«صمود» إسرائيل بلا دعم أميركي «محل شك»... وحرب إيران تتطلب «موارد جبارة»

معهد «ميتفيم» الإسرائيلي: حتى لا يفوت القطار علينا حجز مقعد في مفاوضات «النووي»

نتنياهو متحدثاً في الأمم المتحدة (رويترز)
نتنياهو متحدثاً في الأمم المتحدة (رويترز)
TT

«صمود» إسرائيل بلا دعم أميركي «محل شك»... وحرب إيران تتطلب «موارد جبارة»

نتنياهو متحدثاً في الأمم المتحدة (رويترز)
نتنياهو متحدثاً في الأمم المتحدة (رويترز)

مع اندفاع إسرائيل نحو مواجهة عسكرية مع إيران، تبرز أسئلة جدية حول قدرتها على خوض الحرب من دون دعم أميركي، والدفاع «عن نفسها بنفسها»، وفي حين تظهر شكوك حول «صمودها»، فإن تياراً داخلياً يحرض الحكومة الإسرائيلية على «حجز مقعد» في المفاوضات التي يخوضها الأميركيون حول النووي الإيراني كطريقة مثلى «لضمان المصالح».

ومنذ عقود، لا شيء يُسمع بوضوح في إسرائيل سوى تهديد إيران، إلا أن هجوم «الحوثي» على مطار «بن غوريون»، وإعلان الرئيس الأميركي هدنة مع الجماعة الموالية لإيران، جعلا التهديد الكلاسيكي أكثر حدة وجدية، وقبل أيام هدّد رئيس الوزراء، بنيامين نتنياهو، بأن بلاده سترد على الحوثيين «في الوقت والمكان المناسبين».

واتسعت هذه اللهجة لتشمل مسؤولين وسياسيين ومراكز أبحاث، وعاد الحديث الجدي عن ضرورة «إنهاء حرب الظلال»، والذهاب فوراً إلى «ضرب إيران»، كما كتب وزير الدفاع يسرائيل كاتس، في «إكس» يوم الخميس.

أسلوب الحروب بالوكالة انتهى مع إيران التي تتحمل مسؤولية مباشرة عن قصف «بن غوريون»... سنفعل بها ما فعلناه بـ«حماس» في غزة و«حزب الله» في لبنان

وزير الدفاع يسرائيل كاتس

استهداف مطار بن غورويون لم يشعل شرارة التهديدات، لكنه أذكاها. فقبل شهرين، كان رئيس أركان الجيش، إيال زامير، قد حدد حال تسلّمه منصبه «عام 2025 موعداً لمواجهة عسكرية محتملة مع إيران»، وبعد يومين من ذلك التصريح شاركت القوات الإسرائيلية في تدريب مشترك مع الطائرات الأميركية والبريطانية، بمشاركة القاذفة الاستراتيجية «بي 52» في سماء الشرق الأوسط.

والحال أن الاستعداد لحرب مع إيران متجذر في عمق المؤسسة العسكرية. في تقرير لـ«القناة 13» للتلفزيون الإسرائيلي، تحدّث 7 قادة سابقين لسلاح الجو عن «استعدادات قاموا بها منذ أواسط العقد الماضي، وما زالت مستمرة، حول حرب مباشرة مع إيران».

لكن الجديد هو ارتفاع الأصوات التي تتحدث عن قدرة إسرائيل على خوض هذه الحرب وحدها، وتحريض نتنياهو على اتخاذ قراره «حالاً»، قبل أن توقّع واشنطن اتفاقاً نووياً مع طهران.

يقول أصحاب هذه الأصوات إن الرئيس الأميركي دونالد ترمب، ورغم كونه «أفضل صديق لإسرائيل بين رؤساء الولايات المتحدة»، إلا أنه يعمل وفق مبدأ «أميركا أولاً»، ويتجه لإبرام اتفاق يقضي بإلغاء المشروع النووي الإيراني العسكري والإبقاء على النووي المدني.

ويتركز القلق العميق في إسرائيل أيضاً من «إهمال ملف الصواريخ الباليستية التي تنتجها إيران وتهدّد بها إسرائيل»، وهو قلق دفع السفير الإسرائيلي الأسبق في واشنطن، مايك أورن، إلى تحريض نتنياهو على «العمل لوحده وعدم الاعتماد على ترمب».

