«هدية العيد» للمواطنين... قرارات سعودية تضبط السوق العقارية في الرياض

تعديلات على نظام الإيجار خلال 90 يوماً... وتوقعات باستمرار زخم نمو القطاع في 2025

العاصمة السعودية الرياض (واس)
العاصمة السعودية الرياض (واس)
TT

«هدية العيد» للمواطنين... قرارات سعودية تضبط السوق العقارية في الرياض

العاصمة السعودية الرياض (واس)
العاصمة السعودية الرياض (واس)

في ظل النمو المتسارع في السوق العقارية في السعودية مدفوعاً باستراتيجية التنوع الاقتصادي، والذي يؤثر على الأسعار، جاء توجيه ولي العهد الأمير محمد بن سلمان باتخاذ حزمة من الإجراءات التنظيمية في الرياض من أجل تحقيق التوازن في القطاع العقاري بالعاصمة، بمثابة «هدية» للمواطنين بمناسبة عيد الفطر المبارك وفق ما وصفه سعوديون وسعوديات على مواقع التواصل الاجتماعي، وليؤكد في الوقت نفسه مدى حرص القيادة على توفير حلول جذرية وفعَّالة للتحديات التي تواجه هذا القطاع الحيوي.

فارتفاع أسعار العقارات يعدُّ أحد أبرز التحديات التي تواجه السوق العقارية، وفق ما ذكره مختصون في القطاع لـ«الشرق الأوسط».

وكان الرقم القياسي لأسعار العقارات ارتفع بنسبة 3.6 في المائة خلال الربع الرابع من عام 2024، وهذا يعدُّ أعلى وتيرة نمو ربعي منذ ستة فصول، بحسب ما أظهرته بيانات الهيئة العامة للإحصاء، متأثراً بالقطاع السكني الذي يعتبر الأكثر وزناً في المؤشر (72.7 في المائة).

والمعلوم أن العوامل المؤثرة في الأسعار ترتبط بالطلب الكبير والمتنامي على الوحدات السكنية، لا سيما في المدن الكبرى، والمشاريع التنموية الكبرى التي تساهم في جذب الاستثمارات وتنشيط السوق العقارية، وتحسين شبكات النقل والخدمات في المدن الذي يرفع من قيمة العقارات.

وجاءت توجيهات ولي العهد بعد دراسة مستفيضة من الهيئة الملكية لمدينة الرياض ومجلس الشؤون الاقتصادية والتنمية، عقب مرحلة من التخطيط العمراني للمنطقة، وذلك بهدف تعزيز المعروض العقاري وضبط التقلبات السوقية بما يسهم في تحقيق العدالة والاستقرار.

وشملت القرارات رفع الإيقاف عن عمليات البيع والشراء والتطوير في عدة مناطق في العاصمة، بمساحة إجمالية 81.48 كيلومتر مربع، والعمل على طرح 10 - 40 ألف قطعة أرض سنوياً على مدى الخمس سنوات المقبلة، بأسعار لا تتجاوز 1500 ريال للمتر المربع، مع إعطاء الأولوية للمواطنين المتزوجين أو من تجاوزت أعمارهم 25 عاماً، بشرط عدم امتلاكهم عقاراً آخر. وذلك من خلال منصة إلكترونية جار العمل على إطلاقها من قبل الهيئة الملكية لمدينة الرياض.

كما تضمنت التوجيهات وضع ضوابط تمنع بيع الأراضي أو تأجيرها أو رهنها لمدة 10 سنوات، باستثناء الرهن لتمويل البناء، وفي حال عدم تنفيذ المشروع خلال هذه الفترة، تسترد الأرض بقيمتها الأصلية.

وبحسب ما أعلنه وزير الشؤون البلدية والقروية والإسكان، ماجد الحقيل، فإن الإجراءات الجديدة ستسهم في تحقيق التوازن بين العرض والطلب، مع العمل على تعديل برنامج الأراضي البيضاء لتشجيع التطوير العقاري. ولفت إلى أن نظام الإيجارات يخضع لمراجعة شاملة لضمان تنظيم العلاقة التعاقدية بين الأطراف، على أن تُطرح التعديلات خلال 90 يوماً.

كما أوضح الرئيس التنفيذي للهيئة العامة للعقار، المهندس عبد الله الحماد، أن هذه التوجيهات تعكس التزام القيادة بتقديم حلول سريعة لمواجهة تحديات القطاع العقاري، وتحقيق الاستقرار السعري، وتعزيز مكانة الرياض كواحدة من أفضل العواصم العالمية للحياة والعمل والتنمية العقارية، وضمان بيئة سكنية مستدامة تتماشى مع مستهدفات «رؤية 2030»، لتوفير حلول إسكانية متاحة لجميع المواطنين، ودعم نمو القطاع كأحد المحركات الرئيسية للاقتصاد الوطني.

