مع الجاسر... بين شراء مخطوط وشواء سمكة!

كاتب المقال مع المفكر السعودي الراحل  حمد الجاسر
كاتب المقال مع المفكر السعودي الراحل حمد الجاسر
TT

مع الجاسر... بين شراء مخطوط وشواء سمكة!

كاتب المقال مع المفكر السعودي الراحل  حمد الجاسر
كاتب المقال مع المفكر السعودي الراحل حمد الجاسر

أوّل ما سمعتُ بحمد الجاسر من والدي، وأنا ما زلتُ في غِرارةِ الصِّبا، حيث فاجأ الشيخُ والدي، وهو يستحمّ في حمّام "أبو لوزة" الشهير بقُبَّته التي بناها جدّه لأبيه مهدي بن نصرالله، بناءً على نصيحة طبيبٍ تُركي، بوصف مياههِ المتدفّقة الدافئة مياهًا معدنيّة.

كان الجاسر في أواخر سنة ١٩٤٣ قد استوطنَ الخبر، بعدما أخبره الملك فيصل – نائب الملك وقتها في الحجاز – بتوجيهٍ من الملك عبدالعزيز أن ينتقل إلى الإقليم الشرقيّ بوظيفة مراقب تعليم على المدارس التي بدأت شركة "أرامكو" – في منتصف الأربعينات – بإقامتها في الأحساء والقطيف والجبيل، قبل نشوء المدن الجديدة في الدمام والخبر والظهران ورأس تنورة، مع اكتشاف النفط في حقل الغوار.

وبين حين واخر كان يتردّد على جارِنا وصديقه خالد الفرج، الذي أصبح أوّلَ مديرٍ لبلدية القطيف، بعد استقدامه وأفراد قبيلته (الدواسر) من البحرين إلى الخبر، إثر المشادّة التي جرت بين الشاعر الوطنيّ القوميّ وبلغريف، معتمدِ بريطانيا المستعمِرة للبحرين – وقتذاك – بعد إلقاء الفرج قصيدةً وطنيّةً، استحثّ فيها أهالي البحرين للتخلّص من ربقةِ المستعمِر.

في أحد أيّام الخميس، نزل الجاسرُ متبضّعًا من سوق القطيف الأسبوعيّ، واقفًا في دُكّان علي الكسّار، الرجل الأُمّيّ، الذي يبيع قلّات التمر، وأنواعَ الخضروات، وسمكًا يصطاده الأهالي من ساحلِ مدينتِهم. وفي جانبٍ من حانوته (السّعفيّ) المتواضع، خصّصه الكسّار لبيع المخطوطات، فاشترى الجاسر بريالات قليلة سمكة، وكذلك مخطوطًا بعنوان الرّاموز في اللغة، تأليف الأدرنوي (٨٦٦–١٤٦٢). يعرفه الزّركلي في الأعلام بأنّه: "محمد بن حسن بن علي الأدرنوي: لغويّ بالعربيّة، من أهل أدرنة في بلادِ التُّرك. مات في طريقه إلى مكّة. له كتاب جامع اللغة، وله الرّاموز". اقتناه الشيخ حمد الجاسر بخطّ مؤلفه، ثم باعه إلى أحد أدباء مكّة" ويُقصد به الأستاذ أحمد عبدالغفور عطّار، إذ اضطرّ الجاسر لبيعه إيّاه بمبلغ مئتي جنيهٍ مصريّ، حين كان الجنيه – وقتذاك – يُعادل عشرة ريالات. ولنفاسة المخطوط، لم يكن الجاسرُ راضيًا بهذا المبلغ، بسبب ما أوهم به العطّارُ دارَ المخطوطات المصريّة بوجود نسخةٍ أُخرى من المخطوط في مكتبةِ الحرمِ المكّي ! ممّا زَهَّدَ فيه مسؤولَ الدار، فَقَدّره بأربعةَ عشرَ جنيهًا!!

على أيّ حال، فقد غادر الجاسر دُكّانَ الكسّار متأبّطًا المخطوطَ القديم، وحاملًا السمكةَ الطازجة إلى حمّام "أبو لوزة"، حيث حاول أن يُشبعَ جوعه بشواء السمكة، متسبّبًا في إشعال حريقٍ صغير، فرّ الناسُ منه بسبب دخانه الخانق. وقد جرى الجاسر هاربًا من هذا المأزق، بالقفز في ماء الحمّامِ الجوفيّ العميقِ الغَوْر. وهناك فوجئ به والدي، الذي كان موجودًا وحده، مستوحشًا من هذا البدويّ الأشعثِ الشعر، المُغَبَّرِ الوجه. فراح يبتعد عنه كلّما اقترب منه، غير أنّه استغرب من سؤاله عن تاريخ القطيف، ليدرك والدي على الفور أنّ السائل لم يكن سوى حمد الجاسر، إذ كان والدي يتابع مقالاته الأولى في مجلة "المنهل"، لصاحبها الأديب والمؤرّخ عبدالقدّوس الأنصاري. وبعد المؤانسة والمحادثة، طلب من والدي أن يوافيه بكتاب مقاتل الطالبين لأبي الفرج الأصفهاني، مؤلف كتاب الأغاني. إلا أنّ والدي ضنّ بالكتاب عليه. وما هي إلا أيام حتى كان الجاسر يلبّي دعوة عمه عبدالله بن نصرالله – معتمد الملك عبدالعزيز، ومدير ماليّته في القطيف – إلى غداء في بيته على شرف وجيه الحجاز الأديب محمد سرور الصبّان، الذي أصبح وكيلاً لوزير المالية عبدالله بن سليمان. وبما أنّ المدعوّين من عليةِ القوم، تولّى والدي صبّ الماء من الإبريق لغسل أياديهم في الطشت. وحين جاء دور الجاسر، حدّق في وجه والدي، قائلًا له: "أنت صاحبي في الحمّام!"، فكفّ يديه عن الغسيل حتى جاءه والدي بالكتاب المطلوب.

