جريمة مسجد «خديجة» تثير جدلاً قانونياً وسياسياً واسعاً في فرنسا

القاتل يدعى أوليفيه... وطعن أبو بكر سيسيه عشرات المرات في «بثّ مباشر»

جانب من مظاهرة في باريس مايو بعد مقتل أبو بكر سيسيه (أ.ف.ب)
جانب من مظاهرة في باريس مايو بعد مقتل أبو بكر سيسيه (أ.ف.ب)
TT

جريمة مسجد «خديجة» تثير جدلاً قانونياً وسياسياً واسعاً في فرنسا

جانب من مظاهرة في باريس مايو بعد مقتل أبو بكر سيسيه (أ.ف.ب)
جانب من مظاهرة في باريس مايو بعد مقتل أبو بكر سيسيه (أ.ف.ب)

صبيحة يوم 25 أبريل (نيسان)، ارتكب شاب فرنسي اسمه الأول أوليفيه، وعمره 20 عاماً، وهو ابن لعائلة لها 11 ولداً، مقيمة في مدينة بيزييه بجنوب فرنسا، جريمة مروّعة. دخل أوليفيه باكراً إلى مسجد بلدة لا غران كومب الواقعة في قضاء لو غارد جنوب البلاد؛ حيث وجد في المسجد مصلياً منفرداً، اسمه أبو بكر سيسيه، مالي الجنسية، يقوم عادة بأعمال التنظيف.

وبعد حوار معه حول رغبته في اعتناق الإسلام، طلب منه أن يُظهِر له كيف يصلي. وعندما ركع أبو بكر، استل أوليفيه سكينه ذات النصل البالغ 10 سنتيمترات، وانهال عليه بـ20 طعنة مستهدفاً بداية رقبته. ثم ابتعد عنه ورجع إليه ليطعنه مجدداً 37 مرة، وتركه ينزف أمام عينيه، وعمد، في الوقت نفسه، إلى تصوير فعلته، ووضع ذلك على منصة «إنستغرام». وغاب القاتل عن الأنظار، من يوم الجمعة وحتى يوم الأحد؛ حيث سلم نفسه للشرطة الإيطالية في توسكانا. وسارعت فرنسا إلى تقديم طلب تسليمه، ويُنتظر أن يتم ذلك منتصف الشهر الحالي.

الجريمة «ليست عملاً إرهابياً»

بانتظار أن تتسلمه العدالة الفرنسية، فإن الشرطة الإيطالية أخضعته للاستجواب. ويوم الجمعة، عقدت سيسيل جنساك، المدعية العامة الفرنسية، في مدينة نيم، التي تتبع بلدة غران كومب لولايتها، مؤتمراً صحافياً شرحت فيه مجموعة من الملابسات، ومنها الأسباب التي جعلت النيابة العامة المتخصصة بمسائل الإرهاب «تمتنع» عن الاستحواذ على هذا الملف. وحجتها الرئيسية أن ما حصل في المسجد عملية قتل لم تُظهِر، حتى اليوم، أن هناك دوافع إرهابية حرّكت القاتل الذي اعترف بفعلته.

ووفق المدعية العامة، فإن أوليفيه هـ. كان «مدفوعاً بـرغبة مهووسة في قتل شخص ما». والمقصود من هذا القول أنه لم يستهدف ويخطط لقتل المصلي الشاب المسلم الذي لم يكن يعرفه، وبالتالي كان يمكن أن يقتل أي شخص آخر. وباختصار، فإن قتله حصل «صدفة»، لأنه الشخص الذي وقع عليه ذاك الصباح.

