الشّامان

تجربة السفر تشبه الحلم

الشّامان
TT

الشّامان

الشّامان

كلٌّ منّا يكتب عن المواضيع التي تفرض نفسها عليه. في يريفان، عاصمة أرمينيا، كانت التّحضيرات تجري قبل أسبوع من موعد ليلة رأس السّنة. عند منتصف السّاحة العامّة انتصبت شجرة ميلاد هائلة، والشوارع المؤديّة راحت ترفرف في سمائها الشّرائط الصفراء والحمراء والزّرقاء، وهناك خيامٌ مبهرجة، وبابا نويل يلاقيك بثيابه الثّلجية والحمراء في كلّ درب.

ثمّ حلّ اليوم الأخير من السنة، وحسمتُ أمري على أن أقضيه، بنوع من العَنَد والإصرار على الابتعاد عن كلّ ما يمتّ إلى الواقع بِصلة، في القراءة والكتابة. يقول مارسيل بروست: «الحياة الواقعية، هي آخر ما يُكتشف ويُنوَّر، والحياة الوحيدة التي تعاش بكاملها، هي الأدب».

كانت السماء في نافذة الفندق رصاصيّة، ضوء شاحب في الشّارع كشف لي عن حقيقةٍ مفادها أن تجربة السفر تشبه الحلم، وعندما تنتقل من شارع إلى آخر كأنك تذهب في منام جديد، وعالم جديد. لهذا السّبب قال كالفينو: «لا أحسب أني مسافر إن لم أكن وحيداً، فلا يوجد منام يشترك فيه اثنان».

بعد الفطور قصدتُ المقهى الذي أجلس فيه كلّ يوم. مقهى يقع وسط غابة قريبة من المدينة، وعلى شجرة عمرها مئة عام، رأيت زهرةً حياتها يوم واحد. كيف كانت حياة الإنسان والحيوان وبقية الكائنات في ذلك العهد؟ إن وظيفة الأدب ليست توثيقية، أي تدوين ما يجري من أحداث، وإنما هي تسجيليّة. إنها دليل حاسم على الحيوات التي عيشت في عصر معيّن، وهذه ميزة الأدب الحيّ عن الكلام الذي يُكتب لكي يُنسى. تُدفِّئنا الحياة بطراوتها وحُسنها، وبخشونتها ودمامتها وقُبحها، وكل هذا سوف يكون جميلاً عندما يُنقَل على الورق، لأن فيه سحر الفن.

دوّنتُ هذه الملاحظات بينما كنت في المقهى، وأتممتُ قراءة ثلاثين صفحة من كتاب «السياسة» لأرسطو، وفي تمام الثانية عشرة غادرتُ المقهى، وأنا أفكّر في ملاحظات المعلّم الأول حول أهمّ مقوّمات بناء الدولة، وهي في رأيه المواطنون، إن كان عددهم قليلاً لن يستطيع بلدهم تحقيق الاكتفاء الذاتي، وسوف يستورد بشراً من الخارج، فيحصل عند تفاعلهم مع أهل البلد خليط غير منسجم يؤدي بالتالي إلى تشويه مفهوم الأمة.

عندما جنحت شمس يريفان إلى الغروب أخذت الموسيقى تصدح في الساحة الكبرى في المدينة، وصارت قنانيّ النبيذ تُراق على أرض الشارع والحديقة والساحة. لكنك عدتَ مسرعاً إلى غرفتك في الفندق، وعادت إليك الطمأنينة والراحة، بعد أن استمعت لإحدى معزوفات جواد معروفي على البيانو. ساعة، وقمتَ بتوديع لون الغروب الليموني البارد الشفّاف من آخر يوم في 2024، مع جارك في الغرفة المجاورة، وكان جالساً في شرفته هو الآخر؛ كهلٌ إيطاليّ اختار أن يأتي بنبيذه وطعام العشاء على مائدة صغيرة، وكان يقرأ كتاباً ويدخّن، ويُصغي إلى الموسيقى تصدح من هاتفي النقّال، ويواكب الألحان بأصابعه على المائدة. التقت نظراتي مع نظراته في لحظة، وقال لي باللغة الإنجليزيّة وعلى شفتيه ابتسامة مطفأة: «سنة سعيدة يا صديقي»، وأجبته بالكلام نفسه، وبقي وجهانا يبحثان لبرهة عن كلمات لا وجود لها في لغتي أو لغته، مغزاها أن أيّام العمر سوف تمتدّ بنا، ونكتشف فيها كثيراً من الوجود الفارغ في الأشياء والأشخاص والكتب. في اليوم التالي كلّ شيء سيعود إلى طبيعته السابقة، كل شيء سيكون طبيعياً تماماً؛ الساحة والشارع والناس. وحدها المعرفة التي تأتينا عن طريق قراءة الكتب المدمّرة العظيمة، تَعِدنا بنوع من القوة والحريّة، يحتاج إليها المرء في سبيل اكتشاف العالم. رأيتُ هذا مطبوعاً في وجه جاري الإيطالي، وكنتُ كمن ينظر إلى صورته معكوسة في المرآة.

