مَن هم زبائن الورد في مصر؟

أكشاك البيع تشهد رواجاً خلال مواسم كثيرة

ترتبط محال الورد بالأعياد والطقوس الاحتفالية بشكل كبير (الشرق الأوسط)
ترتبط محال الورد بالأعياد والطقوس الاحتفالية بشكل كبير (الشرق الأوسط)
TT

مَن هم زبائن الورد في مصر؟

ترتبط محال الورد بالأعياد والطقوس الاحتفالية بشكل كبير (الشرق الأوسط)
ترتبط محال الورد بالأعياد والطقوس الاحتفالية بشكل كبير (الشرق الأوسط)

في واحدة من أشهر جمل فيلم «أحلى الأوقات» (إنتاج 2004)، قالت بطلة الفيلم «يسرية» لزوجها بلهجة احتجاجية لا تحتمل المُواربة: «عايزة ورد يا إبراهيم»، لتترك الزوج في حيرة من هذا الطلب «الرومانسي» الجديد والمُباغت، فيبدأ للمرة الأولى زيارة محلات الورد لشراء باقة لزوجته، ولا ينسى أن يشتري «الكباب» المشوي الذي يظل يرى أنه أكثر رومانسية من الورد.

ولا تبدو تلك الأسباب «الدرامية» في السينما بعيدة عن يوميات «الرومانسية» في الواقع، التي تأتي في مقدمة أسباب شراء الورد، وهو ما يمكن رصده بشكل كبير من خلال الحديث مع باعة أكشاك الورد، فيقول محمد راشد، بائع في محل بمنطقة الزمالك بالقاهرة: «يرتبط الورد بقصص الحب بشكل كبير، فلدينا الزبون الذي يكتفي بشراء وردة واحدة ليهديها لخطيبته، وصولاً لشراء الباقات الكبيرة في حفلات الزفاف والخطوبة، وكثيراً ما تُرفَق بالباقة بطاقات يكتبها أصحابها إلى المُهدى إليهم الورد، وتكون عادة عبارات حب أو اعتذار وغيرها»، كما يقول لـ«الشرق الأوسط».

«عيديات» من فئة 10 جنيهات في باقة ورد (الشرق الأوسط)

وتشمل حالة الحب تلك باقات الورد المُهداة في عيد الأم، الذي يُعد أعلى مواسم شراء الورد في مارس (آذار) من كل عام. يقول مجدي عبد الحميد، بائع في محل ورد بمنطقة زايد (غرب القاهرة) في كلمته لـ«الشرق الأوسط»: «موسم عيد الأم هو الأعلى لدى باعة الورد في كل عام، ويرتبط كذلك بارتفاع أسعاره، الذي يبدأ تدريجياً في الانخفاض مع بدايات الربيع، ففي عيد الأم يكون الورد هو الهدية الأكثر شعبية، والأكثر انتظاراً بين الأمهات، فهو يحمل إلى جانب جماله وبهجته كثيراً من المحبة ومشاعر الامتنان».

تزيين السيارات بالورد من الطقوس الاحتفالية الشهيرة في مصر (الشرق الأوسط)

وتصف سماح عبد الله، أم، وعمرها 45 عاماً، سعادتها باستقبال الورد من أبنائها: «صرت الآن أتهادى بالورد في عيد الأم، وأحياناً في عيد ميلادي، وما زلت أقوم أنا وإخوتي بشراء باقة كبيرة منه لوالدتنا في عيد الأم كل عام، فالورد طقس متوارث بشكل كبير، ولا يفقد بهجته»، وتضيف سماح في حديثها لـ«الشرق الأوسط»: «هذا العام أحضر لي أبنائي باقة ورد مُرصعة بقطع من الشوكولاته، وهذا ضاعف من مفاجأتها بالنسبة لي».