خريطة لمخططات الأراضي التي تم رصدها في الرياض (واس)

طلب مرتفع على العقار

وفي هذا الوقت، صدر تقرير عن شركة «جي إل إل» العالمية المختصة بتقديم الخدمات في مجال العقار، أشار إلى أنه رغم تباطؤ سوق مشروعات البناء في منطقة الشرق الأوسط وأفريقيا خلال عام 2024، ظل القطاع في السعودية قوياً، حيث استحوذ على 29.5 مليار دولار من إجمالي عقود المشروعات الإنشائية. وشهدت قطاعات الضيافة والاستخدامات المتعددة والترفيه نشاطاً كبيراً، بينما حقق القطاع السكني أداءً قوياً مع منح عقود بقيمة 7.9 مليار دولار، بحسب التقرير.

وكان عام 2024 استثنائياً لقطاع المكاتب في الرياض، حيث أدت زيادة الطلب وانخفاض المعروض إلى تسجيل معدل شغور لا يتجاوز 0.2 في المائة في المباني من الفئة (إيه)، بينما بلغ متوسط الإيجارات 609 دولارات للمتر المربع في الربع الرابع من العام ذاته. وبينما أُضيف 326.6 ألف متر مربع من المساحات القابلة للتأجير إلى السوق، فإن هناك 888.6 ألف متر مربع قيد التنفيذ، مما يشير إلى استمرار النمو في 2025.

وبرزت مدينة جدة بوصفها خياراً جاذباً، مستقطبة الشركات الإقليمية والدولية إلى مساحات المكاتب الحديثة عالية الجودة في شمالها الغربي، بينما ظلت سوق الدمام مستقرة، ومدعومة بشكل أساسي من الجهات الحكومية.

وتواصل المشروعات الاستراتيجية التي تدعم «رؤية 2030» في جذب استثمارات ضخمة.

وقال رئيس «جي إل إل» في السعودية، سعود السليماني إن جهود التنويع الاستراتيجي في السعودية، بقيادة «رؤية 2030»، تشكل حافزاً كبيراً لتطوير القطاع العقاري، مما يجذب رؤوس الأموال المحلية والدولية، و«إن التوجه نحو الأصول عالية الجودة، وانخفاض معدل الشواغر في الأصول الرئيسية، والاستراتيجيات الطموحة في قطاع السياحة، تعزز الطلب المستدام عبر القطاعات الرئيسية، لا سيما في الرياض وجدة، مما يخلق بيئة استثمارية جاذبة طويلة الأجل».

وأشار التقرير إلى أنه مع استعداد المملكة لاستضافة فعاليات كبرى، قد تواجه تحديات تتعلق بالقدرة الاستيعابية وارتفاع التكاليف بين عامي 2025 و2028. ومع ذلك، تعمل البلاد على مواجهة هذه العقبات من خلال تعزيز جهود التوطين، والاستثمار المتواصل في البنية التحتية، وتسريع التحول الرقمي، إلى جانب تنفيذ إصلاحات تنظيمية، وتعزيز التعاون بين الجهات المعنية، والتركيز على الطاقة المتجددة والاستدامة.

بدوره، أوضح رئيس قسم المشروعات والخدمات التطويرية بـ«جي إل إل» في السعودية، مارون ديب، أن المشروعات الاستراتيجية التي تدعم «رؤية 2030» ستواصل جذب استثمارات ضخمة، مما يخلق فرصاً جديدة لتوسع السوق. «ومن المتوقع تدفقات نقدية هائلة للأحداث الكبرى مثل كأس العالم وإكسبو، مما سيعزز تنمية البنية التحتية ويضع القطاع العقاري على مسار قوي للنمو في 2025 وما بعدها».

بيئة مناسبة

وأكد الرئيس التنفيذي لشركة «منصات» العقارية، خالد المبيض، لـ«الشرق الأوسط»، ضرورة توفير معروض مناسب لتلبية الطلب المتزايد، لافتاً إلى أن عدم تحقيق ذلك سيؤدي إلى تضخم أسعار الإيجارات. وأوضح أن توسيع التنمية إلى المدن الصغيرة القريبة من المراكز الحضرية يعد من الحلول الفعالة، إذ يتيح فرصاً تنموية بأسعار متفاوتة، ويخفف الضغط على المدن الكبرى، مع توفير خيارات سكنية تلبي احتياجات مختلف الفئات.