أليس من الغريب أن الجميع يرقصون ويغنون في الشوارع القريبة، وأنا منكبٌّ في مجلسي عند الشرفة على قراءة كتاب «السياسة»؟ مما لا مرية فيه أن ما فعلته لا يدلّ على مزاج منحرف أو طبع لا ينسجم مع المألوف، كما أنه لم يكن مجرد ترف بورجوازيّ، مثلما كان يقول أهل السياسة سابقاً، لكنه «إرضاء للحسّ العميق بالواجب»، (التعبير لفان غوخ)، من أجل الحفاظ على الهويّة. إنه تجسيد حيّ لفكرة الالتزام الذي يفرضه الفنان على نفسه، ويؤديه بأحسن صورة عندما يكون واثقاً من أنه يؤدي دوراً ليس غرضه المتعة الجمالية فحسب، بل هو أقرب إلى ما يقوم به الشامان؛ الوريث الفعلي للوليّ الصالح بمفهوم الدين. حين تقدّم فيكتور هوغو في السن أصبح شاماناً، وكان يشعر بأن الرسالة التي أدَّاها بواسطة الأدب لم تكن موجهة إلى فرنسا فحسب، وإنما إلى البشر جميعاً. هذا هو سرّ القيمة شبه الدينيّة التي نسبغها على الأدب، وفي مرحلة معينة من حياة الكاتب، يصبح هذا النوع من التفكير هاجساً بالنسبة إليه، لا يمكنه التفريط فيه، لأنه المحكّ الذي سوف تنجلي طبيعته في نقطة منه، مع مرور السنين.

في الفجر الأول من السنة الجديدة، كنتُ أسيرُ فوق النبيذ الذي تجمّد في الشوارع وصار هو الأرض. لا أعرف كيف أحسستُ فجأة بما يمكن أن أدعوه دواراً معنويّاً سببه السعادة، بلغتني كما لو كنتُ أمضيتُ السهرة مع المحتفلين بعيد رأس السنة، ودخّنتُ سجائرهم وشربتُ أنهار خمرهم جميعاً. تحضر هنا عبارة لجورج باتاي: «رفض التواصل هو وسيلة للتواصل أكثر عدائيّة، ولكنها الأكثر قدرة». هناك مسافة متدرّجة تفصل بين الشاعر والعالم الخارجي، مسافة حقيقية وليست من لِدات تصوّراته، عندما يشغلها ما هو غريب يحدث فرق جهد يشبه ذلك الذي درسناه في الفيزياء، يؤدي إلى شحنة من الوعي الإضافي تُعيد الأمور إلى نصابها.

كان المحتفلون يغادرون الحانات في تلك الساعة، شباب وشابات يغنون ويرقصون، يُكملون قصفهم الذي بدأوه في الليل، وينظرون إلى العالم بعيون غلّفها السُّكْر. ثم أشرقت الشمس في مشهد غريب أعاد إليّ الماضي بقوة حتى إنني شعرت كأن سماء يريفان هي سماء مدينتي، والمحتفلون هم إخوتي وبناتي وأحفادي. كلّ بلد أحطّ فيه الرحال، بقوّة الإدراك لإنسانيتنا المشتركة، أشعر فيه بأنه وطني، بإمكانه أن يمدّ جذوره في أعماقي بثبات، وهذا هو التفسير الحقيقي لعبارة فان غوخ: «الحسّ العميق بالواجب» يقوم به الشامان تجاه الآخرين في كلّ مكان، ما دام كان يقدّم عمله للجميع، وليس لنفسه أو لشخص واحد أو بلد أو أمة. بهذه الصورة يفتحُ لنا الأدب (والفنّ عموماً) نافذةً على حياة ذات معنى أعمق، كي نراها طريقاً واسعاً يسع الوجود كلَّه، ويمكّننا من التعاطف والعيش مع جميع الشعوب رغم الاختلافات بيننا وبينهم.