نتنياهو متحدثاً في الأمم المتحدة (رويترز)

«خطر وجودي»

لا تنظر النخبة الإسرائيلية إلى إيران تهديداً آنياً. يقول إيلي كلوتشتاين، الباحث في معهد «مسغاف» للأمن القومي والاستراتيجية الصهيونية، إنها «خطر وجودي على دولة إسرائيل».

ويعتقد كلوتشتاين أن «جلوس إسرائيل مكتوفة الأيدي خوفاً من حرب إقليمية يعزز ثقة النفس لدى الإيرانيين، ويعجل من اندفاعهم نحو القنبلة النووية»، الذي يبدو أن الهدف منه «وسيلة لمحاربة الغرب، ويضمن ذلك تدمير دولة اليهود ومحوها عن الخريطة».

ويعتقد كلوتشتاين، في مقال كتبه في موقع «المعهد اليميني» الذي يعمل فيه ويترأسه مئير بن شبات، المقرّب من نتنياهو، أن «اتخاذ قرار بالهجوم على إيران ليس سهلاً، إذ يحتاج إلى موارد جبّارة واستعدادات ضخمة، ويشكّل تحدياً لوجستياً هائلاً وعملية دبلوماسية جبّارة، وينطوي على تهديد حياة الكثيرين بالخطر».

وسأل كلوتشتاين قيادة إسرائيل «التي ترى بالفعل الخطر الداهم»، قائلاً: «إذا لم تفعلوا شيئاً اليوم، فإذًا متى؟».

ويقول معارضون إن التيار المتحمس لضرب إيران «لديهم ذاكرة قصيرة جداً» بالنظر إلى ما حدث بعد هجوم «حماس» في 7 أكتوبر (تشرين الأول) 2023، حين سارع نتنياهو إلى الرئيس الأميركي السابق جو بايدن طلباً للمساعدة، وفعلاً حركت واشنطن جسراً جوياً من الأسلحة والعتاد إلى تل أبيب.

مداولات صريحة

أجرى معهد «ميتفيم» للسياسات الخارجية في تل أبيب، نهاية الشهر الماضي، بحثاً معمّقاً، بمشاركة خبراء عسكريين وسياسيين واستراتيجيين، وخرجوا باستنتاج أن «إسرائيل تستطيع أن تدافع عن نفسها، لكنها حتى في هذا بحاجة إلى الولايات المتحدة، فماذا عن حرب تشنّها إسرائيل على إيران».

ويقول عيران عتصيون، النائب السابق لرئيس مجلس الأمن القومي في الحكومة الإسرائيلية، والرئيس الأسبق لقسم التخطيط السياسي في وزارة الخارجية، إن «الأحاديث المتصاعدة أخيراً عن مهاجمة إيران ومنشآتها النووية بضربات إسرائيلية مستقلة، ضرب من التضليل الخطير».

ويؤكد عتصيون، الذي شارك في البحث، أن هذه التهديدات «لا تأتي من تيار العربدة السياسية الحاكم في إسرائيل وحسب، بل أيضاً من الولايات المتحدة»، وأوضح قائلاً: «هناك مجموعات من المتطرفين المحيطين بالرئيس ترمب، يحثّونه على توجيه ضربة عسكرية لإيران، وإن لم ترغب بذلك فلتدع إسرائيل تفعل، وقدّم لها ما تحتاج».

وذكر عتصيون برسالة نشرتها وسائل إعلام أميركية قبل أشهر، وكانت بتوقيع 77 جنرالاً وأدميرالاً أميركياً متقاعداً، يحضّون فيها ترمب على دعم أي عمل عسكري إسرائيلي محتمل ضد إيران، محذرين من أن طهران تقترب من إنتاج أسلحة نووية.

وجاء في الرسالة، التي تبين أن «المعهد اليهودي للأمن القومي الأميركي» هو من نظّمها، أن «الوقت قد حان للسماح لإسرائيل بإنهاء العمل ضد المحور الإيراني، ومنع إيران من تجاوز العتبة النووية»، مع حثّ واشنطن على تقديم الدعم العسكري اللازم.