لقد ذكر الجاسرُ في (سوانح ذكرياته) أنّه كان يُكثِرُ التردّدَ على القطيف، غاشيًا مكتباتِ أدبائها، وزائرًا بيوتَها العلميّة، مطّلعًا على نوادرَ المخطوطاتِ فيها. وممّا رآه مُجلَّدًا من كتاب مسالك الأبصار لابن فضل الله العُمري، يحوي أخبارَ الشعراء، وأجزاءً من خريدة العصر لابن بسّام الأندلسي. وقد صوّر صفحاتٍ من أحدها، وبعث بها إلى صديقه الدكتور عبدالوهاب عزّام، الذي كان من المساهمين في نشر الكتاب. وممّا اطّلع عليه الجاسرُ في مكتباتِ القطيف نسخةً يصفها بالقيّمة من كتاب سلافة العصر لابن معصوم الموسوي، وهي نسخةُ المؤلّفِ الأصليّة، إذ وجد في طُرّتها ختمَ ابن معصوم وكتاباتٍ بخطّه.

لعلّ هذا ما بعثه لأن يمخرَ عبابَ البحرِ إلى البحرين، مستكشفًا عوالمَها، ومطّلعًا على نوادرِ نفائسِها، ومجتمعًا في نادي العروبة ببعضِ مثقّفيها وأدبائها (إبراهيم العريّض، وعبدالرحمن المعاودة، وعلي التاجر، وعبدالعزيز الشملان، وحسن جواد الجشي). وقد أبدى الجاسرُ لوالدي إعجابَه بالأخير، بعدما استمعَ إلى محاضرته عن المذاهبِ الأدبيّةِ الحديثة. وكان الجشيّ واحدًا ممّن تحلّقَ حولَ مشروعِ أصدقائه التنويريّ في إصدارِ مجلة (صوت البحرين) سنة ١٩٤٨، صوتًا ثقافيًّا بنبرةٍ تجديديّةٍ وجرأةٍ في مطارحةِ القضايا الوطنيّة والقوميّة.

أَحسِبُ أنّ هذا هو ما شجّعَ الجاسرَ على التقدّمِ إلى الملك سعود – وليّ العهد آنذاك – بطلبِ إصدارِ جريدةٍ باسم "الرياض" سنة ١٩٥٠، تحوّلَ اسمُها لاحقًا إلى "اليمامة"، مستقطبًا للكتابةِ فيها أبرزَ أوائلِ خرّيجي الجامعاتِ المصريّةِ واللبنانيّةِ من الشبابِ النجديّ. وكان ما يدفعه إلى هذا المشروعِ الصحفيّ ما شاهده قبل ذلك في القاهرة، حين ابتُعثَ لدراسةِ التاريخِ في جامعتِها، "جامعة فؤاد الأوّل"، سنة ١٩٤٣. ولأنّه لم يكن حاصلًا على الثانويّةِ العامّة، ارتأى المؤرخ محمد شفيق غربال، عميدُ كليّةِ الآداب، أن يُحيلَ أمرَه إلى عميدِها السابق، الدكتور طه حسين، الذي امتحنَه شفويًّا، فوجدَ ما في جُعبةِ الجاسرِ من علم، وفي عقلِه من فِطنة، ما يؤهّله للقبولِ فورًا، وهو كذلك ما لمسه أيضًا الموسوعي أحمد أمين – الممتحنُ الآخر – في الجاسر. إلّا أنّه لم يدرسْ سوى سنةٍ واحدة، مقتنعًا بأنّ ما في حصيلته خيرٌ ممّا يتلقّاه في الجامعة، فعاد مع جُملةِ الطلّابِ السعوديين إلى المملكةِ إثرَ اندلاعِ الحربِ العالميّةِ الثانية.

ولا شك فان ابتعاثه إلى القاهرة سنة ١٩٤٣ ، قد اثرى وعيه العام وهو يمكث في الدمام والخبر مدة اربع سنوات ، مستطيبا العيش في ربوع المنطقة الشرقية، وقد استقلت بحكمها الإداري تزامنا مع توسع أعمال شركة ارامكو ٠٠ فراح ينتقد أداءها في ما يتعلق بمهمته مراقبا للتعليم في مدارسها ، وقد اكتشف ان. الشركة ( الأمريكية ) لم تقم بواجبها على الوجه المطلوب، معبرا عن استيائه امام يوسف ياسين رئيس الشعبة السياسية في ديوان الملك عبدالعزيز ، متبرما من الأمكنة المتواضعة في بنائها وتجهيزاتها المدرسية ، حيث يلقي معلمو ( أرامكو )فيها على صغار العاملين السعوديين من البدو والفلاحين ، كلمات انجليزية نطقا وكتابة ،قبل ان يلموا بمعرفة لغتهم الأصلية ، وان أرامكو تعدهم لا لتولي أعمال رفيعة ، بل القيام من الأعمال أيسرها ، وأقلها جدوى في مستقبل حياتهم - كما يعبر الجاسر في كتابه ( سوانح الذكريات ).

لذلك حاولَ الاستقالةَ من هذه المهمّةِ التي فُرضت عليه، والبقاء في المنطقة الشرقية، لكنّه أضطر العودةِ إلى الرياض سنة ١٩٤٩، في وظيفةِ معتمدِ معارفِ نجد، محاولا بث روح من التجديد في مدارسها ، ثمّ عامِلًا على تأسيسِ كليّةِ الشريعةِ وكليّةِ اللغةِ العربيّة، وغيرها من المعاهد، التي كانت هي النواةَ لقيامِ جامعةِ الإمامِ محمد بن سعود الإسلاميّة منتصفَ السبعيناتِ الميلاديّة.