ونوّه بأن أبرز التحديات التي تواجه السوق العقارية تشمل ارتفاع أسعار العقارات، وتكاليف الأيدي العاملة ومواد البناء، مما قد يؤثر على ربحية المستثمرين. لافتاً إلى أن الحل يكمن في البحث عن فرص استثمارية في الضواحي والمدن الثانوية، حيث لا تزال الأسعار أقل تأثراً بالتضخم، مما يخلق بيئة مناسبة للنمو وتحقيق عوائد مجزية.

ويواصل الطلب القوي تحفيز النمو في القطاع السكني بالرياض، حيث تظل الفلل الخيار الأكثر طلباً، ممثلة 53.3 في المائة من إجمالي المعاملات. وبينما يُتوقع تسليم 28943 وحدة جديدة في 2025، فإن تأخر المعروض الجديد قد يؤدي إلى ارتفاع الأسعار والإيجارات، بحسب ما ذكرته «جي إل إل».

أما في جدة، فقد هيمنت الشقق على المعاملات في العام الماضي، بنسبة 82.8 في المائة من الوحدات المتوقعة لعام 2025، ولكن محدودية العرض ستؤدي إلى تسارع نمو الأسعار والإيجارات هناك أيضاً.

جانب من معرض «سيتي سكيب العالمي 2024» العقاري في الرياض (واس)

التجزئة والضيافة

ويشهد قطاع الضيافة في الرياض ازدهاراً بفضل السياحة التجارية والفعاليات العالمية، مسجلاً ارتفاعاً في الأسعار اليومية بنسبة 13.3 في المائة لتصل إلى 239 دولاراً في 2024، مع توقعات بإضافة 2312 غرفة فندقية في 2025. وفي جدة، تدعم السياحة الدينية والترفيهية النمو رغم تراجع طفيف في المؤشرات، لكن الأسس القوية تبقيها على مسار تصاعدي متوافق مع الأهداف السياحية للمملكة.

وبينما يتجه قطاع التجزئة في العاصمة نحو «التجزئة التجريبية» مع تزايد الإقبال على الأنشطة الترفيهية، تتراجع معدلات الإشغال في مراكز التسوق التقليدية بسبب تصميماتها المغلقة. ورغم حفاظ المراكز الضخمة على متانتها بارتفاع التأجير 1.8 في المائة في الربع الرابع من 2024، سجلت المراكز المجتمعية نمواً أقوى بنسبة 5.5 في المائة، في حين تراجعت المراكز الإقليمية بنسبة 9.3 في المائة. وتعكس جدة الاتجاه ذاته، مما يتطلب تطوير بيئات تسوق أكثر تنوعاً وتجريبية.

وتشير الزيادات في معدلات الإيجار في القطاعين الصناعي واللوجيستي في كل من الرياض وجدة إلى نشاط سوقي قوي وطلب مرتفع على قدرات التخزين والخدمات اللوجيستية المتقدمة، مدفوعاً بتنويع الاقتصاد ونمو التجارة الإلكترونية، بحسب التقرير.

وتقود تقنيات الجيل الخامس والذكاء الاصطناعي نمواً سريعاً في قطاع مراكز البيانات في منطقة الشرق الأوسط وأفريقيا. وتتمتع السعودية، وخاصة الرياض والدمام وجدة، ببصمة قوية في هذا المجال، حيث تحتل المرتبة الثالثة في عدد مرافق مراكز البيانات المشتركة قيد التشغيل، وتساهم بنحو 12.6 في المائة من إجمالي سعة تكنولوجيا المعلومات التشغيلية البالغة 1050 ميغاواط في المنطقة بنهاية 2024، مما يضعها في موقع جيد لمزيد من التوسع.


مقالات ذات صلة

تحالف عقاري بقيادة «أم القرى» يفوز بتطوير منطقتين في مكة بـ1.6 مليار دولار

الاقتصاد صورة محاكية لمشروع «مسار» الذي تطوره شركة «أم القرى للتنمية والإعمار» (الشركة)

تحالف عقاري بقيادة «أم القرى» يفوز بتطوير منطقتين في مكة بـ1.6 مليار دولار

«أم القرى» تفوز بتطوير منطقتي الهنداوية بمكة بتكلفة 6 مليارات ريال، وتطلق استراتيجية للتوسع بمشاريع حضرية تتجاوز 50 مليار ريال.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
خاص لافتة «وول ستريت» أمام العلم الأميركي (رويترز)

خاص هل يواجه نظام الـ1.8 تريليون دولار «شتاء الائتمان الخاص»؟

هل يمكن أن يكون الائتمان الخاص هو أزمة الرهن العقاري العالمية المقبلة؟ هذا السؤال المحوري بات يتردد بجرأة في أروقة صناعة القرار المالي.