وأضاف الموقعون: «إيران النووية ستشكّل تهديداً مباشراً للأمن القومي للولايات المتحدة. ما تطلبه إسرائيل هو الدعم الذي يضمن أقصى فاعلية لعملياتها، مع إدارة مخاطر الردّ الإيراني. يجب أن نتحرّك بسرعة، خصوصاً في ظل ازدياد عمليات التخصيب الإيرانية وتدخلها في عمل مفتشي الوكالة الدولية للطاقة الذرية».

لقطة عامة تُظهر محطة بوشهر للطاقة النووية في إيران (رويترز)

«السوط» الذي يهددون به طهران

معاهد الأبحاث الإسرائيلية، التي تعدّ دراسات عن التهديد الإيراني، تقول إن النقاش في موضوع ضرب إيران قائم منذ سنوات طويلة، عندما كُشف النقاب عن المشروع النووي. وكانت إسرائيل على خلاف دائم مع دول الغرب، التي تفضّل لغة الحوار والدبلوماسية. وقبلت في حينه بدور «السوط» الذي يهددون به طهران.

لكن شيئاً ما تغيّر في هذا. ففي حينه، كان واضحاً أن إسرائيل لا تستطيع وحدها ضرب المشروع النووي الإيراني، مثلما فعلت بشكل مثير لإعجاب الغرب في سنة 1981 عندما دمّرت المفاعل النووي العراقي، وفي سنة 2007 عندما دمّرت المفاعل النووي السوري.

لذا، تعلّمت إيران الدرس وأقامت 21 منشأة وزّعتها على شتى أرجاء البلاد، ووضعت غالبيتها تحت الأرض وفي عمق الجبال، وآخرها مفاعل قرب نتنز في عمق 100 متر تحت الأرض.

في المقابل، فإن إسرائيل «لا تمتلك قدرات تفجير غالبية هذه المنشآت»، وفق تقديرات لمعهد «مسغاف» الإسرائيلي الذي يقول: «حتى واشنطن لا تمتلكها». ويخلص إلى أن «أي ضربة لإيران لن تقضي على المشروع النووي، وفي أحسن الحالات تقلّصه وتؤخّره سنتين أو ثلاثاً».

شل اقتصاد إيران بضربة

يطرح رئيس المعارضة الإسرائيلية، يائير لبيد، فكرة أخرى، وهي ضرب المنشآت الاقتصادية في إيران. يقول إن «المساس بالاقتصاد والشعور بأن إسرائيل قادرة على ضرب إيران وتنفيذ عمليات مختلفة بداخلها، يحطّم هيبة النظام ويعجّل في الكفاح الداخلي لإسقاطه».

ولكن، بعد توجيه ضربات قاصمة لـ«حزب الله»، ولـ«حماس»، وحتى لإيران، وبعد انهيار نظام بشار الأسد في سوريا، اتسعت دائرة التيار الإسرائيلي الذي يطالب بضربات عسكرية مباشرة لإيران، إذ يرى مؤيدو هذا التيار أن «إسرائيل أثبتت قدرات كبيرة على قصف إيران، وتمكّنت من قطع أذرع (الحرس الثوري) في المنطقة».

ويقول لبيد: «إسرائيل تستطيع الآن القيام بعملياتها بحرية أكبر، وسيكون من الأصعب على طهران أن تتصدّى لها».

مركبات الوفد الأميركي تغادر السفارة العمانية في روما بعد الجولة الثانية من المحادثات النووية مع إيران (أ.ف.ب)

«حتى لا يفوت القطار»

إلا أن الباحث عتصيون يحذّر من هذه المفاهيم، لأن «إسرائيل تعاني بشكل خطير من انهيار العقيدة الاستراتيجية، وفي غياب الحسابات الاستراتيجية».

يقول عتصيون: «وزراء الحرب في  الكابنيت هزيلون، وقسم منهم يتصرّفون بصبيانية، ويركضون إلى الإعلام لإظهار بطولاتهم، ولا يحافظون على السرّية، ولا يتمتّعون بالحدّ الأدنى من القدرة على مواجهة التحدّيات، ولذلك فإن إسرائيل تحتاج إلى قيادة أخرى يكون فيها غالبية من القادة المستقلين».