باقة ورد بمناسبة التخرج في الجامعة (الشرق الأوسط)

ويعدّ مجدي عبد الحميد أن جانباً كبيراً من مبيعات الورد أصبح يرتبط بفكرة مسايرة «الترندات» و«التقليعات» الجديدة في هذه السوق، ويقول: «تأثرت سوق الورد بشكل كبير بالسوشيال ميديا والتقليعات الجديدة التي جعلت الزبائن تبحث عن تنفيذ باقة ورد بتصميم معين، أو دمج عناصر مختلفة مع الورد كالشوكولاته أو الدُمى، أو كما صار متبعاً منذ سنوات في الأعياد؛ حيث صرنا نضع النقود الورقية (العيديات) بشكل مبتكر وسط باقة الورد، التي صارت شكلاً جديداً في هدايا زيارة بيت العروس في العيد، أو هدية من أب لأبنائه؛ حيث تقدم العيدية بشكل غير تقليدي».

«العيديات» في قلب باقات الورد (الشرق الأوسط)

ويحتفظ مجدي كرم، صاحب محل لبيع الورد بمنطقة الدقي (محافظة الجيزة)، بالورد في ثلاجة تبريد مخصصة داخل محله: «الورد عمره قصير، ويحتاج إلى درجة من البرودة، خصوصاً الأنواع الحساسة منه مثل الليليوم والروز»، ويقول «عم مجدي»، كما يطلق عليه الزبائن: «هناك زبائن دائمون للورد، يحرصون على شرائه أسبوعياً، ويقومون بتغييره باستمرار في مزهريات بيوتهم، وهم ينتمون للفئة العمرية الأكبر في السن، وهؤلاء يفضلون أنواع الورد التقليدي، منها عصفور الجنة والزنبق والبلدي، وهناك زبائن موسميون، يزورن محلات الورد في المناسبات مثل الأعياد، خصوصاً عيد الحب وعيد الأم، أو لاصطحابه في زيارة مريض بالمستشفى، أو زيارة لأحد الأصدقاء في البيت، وكذلك هناك المجاملات الاجتماعية كالتهاني في المناسبات المختلفة، ومنها حفلات التخرج في الجامعة، وفي الأغلب فإن الورد البلدي الأحمر، يليه الأبيض، هما الأكثر طلباً من الزبائن في مختلف المناسبات»، كما يقول لـ«الشرق الأوسط».

تقليعات جديدة في تنسيق باقات الورد (الشرق الأوسط)

ويضيف: «من المناسبات الأكثر بهجة هي تزيين سيارة الزفاف؛ حيث يأتينا العريس بسيارته ونقوم بتزيينها بباقات الورد، وكذلك الأشرطة الملونة، أحياناً يطلب منا العريس تصميماً معيناً لتزيين السيارة، وأحياناً أخرى يترك لنا تلك المهمة، وتختلف تكلفة هذا الأمر حسب كمية الورد المستخدمة، فقد يكتفي بباقة ورد واحدة في مقدمة السيارة، أو أن تكون مرصعة بالكامل بالورد؛ لذلك فتكلفته قد تتراوح من 300 إلى 3 آلاف جنيه» (الدولار الأميركي يساوي 51.6 جنيه مصري).

ويتفنن أصحاب أكشاك ومحال الورد في مصر في تنسيق بضاعتهم، وألوانها، وأنواعها، كما يُبرزون أوراق التغليف التي تتراوح خاماتها وكذلك أسعارها، بالإضافة لتوفير صناديق الهدايا التي يفضل بعض الزبائن تنسيق وردهم داخلها بشكل غير تقليدي.

من داخل أحد محال بيع الورد (الشرق الأوسط)

وتختلف أسعار الورد باختلاف أيام العام، كما تختلف أنواعه حسب المنطقة السكنية، كما يقول محمد راشد: «أسعار الورد ترتفع في المواسم بشكل عام، خصوصاً عيدي الحب والأم، فعلى سبيل المثال يبلغ سعر الوردة البلدي الواحدة هذه الأيام 25 جنيهاً، ولكن هذا السعر يبدأ تدريجياً في الانخفاض خلال الفترة المقبلة، ما يجعل باقة الورد لا تقل في المتوسط عن مائتي جنيه».