تناولت فطوري سريعاً في مطعم طائر على الرصيف، وأمضيتُ الصباح في زيارة كنائس المدينة، ودراسة قسمات الناس الذين جاؤوا من بقاع الأرض للاحتفال بالسنة الجديدة، وكنت أفكّر إن كانت نظرية أرسطو تصحّ في الزمن الحاضر.

الأمة؟ ألا يبدو هذا المفهوم غريباً الآن؟

عندما تتغيّر قوانين الرياضيات والفيزياء، يكون علم الاجتماع مختلفاً بالضرورة، وعند ذلك تكون المعايير والاعتقادات والأحكام القديمة الراسخة، والمكرّسة عبر قرون، غافلة ومنسية بحكم الضرورة، بل إننا نحتاج إلى مجهر بقوة مئة حصانٍ لتمييز حروفها، وكلّ شيء يمضي به الزمن والساعة، كما يقول شكسبير. حتى الوطن، تلك المفردة التي كانت مشحونة بالقوّة ذات يوم، غدت لفظاً خادعاً وهشّاً في بلدان تسود فيها ظروف القهر والفساد والظلم، وأبناؤها على استعداد لركوب البحر الهائج، على خطر الموت في سبيل الخلاص. كأننا نعيش وسط حالة جديدة من ارتقاء الأنواع وصراعها. عاجلاً أم آجلاً، سوف تنتقي الطبيعة النوع الأفضل والأرقى.

لقد أدّى التطور العلمي والنظرة العلمانية للوجود إلى نشوء مشروع انعتاق بشري كوني سوف تنقسم الأمم بموجبه إلى متحضرة ومتخلفة وبدائية، تعم السعادة والطمأنينة الشعوب التي يكون نصيبها الخانتان الأولى والثالثة، والعذاب والقهر وسوء الحال هو حظّ الأمم المتخلفة، تنتشر وتتوزع مثل حطام مهيب في أغلب جهات المعمورة، تناظرها في المقابل يوتوبيات يسعى فيها الإنسان إلى جعل الحياة على الدوام أفضل من أي وقت مضى.

مَن قال هذه الحكمة الخالدة: «الشعوب السعيدة لا تمتلك تاريخاً مجيداً»؟ إنهم سليلو أجداد مغمورين ومهجّنين وعاديين وفقراء أحياناً، من الأعراق والأديان والمذاهب كافة. الناس قد يعيشون في مكان واحد غرباء بعضهم عن بعض، بخليط من الدّم وخليط من الثّقافات لكنهم أكثر وحدة من أبناء البلد الواحد، تجمعهم هواجس القوّة والحريّة (الأخلاقية والسياسية) أكثر من تلك التي يسبّبها الشّعور بالضّعف والعبوديّة؛ الأولى تهبهم الحيويّة والعنفوان، والأخيرة تأتيهم بما يؤدّي إلى عكس ذلك. هذه سمة العصر الذي نعيش فيه، وليست لديّ القدرة على التّنبّؤ بما ستؤول إليه الأمور في المستقبل، وكيف سيكون شكل الزّهور التي تحملها أشجار الغابة، حيث يقع مقهاي الذي قصدته للبدء بيوم عمل جديد.


مقالات ذات صلة

من تاريخ المدن إلى سير الأحياء

كتب من تاريخ المدن إلى سير الأحياء

من تاريخ المدن إلى سير الأحياء

تعيش المدن بأسمائها، أي بتفاصيلها؛ بأحيائها وشوارعها ومقاهيها، وأصداء من سكنوها أو مروا بها؛ أسماء تحافظ على نظارتها ولا تذوي، مهما تغيرت ملامح المدن.

شرف الدين ماجدولين
كتب وليد سيف يختتم رباعيته الأندلسية بـ«غرناطة... آخر الأيام»

وليد سيف يختتم رباعيته الأندلسية بـ«غرناطة... آخر الأيام»

في روايته الجديدة «غرناطة... آخر الأيام»، يواصل الكاتب ‏والشاعر والروائي الفلسطيني وليد سيف مشروعه الإبداعي في ‌‏استعادة التاريخ العربي الإسلامي في الأندلس

«الشرق الأوسط» (دمشق)
ثقافة وفنون من يعيد لبيوت الجنوب بريقها المدفون تحت الركام؟

من يعيد لبيوت الجنوب بريقها المدفون تحت الركام؟

لم يحدث لأحد من الفلاسفة والباحثين، وربما من الشعراء، أن احتفى بالبيوت، في دلالاتها الأكثر عمقاً وقابلية للتأويل، كما فعل غاستون باشلار.