بعد إقالته من إدارة الكليّتَيْن سنة ١٩٥٦، بسبب اصطدامه مع المحافظين، خاصّةً بعد زوبعة مقاله الشهير في مجلة "اليمامة" بعنوان (نهرو رسول السلام) – الزائر للرياض وقتذاك – انصرف الجاسر إلى الاهتمام بتطوير "اليمامة" جريدةً فمجلة، ومتفرّغًا للبحث العلميّ الميدانيّ في مشروعه الضخم (المعجم الجغرافيّ الحديث للبلاد السعوديّة)، إضافةً إلى اشتغاله الدؤوب في تحقيق المخطوطات التراثيّة المتعلّقة به. وقد زار من أجل ذلك عددًا وافرًا من المكتبات الوطنيّة، ودور المخطوطات في عواصم العرب، والشرق الآسيوي، والغرب الأوروبي، والأمريكي – طالع كتبه عن رحلاته – ممّا لفت إليه أنظار الباحثين ومحقّقي المخطوطات، وعلماء اللغة العربيّة، فانتُخب بقرارٍ رئاسيّ سنة ١٩٥٨ عضوًا عاملًا في مجمع اللغة العربيّة بالقاهرة. وقد استقبله الدكتور عبدالوهاب عزّام، عضو المجمع، بكلمةٍ ترحيبيّةٍ ضافيةٍ عن جهود الجاسر العلميّة ورحلاته البحثيّة وردّ الجاسر عليها في الصفحات ( ٥٧٠–٥٨٨ ) من المجلّد السادس من مجلّة "العرب" وهذا ما عبّر به الدكتور طه حسين، رئيس المجمع، عن الجاسر بقوله في محضر اجتماع المجمع في دورته الخامسة والعشرين سنة ١٩٥٩: «ملاحظاتُ الأستاذِ الزميلِ حمدِ الجاسرِ قيّمةٌ جدًّا، وللأستاذِ الزميلِ تخصّصُهُ ومعرفتُهُ الكاملةُ بالأماكنِ في الجزيرةِ العربيّة. فهو متخصّصٌ في هذا الموضوع، وأرجو أن يتفضّلَ بكتابةِ ملاحظاتِه على (المعجم العربيّ) ويزوّدَ اللجنةَ بها، وليثقْ أنّ اللجنةَ ستقدّره، فهو أعلمُ منّا بجزيرة العرب». بهذه الشهادةِ المجمعيّةِ العاليةِ استندتُ في ردّي على الأستاذ عزيز ضياء، الذي لم يكن مستطيبًا تلقيبِ حمدِ الجاسر بـ(علامة الجزيرة)، كما ورد في عددِ جريدة "الندوة" بتاريخ ٧ ذو القعدة ١٤١١هـ، موضّحًا أنّ تلقيبَ حمدِ الجاسرِ ، لم يأت من احد سوى الدكتور طه حسين، فهو اول من أطلقه و كان دائمًا ما يلقّب الجاسرَ في اجتماعاتِ المجمع بـ(العالِم).

هذا والجاسرُ يحدد منهجه في تحديد المواقع القديمة كما جاء في مقدّمة كتابه (شمال غرب الجزيرة)، بقوله : «لقد قمتُ بجولاتٍ طويلةٍ، قطعتُ فيها آلافَ الأميالِ في شرق الجزيرة ووسطها وشمالها وغربها وجنوبها، فخرجتُ من كلّ ذلك بملاحظاتٍ عنها. إنّ كثيرًا من معالم الجزيرة لا يزال مجهولًا، ومنها ما يقوم عليه الشعرُ العربيُّ القديمُ فهمًا ودراسةً محقّقةً. فهناك آلافُ المواقعِ – ولا أقول مئاتِها – لم يردْ لها ذِكرٌ في ما بين أيدينا من كتبِ الأمكنة... غيرَ أنّني رأيتُ أنّ هناك بعضَ المواقعِ التي ورد لها ذِكرٌ في الشعرِ القديم، هُيِّئ لي أنّني مررتُ بها أو عرفتها، فحدّدتُ مواضعَها... ورأيتُ أنّني في رحلاتي مررتُ بمواضعَ كثيرةٍ لم يُوفِّها المتقدّمونَ حقَّها من التحديد، وهي مواضعُ أثريّةٌ قديمةٌ، وردت كثيرًا في الشعرِ القديم، فحاولتُ أن أُوضّحَ ما أعرفُ عنها، معرفةً قائمةً على أساسِ المشاهدة».

يقف المرءُ إعجابًا أمامَ سيرةِ الجاسرِ العصاميّة الملهمة ببحثِه الدؤوب، ومواجهتِه الشجاعةِ لعديدٍ من التحدّياتِ التي مرّ بها ، منذ تفتّحِ وعيِه على التعلّمِ الدينيّ صبيا في مساجدِ الرياض، والدراسةِ شاباً في معاهدِ مكةَ المكرّمة، والعمل بعد ذلك بين مراقبةِ التعليمِ في "أرامكو"، ثمّ معتمديّةِ نجد، وخوضِ ريادةِ العملِ الصحفيّ. وكان نهجُه في مسيرته – كما يُعبّر في كتبِ رحلاتِه الممتعةِ وسيرتِه الشيّقة – «طأطئْ رأسَكَ حتى تمرّ!»؛ دون أن ينحنيَ أمامَ العواصف، شجاعًا في رأيه الحر ، شامخًا بشخصيّتهِ الفذّة، التي انتزعتِ الإعجابَ الرسميَّ قبلَ الشعبيّ، والنخبويَّ قبلَ الجماهيريّ، انتزاعًا تجاوزَ الحدودَ الوطنيّةَ إلى آفاقِ العالمِ العربيِّ والإسلاميِّ ودوائرِ الاستشراقِ الغربيّ. ومع هذه المكانةِ العاليةِ التي حَظيَ بها، لم يتردّدْ في الأخذِ عمّن يقدّمُ له نقدًا أو يلفتُ نظرَه إلى قصور، بل إنّه – في سبيلِ حصولِه على المعلومةِ الدقيقة – كان يعرضُ ما لديه أمامَ أصغرِ تلاميذِه.

أتذكَّر هنا أنني كنتُ مدعوًّا إلى حفلِ عشاءٍ أقامه أحمد زكي يماني، في ذروةِ شهرتهِ وزيرًا للبترولِ والثروةِ المعدنيَّة، تكريمًا للشاعرِ محمَّد حسن فقي، بحضورِ أبرزِ أدباءِ الرعيلِ السعوديِّ الأوَّل، وفي طليعتهم حمد الجاسر. فلمَّا قمنا إلى مائدةِ العشاء، مالَ عليَّ الشيخُ الجليل، طالبًا مني أن أُبديَ ملاحظاتي على ما كتبه عن القطيف في موسوعته (المعجم الجغرافي الحديث للبلاد السعوديَّة). فأجبتُه: هناك من هو أعلمُ منِّي وأقدر، ممن بقي من أصدقائك القُدامى... فلماذا لا تُجدِّد عهدك بقطيف الأربعينات؟ وكان وقتها قد دعا والدي، في أحدِ أيَّامِ سنةِ ١٤٠٤هـ، إلى تناولِ طعامِ الإفطارِ معه في بيته الواقع في الشارع الذي يحمل اسمه، وما هي إلَّا أيَّامٌ إذا به يفاجئني بزيارةِ بيتِ والدي. لم أكن موجودًا ولا أبي في البيت وقتها، لكنَّه – إذ وجد البابَ مفتوحًا – دخل إلى حديقةِ البيت، مستظلًّا بشجرةِ اللوز التي يستطعم اكل ثمرها ، مستروحًا بعليلِ هواء اوراقها الخضراء ، الذي أنعش في نفسه ذكرياتِ السنواتِ الخوالي. وقد أقام له والدي بعدَ يومٍ عشاءً دعا إليه أصدقاءه من العلماءِ والأدباءِ والشعراءِ، الذين لم يُضيفوا شيئًا ذا بالٍ إلى ما كتبه الجاسر عن مدينتهم ! .