تزيين سيارات الزفاف بالورد في الأفراح (الشرق الأوسط)

ويضيف: «هناك أنواع من الورد قد يكون من المجازفة أن أقوم بعرضها، لأنها مستوردة ومرتفعة الثمن، ولها زبون محدد؛ لذلك يتم عرضها بشكل أكبر في محلات الورد الكبيرة في مناطق مرتفعة اقتصادياً، فعلى سبيل المثال فإن الفرع الواحد من زهرة الليليوم فوّاحة العطر يبدأ من مائتي جنيه، ما يعنى أن شراء باقة منها قد يصل بالباقة إلى نحو ألف جنيه، وهذا له زبون بمستوى اقتصادي معين، وفي كل الأحوال فإن دورة سلعة الورد قصيرة، ونقوم عادة بتجفيف أوراق الورد الذي لا يُباع، وإعادة تدويره باستخدامه في أغراض تزيينه، أو استخدامه في حفلات العُرس، في محاولة للاستفادة منه ومحاولة عدم إهداره».


مقالات ذات صلة

أزهار ربيعية زاهية بفضل دفء شمس الربيع في بريطانيا

يوميات الشرق زائرة تلتقط صوراً مع زهور التوليب في سانت ألبانز (إ.ب.أ)

أزهار ربيعية زاهية بفضل دفء شمس الربيع في بريطانيا

جاء الربيع بعد شتاء معتدل وماطر، حاملاً أجواء دافئة هيأت ظروفاً مثالية لعرضٍ رائعٍ لأزهار الربيع في بعض المناطق، هذا العام.

«الشرق الأوسط» (لندن)
يوميات الشرق الاحتفال بمرور 200 عام على تأسيس جمعية علم الحيوان (حديقة حيوان لندن)

قصيدة «القمر وحديقة الحيوان»: احتفاء خاص بجمعية علم الحيوان بلندن

كلفت «جمعية علم الحيوان» في لندن، شاعر البلاط الملكي بتأليف قصيدة لحساب فيلم رسوم متحركة، احتفاءً بمرور 200 عام على تأسيسها.

«الشرق الأوسط» (لندن)
تحديد الموقع الدقيق لعقار ويليام شكسبير (كينغ كوليدج لندن)

بعد أكثر من 400 عام: الكشف عن موقع منزل شكسبير «المفقود»

الآن، أصبح بالإمكان تحديد الموقع الدقيق لعقار ويليام شكسبير الوحيد في لندن، والكائن في شارع هادئ بمنطقة بلاكفرايرز، وذلك بفضل اكتشاف مخطط أرضي لم يكن معروفاً.

«الشرق الأوسط» (لندن)
يوميات الشرق العائلة المفقودة منذ عام 1958 (شرطة مقاطعة هود ريفر)

حل لغز اختفاء عائلة عام 1958 بعد سبعة عقود

كُشف أخيراً عن مصير عائلة أميركية اختفت في ظروف غامضة قبل نحو سبعة عقود، في قضية أثارت اهتماماً واسعاً آنذاك.

«الشرق الأوسط» (لندن)
يوميات الشرق جانب من موقع «مؤسسة بينالي الدرعية«» في حي جاكس الإبداعي (مؤسسة بينالي الدرعية)

مؤسسة «بينالي الدرعية» تفوز بجائزة «آرت بازل» 2026 عن فئة المتاحف والمؤسسات

حصدت «مؤسسة بينالي الدرعية» جائزة «آرت بازل» 2026 تقديراً لدورها في تعزيز حضور الفنون المعاصرة والإسلامية عالمياً ودعم التبادل الثقافي.