ويعتقد عتصيون أن مجلس الأمن القومي في إسرائيل، الذي كان يوماً ما ذا وزنٍ ثقيلٍ، بات اليوم أداةً بيد رئيس الحكومة ويخضع لحساباته حزبية، كما أن وزارة الخارجية، التي كانت تحظى باحترام، تعيش اليوم في حالة تأزّم، وليس لها دور».

خلاصة بحث معهد «ميتفيم» أن ما يجب أن تفعله إسرائيل الآن هو أن «لا تسمح بأن يفوتها القطار»، وأن تطلب من ترمب احتلال كرسي على طاولة المفاوضات مع إيران، بصفتها المتضررة من هجمات تعرّضت لها من أذرع إيران، وهكذا يمكن أن تُؤخذ مصالحها بالاعتبار.


مقالات ذات صلة

بورغنستوك… مفاوضات مؤجلة وآمال قائمة

خاص  منتجع بورغنستوك الفاخر قرب لوسيرن في سويسرا حيث كان مقرراً توقيع اتفاق أميركي-إيراني لإنهاء حرب الشرق الأوسط (أرشيفية - أ.ف.ب)

بورغنستوك… مفاوضات مؤجلة وآمال قائمة

تتمسك سويسرا باستضافة محادثات واشنطن وطهران بعد تأجيل جولة بورغنستوك، وسط غياب الوفد الإيراني وإلغاء زيارة نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس.

راغدة بهنام (لوسيرن - زيوريخ )
شؤون إقليمية عناصر من الشرطة السويسرية يؤمّنون مدخل فندق بورغنستوك، حيث كانت مقررة محادثات متابعة اتفاق إنهاء الحرب قبل تأجيلها، الجمعة (أ.ف.ب)

غموض يحيط باتفاق دائم بعد تعثر محادثات واشنطن وطهران

يثير تأجيل محادثات سويسرا غموضاً حول اتفاق واشنطن وطهران، وسط طلب إيران ضمانات بشأن لبنان وترتيبات تنفيذ مذكرة التفاهم.

«الشرق الأوسط» (لندن - واشنطن - زيورخ)
شؤون إقليمية  بارو يصل إلى مقر اجتماع مجلس الشؤون الخارجية للاتحاد الأوروبي في لوكسمبورغ، 15 يونيو 2026(إ.ب.أ)

بارو: لا رفع لعقوبات الأمم المتحدة عن إيران دون موافقة فرنسا

قالت باريس إنها لن توافق على رفع عقوبات الأمم المتحدة المفروضة على طهران ما لم تكن راضية عن بنود الاتفاق النهائي.

«الشرق الأوسط» (لندن_باريس)
شؤون إقليمية ترمب وهو يتابع انطلاق عملية «الغضب الملحمي» ضد إيران مع مدير «سي آي إيه» جون راتكليف بحضور وزير الخارجية ماركو روبيو ورئيسة موظفي البيت الأبيض سوزي وايلز في مارالاغو صباح 28 فبراير الماضي (أ.ب)

استطلاع جديد: تراجع التأييد الشعبي لسياسات ترمب تجاه إيران

أظهر استطلاع جديد أجرته وكالة «أسوشيتد برس» بالتعاون مع مركز «نورك» للأبحاث أن معظم الأميركيين لا يزالون غير راضين عن طريقة تعامل الرئيس دونالد ترمب مع إيران.

«الشرق الأوسط» (لندن-واشنطن)
شؤون إقليمية نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس يتحدث خلال مؤتمر صحافي حول مذكرة التفاهم مع إيران (أ.ب)

وسائل إعلام أميركية تنتقد «تنازلات» ترمب لإيران

أجمعت وسائل إعلام أميركية على انتقاد ما تعتبره تنازلات قدّمها الرئيس دونالد ترمب لإيران ضمن مذكرة التفاهم الخاصة بوقف الحرب في الشرق الأوسط.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)