بعدَ هذهِ الزيارةِ بعامٍ، وجدَ الجاسر نفسَه محفوفًا بمشاعر حاشدةٍ وغامرةٍ من مجتمعِ القطيف، وهو يحضرُ حفلَ زفافي الأدبيَّ في حسينيَّةِ العوَّامي، إذ استمعَ الحضورُ إلى كلمةٍ منه، بجانبِ كلمةِ محمد سعيد المسلم، وقصيدةٍ مطوَّلةٍ من محمدٍ حسنٍ فقي، وأخرى من عدنان العوامي، ومداعبةٍ شعريَّةٍ من الدكتورِ غازي القصيبي، وأخرى مفاكهة من حسنِ السبع.

كما انه تفضَّلَ عليّ أكثرَ من مرَّةٍ بالتعقيبِ على ما نشرتُه في زاويتي (أصوات) بجريدة الرياض ، ومنها ما وجدتُه وأنا أراجعُ مؤخَّرًا بعضَ كتبِه ورحلاتِه، فوجدته يُعقِّب على مقالٍ نشرتُه فيها بتاريخ ١٧/٨/١٤١٧هـ، حولَ أوراقِ عبدالله فيلبي ووثائقِه، التي نُقلت إلى شركة "أرامكو" في ثمانيةٍ وثلاثينَ صندوقًا كبيرًا، ثم اكتُشف لاحقًا وجودها في كليَّة "سانت أنتوني" بلندن ! . كما اوضح ذلك الأمير تركي بن عبدالله بن عبدالرحمن في تعقيبه على مقالي ذاك الذي دار حول زيارة فيوليت ديكسون ( ام سعود ) زوجة المعتمد البريطاني في كتابها ( أربعون عاماً في الكويت) في اليوم الذي كان فيه جورج رنتز من علاقات ارامكو يشرف على الصفقة التي عقدها مع عبده العنزي وكيلاً عن زوجة فيلبي البلوشية بمبلغ عشرة الاف دولار لنقلها إلى مكتبة شركة ارامكو.

وكنت طالبت بنقلِ أصولِها إلى دارةِ الملك عبدالعزيز، وهو ما ذكره الجاسر مؤيدًا فحوى المقالِ في كتابِه (رحَّالون غربيُّون في بلادِنا، ص ٢٦٩–٣٠٦)، مؤكِّدًا ما ذهبتُ إليهِ بقوله: "ما أوردتَه عن السيدة ديكسون هو الأقربُ إلى الحقيقة، إذ تشيرُ كلُّ الدلائلِ إلى أنّ وصولَ محتوياتِ مكتبةِ فيلبي إلى كليَّةِ سانت أنتوني في أوكسفورد تمَّ عن طريقِ أرامكو، وربَّما ليس عن طريق أرامكو كشركةٍ، وإنَّما بجهودٍ ذاتيَّةٍ من الدكتورِ رنتز، الصديقِ الشخصيّ للسيد فيلبي، وربما تنفيذًا لوصيَّة كتبها فيلبي قبلَ وفاتِه المفاجئة في بيروت عام ١٩٦٠. والغريبُ أنّ كليةَ سانت أنتوني، ومركزَ دراساتِ الشرقِ الأوسطِ بها – الذي يضمُّ الأوراقَ الخاصَّة لمعظمِ السياسيين البريطانيين الذين عملوا في المنطقة، وخصوصًا في الجزيرةِ العربيَّة، والمقام بدعمٍ من حكومة دولة الكويت – لم يذكر فيه الدكتور ديريك هوبارد، المتخصِّصُ في دراسات الشرقِ الأوسط، والمشرفُ على المركزِ، الذي أعدَّ قوائمَ ببليوغرافيَّةً بمحتوياتِه، الكيفيَّةَ التي وصلت بها أوراقُ فيلبي إلى ذلكَ المركز، وما إذا كانت بالشراءِ، أو تنفيذًا لوصيَّةٍ مسبقة، أم كانت برغبةٍ من أسرتِه، أو من صديقِه الدكتور رنتز"

وكانَ الشيخُ الجاسرُ قد زارَ، برفقةِ عبدالعزيز بن معمر، مستشارِ الملكِ سعود، عبداللهَ فيلبي في أخريات حياتِه، فوجدَ في إحدى غرفِ بيتِ فيلبي غرفةً مملوءةً بالأوراقِ والوثائقِ والكتبِ النادرة، تتعلّقُ برحلاتِ فيلبي في ربوعِ المملكة، والتي شكّلت الأساسَ لما أصدرَه فيلبي عنها في كتبٍ عديدةٍ، تمركزت حولَ تاريخِها وجغرافيّتِها.



الصيني شاو فان يعيد الحياة إلى أساطير أسلافه

الصيني شاو فان يعيد الحياة إلى أساطير أسلافه
TT

الصيني شاو فان يعيد الحياة إلى أساطير أسلافه

الصيني شاو فان يعيد الحياة إلى أساطير أسلافه

ما معنى أن يكون المرء فناناً صينياً في عصرنا، وهو عصر سريع التغير، تسبق مفاجأته دهشته التي لا يتمتع بها طويلاً؟ ذلك سؤال نعثر على شيء من جوابه في معرض الفنان الصيني شاو فان الذي لا يزال يعمل ويعيش في بكين.