عبير حمدي (الرياض)
الاقتصاد صورة جوية تُظهر جانباً من مدينة بغداد بالعراق (رويترز)

«طلعت مصطفى» المصرية تنال إجازة لمشروع في بغداد بمبيعات متوقعة 18.8 مليار دولار

قالت مجموعة طلعت مصطفى القابضة المصرية، يوم الاثنين، إنها حصلت على إجازة الاستثمار لمشروع متكامل في بغداد بمبيعات متوقعة 18.8 مليار دولار.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
خاص وجهة «الفرسان» في الرياض (حساب الشركة الرسمي على منصة «إكس»)

خاص «الوطنية للإسكان» السعودية... من «ذراع تنفيذية» إلى أكبر مطوّر عقاري في المنطقة

لم تكن رحلة «الشركة الوطنية للإسكان (إن إتش سي)» مجرد إضافة رقمية لقطاع المقاولات، بل كانت تحولاً جذرياً في فلسفة الإسكان في السعودية.

ساره بن شمران (الرياض)
خاص لقطة جوية توضح الطفرة العمرانية ومشاريع الضيافة الكبرى المحيطة بالمسجد الحرام في مكة المكرمة (واس)

خاص التشريعات العقارية السعودية تضع مكة والمدينة في قلب الطموحات الاستثمارية العالمية

تحوّلت البيئة التشريعية والتنظيمية في السعودية إلى المحرك الأساسي لإعادة صياغة المشهد الاستثماري في مدينتي مكة المكرمة والمدينة المنورة.

محمد المطيري (الرياض)

«علامات استفهام حُمر» تُلاحق تسوية ماسك وهيئة الأوراق المالية الأميركية بشأن «تويتر»

 إيلون ماسك يسير لحضور جلسة المحاكمة في دعواه القضائية المتعلقة بتحويل «أوبن إيه آي» إلى شركة ربحية في أبريل الماضي (رويترز)
إيلون ماسك يسير لحضور جلسة المحاكمة في دعواه القضائية المتعلقة بتحويل «أوبن إيه آي» إلى شركة ربحية في أبريل الماضي (رويترز)
TT

«علامات استفهام حُمر» تُلاحق تسوية ماسك وهيئة الأوراق المالية الأميركية بشأن «تويتر»

 إيلون ماسك يسير لحضور جلسة المحاكمة في دعواه القضائية المتعلقة بتحويل «أوبن إيه آي» إلى شركة ربحية في أبريل الماضي (رويترز)
إيلون ماسك يسير لحضور جلسة المحاكمة في دعواه القضائية المتعلقة بتحويل «أوبن إيه آي» إلى شركة ربحية في أبريل الماضي (رويترز)

دافعت هيئة الأوراق المالية والبورصات الأميركية (SEC) عن التسوية المالية التي أبرمتها مع الملياردير إيلون ماسك بشأن قضية خرقه قواعد الإفصاح عند شرائه أسهم شركة «تويتر»، مؤكدة أن الاتفاق يعكس «حلولاً وسطاً» بين الطرفَين، ولم تر أي شبهة تواطؤ، وذلك بعد أن لفتت القاضية المشرفة على الملف أن الاتفاق يثير «علامات استفهام حمر».

وأوضحت الهيئة في وثيقة قدمتها إلى المحكمة الفيدرالية في العاصمة واشنطن، أن التسوية -في حال إقرارها نهائياً- ستسمح لماسك بنفي اتهاماتها علناً، وهو ما يعكس تغييراً حديثاً في سياسة الهيئة الحاكمة لقرارات المتهمين الذين يبرمون تسويات في دعاوى إنفاذ القانون.

وبموجب الاتفاق، يلتزم صندوق استئماني (Trust Fund) مسجل باسم ماسك بدفع غرامة مالية قدرها 1.5 مليون دولار لتسوية اتهامات الهيئة بأن أغنى رجل في العالم تأخر لمدة 11 يوماً في شهري مارس (آذار) وأبريل (نيسان) من عام 2022 للإفصاح عن شرائه حصة في أسهم «تويتر»، مما أتاح له الاستمرار في الشراء بأسعار منخفضة قبل أن ينتبه بقية المستثمرين.