سترة تجمع رطوبة الهواء وتحوّلها إلى مياه للشرب

يمكن دمج التقنية مستقبلاً في حقائب الظهر والخيام ومعدات الطوارئ والعمل الميداني (الجامعة)
يمكن دمج التقنية مستقبلاً في حقائب الظهر والخيام ومعدات الطوارئ والعمل الميداني (الجامعة)
TT

سترة تجمع رطوبة الهواء وتحوّلها إلى مياه للشرب

يمكن دمج التقنية مستقبلاً في حقائب الظهر والخيام ومعدات الطوارئ والعمل الميداني (الجامعة)
يمكن دمج التقنية مستقبلاً في حقائب الظهر والخيام ومعدات الطوارئ والعمل الميداني (الجامعة)

طوّر باحثون في جامعة تكساس في أوستن سترة تجريبية تستطيع جمع بخار الماء الموجود في الهواء وتحويله إلى مياه قابلة للشرب، في محاولة لنقل تقنيات حصاد المياه الجوية من الأجهزة الثابتة والضخمة إلى أنظمة خفيفة يمكن ارتداؤها وحملها.

وأظهرت الاختبارات أن النظام استطاع إنتاج ما بين 400 و900 مليلتر من المياه يومياً، وفقاً لمستوى الرطوبة في الجو. ولا تعني النتيجة أن السترة أصبحت بديلاً كاملاً لمصادر المياه، لكنها تفتح مجالاً لاستخدام الملابس والمعدات الخارجية بوصفها أدوات مساعدة لجمع الرطوبة في المناطق التي يصعب فيها الوصول إلى مياه الشرب.

نسيج قابل للارتداء

تعتمد تقنيات حصاد المياه من الهواء عادة على مواد تمتص الرطوبة، ثم تطلقها عند تسخينها حتى يمكن تكثيف البخار وجمعه في صورة مياه سائلة. لكن معظم النماذج السابقة جاءت في صورة صناديق أو ألواح أو طبقات كبيرة من المواد الماصة.

أما الفريق البحثي، فاختار دمج وظيفة جمع المياه داخل الألياف النسيجية نفسها، بهدف تطوير نظام شخصي وأكثر قابلية للنقل. وتحتوي السترة على نسيج يلتقط الرطوبة من الهواء ويوجهها إلى وحدات قابلة للفصل. وبعد امتلاء هذه الوحدات، توضع داخل جزء قابل للطي مخصص للجمع، ثم تُسخن لإطلاق المياه الممتصة وتحويلها إلى سائل يمكن جمعه.

لا تكمن الصعوبة الأساسية في العثور على مادة تمتص بخار الماء، إذ توجد مواد كثيرة قادرة على ذلك في المختبر. لكن أداء هذه المواد قد يتراجع عند تصنيعها بمساحات أكبر، بسبب بطء انتقال الرطوبة والمياه داخلها.

لذلك ركز الباحثون على تصميم مسار يساعد المياه على التحرك بسرعة عبر النسيج، بدءاً من بخار الماء في الهواء، مروراً بتكوّن السائل على سطح الألياف، ووصولاً إلى داخل البنية النسيجية.

وبحسب الباحثين، حقق النسيج تحسناً تراوح بين ثلاثة وعشرة أضعاف مقارنة بمواد تقليدية لحصاد المياه عند استخدامها على نطاق أكبر. ويعود ذلك إلى التصميم الهرمي للألياف، الذي يضم مسامات بأحجام مختلفة لتسهيل دخول الرطوبة وانتقال المياه بدلاً من بقائها محصورة على السطح.

يعتمد الابتكار على ألياف مسامية تسهّل انتقال الرطوبة والمياه داخل النسيج (الجامعة)

إنتاج يتغير مع الرطوبة

أنتج النموذج التجريبي بين 400 و900 مليلتر يومياً، لكن الكمية تعتمد على الظروف الجوية؛ خصوصاً نسبة الرطوبة. فكلما ارتفعت كمية بخار الماء الموجودة في الهواء، أصبحت المادة قادرة على جمع كمية أكبر. وفي البيئات الأكثر جفافاً، قد ينخفض الإنتاج؛ ما يعني أن التقنية لا توفر الكمية نفسها في جميع المواقع أو فصول السنة.