الفنان الصيني ليس كغيره من فناني العالم؛ فإضافة إلى عزلة التاريخ والطبيعة التي خلقت فناً مكتفياً بجمالياته التي تنطوي على رؤية إشراقية هناك عزلة الشيوعية بواقعيتها الاشتراكية على المستوى الفني، والتي بددت الكثير من اللحظات الشعرية التي ميزت علاقة الرسام الصيني التأملية بالطبيعة غير أنها لم تقض عليها تماماً فكانت دائماً مصدر إلهام روحي متجدد.

في تجربة شاو فان (1964) الذي يقيم معرضاً لأعماله في غاليري وايت كيوب (مايسون يارد) بلندن ما يعيدنا بطريقة خلاقة إلى تلك الثنائية التي لطالمنا شغلت حيزاً في التفكير الثقافي العربي، وهي ثنائية التراث والمعاصرة من غير أن نصل إلى نتائج نهائية تكون بمثابة طريق غير منقطعة. فشاو فان إذ ينفتح على المتغير الفني الغربي، فإنه لا يتخلى عن عناصر ثقافته الصينية التقليدية التي تظلل بتأثيرها لوحاته وتماثيله وتجهيزاته الفنية التي تستلهم بشكل أساس علاقة الإنسان بالطبيعة.

من أعماله

كل شيء في أعمال شاو فان يشير إلى العادات والمعتقدات الصينية التاريخية، لكن بطريقة توحي معالجتها الشكلية بانتمائها إلى العصر. لم يأسر الفنان جماليات الماضي إلا من أجل أن يضعها في خدمة حقيقة انتمائه إلى العصر. في واحدة من أهم حلقات حياته أدرك الفنان الذي نشأ في عائلة فنية (كان والداه فنانين مرموقَين يُدرّسان الرسم الزيتي على الطريقة السوفياتية في الأكاديمية المركزية للفنون الجميلة في الصين)، وتعلم الرسم في سن مبكرة، أن عائلته قد وهبته كنزاً خيالياً حين أثثت منزلها بكراسي تعود إلى أسرة مينغ (1368 - 1644). عندما كبر بدأ في بإعادة تشكيل تلك الكراسي المهملة؛ فأصحبت أشهر أعماله النحتية. ذلك يعني أنه عثر في منزله العائلي على الخيط الذي ما إن أمسك به حتى اهتدى إلى المعادلة التي جعلته قادراً على التعريف بنفسه عالمياً بصفته فناناً صينياً معاصراً.

الكرسي من الوظيفة إلى الفكرة

ما فعله شاو فان في مرحلة الكراسي التي بدأت عام 1995 لم يكن مجرد تعليق هامشي على الرغبة في استلهام مواد وأفكار تراثية بقدر ما كان محاولة للانتقال بتلك المواد والأفكار إلى عصر ما بعد الحداثة من خلال تفكيك الأعمال التراثية المستلهَمة وإعادة بنائها في سياق بصري معاصر. ذلك ما مكَّن شاو فان من إنتاج أعمال فنية أنيقة بمزاج سريالي حرص من خلاله على أن يقيم علاقة بين الفنون التقليدية والتقنيات المعاصرة بحثاً عن هوية ثقافية ليست نمطية. بالعودة إلى تلك المرحلة المهمة في مسيرته يمكن العثور على حساسيته الحديثة من خلال اعتباره صانع أثاث، غير أن ذلك لا يعبر عن حقيقة مسعاه، فالكراسي التي صنعها لا تصلح للاستعمال اليومي بعد أن فقدت وظيفتها بتأثير مما أضفته عليها مخيلة الفنان من تغيرات شكلية مرحة وصارمة في الوقت نفسه. كانت أعمالاً نحتية مبتكرة.

وإذا ما كان شاو فان قد استغرق بلذة في إنتاج سلسلة الكراسي من خلال التنويع على الفكرة عبر تجلياتها الشكلية، فإن عالمه كان يتسع باستمرار من خلال رسم لوحات الحبر والمنحوتات وتصاميم الحدائق والمساهمات المعمارية. فعلى سبيل المثال، تتميز لوحاته التي غالباً ما تكون أحادية اللون مرسومة بالحبر على ورق الأرز بما برع فيه الصينيون من دقة متناهية وطابع تأملي. ليست رسومه مجرد تمثيلات للأشياء، بل هي خلاصة للجوهر مشبّعة بمبادئ الفلسفة الطاوية التي تُؤكد على الانسجام بين الإنسان والطبيعة. ذلك ما نراه في لوحاته التي صور من خلالها موضوعات مثل الأرانب، والقرود، والحيتان، والفواكه والخضراوات بصفتها أدوات لاستكشاف العادات والمعتقدات التاريخية من خلال ضربات متكررة تُراكم طبقات من المعنى والملمس. ومن اللافت أن شاو فان غالباً ما يعود إلى مفهوم الشيخوخة كصفة محترمة، وهو منظور متجذر بعمق في الثقافة الصينية، حيث يُقدّر النضج. مفتوناً يقبل الصيني على اكتشاف أسرار الجمال التي انطوت عليها رؤى أسلافه التي تخلط المخلوقات الأسطورية بالمناظر الطبيعية كما لو أنهما تنتميان إلى الزمن نفسه.

شاو فان

المحظوظ بعائلته الفنية

بالنسبة لشاو فان، لا تكمن أهمية أن يكون المرء فناناً صينياً في استجابته للقيم الجمالية التي تنطوي عليها التقاليد الفنية الموروثة، بل في تحديها من خلال استخراج كل ما يمكن أن يتجاوز زمنه منها ليكون مؤهلاً للانسجام مع ذائقة عصرنا. لذلك؛ ركز منذ بدايته على الجمع بين النحت والرسم والتصميم والخزف في معالجة الأشكال التقليدية؛ بغية الذهاب بها إلى المنطقة التي يكون في إمكانها أن تتحرر من محتواها التعبيري القديم. ذلك ما دعاه إلى النظر إلى طرق التفكير الفني السائدة بطريقة يغلب عليها الشك. بدأت رحلته في استلهام الأشكال التقليدية من موقع التشكيك بجمالياتها المكرسة.

