العامة لقصور الثقافة، مشيراً إلى أن المطبعة استهدفت في البداية خدمة الأزهر الشريف وطلابه من خلال نشر كتب الفقه والتفسير والحديث واللغة مع الحرص على دقة النصوص وجودة الإخراج الفني، لكنها توسعت فيما بعد لتشمل كنوز التراث في الشعر والأدب.

ولا يقتصر تميز مطبعة الحلبي على بعدها الطباعي، بل يمتد إلى إدارتها العائلية المتوارثة وسياستها التجارية الرشيدة التي ضمنت لها الاستمرار والانتشار داخل مصر وخارجها حيث يمثل أحمد مصطفى البابي الحلبي، مؤسس هذه النهضة العائلية، أنموذجاً للرجل العصامي الذي جمع بين الوعي الثقافي وروح الريادة الاقتصادية فأسس تقليداً أسرياً ظل فاعلاً لأكثر من قرن كامل.

انتقل الحلبي إلى مصر في أوائل عقد الخمسينيات من القرن التاسع عشر ضمن موجة الهجرة العلمية والتجارية إلى القاهرة حيث كان لمصر جاذبية اقتصادية وثقافية كبرى، واستقر في حي «الجمالية» قرب الجامع الأزهر، وكان مركزاً للحياة الدينية والفكرية والتجارية.

ومن خلال متابعته الواعية لمجريات الحياة آنذاك سرعان ما أدرك الحلبي مبكراً حاجة طلاب الأزهر والعلماء إلى كتب مطبوعة بدلاً من الاعتماد على المخطوطات القديمة، حبيسة الخزائن، كما تأثر بأفكار رواد النهضة الفكرية المصرية آنذاك؛ مثل رفاعة الطهطاوي (1801-1873) وعلي باشا مبارك (1823-1893) وجمال الدين الأفغاني (1838-1897) ومحمد عبده (1849-1905).

وبفضل خبراته واتصالاته مع العلماء والأدباء، أسّس مطبعته الخاصة التي عُرفت في البداية باسم «المطبعة الميمنية» قبل أن يتغير اسمها لاحقاً إلى «مطبعة الحلبي» لتكون واحدة من أوائل المطابع الأهلية في مصر، واعتمدت أسلوب الطباعة بالحروف العربية، محلية الصنع، ما أضفى طابعاً خاصاً على مطبوعاتها، تميز بصرامة في التدقيق والمراجعة وقلة الأخطاء المطبعية، مع جمال الإخراج الفني.

بعد وفاة المؤسس أحمد الحلبي في عام 1898 عن عمر ناهز 82 عاماً، تولى أبناء إخوته إدارة المطبعة حيث لم ينجب أحمد أبناء من صُلبه؛ ولذا استدعى أبناء إخوته الذكور من بلدته «الباب»، ومنهم مصطفى وعيسى وبكري ليشاركوه في إدارة المطبعة.

تحولت المطبعة من نشاط فردي إلى مؤسسة عائلية لها امتداد تجاري وثقافي، وتوسع الإنتاج ليشمل كتب التراث الإسلامي والمعاجم والمراجع الجامعية، فضلاً عن طباعة رسائل أكاديمية، كما غدت مرجعاً للطلاب والباحثين في العالم العربي واشتهرت بطباعتها المتقنة للكتب التراثية.

شهدت الأربعينيات وبداية الخمسينيات ذروة نشاط المطبعة؛ فقد بلغ حجم الإنتاج السنوي للمطبعة نحو 7.5 مليون نسخة، ونشرت أكثر من 440 كتاباً بين عامي 1900 و1949، ما جعلها رائدة في نشر كتب التراث الإسلامي عالمياً؛ حيث أصبحت من أكبر دور النشر في الشرق الأوسط.

اعتمدت المطبعة نهجاً ريادياً في توظيف التقنيات الطباعية المتقدمة وتطوير الخطوط العربية، مما أضفى على إصداراتها هوية بصرية متفردة عُرفت بـ«طبعة الحلبي»، امتازت بدقة التنفيذ وسلامة المتون. وإلى جانب ثقلها المعرفي، شكلت المطبعة ركيزة اقتصادية مهمة؛ إذ أصبح «حي الحسين» بسببها وجهة عالمية لصناعة النشر، ومقصداً رئيساً للوراقين وطلاب الأزهر والمستشرقين من شتى البقاع.

اللافت أيضاً أن المطبعة مثلت جسراً حضارياً يربط عراقة التراث بمتطلبات الحداثة؛ حيث ساهمت بفاعلية في النهضة الثقافية عبر رفد الجامعات بالمادة العلمية الرصينة. وعلى مدار عقود، ظلت مطبوعاتها المرجع الأوثق للباحثين في العلوم الشرعية واللغوية، ما رسخ مكانتها كحارس للذاكرة العربية.

تصدرت «أمهات الكتب» قائمة منشوراتها، لا سيما في علوم التفسير والقرآن، مثل «تفسير الطبري» و«القرطبي» اللذين ظهرا في طبعات فاخرة ومنقحة. كما أولت عناية فائقة بالسنة النبوية، فأخرجت «فتح الباري» وشروح «صحيح مسلم»، فضلاً عن المراجع الفقهية الكبرى التي غطت أصول المذاهب الأربعة وفروعها بدقة متناهية.