كما تحتاج عملية استخراج المياه من الوحدات إلى التسخين. ولا تعمل السترة بمجرد ارتدائها وشرب الماء مباشرة منها، بل تمر العملية بمرحلة جمع الرطوبة، ثم فصل الوحدات وتسخينها وتكثيف البخار الناتج.

وهذه التفاصيل تجعل النموذج أقرب في مرحلته الحالية إلى نظام محمول لحصاد المياه، وليس إلى قطعة ملابس تجارية جاهزة للاستخدام اليومي.

استخدامات خارج الملابس

يرى الباحثون أن التقنية يمكن دمجها مستقبلاً في منتجات أخرى، مثل حقائب الظهر والخيام وملاجئ الطوارئ ومعدات العمل في الهواء الطلق. وقد تكون التطبيقات المحتملة مرتبطة بالمتنزهين والعاملين في الزراعة وفرق الإنقاذ والاستجابة للكوارث والجنود والأشخاص الذين يعملون في مناطق نائية أو تفتقر إلى بنية مستقرة لمياه الشرب. ويعني دمج المادة في أشياء يحملها المستخدم بالفعل أن عملية جمع المياه قد تحدث أثناء الحركة أو العمل، من دون الحاجة إلى نقل جهاز منفصل وكبير.

تحديات قبل الاستخدام التجاري

رغم النتائج، لا تزال التقنية في مرحلة البحث والتطوير إذ يحتاج الباحثون إلى اختبار متانة الألياف بعد الاستخدام المتكرر، وقدرتها على تحمل الطي والغسل والاحتكاك والظروف الخارجية المختلفة. كما يجب تقييم كفاءة النظام في نطاق أوسع من درجات الحرارة والرطوبة، والتأكد من جودة المياه بصورة مستمرة، وتحديد الطاقة اللازمة لتسخين الوحدات واستخراج المياه منها.

وقد تقدمت وحدة تسويق الأبحاث في جامعة تكساس بطلب براءة اختراع للتقنية، بينما يخطط الفريق لدراسة تطبيقاتها في الأنشطة الخارجية والعمليات الميدانية والاستجابة للكوارث والمناطق الجافة.

ولا تقدم السترة حلاً منفرداً لمشكلة ندرة المياه، لكنها توضح كيف يمكن تحويل النسيج من مادة سلبية تُستخدم للحماية والملبس إلى نظام وظيفي يلتقط مورداً موجوداً في الهواء ويجعله متاحاً للاستخدام.


النرويج تعتزم إقامة قنصلية في غرينلاند

رئيس الوزراء النرويجي يوناس غار ستور (أ.ف.ب)
رئيس الوزراء النرويجي يوناس غار ستور (أ.ف.ب)
TT

النرويج تعتزم إقامة قنصلية في غرينلاند

رئيس الوزراء النرويجي يوناس غار ستور (أ.ف.ب)
رئيس الوزراء النرويجي يوناس غار ستور (أ.ف.ب)

أعلن رئيس الوزراء النرويجي، الجمعة، أن بلاده تعتزم فتح قنصلية عامة في غرينلاند بهدف تعزيز العلاقات مع الإقليم الدنماركي ذي الحكم الذاتي، والذي أثار مطامع الرئيس الأميركي دونالد ترمب.

وقال يوناس غار ستور خلال مؤتمره الصحافي نصف السنوي: «قررنا إقامة قنصلية عامة في نوك بغرينلاند بغية تعزيز التعاون مع سلطات غرينلاند، وخصوصاً في شأن المسائل البحرية».

وأضاف أن «مناطق الشمال تشكل الأولوية الاستراتيجية التي هي أكثر أهمية بالنسبة إلى النرويج، وللقطب الشمالي أهمية متنامية للسياسة الدولية والأمن»، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».

وسبق أن أظهرت النرويج وسائر دول شمال أوروبا دعماً قوياً للدنمارك وغرينلاند في يناير (كانون الثاني) حين أعلن ترمب أنه لا يستبعد استخدام القوة لـ«السيطرة» على الإقليم الدنماركي. لكنّه تراجع عن موقفه مع تأليف العواصم الثلاث مجموعة عمل تجتمع بانتظام لمناقشة مستقبل العلاقة بين الدنمارك وغرينلاند والولايات المتحدة.