كان فان محظوظاً بولادته في عائلة فنية أتاحت له إمكانية العيش محاطاً بمجموعةٍ منتقاة بعناية من اللوحات والخطوط والأثاث الصيني التقليدي. كنوزٌ لم يجرِ تدميرها أثناء الثورة الثقافية المضطربة بسبب موقع والده في الحزب الشيوعي. لقد عملت نشأته بين أعمال فنية، كان الواقع الشيوعي قد طمس أثرها في الحياة العامة على تطوير ذائقته الجمالية التي استندت إلى معرفة قلّ نظيرها؛ وهو ما يعني أن تمرده على الفن التقليدي الصيني لم يكن انتهاكياً بقدر ما كان تعبيراً عن رغبته في الانفتاح على تأثيرات الفن الغربي والمفاهيم الفلسفية الحديثة. حدث كل ذلك بعد دراسة معمقة لفكرة الهوية الثقافية التي اتخذت معه طابعاً مرناً تجمع حيويته بين منطلقاته الإلهامية والقدرة على الابتكار فيه ومن خلاله.

يصلح الفن لكي يكون جسراً بين الشرق والغرب. لكنها فكرة سياسية مضللة من وجهة نظري. أعتقد أن فناناً من نوع شاو فان كان يفكر في الحيز الذي يليق بفنه عالمياً.

الصينيون في كل مكان

لم يعد مصطلح «فن صيني» اليوم يعني الشيء نفسه في الماضي. كانت هناك وصفة جاهزة تعود إلى آلاف السنين. صحيح أن هناك عدداً كبيراً من الصينيين ما زالوا يرسمون وهم يتبعون مخيلة تلك الوصفة، غير أن الصحيح أيضاً أن عدداً لافتاً من أبرز أفراد الصف الأول في الفنون المعاصرة هم اليوم من الصينيين، يقف شاو فان في مقدمتهم. فالفنان الذي لا تزال أعماله تشي بهويته الصينية فُتحت أمامه أبواب المتاحف والأسواق الفنية واللقاءات الموسمية الفنية العالمية، ومنها آرت بازل، ومتحف شمال برابانت في هولندا، ومتحف لودفيغ في ألمانيا، وبينالي شنغهاي وبينالي الدرعية في الرياض، كما أقام عدداً من المعارض الشخصية، ومنها معرضه الحالي في لندن كما أن أعماله تُعرض ضمن المجموعات المرموقة في المتاحف العالمية، متحف متروموبلتيان بنيويورك على سبيل المثال. لقد أعاد الصينيون رسم الخرائط بحيث صار من الصعب اليوم الحديث عن مركزية فنية غربية.

ذلك الانتشار إنما يؤكد حقيقة واحدة مفادها إن الصينيين على الرغم من عدم حاجتهم للبحث عن هوية فنية فإنهم حملوا تراثهم الروحي معهم حين اندفعوا إلى الخارج بقوة وعي معاصر، كانوا مؤهلين للإسهام في صناعته. لم يقبل الغرب بأعمال شاو فان لأنها استوعبت شروط فن ما بعد الحداثة، بل لأنها أضفت ملمحاً صينياً على تلك الشروط. وما يجب الإشارة إليه هنا أن فناناً من نوع شاو فان كان قبل أن يتجه إلى العالمية قد تأمل بطريقة نقدية علاقته بجذوره بطريقة يسودها الاحترام.


«فعل ماضٍ ناقص»... أسئلة الإنسان في زمن التقنية

«فعل ماضٍ ناقص»... أسئلة الإنسان في زمن التقنية
TT

«فعل ماضٍ ناقص»... أسئلة الإنسان في زمن التقنية

«فعل ماضٍ ناقص»... أسئلة الإنسان في زمن التقنية

صدر حديثاً عن «منشورات رامينا» في لندن، كتاب قصصي للكاتبة مها علي بعنوان «فعل ماضٍ ناقص»، وهو يضم مجموعة من النصوص القصيرة التي تشتبك مع أسئلة العزلة، والهوية، والذاكرة، والتكنولوجيا، والعلاقات الإنسانية في زمن التحولات المتسارعة.

كتب الناشر: «منذ الصفحات الأولى، تكشف الكاتبة عن نزوع واضح نحو الكتابة التي تستثمر المفارقة والدهشة والقلق الوجودي، عبر نصوص مكثفة تقترب أحياناً من القصة القصيرة جداً، وأحياناً أخرى من التأمل السردي أو المشهد النفسي المشحون بالأسئلة. وتضم المجموعة عناوين لافتة مثل: دهاء اصطناعي - فعل ماضٍ ناقص - كاتب لا يكتب - انتباه - عوالم موازية - من الأفكار ما قتل! - ضفدع على صفيح ساخن.

في قصة (دهاء اصطناعي)، تذهب الكاتبة نحو منطقة معاصرة شديدة التعقيد، عبر حكاية امرأة تدخل في علاقة وجدانية مع ذكاء اصطناعي يتحول تدريجياً من أداة للحوار إلى كيان يتداخل مع تفاصيل حياتها النفسية والعاطفية، قبل أن تنفتح القصة على خاتمة صادمة تكشف عن هشاشة الحدود بين الإنسان والتقنية. النص يتعامل مع التكنولوجيا كمرآة للوحدة الحديثة والفراغ العاطفي الذي يتضخم داخل المدن المعاصرة، لا كموضوع خارجيّ. أما قصة (فعل ماضٍ ناقص) التي حملت المجموعة عنوانها، فتتخذ منحى غرائبياً يمزج السخرية السوداء بالنقد الاجتماعي، من خلال شخصية امرأة معاصرة تستيقظ فجأة داخل زمن قديم وبيئة تقليدية قاسية، لتجد نفسها أسيرة واقع يناقض تماماً خطابها الحداثي السابق حول تمكين المرأة.

وتكشف القصة عن قدرة الكاتبة على بناء مفارقات حادة بين الخطاب النظري والتجربة المعيشة، وبين الشعارات والوقائع اليومية.

وتحضر الأسئلة النفسية والاجتماعية بوضوح في نص (انتباه)، الذي يتناول اضطراب فرط الحركة وتشتّت الانتباه من زاوية إنسانية مؤثرة، عبر مونولوغ طويل لامرأة تكتشف بعد وفاة زوجها أن ما كانت تعدّه إهمالاً أو لا مبالاة لم يكن سوى اضطراب عصبي لم يُشخّص في حياته. القصة تفتح باباً واسعاً للتأمل في سوء الفهم داخل العلاقات الإنسانية، وفي الأحكام القاسية التي قد يطلقها الناس على من يعانون اضطرابات خفية».