المدعية العامة لمدينة نيم سيسيل جنساك خلال مؤتمرها الصحافي يوم الجمعة (أ.ف.ب)

وقالت المدعية العامة إن القاتل تصرف «في سياق منعزل، دون أي ادعاء آيديولوجي أو صلة بمنظمة تنشر ادعاءً آيديولوجياً تنوي تنفيذه من خلال الترهيب أو الإرهاب». وأضافت سيسيل جنساك أن المتهم كان يعاني من «افتتان مرضي»، وتعتمل داخله «رغبة في القتل أياً كان الهدف»، مؤكدة أنه لا ينبغي النظر إلى الامتناع عن إحالة القضية إلى النيابة العامة المتخصصة بالإرهاب على أنه «تهوين للوقائع». فمن وجهة نظرها، لم يكن هناك سبب ما يمكن أن يفسر «دخول» القاتل «إلى هذا المسجد»، ومهاجمة هذا الشخص بالذات.

متظاهر يحمل صوراً لأبو بكر سيسيه في مظاهرة بباريس في 1 مايو (أ.ف.ب)

لكن ما حصل حقيقة أنه لم يعمد إلى مهاجمة شخص التقاه صدفة في الشارع، بل تعمّد الدخول إلى المسجد المتواضع في وقت يكون فيه فارغاً، وأرفق الفيديو الذي صوره بهاتفه الجوال بسباب بحق الإسلام. وبالطبع، لم ترُق رواية الادّعاء لعائلة القتيل، فأعلن محاميان مكلفان الدفاع عن مصالحها عن عزمهما تقديم شكوى لإعادة توصيف القتل بأنه «جريمة إرهابية»، وليس عملية قتل «عادية». وأشار المحاميان، ياسين بوزروع ومراد بطيخ، أن الشكوى «ستوفر أن يتولى قضاة مستقلون توصيف ما حصل بأنه جريمة إرهابية، لأنه، حتى اليوم، وحدها المدعية العامة التابعة لوزارة الداخلية قامت بالتوصيف».

وختم المحاميان، في تصريح لصحيفة «ليبراسيون»، الجمعة، بالقول: «إنها لفضيحة أن تستبعد النيابة العامة المختصة بشؤون الإرهاب حصول هجوم (إرهابي) داخل مسجد».

جدل سياسي وقانوني

منذ حصول الجريمة يوم الجمعة ما قبل الماضي، لم يتوقف الجدل ليس فقط القانوني، ولكن أيضاً وخصوصاً السياسي، إلى حد أن أصواتاً كثيرة نددت بطريقة تعاطي الدولة، ومعها الطبقة السياسية، مع هذه الجريمة.

والجدل الأول كان لفظياً؛ إذ إن مجموعة من السياسيين رفضت اعتبار الجريمة «معادية للإسلام»، بالتركيز على أنها جاءت فردية، وليس ثمة دافع ديني وراءها. وحجة الرافضين أن التعبير من إبداع «الإخوان المسلمين» الذين يعملون لمشروع سياسي في فرنسا. ومباشرة بعد الجريمة، حصل جدل داخل البرلمان الفرنسي؛ إذ، بداية، رفضت رئيسته يائيل براون - بيفيه، قبول طلب مجموعات نيابية، بينها الاشتراكيون والخضر والشيوعيون، الوقوف دقيقة صمت إكراماً لذكرى القتيل، بحجة أن البرلمان اتخذ قراراً بالامتناع عن بادرة كهذه إذا كانت الضحية فرداً.

صورة لمسجد «خديجة» في بلدة لا غران كومب جنوب فرنسا حيث قتل الشاب المالي واجتمع كثيرون لأداء صلاة الميت (أ.ف.ب)

بيد أن المجموعات المذكورة أصرّت على طلبها، ما دفع يائيل ــ بيفه إلى الرضوخ. وقالت في كلمة تأبينية: «صدمنا جميعاً بعملية قتل أبو بكر سيسيه الجبانة داخل المسجد. أريد أن أتوجه إلى عائلته وأقربائه، باسمي وباسمكم، لأعبر لهم عن أصدق التعازي، وأريد أن أعبِّر لجميع مواطنينا من المسلمين عن تضامننا معهم. إن (الالتزام) بتكريم ذكرى رجل واحترام أسى عائلته يعنيان أن نرفض الاستغلال السياسي لهذه المأساة، وما نحتاج إليه إعادة التأكيد بقوة وكرامة على وحدة الأمة».