وصرّح رئيس وزراء غرينلاند ينس فريديريك نيلسن في الآونة الأخيرة بأن هذه المفاوضات «تتقدم»، لكنها لم تثمر أي اتفاق حتى الآن.

وتضم نوك راهناً أربع قنصليات عامة؛ الأولى لآيسلندا (2013)، والثانية للولايات المتحدة (2020)، تلتهما فرنسا وكندا مع بداية 2026.


ليبيا: «خطاب الكراهية» يضع «المهاجرين» في دائرة الاستهداف

ليبيون وسط العاصمة يحتجون رفضاً لـ«توطين المهاجرين» في ليبيا (أ.ف.ب)
ليبيون وسط العاصمة يحتجون رفضاً لـ«توطين المهاجرين» في ليبيا (أ.ف.ب)
TT

ليبيا: «خطاب الكراهية» يضع «المهاجرين» في دائرة الاستهداف

ليبيون وسط العاصمة يحتجون رفضاً لـ«توطين المهاجرين» في ليبيا (أ.ف.ب)
ليبيون وسط العاصمة يحتجون رفضاً لـ«توطين المهاجرين» في ليبيا (أ.ف.ب)

أعاد الجدل المصاحب للاحتجاجات المناهضة لما يُعرف بـ«توطين المهاجرين غير النظاميين» إلى الواجهة قضية «خطاب الكراهية» في ليبيا، الذي ارتبط لسنوات بالصراعات السياسية والأمنية، لكنه بات مؤخراً يضيق الخناق بصورة متزايدة على المهاجرين واللاجئين.

مظاهرة في طرابلس الأسبوع الماضي ضد «توطين المهاجرين» (صفحة حراك نشطاء طرابلس ضد التوطن والتوطين)

منذ سنوات، تشكو ليبيا من تصاعد «خطاب الكراهية» بين الأطراف المتنازعة، كسلاح للنيل من الخصوم في بلد يعاني انقساماً سياسياً وعسكرياً ممتداً منذ إسقاط نظام الرئيس الراحل معمر القذافي. لكن عدوى هذا الخطاب والتحذيرات منه انتقلت فيما يبدو إلى ملف المهاجرين، وسط مخاوف دولية وحقوقية من أن يؤدي إلى «مزيد من الاستهداف والعنف بحق آلاف المهاجرين وطالبي اللجوء».

ويحظى تصاعد الخطاب المعادي للمهاجرين في ليبيا بمتابعة وثيقة من الأمم المتحدة، التي أبدت قلقاً متزايداً إزاء تداعياته. وقد تصدّر هذا الملف إحاطة المبعوثة الأممية هانا تيتيه الأخيرة أمام مجلس الأمن، الخميس، إذ تحدثت بوضوح عن «موجة عارمة من التضليل وخطاب الكراهية والمعلومات المغلوطة والتحريض»، تستهدف اللاجئين والنازحين والعاملين في الأمم المتحدة، وذلك على خلفية مزاعم متداولة بشأن وجود خطة لتوطين المهاجرين في ليبيا.

مهاجرون سريون تم توقيفهم بعد تسللهم إلى البلاد عبر جنوب ليبيا (الشرق الأوسط)

وجاء تحذير تيتيه حاسماً عندما اعتبرت أن هذه الادعاءات أسهمت في «خلق أجواء من العدائية والعنف»، في إشارة إلى ما يمكن أن تفضي إليه حملات التضليل والكراهية. ومع أنها أقرت بأن ملف الهجرة يثير مخاوف مشروعة لدى الليبيين، فإنها شددت على ضرورة التعامل معه استناداً إلى الحقائق والخطاب المسؤول، لا عبر السرديات القائمة على التحريض والتضليل وتأجيج المخاوف.

وقال الحقوقي الليبي طارق لملوم، مدير «مركز بنغازي لدراسات الهجرة واللجوء»، إن «خطاب الكراهية والتحريض ضد المهاجرين تصاعد بشكل ملحوظ وضيّق الخناق عليهم، بالتزامن مع انطلاق المظاهرات المناهضة لما يعرف بالتوطين، حيث جرى تكريس صورة نمطية تُحمّل المهاجرين مسؤولية الأزمات التي تعانيها ليبيا».