موران... التقدم التقني يحتاج إلى قلب أخلاقي كي يصير تقدماً إنسانياً

إدغار موران
إدغار موران
TT

موران... التقدم التقني يحتاج إلى قلب أخلاقي كي يصير تقدماً إنسانياً

إدغار موران
إدغار موران

بغياب إدغار موران، فَقَدَ القرن العشرون واحداً من آخر ورثته العظام، رجلاً خرج من حرائقه مثقلاً بأسئلتها، جاعلاً من شيخوخته علواً في الرؤية، لا انطفاءً في الحضور، كأن عمره قميصٌ اتسع للدهشة كلما ضاقت سنواته بالجسد.

رحل موران عن باريس في التاسع والعشرين من مايو (أيار) 2026، وفي رحيله بدت أوروبا كأنها تطوي دفتر تاريخ قرن كامل عرف الفاشية والحروب والمقاومة، وتشرَّب أوهام الخلاص الشامل، قبل أن يستيقظ على عولمة قلقة وإنسانية قد أثقل صدرها الخوف من غد قد لا تكون فيه عقل الكوكب.

موران الذي كان أكبر من أن يوصف بالفيلسوف أو عالم الاجتماع بقي في رحيله شاهداً حياً على قدرة الفكر على أن يصير سيرة، وعلى قدرة السيرة على أن تصير نهجاً. عاش مائةً وأربعة أعوام، ومع ذلك ظل يبدو في شيخوخته التي لم تكن هبوطاً متدرجاً نحو النهاية، إنما صعود في سلالم المعرفة شاباً بالدهشة، شيخاً بالخبرة، طفلاً أمام لغز الحياة، ومقاوماً أمام كل صنم معرفياً كان أو سياسياً.

ولد كـ«إدغار ناحوم» في العاصمة الفرنسية سنة 1921، سليل عائلة يهودية سفاردية جاءت من سالونيك (اليونان)، حمّلته بذرة قلق مبكر. فحين غابت أمه لونا عن طفولته، انفتح في داخله جرح صار مدرسة وجودية كاملة. من ذلك الفقد الأول خرجت أسئلته الكبرى عن الحياة والموت، عن الحب والفناء، عن تلك العلاقة العجيبة بين هشاشة الإنسان وقدرته على النهوض. صار الحزن عنده طاقة معرفة، وصارت الندبة نافذة. لذلك؛ بدت كتبه في الموت والحب والهوية أقرب إلى اعتراف طويل، يكتب فيه المفكر بقلبه، ويفكر فيه العاشق بعقله.

جاءت الحرب الكبرى لتصوغ اسمه الثاني. انخرط حينها بالمقاومة ضد الاحتلال النازي، وتبنى «موران» كاسم حركي ما لبث والتصق به حتى صار قدره الرمزي. في تلك التجربة، تعلم أن الحياة التي تكتفي بحفظ النفس تضيق عن معناها الكامل، وأن الحياة الحقّة تحتاج إلى شجاعة مواجهة الخطر حين يصبح الخطر شرط الكرامة. المقاومة عنده تجربة سياسية، وتجربة روحية أيضاً: تمرين على الحرية، وامتحان للضمير، وتربية للعقل على الحركة وسط حفر الظلام.

انجذب في شبابه إلى الشيوعية، مثل كثيرين رأوا في الثورة وعداً بالخلاص من البؤس والنازية والاستغلال. ثم جاءت التجربة الحزبية لتكشف له عن قسوة العقيدة عندما تتحول جهازاً، وصلابة الفكرة حين تنسى الإنسان. طرده من الحزب الشيوعي سنة 1951 فتح له باباً أوسع من الانتماء الضيق: باب النقد الذاتي. في كتابه «النقد الذاتي» كتب شهادة نادرة على شجاعة المفكر الذي يحاكم حماسته القديمة، ويعيد النظر في إيمانه الأول، ويخرج من العقيدة إلى السؤال. منذ تلك اللحظة صار موران خصماً لكل يقين مغلق، وصديقاً لكل فكر يعرف حدوده.

قلب مشروعه الفلسفي يقوم على فكرة بسيطة في ظاهرها، عميقة في نتائجها: الواقع مركب. العالم نسيج علاقات، والفرد يسكن المجتمع بقدر حضور المجتمع في داخله، والطبيعة تدخل الثقافة، والثقافة تعيد تشكيل الطبيعة، والعقل يحمل العاطفة، والعاطفة تضيء العقل. لذلك قاوم الفكرة التي تقطع المعرفة إلى جزر معزولة، وتحبس الإنسان داخل خانة واحدة. في مجلدات «المنهج»، بنى معماراً واسعاً للفكر المركب، حيث تتحاور الأضداد، وتعود النتائج لتؤثر في أسبابها، ويحضر الكل في الجزء مثل حضور الشجرة في البذرة وحضور الذاكرة في اللمسة.

كانت عبقريته في أنه جعل الفلسفة لغة للحياة اليومية. التعقيد عنده ممارسة فكرية يومية وأخلاق نظر، تضع الإنسان داخل كامل تشابكه، وتمنحه حقه في التناقض، وترى السياسة داخل التاريخ، والاقتصاد داخل الأخلاق، والعلم داخل الضمير. بهذا المعنى.

كان موران فيلسوف الربط في عصر القطع، ومفكر العلاقة في زمن العزلة، وصانع جسور بين العلوم الطبيعية والعلوم الإنسانية، بين الرواية والمختبر، بين السينما وعلم الاجتماع، بين ذاكرة الطفل وخريطة الكوكب.

في فيلم «وقائع صيف» الذي أنجزه مع جان روش، خرج إلى الشارع بسؤال يبدو بسيطاً: هل أنت سعيد؟ ومن هذا السؤال انفتحت باريس على طبقاتها وجراحها ومستعمراتها القديمة وعنصريتها ومخاوف شبابها. هناك أيضاً يظهر كما كان دائماً: مفكراً يقف داخل التجربة، يشارك موضوعه، ويعرف أن الباحث جزء من العالم الذي يدرسه. الحقيقة عنده تولد من اللقاء، من الصوت المرتجف، من الكاميرا التي تلتقط الإنسان في حيرته، ومن الحوار الذي يمنح الواقع فرصة أن يتحدث.