بيد أن جيرار لارشيه، رئيس مجلس الشيوخ الذي يهيمن عليه اليمين، أعلن رفضه الاقتداء بما حصل في البرلمان.

الشعور العام الذي طغى أنه يوجد في فرنسا، حكومة وطبقة سياسية، «ازدواجية معايير» في التعامل مع الأحداث وفق هوية الضحية. ومن الأمثلة على ذلك أن برونو روتايو، وزير الداخلية، لم يبادر إلى زيارة البلدة التي حصلت فيها الجريمة، بل انتظر 3 أيام قبل أن يتوجه، ليس إلى بلدة غران كومب، بل إلى مدينة أليس القريبة منها.

عبد الرحمن ماكالو أحد أفراد الجالية المالية ، يتحدث إلى وسائل الإعلام يوم 29 أبريل محاطاً باثنين من أقارب أبو بكر سيسيه (أ.ب)

كذلك، فإن المظاهرة التي حصلت في باريس بعد الجريمة غاب عنها اليمين الفرنسي على المستوى الحزبي الرسمي، بالتوازي مع طبيعة تعاطي الإعلام معها. صحيح أن الرئيس إيمانويل ماكرون ورئيس الحكومة فرنسوا بايرو نددا بالجريمة، لكن ذلك لم يكن كافياً، ولم يُبدّد شعوراً بالحسرة لدى جانب من المجتمع الفرنسي الذي يشعر بأنه «مهمش»، حتى عندما يُستهدف، وأنه لو كانت الضحية من غير المسلمين لكانت الصورة مختلفة للغاية من حيث حجم الاحتجاج والتنديد. ويبدو أن روتايو وعى قصوره، فقرّر استقبال عائلة القتيل الاثنين في وزارة الداخلية.

سيناريو الجريمة

لعل ما كشفت عنه سيسيل جنساك يثير سؤالاً بالغ الأهمية، ويتناول غياب الأجهزة الأمنية عن متابعة وتوقيف رجل كتب وأكّد مراراً رغبته في ارتكاب جريمة، رغم أن شخصين كانا جزءاً من مجموعة تواصل على منصة «ديسكورد» عمدا إلى تحذير هذه الأجهزة. كذلك، عمدا إلى إرسال إشارة إلى جهاز «فاروس» المتخصص بتتبع النيات الإجرامية.

وزير الداخلية الفرنسي برونو روتايو متحدثاً في البرلمان يوم الثلاثاء الماضي (أ.ف.ب)

وقالت المدعية العامة إن أوليفيه كان قد حدد «مسبقاً أنه سيعتدي جسدياً على شخص ما، دون أن يحدد مَن هو أو أين، ودون أن يشير إلى جماعة عرقية أو دين، مدفوعاً برغبة شديدة في قتل شخص ما، وفي حال عدم القيام بذلك سينتحر، وكل ذلك من باب التخلص من هذا العبء». وأضافت أن القاتل قال: «سأرتكب الجريمة اليوم، سوف أفعلها في الشارع». ولما سأله أحد المتابعين على المنصة عما إذا كان يعرف ضحيته، أجابه: «أنا ذاهب لمهاجمة المسجد». ثم، وبمجرد وصوله إلى هناك، أمام مسجد «خديجة» أعلن، بلا تردد: «إنه أسود (في إشارة إلى ضحيته المستقبلية)، سأفعلها».

في مؤتمرها الصحافي، قالت سيسيل جنساك إنه يتعين إخضاع «أوليفيه» إلى «فحص معمق لشخصيته». وسارع والده، في تصريح إلى الشبكة الإخبارية «بي إف إم» إلى الإعلان عن أن ابنه «مجنون مائة في المائة»، فيما يبدو أنه رغبة في تخفيف مسؤوليته، باعتباره فاقداً صوابه. وبانتظار تسلمه، فإن جثة أبو بكر سيسيه ستنقل إلى مسجد باريس، الأحد، ومن هناك إلى قريته في مالي حيث سيتم دفنه.