من جانبه، جادل ماسك بأن هذا التأخير في الإفصاح كان غير مقصود، علماً بأنه استحوذ لاحقاً على المنصة بالكامل مقابل 44 مليار دولار في أكتوبر (تشرين الأول) 2022 وغيّر اسمها إلى «إكس».

تحفظات القضاء

وكانت القاضية الفيدرالية سباركل سوكنانان قد صرحت في جلسة استماع عُقدت في 13 مايو (أيار) الماضي بأنها لا يمكنها «المصادقة بشكل أعمى» على هذه التسوية. وتساءلت عن الأسباب التي دعت الهيئة إلى فرض الغرامة على الصندوق الاستئماني بدلاً من شخص ماسك مباشرة، وعن سبب قبولها باسترداد 1 في المائة فقط من الأرباح غير المشروعة المزعومة التي تُقدّر بنحو 150 مليون دولار، مشددة على ضرورة التحقق مما إذا كانت التسوية تخدم المصلحة العامة وخالية من الفساد أو التواطؤ.

رد الهيئة

وفي مذكرة الدفاع التي قدمتها الهيئة، أكدت أن التسوية «عادلة ومعقولة ومناسبة»، ولم تكن وليدة أي تواطؤ غير لائق، بل جاءت نتيجة مفاوضات مباشرة بين المستشارين القانونيين تعكس تنازلات متبادلة. وأضافت أن عقوبة الـ1.5 مليون دولار تُعد الأكبر من نوعها في مثل هذه المخالفات، وأن تسوية الأمر مع الصندوق الاستئماني تتماشى مع الممارسات الأخيرة للهيئة في قضايا مماثلة. وأشارت إلى أن «المصلحة العامة تستفيد من هذا الإجراء الذي يقيّد تحركات ماسك قانونياً في كل مرة يعمل فيها من خلال صندوقه الاستئماني القابل للإلغاء، وهو الأداة الاستثمارية التي يدير عبرها معظم ثروته».

خلفيات سياسية

ولم يصدر تعقيب فوري من محامي إيلون ماسك، الذي سبق أن اتهم الهيئة بأن تحركاتها ضده مدفوعة بدوافع سياسية وتنتهك حقه في حرية التعبير، مستدلاً برفع الدعوى ضده قبل ستة أيام فقط من مغادرة الرئيس الديمقراطي جو بايدن للبيت الأبيض وتولي الجمهوري دونالد ترمب الرئاسة، حيث كان ماسك مستشاراً للأخير.

وتأتي هذه التطورات في وقت حدّت فيه الإدارة الأميركية الجديدة من بعض أنشطة إنفاذ القانون بحق الشركات، مع إعادة ترتيب أولويات الهيئة تحت قيادة رئيسها الجديد بول أتكينز. وشهدت الهيئة مؤخراً اضطرابات في قيادتها، حيث استقالت رئيسة قسم إنفاذ القانون السابقة، مارغريت ريان، بشكل مفاجئ، بعد ستة أشهر فقط من توليها المنصب، إثر خلافات مع قيادة الوكالة حول توجهات برنامج إنفاذ القانون.


قبيل اجتماع يونيو... اتجاه متزايد داخل «المركزي الأوروبي» نحو رفع الفائدة

مبنى البنك المركزي الأوروبي في فرانكفورت (رويترز)
مبنى البنك المركزي الأوروبي في فرانكفورت (رويترز)
TT

قبيل اجتماع يونيو... اتجاه متزايد داخل «المركزي الأوروبي» نحو رفع الفائدة

مبنى البنك المركزي الأوروبي في فرانكفورت (رويترز)
مبنى البنك المركزي الأوروبي في فرانكفورت (رويترز)

تأتي تصريحات صناع السياسة النقدية في البنك المركزي الأوروبي قبيل اجتماع 11 يونيو (حزيران)، لتكشف عن تزايد الميل داخل المجلس نحو تشديد السياسة النقدية، في ظل استمرار الضغوط التضخمية وتداعيات الصدمات الخارجية على أسعار الطاقة وسلاسل الإمداد. وبينما تتباين لهجات المسؤولين بين الحذر والدعوة إلى التحرك السريع، تعكس مجمل التصريحات قلقاً متصاعداً من اتساع نطاق التضخم وامتداده إلى مستويات أوسع من الاقتصاد، مما يعزّز احتمالات اتخاذ خطوة رفع الفائدة في الاجتماع المرتقب.

وتشير توقعات الأسواق المالية إلى تسعير شبه كامل لاحتمال رفع سعر الفائدة بحلول يوليو (تموز) على أقصى تقدير، في حين يتوقع اقتصاديون استطلعت «رويترز» آراءهم أن يتم رفع الفائدة في يونيو.