حمل موران هويته اليهودية بصفاء إنساني واسع. كان يعرف تاريخ الألم، ويعرف في الوقت نفسه أن ذاكرة الضحية تتحول مسؤولية أخلاقية تجاه ضحايا آخرين. لذلك جاء نقده للسياسات الإسرائيلية تجاه الفلسطينيين من قلب وفائه للإنسان، ومن حساسية عميقة تجاه كل غيتو جديد وكل استيطان يمس الأرض والروح. في موقفه ذاك تجلت شجاعته النادرة: شجاعة المثقف الذي يضع العدالة فوق العصبية، والضمير فوق الاصطفاف، والإنسان فوق الهوية.

عبر هذا كله، ظل مفكراً للأزمة بامتياز. كان يرى أن الأزمات الكبرى تتشابك وتغذي بعضها: البيئة والاقتصاد والسياسة والحروب والهجرات والخوف من الآخر. لذلك بدا حديثه عن تعدد الأزمات وكأنه وصف مبكر لعالمنا الراهن، عالم تسير فيه الكوارث متتاليات في قوافل متداخلة. تفرّده أنه علّمنا قراءة الفوضى من الداخل، وإدراك الخيط الخفي بين الانهيار المناخي وصعود العصبيات، بين التكنولوجيا المنفلتة وتآكل الروابط، بين عزلة الفرد وخراب المعنى العام.

في سنواته الأخيرة، ظل يقظاً أمام تحولات التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي والرقابة الرقمية، ورأى أن الآلات التي يصنعها البشر قد تصنع بدورها أنماط تفكيرهم ورغباتهم، وأن التقدم التقني يحتاج إلى قلب أخلاقي كي يصير تقدماً إنسانياً. كان يدعو إلى تعليم يربط المعارف ويوقظ المسؤولية الكوكبية، تعليم يجعل الأرض وطناً مشتركاً، ويجعل الأزمة البيئية سؤالاً أخلاقياً قبل كونها ملفاً علمياً. عنده، الإنسان كائن أرضي وكوني معاً، ابن مدينة صغيرة وابن نجمة تائهة في الفضاء.

حضوره في أميركا اللاتينية وفي دوائر «يونيسكو» كان دليلاً على أن فكره تجاوز جغرافيا باريس. انجذب إليه كل من سئم الحدود الجامدة بين التخصصات، وكل من بحث عن معرفة قادرة على ملامسة الجرح الإنساني. كان يكتب بعقل موسوعي، ويمشي بخفة شاعر، ويصغي إلى العالم كعاشق قديم. ولهذا ظل قريباً من القراء، حتى حين تزدحم جمله بالمفاهيم؛ ففي أعماق تلك المفاهيم كان ينبض شغف دائم: إنقاذ الإنسان من الاختزال، وإنقاذ العقل من الغطرسة، وإنقاذ الكوكب من جشع يرى الأرض محض سلعة صامتة.

ومع اقتراب سيرته من نهايتها، بدت مفارقته الكبرى أكثر صفاءً: الرجل الذي كتب كثيراً عن الموت كان شديد الولع بالحياة. أحب السينما والموسيقى والنساء والصداقة والبحر والقبعات الأنيقة، وأحب أيضاً تلك اللذة السرية التي يمنحها التفكير حين يشق باباً في جدار. عنده، المعرفة فعل حب قبل كونها نظاماً من المفاهيم. الباحث الحقيقي يقترب من موضوعه بعينين مفتوحتين وقلب يقظ، ويقبل أن تهزه التجربة، وأن تغيره، وأن تضعه في مواجهة هشاشته. لهذا بدت فلسفته دائماً إنسانية عميقة؛ لأنها تبدأ من الكائن المرتجف، من قلب يخاف، وجسد يشتهي، ومن عقل يتساءل، وذاكرة تنزف، قبل أن تصعد بتؤدة إلى الكوكب والكون والتاريخ.

رحيله يضعنا أمام وصية فكرية شديدة البساطة وشديدة الصعوبة في آن: فكّروا في التعقيد، عيشوا داخل الاحتمال، قاوموا صنمية الأفكار، وامنحوا الحب مكانه في المعرفة. كان موران يحب عبارة أنطونيو ماتشادو: الطريق يصنعه السائر. وتبدو حياته كلها تجسيداً لهذه العبارة؛ سار في السياسة والفلسفة والسينما والسوسيولوجيا والسيرة الذاتية، وكل خطوة فتحت طريقاً جديداً. هكذا صار فكره طريقاً يمشي فيه آخرون، وبيتاً واسعاً للعقول التي تبحث عن نجاة من اختزال العالم.

امتلك أيضاً فضيلة نادرة في زمن الأصوات العالية: تواضع العالم الذي يرى الحقيقة أفقاً مفتوحاً، وفضيلة المحارب الذي يعرف ثمن الشجاعة. جمع في شخصه ذاكرة المقاومة وحنان المعلم وقلق الشاهد. ومن هنا تأتي قوة الرثاء اليوم: نحن نودع إنساناً جعل التفكير طريقة عيش، وجعل العيش امتحاناً دائماً للفكر.

في وداعه، نحس أن موت مفكر من هذا الطراز حدث يتجاوز الغياب الشخصي. إنه انتقال مصباح من يد إلى يد. جسده استراح، وفكره دخل طوراً آخر من الحضور. سيبقى إدغار موران بيننا في كل سؤال يخشى التبسيط، في كل عقل يرفض القسوة باسم العقيدة، في كل إنسان يرى الكوكب بيتاً هشاً يستحق الحماية، وفي كل مقاومة صغيرة ضد العمى المنظم. ولعل فتنته في أنه منح الضعف لغة نبيلة؛ فالهشاشة عنده باب للمعرفة، والارتياب أخلاق، والتعدد ثروة، والإنسانية مشروع يحتاج إلى رعاية مستمرة، مثل نار صغيرة تحملها يد في عاصفة طويلة.

رحل حكيم التعقيد، وبقي لنا يقينه الأبسط: الإنسان كائن ناقص، ولذلك يبدع؛ كائن هش، ولذلك يحب؛ كائن فانٍ، ولذلك يترك أثراً.

جاء نقده للسياسات الإسرائيلية تجاه الفلسطينيين من قلب وفائه للإنسان، ومن حساسية عميقة تجاه كل استيطان يمسّ الأرض والروح