مقالات ذات صلة

تركيا: 4 قتلى في ثاني إطلاق نار بمدرسة خلال يومين

شؤون إقليمية قوات الأمن التركية وفرق الطوارئ تقف في فناء مدرسة ثانوية حيث أطلق مهاجم النار في سيفريك (أ.ب)

تركيا: 4 قتلى في ثاني إطلاق نار بمدرسة خلال يومين

كشف مسؤول محلي في تركيا، اليوم الأربعاء، عن مقتل أربعة أشخاص وإصابة 20 آخرين في حادث إطلاق نار داخل مدرسة جنوب البلاد، مشيرًا إلى أن مطلق النار طالب.

«الشرق الأوسط» (أنقرة)
يوميات الشرق مشهد من أمام المحكمة التي تنظر في قضية ريكس هورمان في نيويورك (أ.ف.ب)

حل لغز «جيلجو بيتش»... مهندس أميركي يقر بقتل 8 نساء

أقر مهندس معماري أميركي، كان يعيش حياة سرية كقاتل عتيد، الأربعاء، بقتل سبع نساء، واعترف بأنه قتل امرأة ثامنة في سلسلة جرائم لم يتم فك طلاسمها لفترة طويلة.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
أفريقيا شاحنة للشرطة النيجيرية خارج سوق مدينة مايدوغوري بعد الانفجارات الانتحارية (رويترز)

نيجيريا: مقتل 11 شخصاً في صدامات عرقية وأعمال انتقامية

نيجيريا: مقتل 11 شخصاً في صدامات عرقية وأعمال انتقامية... مسلحون هاجموا قرى يتهمونها بقتل اثنين من أبناء قبيلتهم

الشيخ محمد (نواكشوط)
أفريقيا مركبة تابعة للصليب الأحمر النيجيري تصل إلى موقع هجوم مسلح أسفر عن مقتل عدد من الأشخاص في أنغوان روكوبا بولاية بلاتو... نيجيريا 30 مارس 2026 (رويترز)

إطلاق نار في حفل زفاف بشمال نيجيريا يخلّف 13 قتيلاً

أطلق مسلحون النار على حفل ما قبل الزفاف في ولاية كادونا شمال نيجيريا، ما أسفر عن مقتل 13 شخصاً على الأقل.

«الشرق الأوسط» (أبوجا)
شمال افريقيا صورة عامة لكورنيش محافظة الإسكندرية (شمال مصر) (مجلس الوزراء - «فيسبوك»)

مصر: فاجعة في الإسكندرية بعد مقتل أم وأبنائها الخمسة على يد شقيقهم

أثارت حادثة مفجعة فى حي كرموز بمحافظة الإسكندرية (شمال مصر) حالة من الصدمة والفزع، بعد أن قتل شاب والدته وأشقاءه الخمسة وحاول قتل نفسه، لكنه فشل وتم إنقاذه.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)

«الناتو» يعترض طائرات عسكرية روسية خلال تحليقها فوق بحر البلطيق

طائرة مقاتلة فرنسية من طراز «رافال إف - 4» مخصصة لمهمة مراقبة المجال الجوي لحلف «الناتو» في منطقة البلطيق تهبط في قاعدة لييلفارد الجوية في لاتفيا 14 أبريل 2026 (إ.ب.أ)
طائرة مقاتلة فرنسية من طراز «رافال إف - 4» مخصصة لمهمة مراقبة المجال الجوي لحلف «الناتو» في منطقة البلطيق تهبط في قاعدة لييلفارد الجوية في لاتفيا 14 أبريل 2026 (إ.ب.أ)
TT