«الشرق الأوسط» ( الدرعية)

رحيل حياة الفهد سيدة الشاشة الخليجية

تدهورت الحالة الصحية للفهد في الفترة الأخيرة بشكل كبير (مؤسسة الفهد للإنتاج الفني)
تدهورت الحالة الصحية للفهد في الفترة الأخيرة بشكل كبير (مؤسسة الفهد للإنتاج الفني)
TT

رحيل حياة الفهد سيدة الشاشة الخليجية

تدهورت الحالة الصحية للفهد في الفترة الأخيرة بشكل كبير (مؤسسة الفهد للإنتاج الفني)
تدهورت الحالة الصحية للفهد في الفترة الأخيرة بشكل كبير (مؤسسة الفهد للإنتاج الفني)

غيّب الموت سيدة الشاشة الخليجية، الفنانة الكويتية حياة الفهد، عن عمر ناهز الـ78 عاماً.

عاشت الراحلة منذ بداياتها الأولى في ستينات القرن الماضي حتى رحيلها أمس، عبر الشاشة في بيوت الخليجيين، وتركت خلفها تاريخاً فنياً عصياً على النسيان.

بدأت الفهد رحلتها الفنية في وقت كان فيه حضور المرأة الخليجية في مجال التمثيل محدوداً ومحاطاً بحساسيات اجتماعية، ورغم ذلك دخلت المجال بخطوات مترددة لكنها حاسمة، وشقّت طريقها في بيئة لم تكن مهيأةً بالكامل لتقبّل هذا الحضور النسائي، وهو ما جعل تجربتها الأولى تتجاوز فكرة «الدور» إلى معنى أوسع في كسر الحاجز، وفتح الباب.


مركبة متنقلة لـ«ناسا» تكتشف المزيد من لبنات الحياة على المريخ

صورة ذاتية من زاوية منخفضة لمركبة «كيريوسيتي» التابعة لـ«ناسا» والمخصصة لاستكشاف المريخ (أ.ف.ب)
صورة ذاتية من زاوية منخفضة لمركبة «كيريوسيتي» التابعة لـ«ناسا» والمخصصة لاستكشاف المريخ (أ.ف.ب)
TT

مركبة متنقلة لـ«ناسا» تكتشف المزيد من لبنات الحياة على المريخ

صورة ذاتية من زاوية منخفضة لمركبة «كيريوسيتي» التابعة لـ«ناسا» والمخصصة لاستكشاف المريخ (أ.ف.ب)
صورة ذاتية من زاوية منخفضة لمركبة «كيريوسيتي» التابعة لـ«ناسا» والمخصصة لاستكشاف المريخ (أ.ف.ب)

أعلن علماء، الثلاثاء، أن مركبة «كيوريوسيتي» المتنقلة التابعة لوكالة «ناسا» اكتشفت المزيد من «لبنات الحياة» على سطح المريخ، وذلك بعد إجراء تجربة كيميائية لم يسبق لها مثيل على أي كوكب آخر، وفقاً لـ«وكالة الصحافة الفرنسية».

وأكد الفريق الذي تقوده وكالة «ناسا» أن الجزيئات العضوية ليست دليلاً قاطعاً على وجود حياة سابقة؛ إذ يحتمل أنها تشكلت على سطح المريخ أو سقطت نتيجة اصطدامها بالنيازك.

إلا أنها تكشف عن أن هذه المؤشرات حفظت في الصخور لأكثر من ثلاثة مليارات عام، عندما كان يعتقد أن الكوكب يضم مياهاً سائلة، وفق ما نشرت مجلة «نيتشر كوميونيكيشنز».

وحملت «كيوريوسيتي»، وهي بحجم سيارة، أنبوبين من مادة كيميائية تسمى TMAH وتستخدم لتحليل المواد العضوية ومعرفة مكوناتها.

وقالت عالمة الأحياء الفلكية العاملة في مهمة «كيوريوسيتي» إيمي ويليامز لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، إن «هذه التجربة لم تجرَ من قبل على كوكب آخر».

وأكدت ويليامز، وهي المؤلفة الرئيسية لدراسة تصف النتائج، أن الفريق «يرى لبنات الحياة، كيمياء ما قبل حيوية على المريخ، محفوظة في هذه الصخور منذ مليارات السنين».