شوقي بزيع
ثقافة وفنون جدارية الوجوه الثلاثة في قصير عمرة

جدارية الوجوه الثلاثة في قصير عمرة

يحتلّ قصير عمرة موقعاً استثنائياً في خريطة القصور التي شيّدها خلفاء بني أميّة في صحاري بلاد الشام، وتتمثّل أهميّته بالدرجة الأولى في لوحاته الجدارية

محمود الزيباوي
ثقافة وفنون «الطرف الثالث»... بين أغاثا كريستي وبليك إدواردز

«الطرف الثالث»... بين أغاثا كريستي وبليك إدواردز

ينتقل الكاتب والمؤلف المسرحي ماجد الخطيب، في عمله المسرحي الجديد «الطرف الثالث - في قطار الشرق السريع» (دار السرد)، هو الثاني عشر له، من نمطه المفضل في...

عامر درويش (بغداد)

من يعيد لبيوت الجنوب بريقها المدفون تحت الركام؟

الدمار في بلدة كفركلا بجنوب لبنان (رويترز)
الدمار في بلدة كفركلا بجنوب لبنان (رويترز)
TT

من يعيد لبيوت الجنوب بريقها المدفون تحت الركام؟

الدمار في بلدة كفركلا بجنوب لبنان (رويترز)
الدمار في بلدة كفركلا بجنوب لبنان (رويترز)

لم يحدث لأحد من الفلاسفة والباحثين، وربما من الشعراء، أن احتفى بالبيوت، في دلالاتها الأكثر عمقاً وقابلية للتأويل، كما فعل غاستون باشلار. ذلك أن الفيلسوف الفرنسي الظاهراتي لم ير إلى البيوت بوصفها هندسة جمالية «موضوعية»، أو وجوداً مادياً لامبالياً بسكانه، بل اعتبرها حاضنة الحياة الأمومية، والحارس الأوفى لخزائن الذكريات، والينبوع المتجدد للألفة الدافئة.

على أن أهل الجنوب اللبناني، الذين اضطرتهم الحروب المتلاحقة والعنف الدموي الإسرائيلي، إلى النزوح المتكرر عن بيوتهم وأماكن سكناهم بحثاً عن ملاذ آمن، لم يكن عليهم قراءة باشلار، لكي يدركوا أهمية تلك الأماكن، التي تركوا في عهدتها مهج قلوبهم، وضوء عيونهم، وأعذب ما ادّخروه لشتاء أعمارهم من الذكريات. ولعل هذا التشبث المرَضي بالبيوت قد وجد ترجمته في إصرار الكثيرين منهم على ملازمة قراهم في أشد الظروف حلكةً، سواء تعلق الأمر بخراب الزراعة وكساد مصادر الرزق، أو بتعاقب الاجتياحات وأهوال الحروب.

اللافت أن أولئك الذين اضطروا لمغادرة بلداتهم باتجاه بيروت والمهاجر البعيدة، بحثاً عن فرص أفضل للعيش، كانوا يضعون في رأس أولوياتهم بناء بيوت لائقة بما كابدوه من مشقات، يحولونها عندما يعودون إلى فسحة هانئة لضغضغة الأيام واستقبال الزائرين، وتزجية المساحة الفاصلة بين الشيخوخة والموت. وإذا كان الشريط الطويل من الفيلات والدور الباذخة، الذي يمتد من الناقورة إلى العرقوب، قد بدا من بعض نواحيه ثمرة اليسر المادي لمغتربي المناطق الحدودية، فإن مبالغة «جنوبيي الجنوب» في الاعتناء المفرط بالبيوت، التي أحاطوها بالحدائق والأسوار، لم يكن سببها التنافس فيما بينهم فحسب، بل لأنهم رأوا فيها المجسمات الرمزية لتشبثهم بالبقاء، وعلامات التحدي المرفوعة بثقة بالغة في وجه الاحتلال.