وفيما يلي تصريحات رئيسية لصناع السياسة النقدية في البنك المركزي الأوروبي:

قالت عضوة المجلس التنفيذي للبنك المركزي الأوروبي، إيزابيل شنابل، إن التفاؤل لم يعد خياراً مطروحاً في ظل حجم الصدمة الحالية واستمراريتها، مشيرة إلى أن الأضرار التي لحقت بالبنية التحتية للطاقة وسلاسل الإمداد العالمية تستدعي استجابة من السياسة النقدية، وترى أن رفع سعر الفائدة في يونيو سيكون ضرورياً، وفق «رويترز».

ومن جانبه، توقع كبير الاقتصاديين في البنك المركزي الأوروبي، فيليب لين، إجراء تعديل تصاعدي إضافي لتوقعات التضخم في يونيو، محذراً من امتداد آثار الصدمة إلى ما هو أبعد من أسعار الطاقة؛ إذ تشير الاستطلاعات إلى اتجاه الشركات لرفع الأسعار، مما قد يحوّل صدمة الطاقة إلى ضغوط تضخمية أوسع نطاقاً.

أما محافظ البنك المركزي الإيطالي، فابيو بانيتا، فأكد أن الصورة المستقبلية تستدعي إعادة تقييم موقف السياسة النقدية في ضوء مخاطر استمرار الضغوط التضخمية، لافتاً إلى أن عودة أسعار النفط والغاز إلى مستوياتها الطبيعية بسرعة تبدو غير مرجحة حتى في حال انتهاء النزاع بسرعة.

وفي السياق ذاته، شدد محافظ البنك المركزي اليوناني، يانيس ستورناراس، على ضرورة أن تكون الاستجابة متوازنة في حال تجاوز التضخم الهدف بشكل مؤقت، بحيث يتم تشديد السياسة النقدية بحذر دون الإضرار بالنشاط الاقتصادي، مع تأكيد أهمية التحرك السريع لتفادي دوامة تضخمية محتملة.

وأشار محافظ البنك المركزي الفنلندي، أولي رين، إلى أن العامل الحاسم يتمثّل في رصد أي آثار ثانوية أو تراجع في توقعات التضخم، موضحاً أن التذبذب في التوقعات قصيرة الأجل لا يزال قائماً، دون وجود انحراف كبير على المديَين المتوسط والطويل.

كما قال محافظ البنك المركزي النمساوي، مارتن كوخر، إنه في حال عدم تحسن الوضع بشكل ملموس، فلا مفر من رفع أسعار الفائدة في المستقبل القريب. في حين رأى محافظ البنك المركزي السلوفاكي، بيتر كازيمير، أن تشديد السياسة النقدية في يونيو يبدو شبه حتمي في ظل التطورات الحالية، رغم عدم الالتزام بمسار محدد مسبقاً.


شركات منطقة اليورو تكافح لرفع الأسعار رغم صدمة الحرب

يمرّ أشخاص أمام ناطحات السحاب في الحي المالي والتجاري لا ديفانس في بوتو بالقرب من باريس (رويترز)
يمرّ أشخاص أمام ناطحات السحاب في الحي المالي والتجاري لا ديفانس في بوتو بالقرب من باريس (رويترز)
TT

شركات منطقة اليورو تكافح لرفع الأسعار رغم صدمة الحرب

يمرّ أشخاص أمام ناطحات السحاب في الحي المالي والتجاري لا ديفانس في بوتو بالقرب من باريس (رويترز)
يمرّ أشخاص أمام ناطحات السحاب في الحي المالي والتجاري لا ديفانس في بوتو بالقرب من باريس (رويترز)

أظهر تحليل أجرته «رويترز» لتعليقات أرباح الشركات المدرجة في منطقة اليورو أن نحو ثلث الشركات الكبرى فقط أشار إلى عزمه رفع الأسعار استجابة لتداعيات الحرب الإيرانية، في مؤشر على أن ضعف النشاط الاقتصادي لا يزال يقيد قدرتها على تمرير التكاليف إلى المستهلكين.

ويحاول المستثمرون وصناع السياسات في البنك المركزي الأوروبي تقييم ما إذا كانت منطقة اليورو تتجه نحو موجة تضخم جديدة ناجمة عن الحرب، على غرار تلك التي أعقبت الغزو الروسي لأوكرانيا في عام 2022.

حتى الآن تبدو الإجابة بالنفي.