وأضاف لملوم، موضحاً لـ«الشرق الأوسط»، أن الأمر «لم يعد يقتصر على خطاب عام، بل تطور إلى استهداف جنسيات بعينها، مثل الإريتريين والإثيوبيين ومواطني جنوب السودان، مع تداول معلومات عن أماكن وجودهم وتمركزهم».

وفي المقابل، يقول ناشطون يقودون الحراك المناهض لما يصفونه بـ«توطين المهاجرين» إن تحركاتهم لا تستهدف المهاجرين أنفسهم، بل تنبع من مخاوف تتعلق بالتوازن الديموغرافي والهوية الوطنية. ويستند هؤلاء إلى التقديرات التي تشير إلى وجود نحو 990 ألف مهاجر ولاجئ في ليبيا، وفق بيانات المنظمة الدولية للهجرة.

مهاجرون من جنوب أفريقيا داخل أحد مراكز الاحتجاز في طرابلس (الشرق الأوسط)

تداعيات هذا الموقف لم تقتصر على الخطاب المتداول عبر مواقع التواصل الاجتماعي، بل امتدت آثارها إلى وقائع ميدانية أثارت استياءً واسعاً. ومن بين تلك الوقائع تداول مقطع فيديو يظهر الاعتداء على مهاجر أفريقي في إحدى المدن الليبية على خلفية دينية، وهو ما أعاد النقاش بشأن حماية المهاجرين وحرية المعتقد في ظل تنامي التحريض ضد الوافدين.

وتقول «المؤسسة الوطنية لحقوق الإنسان في ليبيا» إنها وثّقت «اعتداءً جسدياً» على أحد الوافدين الأفارقة في سوق الكريمية بطرابلس على أيدي أشخاص وصفتهم بـ«الخارجين عن القانون»، معتبرة أن الواقعة جاءت في سياق التحريض والعنصرية المتزايدة ضد المهاجرين عبر منصات التواصل الاجتماعي.

كما تحدثت المؤسسة عن واقعة أخرى تعرّض فيها لاجئ سوداني لاعتداء وحرق بالنار في منطقة رأس أجدير، على الحدود الليبية - التونسية، قبل أن يتدخل عدد من شباب مدينة الجميل لنقله إلى إحدى المصحات لتلقي العلاج.

ويرى لملوم أن «هذا التحريض دفع بعض مالكي المساكن إلى طرد مهاجرين من شققهم خلال ساعات الليل، بينهم نساء وأطفال وعائلات كاملة، كما سُجلت اعتداءات طالت أطفالاً مهاجرين».

يشار إلى أن المظاهرات التي شهدتها العاصمة الليبية، خلال وقت سابق من الشهر الحالي، ترافقت مع اعتداءات وإغلاقات استهدفت مقارّ المفوضية السامية لشؤون اللاجئين والبعثة الأممية والمنظمة الدولية للهجرة في ليبيا، في سياق تصاعد التوتر المرتبط بملف الهجرة واللاجئين.

ويعتقد حقوقيون ليبيون أن مخاطر هذه الحملة قد تتجاوز حدود التحريض اللفظي. وفي هذا السياق، حذّر لملوم «من أن استمرار هذا الخطاب في ظل انتشار السلاح ووجود مجموعات مسلحة قد يعرّض المهاجرين لمخاطر جسيمة».

من جانبه، يرى رئيس «المنظمة العربية لحقوق الإنسان في ليبيا»، عبد المنعم الزايدي، أن انتشار خطاب الكراهية، الذي لا يقتصر على المهاجرين، «ليس عفوياً، بل ممنهج ومدعوم تقنياً».

ودعا الحر، في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، إلى «تبني استراتيجية وطنية متكاملة، تبدأ من تحصين الفضاء الرقمي، وتبني النخب السياسية لخطاب تصالحي، وصولاً إلى تعزيز التربية الإعلامية الرقمية للمواطن الليبي لتمييز التحريض وتفكيكه، قبل أن يتحول إلى واقع ميداني ملموس».