«الناتو» يعترض طائرات عسكرية روسية خلال تحليقها فوق بحر البلطيق

طائرة مقاتلة فرنسية من طراز «رافال إف - 4» مخصصة لمهمة مراقبة المجال الجوي لحلف «الناتو» في منطقة البلطيق تهبط في قاعدة لييلفارد الجوية في لاتفيا 14 أبريل 2026 (إ.ب.أ)
طائرة مقاتلة فرنسية من طراز «رافال إف - 4» مخصصة لمهمة مراقبة المجال الجوي لحلف «الناتو» في منطقة البلطيق تهبط في قاعدة لييلفارد الجوية في لاتفيا 14 أبريل 2026 (إ.ب.أ)

اعترض حلف شمال الأطلسي (ناتو) قاذفات استراتيجية ومقاتلات روسية حلّقت فوق بحر البلطيق يوم الاثنين، في استعراض قوي للقدرات الجوية على الجناح الشرقي للحلف، بعيداً عن الأضواء المسلّطة على الشرق الأوسط، وفق ما نقلته وكالة «أسوشييتد برس».

تم نشر مقاتلات «رافال» الفرنسية من قاعدة جوية في ليتوانيا، حيث تتمركز ضمن مهمة مراقبة جوية تابعة لـ«الناتو» تمتد لعقود. وانضمت هذه المقاتلات، المزوّدة بصواريخ جو - جو، إلى طائرات من السويد وفنلندا وبولندا والدنمارك ورومانيا. وقد أقلعت جميعها لمراقبة الرحلة الروسية وتفتيشها، وفق ما أفادت به الوحدة الفرنسية.

وشملت المهمة الروسية قاذفتين تفوقان سرعة الصوت من طراز «تو - 22 إم3»، إضافة إلى نحو 10 مقاتلات - من طرازي «سو - 30» و«سو - 35» - تناوبت على مرافقة القاذفات الاستراتيجية الأكبر حجماً، بحسب البيان.

وقالت وزارة الدفاع الروسية إن رحلة القاذفات بعيدة المدى كانت مقرّرة وجرَت في أجواء فوق المياه الدولية المحايدة لبحر البلطيق. وأضافت الوزارة، في بيان نُشر يوم الاثنين على «تلغرام»، أن الرحلة استغرقت أكثر من أربع ساعات.

وجاء في بيان الوزارة: «في مراحل معيّنة من المسار، رافقت القاذفات بعيدة المدى مقاتلات تابعة لدول أجنبية». وأضافت: «تُجري أطقم الطيران بعيد المدى رحلات منتظمة فوق المياه المحايدة في القطب الشمالي، وشمال الأطلسي، والمحيط الهادئ، وكذلك في بحري البلطيق والأسود. وتُنفّذ جميع رحلات طائرات القوات الجوية الفضائية الروسية وفقاً للقواعد الدولية الصارمة لاستخدام المجال الجوي».

وغالباً ما تعلن وزارة الدفاع الروسية عن رحلات لقاذفاتها الاستراتيجية فوق بحر البلطيق، بما في ذلك في يناير (كانون الثاني)، عندما أقلعت أيضاً طائرات لـ«الناتو» لاعتراضها، وكذلك ما لا يقل عن أربع مرات العام الماضي.

صورة قدّمها الجيش الفرنسي الاثنين 20 أبريل 2026 تظهر تحليق طائرة مقاتلة روسية من طراز «سو - 35» فوق بحر البلطيق (أ.ب)

اعتراضات جوية على مدار العام

ويقوم التحالف العسكري بشكل روتيني بإقلاع مقاتلات لاعتراض طائرات حربية روسية تقترب من المجال الجوي لـ«الناتو» أو تحلّق بالقرب منه. ويقول الحلف إن الطائرات الروسية التي يتم اعتراضها غالباً لا تستخدم أجهزة الإرسال والاستقبال (الترانسبوندر)، ولا تتواصل مع مراقبي الحركة الجوية، ولا تقدّم خطة طيران. لذلك تُرسل طائرات «الناتو» للتعرّف عليها.