إلا أن كل ما تحمله الجنوبيون من متاعب، وكل ما فعلوه لتضليل اليأس، وكل احتفائهم الكرنفالي بالنجاة، سرعان ما حولته أسلحة الفتك الإسرائيلي إلى ركام. وحيث حسبوا واهمين أن ما عبر ستة عقود متعاقبة من فظاعات وأهوال كان كافياً لتسديد ما توجب عليهم دفعه من أثمان، فقد بدت الحروب المتعاقبة التي كُتبت عليهم مواجهتها من قبل، مجرد «بروفات» تمهيدية مصغرة للحرب الأخيرة، التي تكفلت خلالها الآلة العسكرية الزاحفة للعدو، بمحو القرى من جذورها، والإجهاز على ما يفصح عنه رمادها المتبقي من مظاهر الحياة.

أما شعار «حرب الحضارة على البربرية»، الذي رُفع قبل سنوات لتسويغ ما لحق بغزة وفلسطين من دمار كارثي، فقد تم رفعه على نحو معدّل، لا بهدف إلحاق الأذى المماثل ببيوت البشر الآمنين ومحاصيلهم ومصادر عيشهم فحسب، بل لكي تسوّى بالأرض، شواهد شديدة التنوع والثراء من تاريخهم القريب والبعيد. والأدلّ على ذلك هو تركيز قادة الاحتلال على أن تحظى المدن والبلدات الأكثر ازدحاماً بالرموز الأثرية، وبيوتات العلم والأدب، كالخيام والنبطية وبنت جبيل وعيترون وصور وعيناثا وغيرها، بالنصيب الأوفر من الاستهداف والقصف التدميري.

وإذا كان التصميم الملح على إسقاط قلعة الشقيف، التي تشرف من مكانها الشاهق على مساحات واسعة من لبنان وسوريا وفلسطين، يمكن أن يجد له مسوغات أمنية وعسكرية، فأي حجة مقنعة يمكن لها تبرير ذلك القدر من العنف الهمجي، الذي يراد منه اقتلاع شعب بأسره من جذوره، وتسليمه للعراء الكوني.

ففي مدينة الخيام، التي يربو عدد سكانها على ثلاثين ألفاً، لم تكن البيوت المغضية بخوف على حيوات سكانها، هي التي تعرضت للقصف، بل إن الوابل المتلاحق لنيران الاحتلال راح يطول في الآن ذاته معتقل المدينة الشهير، ومؤسساتها التعليمية، ودور عبادتها، ومراكزها الفكرية التنويرية، إضافة إلى ما خلّفه أهلها من الذكريات، ورساموها من الألوان، وشعراؤها من نثار الاستعارات ومسوّدات القصائد.

أما مدينتا النبطية وبنت جبيل، وهما الحاضنتان الأكثر عراقة لتاريخ جبل عامل وثقافته وذاكرة بنيه، فقد تعرضتا بدورهما لقدر غير مسبوق من التدمير الاستئصالي، حيث لم تكتف القوات الزاحفة شمالاً، بتحويل الأسواق الشعبية القديمة في كلتا المدينتين إلى ركام، بل راحت تستهدف في الوقت نفسه المراكز الثقافية والمؤسسات الصحية، والأبنية التراثية ذات التصاميم الجمالية اللافتة، التي حوّلها أصحابها إلى مزارات.

ولم يكن حظ مدينة صور الساحلية من القصف والتدمير أفضل من حظ شقيقاتها الأخريات. وحيث لم يشفع لها أن يكون ملكها الفينيقي حيرام، قد أسهم قبل ثلاثة آلاف عام في بناء هيكل سليمان، ولا شفع لها وضعها من قبل اليونيسكو على لائحة الأماكن التراثية والثقافية العالمية، فإن من نصّبوا أنفسهم حماةً للحضارة، لم يجدوا أي حرج يُذكر في قصف أحيائها ومدارسها، وأبنيتها المملوكية، وصولاً إلى آثارها العريقة التي يعود تاريخها إلى العصرين الفينيقي والروماني.

كما أن حرص الإسرائيليين على هدم الفواصل الطبقية والاجتماعية بين ضحاياهم، هو الذي دفعهم على الأرجح إلى جعل الجميع سواسية، في الميزان العادل لحديد المجنزرات وقنابل الطائرات المغيرة، حيث لا فرق في منسوب التدمير ومعدلاته، بين غني وفقير، «متورط» وبريء، مغترب ومقيم، مثقف وأمي. لا بل إن اللافتات المختلفة التي خيضت باسمها الحرب، عادت لتجد في استهداف بيوت المثقفين الجنوبيين ومكتباتهم ومساقط إبداعهم براهينها المثلى ودلالاتها الساطعة.