فقد أظهر تحليل «رويترز»، الذي اعتمد على تقنيات الذكاء الاصطناعي لدراسة 175 مكالمة أرباح لشركات في منطقة اليورو، أن 56 شركة فقط قامت برفع أسعارها، أو تخطط لذلك خلال الأشهر المقبلة، وهو ما يعكس استمرار ضعف الطلب في اقتصاد منطقة العملة الموحدة المكونة من 21 دولة.

ويمثل ذلك تبايناً واضحاً مع ما حدث عقب الغزو الروسي لأوكرانيا، عندما رفعت ما يقرب من ثلثي الشركات أسعارها في ظل صدمة قوية بأسواق الطاقة، مدعومة بطلب استهلاكي مرتفع بعد الجائحة، وبرامج دعم حكومية واسعة النطاق، ما دفع التضخم آنذاك إلى مستويات تجاوزت 10 في المائة.

اختلاف جوهري عن عام 2022

وفي تعليقه على نتائج التحليل، قال أولي رين، عضو مجلس محافظي البنك المركزي الأوروبي، ومحافظ البنك المركزي الفنلندي، إن هناك «فرقاً واضحاً بين ربيع 2022 وربيع 2026».

وأضاف أن سوق العمل أصبحت أقل سخونة، كما أن وتيرة النمو الاقتصادي أبطأ بشكل ملحوظ، في حين تغيب حالياً الحوافز المالية القوية التي دعمت الاقتصاد قبل أربع سنوات.

وكان التضخم في منطقة اليورو قد بلغ 5.9 في المائة بالفعل عندما بدأت الحرب في أوكرانيا في فبراير (شباط) 2022، بينما لم يتجاوز 1.9 في المائة عند اندلاع الحرب الإيرانية. وتشير التوقعات إلى ارتفاعه إلى 3.2 في المائة في مايو (أيار).

مبنى البنك المركزي الأوروبي في فرانكفورت (رويترز)

ويخفف هذا الوضع الضغوط على البنك المركزي الأوروبي لاتخاذ سلسلة واسعة من زيادات أسعار الفائدة تتجاوز الرفع الأول المتوقع الأسبوع المقبل، والذي يرى اقتصاديون أنه يهدف بالأساس إلى ترسيخ مصداقية البنك، ومنع انتقال تأثير ارتفاع أسعار الطاقة إلى بقية مكونات التضخم.

من جانبه، قال كبير الاقتصاديين في «أليانز غلوبال إنفستورز»، كريستيان شولز، إن هذه المعطيات تمنح البنك المركزي الأوروبي مساحة أكبر للتحلي بالصبر.

وأضاف: «أي تشديد إضافي للسياسة النقدية سيتطلب أدلة أوضح على انتقال الضغوط التضخمية إلى الأسعار الأساسية، واستمرارها لفترة أطول».

ارتفاعات سعرية محدودة مقارنة بمرحلة ما بعد الغزو الأوكراني

وكلفت «رويترز» أداة الذكاء الاصطناعي الخاصة بها «كلود كوارك» بتحليل نصوص 175 مكالمة أرباح جرت بين 2 أبريل (نيسان) و15 مايو، مع التركيز على مدى تأثر الشركات بارتفاع تكاليف الطاقة، وخططها لنقل هذه التكاليف إلى العملاء.

وأظهرت النتائج أن 105 شركات ناقشت تأثير ارتفاع تكاليف الطاقة، فيما ربطت 91 شركة هذه التطورات بالحرب الإيرانية.

وبعد استبعاد المؤسسات المالية، التي تتعامل عادة مع صدمات الطاقة باعتبارها قضية اقتصادية كلية أكثر من كونها قضية تسعير مباشرة، شملت العينة 136 شركة غير مالية، وأفادت 55 منها بأنها رفعت الأسعار، أو تعتزم القيام بذلك خلال الأشهر المقبلة.

وتركزت هذه الزيادات بصورة رئيسة بين الشركات الأكثر تعرضاً لارتفاع أسعار الطاقة، والمواد الخام، أو العاملة في القطاع الصناعي، مثل المجموعة الكيميائية الألمانية «باسف»، وشركة «نيكسانز» الفرنسية المتخصصة في صناعة الكابلات.

في المقابل، بدت الشركات الموجهة للمستهلك النهائي أكثر حذراً في تحميل العملاء التكاليف المرتفعة، إذ تعهدت شركات تجزئة، مثل «دِلهايز» بالحفاظ على أسعار تنافسية، بينما ركزت شركات السيارات، ومن بينها «فولكس فاغن»، على برامج خفض التكاليف بدلاً من رفع الأسعار.