والعديد من الرحلات الروسية التي يراقبها «الناتو» ضمن مهمة «الشرطة الجوية في البلطيق»، التي أُنشئت منذ انضمام ليتوانيا ولاتفيا وإستونيا إلى الحلف عام 2004، تكون من جيب كالينينغراد الروسي وإليه. وحتى قبل الحرب في أوكرانيا، كان «الناتو» يعترض الطائرات الروسية نحو 300 مرة سنوياً، معظمها فوق المياه المحيطة بشمال أوروبا.

وشاهد صحافي من وكالة «أسوشييتد برس» استجابة الوحدة الفرنسية يوم الاثنين من قاعدة شياولياي الجوية الواسعة في ليتوانيا، التي يستخدمها «الناتو» لدوريات المقاتلات المكلفة بمراقبة الأجواء على الجناح الشرقي للحلف.

وقد شوهد طاقما طائرتين مقاتلتين من طراز «رافال» وهما يهرعان في سيارتين إلى حظائر الطائرات انطلاقاً من مبنى القيادة الذي تستخدمه الوحدة الفرنسية خلال فترة انتشارها التي تستمر أربعة أشهر في القاعدة الجوية.

وكان الطاقمان يرتديان بالفعل بزّاتهما الكاملة لأنهما كانا في حالة تأهّب، بحيث يكونان جاهزين للإقلاع خلال دقائق في حال صدور الأمر.

وسرعان ما اتخذ الطاقمان موقعيهما داخل قمرة القيادة، قبل أن يتم وضعهما في حالة انتظار مع تشغيل محركات الطائرات النفاثة، إلى أن صدرت الأوامر بالإقلاع. ثم تحرّكت الطائرات خارج الحظائر وانطلقت بقوة في سماء صافية.

وتُعدّ رحلة يوم الاثنين الأحدث ضمن مناورات روسيا فوق بحر البلطيق.

وقالت وزارة الدفاع الليتوانية إن طائرات «الناتو» أقلعت أربع مرات بين 13 و19 أبريل لاعتراض طائرات روسية انتهكت قواعد الطيران، بما في ذلك إطفاء أجهزة الإرسال والاستقبال والتحليق من دون خطة طيران.


اندلاع حريق في محطة نفط روسية بعد هجوم مسيّرات أوكرانية

مضخات نفط خارج مدينة ألميتيفسك في جمهورية تتارستان بروسيا 4 يونيو 2023 (رويترز)
مضخات نفط خارج مدينة ألميتيفسك في جمهورية تتارستان بروسيا 4 يونيو 2023 (رويترز)
TT

اندلاع حريق في محطة نفط روسية بعد هجوم مسيّرات أوكرانية

مضخات نفط خارج مدينة ألميتيفسك في جمهورية تتارستان بروسيا 4 يونيو 2023 (رويترز)
مضخات نفط خارج مدينة ألميتيفسك في جمهورية تتارستان بروسيا 4 يونيو 2023 (رويترز)

قال مصدر مطلع في جهاز الأمن الأوكراني، إن طائرات مسيّرة أوكرانية هاجمت محطة نفط وموقع تخزين في مدينة سامارا بمنطقة الفولغا الروسية، مما أدى إلى اندلاع حريق، وفق «وكالة الأنباء الألمانية».

وقال مصدر، طلب عدم كشف هويته نظراً لعدم إعلان الأمر رسمياً، إنه حسب البيانات الأولية، فقد تضررت خمسة خزانات نفط خام، سعة كل منها 20 ألف متر مكعب، حسبما ذكرت وكالة «بلومبرغ» للأنباء.

ولم ترد شركة «ترانسنفت» الروسية، المشغلة لخطوط أنابيب النفط والمالكة للمنشأة، على الفور على طلب «بلومبرغ» للتعليق.

وتُظهر صور الأقمار الاصطناعية من منصة «كوبرنيكوس» التابعة للاتحاد الأوروبي، أن محطة سامارا تضم منشأة تخزين نفطية ضخمة تحتوي على أكثر من 60 خزاناً للنفط.