هبطت مركبة «كيوريوسيتي» التابعة لـ«ناسا» في قاع بحيرة سابقة تسمى فوهة غيل عام 2012، ومنذ ذلك الحين وهي تبحث عن دلائل على وجود حياة سابقة محتملة.

وخلال تجربة أجريت عام 2020 باستخدام مادة TMAH، تم رصد أكثر من 20 جزيئاً عضوياً، بينها مركب «بنزوثيوفين» الموجود أيضاً في النيازك والكويكبات.

وقالت ويليامز إن «المواد نفسها التي هطلت على المريخ من النيازك هي نفسها التي هطلت على الأرض، وربما وفرت اللبنات الأساسية للحياة كما نعرفها على كوكبنا».

وأشارت دراسة جديدة نشرت في مجلة «نيتشر كوميونيكيشنز» إلى أن المهمات المستقبلية قد تستفيد من تجربة «كيوريوسيتي» التي أثبتت نجاح التجارب التي تستخدم مادة TMAH على عوالم أخرى.

وستحمل مركبة «روزاليند فرانكلين» التابعة لوكالة الفضاء الأوروبية، والتي تتميز بحفارة أطول بكثير من «كيوريوسيتي»، هذه المادة الكيميائية إلى المريخ.

وأعلنت «ناسا»، الأسبوع الماضي، أن مركبة الفضاء التابعة لوكالة الفضاء الأوروبية ستنطلق الآن نحو المريخ في أواخر عام 2028. وستكون المادة الكيميائية أيضاً على متن مركبة «دراغون» الدوارة، المقرر إطلاقها عام 2028 في مهمة لاستكشاف قمر تيتان التابع لكوكب زحل.


أسعار المساكن الفاخرة تعمّق «الهوة الطبقية» في مصر

جزء من تصميم مشروع «ذا سباين» لشركة هشام طلعت مصطفى (موقع الشركة)
جزء من تصميم مشروع «ذا سباين» لشركة هشام طلعت مصطفى (موقع الشركة)
TT

أسعار المساكن الفاخرة تعمّق «الهوة الطبقية» في مصر

جزء من تصميم مشروع «ذا سباين» لشركة هشام طلعت مصطفى (موقع الشركة)
جزء من تصميم مشروع «ذا سباين» لشركة هشام طلعت مصطفى (موقع الشركة)

يقطع المهندس المعماري محمد رجب يومياً أكثر من 30 كيلومتراً للذهاب إلى موقع عمله في الامتداد الصحراوي لمحافظة الجيزة (غرب القاهرة) حيث يشارك في بناء «كمبوند سكني فاخر»، وهو على يقين من أنه لا يمكنه أن يسكن فيه أو أي أحد من أولاده يوماً ما: «نبني لطبقات غنية. أما نحن فنسكن في إحدى المناطق الشعبية في الجيزة».

ويذكر أن شعور رجب بالتفاوت الطبقي الكبير يتزايد كلما سمع عن الأرقام التي تباع بها الوحدات التي يشارك في بنائها، ويقارنها براتبه هو وأصدقائه حيث «الفيلا الواحدة تباع بـ50 مليون جنيه» (الدولار الأميركي يعادل نحو 52 جنيهاً)، «وهو مبلغ لن أتحصل عليه طوال حياتي المهنية داخل مصر».

ووفق خبراء إسكان وعلم اجتماع، فإن بعض المشروعات السكنية في مصر اعتمدت خلال العقود الماضية على تغذية «مشاعر الفصل الطبقي»، بأسلوب المساحات المعزولة والمغلقة. يقول رجب بنبرة يملؤها الشجن: «بعد الانتهاء من عملي، لن يسمح لي الأمن بدخول المكان الذي شاركت في بنائه».