ولم تقتصر رسالتها على العلوم الدينية، بل شملت كنوز الأدب مثل «لسان العرب» و«الأغاني»، ودواوين فحول الشعراء كالمتنبي وشوقي. وفي حقل التاريخ والسير، برزت طبعاتها لكتابي «تاريخ الأمم والملوك» و«البداية والنهاية»، لتكرس بذلك حضوراً لافتاً في المكتبة العربية.


تحديات الأدب الصيني المترجَم للعربية

تحديات الأدب الصيني المترجَم للعربية
TT

تحديات الأدب الصيني المترجَم للعربية

تحديات الأدب الصيني المترجَم للعربية

يستعرض كتاب «الأدب الصيني بالعربية - الترجمة والتلقي والانتشار» للشاعر والكاتب علي عطا، الصادر عن دار «بيت الحكمة» بالقاهرة، أبرز خصائص الأدب الصيني الحديث التي تؤهله للانتشار العالمي، مع التركيز على المعوقات التي تعترض نقله إلى اللغة العربية، عبر اللغة الصينية الأصلية، وليس عبر لغات وسيطة، في وقت يشهد تصاعداً في التواصل بين بكين والعواصم العربية على المستويات الثقافية والاقتصادية والسياسية.

ويندرج الكتاب ضمن حقل «دراسات الترجمة»، التي تعاني من الندرة بالمكتبة العربية؛ إذ يسلط الضوء على مسار ترجمة الإبداع الصيني للغة الضاد، لا سيما الأعمال التي تعد من «الروائع العالمية»، وتحديداً المنتمية لمدرسة «البحث عن الجذور»، التي يعد مو مويان من أهم أقطابها، بهدف التعرف على الروح الصينية الحقيقية، والابتعاد عن الصورة السطحية النمطية التي تختصر حضارة «بلاد التنين الأحمر» في شعب غريب الأطوار يأكل الحشرات، أو مجرد البراعة في الرياضات القتالية، كما في أفلام بروس لي ورياضة «الكاراتيه» التي صدّرتها هوليوود للعالم.

ويرى المؤلف أن الهدف السينمائي هنا يتمثل في تشويه الانطباع حول بلد يرى الغرب مصلحته في تسطيح صورته الذهنية، مع حصد أرباح مادية بالتأكيد، ومن هنا تبرز ضرورة الانفتاح عبر الترجمة على الأدب الصيني المعاصر، للمساهمة في تقويم تلك المفاهيم الضحلة.

ويشدد علي عطا على ضرورة إدراج دراسات الترجمة بمناهج اللغة الصينية في الأكاديميات العربية، مع ملاحظة صدور مؤلفات عديدة حول الأدب الصيني في القرن العشرين مترجمةً للعربية، مقابل غياب تام لترجمات تخص أدب الربع الأول من القرن الحالي. ويسري ذلك النقص على نقد الأعمال الصينية المترجمة، فلا يتوفر كتاب بحثي يحللها نقدياً ضمن سياق الترجمة أو الأدب المقارن، رغم ما تعرِض مقدمات المترجمين لهذا الجانب أحياناً.

ويشيد المؤلف في هذا السياق ببحث قدمته دكتورة دينا بيومي بعنوان «المهمشون في الرواية الصينية والرواية المصرية المعاصرة»، وقد وازنت من خلاله بين رواية «مذكرات بائع الدماء» للصيني يوهوا، ورواية «شكاوى المصري الفصيح» للكاتب المصري يوسف القعيد، والتي خلصت فيها إلى أن النصين يشكلان مادة ثرية لبيان حجم مكابدة هذه الفئات داخل الوسطين: الصيني والمصري؛ إذ برع الأديبان في تجسيد واقع شعوبهما الموجع والمضني في الخمسينات والستينات بالنسبة للجانب الصيني، والسبعينات بالنسبة للجانب المصري.

وترصد دراسات أكاديمية عربية تصاعد الشغف بالنقل عن الصينية للعربية بالأعوام الأخيرة، مع بروز كوادر متخصصة وظهور مؤسسات نشر مهتمة بهذا الحقل، إلا أنه رغم ذلك، لا تزال هناك عقبات تخص ندرة الكوادر المحترفة، وهو ما يبرز الحاجة الشديدة لمزيد من المساندة الجامعية للتعريب من الصينية للعربية، إما عبر تقديم مسارات تدريبية احترافية، وإما عبر مساندة دور النشر والمبادرات الاستقصائية.

في المقابل، يلاحظ باحثون صينيون أنه رغم النجاحات، تواجه الصين والعرب تحديات في الترجمة والنشر؛ منها نمطية الكتب المترجمة وتذبذب جودتها وضعف انتشارها السوقي، فرغم التوجه العربي العام نحو الصين، يظل شغف الشباب العرب بالثقافتين اليابانية والكورية أكبر.

كما يفتقر الشباب الصيني للمعرفة بالمنطقة العربية مقارنة بالثقافة الغربية، ما يعكس قصوراً في النشر بالجانبين. ولتجاوز ذلك، يقترح هؤلاء الباحثون تنويع موضوعات الترجمة، وتكثيف جهود التسويق والتوزيع، مع ضرورة استقطاب القراء من مختلف المجالات للاهتمام بالإبداعات الثقافية المتميزة لتعزيز تأثيرها وجاذبيتها.