موسكو تعلن السيطرة على أراض واسعة في أوكرانيا هذا العام

صورة من شريط فيديو لإطلاق راجمة الصواريخ الروسية «أوراغان» باتجاه هدف في أوكرانيا الثلاثاء (إ.ب.أ)
صورة من شريط فيديو لإطلاق راجمة الصواريخ الروسية «أوراغان» باتجاه هدف في أوكرانيا الثلاثاء (إ.ب.أ)
TT

موسكو تعلن السيطرة على أراض واسعة في أوكرانيا هذا العام

صورة من شريط فيديو لإطلاق راجمة الصواريخ الروسية «أوراغان» باتجاه هدف في أوكرانيا الثلاثاء (إ.ب.أ)
صورة من شريط فيديو لإطلاق راجمة الصواريخ الروسية «أوراغان» باتجاه هدف في أوكرانيا الثلاثاء (إ.ب.أ)

أعلنت روسيا، الثلاثاء، أن قواتها سيطرت منذ بداية العام الحالي على مساحة بلغت 1700 ​كيلومتر مربع من الأراضي الأوكرانية، وتواصل تقدمها نحو ما يسمى «حزام الحصون» في منطقة دونباس. وهددت موسكو ألمانيا بقطع النفط من كازاخستان عنها.

وتسعى روسيا منذ غزوها عام 2022 إلى السيطرة على كامل منطقة دونباس في شرق أوكرانيا، ودفعت عبر قتال عنيف قوات كييف إلى التقهقر باتجاه خط المدن المسمى «حزام الحصون». وأعلنت أوكرانيا أيضاً تحقيق مكاسب في الحرب الأكثر ‌دموية في ‌أوروبا منذ الحرب العالمية الثانية. وقال ​أولكسندر ‌سيرسكي ⁠قائد ​الجيش الأوكراني في ⁠منتصف أبريل (نيسان) الحالي إن القوات الأوكرانية استعادت السيطرة على ما يقرب من 50 كيلومتراً مربعاً من أراضيها في مارس (آذار).

وقال رئيس هيئة الأركان العامة الروسية، فاليري غيراسيموف، في لقطات نشرتها وزارة الدفاع: «منذ بداية هذا العام، صار تحت سيطرتنا 80 منطقة سكنية إجمالاً وأكثر من 1700 كيلومتر ⁠مربع من الأراضي».

رجل إطفاء يشارك في إخماد حريق جراء هجوم روسي بسومي بأوكرانيا الثلاثاء (رويترز)

وقالت «رويترز» إنه لم يتسن لها التحقق ‌من التقارير الواردة من ‌ساحة المعركة. فيما تشير خرائط مؤيدة لأوكرانيا ‌إلى أن روسيا سيطرت على 592 كيلومتراً مربعاً هذا العام.

وأكد غيراسيموف أن وحدات القوات الروسية الجنوبية تهاجم «حزام حصون» دونيتسك، الذي يضم مدن سلوفيانسك وكراماتورسك وكوستيانتينيفكا، وأن القوات الروسية تبعد ‌بمسافة تتراوح بين سبعة كيلومترات و12 كيلومتراً عن سلوفيانسك وكراماتورسك.

وأضاف أن الوحدات الروسية ⁠تقاتل ⁠بالفعل في أنحاء من كوستيانتينيفكا. وتابع قائلاً إن القوات الروسية تتقدم في سومي بشمال أوكرانيا وخاركيف بشمال شرقي البلاد لإنشاء ما سماه «منطقة أمنية».

ووفقاً للتقديرات الروسية، تسيطر روسيا على نحو 90 في المائة من منطقة دونباس ونحو 75 في المائة من منطقتي زابوريجيا وخيرسون ومساحات صغيرة من مناطق خاركيف وسومي وميكولايف ودنيبروبتروفسك في أوكرانيا.

وتسيطر روسيا على شبه جزيرة القرم التي ضمتها في 2014.

وتظهر خرائط مؤيدة لأوكرانيا أن روسيا ​تسيطر على نحو 116793 كيلومتراً ​مربعاً، أو 19.35 في المائة، من أوكرانيا، لكن تقدم روسيا تباطأ هذا العام.