وتختلف هذه الصورة بشكل ملحوظ عن ربيع 2022، إذ أظهر تطبيق المنهجية نفسها على مكالمات الأرباح آنذاك أن 108 شركات من أصل 132 شركة غير مالية قامت بتمرير التكاليف المرتفعة إلى المستهلكين، مستفيدة من الطلب القوي، والدعم المالي الحكومي.

موظفون يجمعون سيارات «فولكس فاغن» الكهربائية في مصنع الشركة بمدينة إمدن شمال ألمانيا (د.ب.أ)

الشركات الصناعية أكثر قدرة على تمرير التكاليف

ويشير التحليل إلى أن الشركات التي تبيع منتجاتها وخدماتها لشركات أخرى تتمتع بقدرة أكبر على رفع الأسعار مقارنة بالشركات التي تعتمد على المستهلك النهائي.

فمن بين 33 شركة صناعية شملتها الدراسة، أكدت 11 شركة أنها تقوم بالفعل بتمرير التكاليف المرتفعة إلى العملاء، بينما تخطط ثلاث شركات أخرى لاتخاذ الخطوة نفسها، في حين تطبق شركتان زيادات جزئية.

أما في قطاع السلع الاستهلاكية، فقد كانت شركة «بيريللي» الإيطالية لصناعة الإطارات الوحيدة بين 26 شركة أكدت اعتماد سياسة تمرير التكاليف بالكامل، بينما تدرس أربع شركات أخرى اتخاذ إجراءات مماثلة.

وقال كارستن جونيوس، كبير الاقتصاديين في بنك جي سافرا ساراسين السويسري، إن هذا التباين يعكس طبيعة النمو الاقتصادي الحالي الذي يعتمد بدرجة أكبر على الاستثمار مقارنة بالاستهلاك الأسري.

وأضاف أن السباق العالمي المتسارع في تطوير وتبني تقنيات الذكاء الاصطناعي قد يجعل بعض الشركات أقل حساسية للأسعار، ما يسهل عليها تمرير ارتفاع تكاليف المدخلات إلى عملائها.

الضغوط التضخمية لم تختفِ بعد

ورغم هذه المؤشرات، يحذر اقتصاديون من التقليل من شأن الضغوط السعرية التي لا تزال تتراكم في بعض القطاعات.

فالشركات العاملة في قطاع النقل، مثل «لوفتهانزا» و«دويتشه بوست»، بدأت بالفعل في فرض رسوم إضافية مرتبطة بأسعار الوقود، وهو ما قد يؤدي تدريجياً إلى رفع تكاليف الأعمال في مختلف القطاعات الاقتصادية.

وقال سبيروس أندريوبولوس، مؤسس شركة «ثين آيس» للاستشارات الاقتصادية الكلية: «من السابق لأوانه الحكم على مدى استدامة هذه الضغوط السعرية، كما أنه من المبكر إعلان انتهاء الأزمة».

وتشير دراسة صادرة عن بنك فنلندا إلى أن انتقال الزيادات السعرية في بعض القطاعات إلى التضخم الاستهلاكي العام قد يستغرق ما بين شهرين و15 شهراً.

الشركات استفادت من دروس أزمة 2022

كما يكشف التحليل أن الشركات الأوروبية أصبحت أكثر استعداداً للتعامل مع صدمات الأسعار مقارنة بما كانت عليه قبل أربع سنوات.

فقد توسع استخدام استراتيجيات التحوط المالي، سواء عبر العقود طويلة الأجل، أو الأدوات المشتقة، ما خفف الحاجة إلى زيادات فورية في الأسعار.

وأفادت إدارات 74 شركة بامتلاكها برامج تحوط ضد تقلبات الأسعار، مقارنة بـ68 شركة فقط في عام 2022.

كما توسع استخدام بنود ربط الأسعار بالتضخم، والتي تسمح بتعديل الأسعار تلقائياً عند ارتفاع تكاليف المدخلات، مثل الوقود، والطاقة.

واستخدم نحو ربع الشركات التي تخطط لرفع الأسعار هذه الآلية، مقارنة بنسبة 22 في المائة خلال أزمة 2022.

ورغم أن العينة التي اعتمدتها «رويترز» تركز على شركات كبرى ذات نشاط عالمي، ومدرجة ضمن مؤشر «يورو ستوكس»، ما قد لا يعكس أوضاع الشركات الصغيرة، والمتوسطة، فإن النتائج تتماشى مع استطلاعات المفوضية الأوروبية التي أظهرت تراجع توقعات الشركات لأسعار البيع خلال مايو بعد ارتفاعها في أبريل، مع بقائها أدنى بكثير من المستويات المسجلة في ربيع 2022.