وأطلقت شركة هشام طلعت مصطفى العقارية أخيراً أحدث مشروعاتها العقارية شرق القاهرة «The Spine»، بأسعار مرتفعة جداً، وهو ما عزاه أحد مندوبي المبيعات بالشركة إلى أنها «أول مدينة ذكية استثمارية تقوم بالكامل على الذكاء الاصطناعي في العالم»، وفق ما ذكره لـ«الشرق الأوسط» عند الاستفسار هاتفياً عن طبيعة وأسعار الوحدات بالمشروع.

أحد المشاريع في العاصمة الجديدة (إدارة العاصمة الجديدة)

وكان رئيس الوزراء الدكتور مصطفى مدبولي وعدد من الوزراء قد شاركوا في مؤتمر صحافي للإعلان عن المشروع الضخم، السبت. وأثنى مدبولي عليه قائلاً إن «استثماراته تتجاوز 1.4 تريليون جنيه، ويوفر أكثر من 155 ألف فرصة عمل مباشرة وغير مباشرة كما يحقق عوائد ضريبية تتجاوز 800 مليار جنيه».

ويصل سعر الوحدة الكبرى (3 غرف نوم) في مشروع «The Spine» بمساحة 116 متراً، 50 مليون جنيه، ويضم المشروع 165 برجاً، داخل «مدينتي» المشروع السابق للشركة، على مساحة 5 كيلومترات. بينما تُطرح نفس مساحة الوحدة في مشاريع أخرى لـ«طلعت مصطفى» بـ10 ملايين جنيه.

ويُرجع موظف قسم المبيعات ارتفاع سعر الوحدات في المشروع إلى «المزايا الكبيرة والمختلفة فيه، منها شبكة المواصلات الضخمة تحت الأرض، ما يضع أماناً إضافياً إذا ما رغب السكان في التجول، ويحافظ على البيئة. كما أن ساكنه لن يحتاج إلى إطلاق الأوامر حتى تشتغل الإضاءة أو التكييف أو غيرهما من المهام في المشاريع الذكية، يكفي أن يُدخل البيانات لأول مرة، ليعرف الذكاء الاصطناعي تفضيلاته، ويعمل كل شيء نيابة عنه، يفتح المصعد، وباب الوحدة، ويضبط التكييف والإضاءة، حتى قبل أن تصل إلى شقتك».

أما سعر الوحدة ذات غرفة النوم الواحدة، بمساحة 77 متراً، فتصل إلى 20 مليون جنيه. وتقدم الوحدات بنظام تقسيط، أقل مقدم حجز فيها 160 ألف جنيه للمكتب الإداري، و250 ألف جنيه للوحدة السكنية، مع قسط نحو 50 ألف جنيه شهرياً، إلى جانب دفعات سنوية بمتوسط نصف مليون جنيه.

ووُصفت هذه الأسعار عبر مستخدمي مواقع التواصل بـ«المبالغ فيها وغير المنطقية»، وسط انتقاد الاهتمام اللافت بالمشروعات العقارية والإسكان الفاخر وعدم التركيز على توطين الصناعة والتكنولوجيا.

دار الأوبرا داخل مدينة الفنون في العاصمة الجديدة (إدارة العاصمة الجديدة)

وتتعزز هذه الانتقادات في وقت وصل فيه التضخم في مصر إلى 15.2 في المائة على أساس سنوي في مارس (آذار) الماضي، مرتفعاً نحو 2 في المائة عن فبراير (شباط) الماضي. بالإضافة إلى ارتفاع نسب الفقر إلى 32.5 في المائة، وفق تقرير للبنك الدولي عن مستوى الفقر في مصر عام 2022. مقارنة بـ29.7 في المائة في العام المالي 2019-2020.

وخلال السنوات الخمس الماضية، تراجعت قيمة الجنيه أمام الدولار بشكل حادّ، وارتفعت معدلات التضخم لمستويات غير مسبوقة، إذ انخفضت قيمة الجنيه من 15.5 جنيه في 2020 إلى 50 جنيهاً في 2025، ما ترتب عليه انخفاض القوة الشرائية للمواطنين، ما دفع الحكومة المصرية إلى رفع الحد الأدنى للأجور للعاملين في القطاع العام ليصبح 8 آلاف جنيه مصري شهرياً اعتباراً من يوليو (تموز) المقبل.