تهديد نفطي لألمانيا

من جهة أخرى، كشفت ثلاثة مصادر في قطاع النفط، الثلاثاء، أن روسيا تستعد لوقف النفط من كازاخستان إلى ​ألمانيا عبر خط أنابيب دروغبا بدءاً من أول مايو (أيار).

وقالت المصادر، التي تحدثت إلى «رويترز» شريطة عدم الكشف عن هويتها، إن الإطار الزمني المعدل لتصدير النفط أُرسل إلى كازاخستان وألمانيا.

وتوترت العلاقات السياسية والتجارية بين روسيا وألمانيا بسبب الصراع في ‌أوكرانيا التي تدعمها ‌برلين.

صورة من شريط فيديو لجندي روسي يطلق مسيرة استطلاعية من طراز «زالا» باتجاه أوكرانيا الثلاثاء (إ.ب.أ)

غير أن المتحدث باسم الكرملين، بيسكوف، قال إنه لم يكن على علم بأي تحرك لوقف تصدير النفط. وأضاف في مؤتمر صحافي يومي عبر الجوال: «سنحاول التحقق من الأمر».

ووضعت ألمانيا الوحدات المحلية لشركة «روسنفت»، أكبر ⁠منتج للنفط في روسيا، تحت الوصاية ‌في عام ‌2022، مما أدى إلى ​قطع علاقات امتدت على ‌مدى عقود بين ألمانيا وروسيا في ‌مجال الطاقة.

وبلغت صادرات كازاخستان النفطية إلى ألمانيا عبر خط أنابيب دروغبا الروسي 2.146 مليون طن، أو حوالي 43 ألف برميل ‌يومياً، في عام 2025 بزيادة 44 في المائة مقارنة بعام 2024.

وتزود كازاخستان ⁠ألمانيا ⁠بالنفط عبر الفرع الشمالي لخط أنابيب دروغبا الذي يمر عبر بولندا.

وتكرر انقطاع الإمدادات بسبب الهجمات الأوكرانية بطائرات مسيّرة على خط الأنابيب في روسيا.

تلاعب روسي بالبيانات

على صعيد آخر، اتّهم جهاز الاستخبارات العسكرية السويدي روسيا، مساء الاثنين، بـ«التلاعب» ببيانات مالية لإخفاء حقيقة وضعها الاقتصادي مع المحافظة على أهدافها الاستراتيجية السياسية.

وأفاد جهاز الاستخبارات والأمن العسكري السويدي (MUST) في بيان بأنه على الرغم من أن الأرقام الصادرة رسميا في روسيا تظهر تراجع الناتج المحلي الإجمالي وضعفاً في الإنتاج الصناعي، فإن موسكو «تتلاعب بالبيانات الاقتصادية لتبدو أكثر صموداً ممّا هي عليه».

وذكر جهاز الاستخبارات أن روسيا تعاني على الأرجح من «تضخّم أعلى وعجز في الموازنة أكبر» مما تكشف عنه.

وأوضح أنه «على الرغم من أسعار النفط المرتفعة مؤخراً التي وفّرت لروسيا عائدات إضافية، فإن إصلاح العجز في الموازنة الروسية يتطلب أن يتجاوز سعر البرميل مائة دولار لعام كامل».

وقال رئيس الجهاز توماس نيلسون إن «الاقتصاد الضعيف لا يؤثر على الأهداف الاستراتيجية».

وذكر جهاز الاستخبارات أن روسيا ملتزمة بمواصلة حربها على أوكرانيا والقيام بأنشطة «هجينة» في بلدان الاتحاد الأوروبي وحلف شمال الأطلسي (الناتو).

وأفاد بأنه «قرار سياسي لا اقتصادي. لكن القيود الاقتصادية والعقوبات تؤثران على نوعية الإمكانيات العسكرية التي يمكن لروسيا استجماعها والسرعة التي يمكنها من خلالها القيام بذلك».