ويرى الكاتب الاقتصادي والخبير في أسواق المال، محمد مهدي عبد النبي، أن «المشروع الأحدث يعكس توجهاً من الدولة لفتح سوق عقارات دولي في مصر، لجذب عملة صعبة تساعد على تحسين أزمة العملة الأجنبية في مصر، ما سيؤثر إيجابياً على الاقتصاد الكلي، لكن في الوقت نفسه سينعكس سلباً على أسعار العقارات التي تستطيع شراءها الطبقة الوسطى، وسيزيد نسب التضخم في المجال العقاري».

ويتوقع عبد النبي، في حديثه لـ«الشرق الأوسط»: «أن يكون الأجانب، وبعض المواطنين العرب وبعض المصريين في الخارج الذين راكموا ثروات كبيرة، هم القادرين وحدهم على الشراء في مشروعات الإسكان الفاخر بمصر، أي أنه يستهدف ذوي الملاءة المالية الواسعة».

جزء من تصميم مشروع «ذا سباين» لشركة هشام طلعت مصطفى (موقع الشركة)

وهو ما أكّده موظف المبيعات في مجموعة «طلعت مصطفى»: «نستهدف بشكل أساسي الأجانب والعرب، لشراء الوحدات التي سيتم تسليم أول دفعة فيها بعد 5 سنوات».

الباحثة الثلاثينية منى محمد، تابعت الإعلانات التي تروج لمشروعات الإسكان الفاخر بالآونة الأخيرة، وقالت: «عانيت قبل عامين خلال رحلة بحثي عن شراء شقة بمنطقة حدائق الأهرام (غرب القاهرة)، ولأن المبلغ المطلوب كان (مليون جنيه) أكبر من إمكاناتي المادية أنا وزوجي، اضطررت لبيع مصوغاتي الذهبية والاقتراض حتى نتمكن من دفع ثمنها».

وتعلق منى على مشروعات الإسكان الفاخر، وتقول لـ«الشرق الأوسط» إن «هذا النوع من المشاريع يستفز مشاعر أبناء الطبقات الوسطى والدُنيا حتى الطبقة الغنية، التي ستجد نفسها جارة لطبقات أكثر رفاهية، وتتمتع بمزايا ليست لديها، وغالباً سيكونون من غير المصريين».

واعتبر رئيس الوزراء المصري مشروع «The Spine»: «عالمياً بكل المقاييس، ويحقق نقلة حقيقية في شكل التنمية العمرانية والنمو الاقتصادي للدولة المصرية».

ويرى الباحث في الإنثروبولوجيا، وليد محمود، أن «الكومباوندات السكنية أصبحت جزءاً بارزاً من المشهد العمراني في مصر، تعكس طموحاً نحو حياة أكثر تنظيماً ورفاهية، معتمدة على الخصوصية، والخدمات المتكاملة، والمساحات الخضراء، ما يجذب شريحة واسعة من الطبقة المتوسطة العليا والطبقة الميسورة للإقامة فيها».

خبراء يرون أن المساكن المرفهة تعمّق الهوة الاجتماعية في مصر (شركة طلعت مصطفى)

وأضاف محمود لـ«الشرق الأوسط» أنه «بعيداً عن الصورة المثالية التي تروج لها الحملات الإعلانية، يبرز تساؤل مشروع حول التأثيرات الاجتماعية لهذه الظاهرة، التي تعزز فكرة الانفصال الطبقي، وتخلق تصوراً بأن الحياة الأفضل لا تتحقق إلا داخل هذه الأسوار»، مشدداً على أن «الأزمة لا تقتصر على مفهوم الكمبوندات، بل في اتساع الفجوة بين أنماط السكن المختلفة، وما يصاحبها من شعور متزايد بعدم التكافؤ». على حدّ تعبيره.