وإذا كان المجال لا يتسع لتعداد ضحايا الشغف الإسرائيلي بالثقافة وأهلها، من المبدعين الجنوبيين، فيكفي أن أذكر في هذه العجالة المنزل المتميز في هندسته وجماله المعماري لسعد الزين، والمنازل المشابهة لآل الزين في النبطية، التي أزالها المحتلون مع مقتنياتها الثمينة من الوجود. وأن أذكر الدارة الأنيقة التي بناها الفنان عبد الحميد بعلبكي في بلدة عديسة الحدودية، وأرادها أن تكون منزلاً لسكناه ومتحفاً للوحاته، قبل أن تحولها الطائرات إلى كومة من الأنقاض. وأن أذكر كتّاباً ومفكرين كثيرين، خسروا منازلهم ومكتبات بيوتهم على نحو مشابه، كما حدث لعبد الكريم قبلان في عيترون، ولعون جابر وأحمد بيضون ومنذر جابر في بنت جبيل.

ومع أن الوقت لا يزال مبكراً قليلاً على تتبُّع انعكاس ذلك الهول الأبوكاليبسي، في لوحات الرسامين وأعمال الروائيين وقصائد الشعراء الجنوبيين، فإن وسط سيل الكتابات التي تم ارتجالها على عجل، ثمة نصوصاً ولقىً وشذرات، استطاعت أن تعكس بما تختزنه من قوة العصب وسداد الرؤية، الكثير من الملامح التراجيدية الملحمية لواقع الجنوب الراهن، وبينها قصيدة «البيوت»، التي أهداها عباس بيضون إلى صديقه المؤرخ منذر جابر، وجاء فيها:

البيوت لا تموت مرة واحدة

إنها تعيش بالساعة

ذاكرة هائلة لكنْ أيضاً عجلةٌ للنسيان

تحفظ بالدقائق وتنسى بالأيام

نصل إليها أرواحاً

وسرعان ما نذوب في الهواء

ولعل أفضل ما أختم به هذه المقالة هو مقطع معبّر من قصيدة «بيت الريح» للشاعر الفرنسي لوي غوليم، الذي بدا لقوة بصيرته، ورهافة إصغائه إلى المستقبل، وكأنه يحدس بالمآلات المأساوية لبيوت أهل الجنوب، التي حوّلها فولاذ الضغائن الوحشي إلى أثر بعد عين، فهتف بلسان كل واحد من أهلها النازحين:

«طويلاً بنيتك أيها البيت. مع كل ذكرى أحمل الحجارة من الأرض، حتى أعالي جدرانك. لقد رأيت سطحك يصقله الزمن، متغيراً كالبحر، يرقص على خلفية من الغيوم. يا بيت الريح، أيها المأوى الذي أزالته نفخة واحدة»!


جدارية الوجوه الثلاثة في قصير عمرة

جدارية من قصير عمرة في بادية الأردن
جدارية من قصير عمرة في بادية الأردن
TT

جدارية الوجوه الثلاثة في قصير عمرة

جدارية من قصير عمرة في بادية الأردن
جدارية من قصير عمرة في بادية الأردن

يحتلّ قصير عمرة موقعاً استثنائياً في خريطة القصور التي شيّدها خلفاء بني أميّة في صحاري بلاد الشام، وتتمثّل أهميّته بالدرجة الأولى في لوحاته الجدارية التي تمتدّ على جدرانه وسقوفه، وتشكّل أكبر برنامج تصويري معروف في العالم المتوسّطي القديم. يجمع هذا القصير بين مجلس مكوّن من ثلاثة إيوانات معقودة، وحمّام تقليدي كبير مؤلَّف من ثلاث غرف، تمثل تباعاً قاعة المدخل، والقاعة الرطبة، والقاعة الحارة. تزيّن سقف القاعة الأولى جدارية تأخذ شكل شبكة تشكيلية عريضة تحتلّ وسطها ثلاثة وجوه آدمية تظهر في وضعيّة المواجهة، كأنّها تحدّق بعيونها الشاخصة في الناظر إليها.

تجمع هذه الشبكة بين الإطار الهندسي والعناصر التصويرية المتعدّدة، وتمتد على مساحة السقف المقبّب، بحيث تشكّل مساحتين مقوّستين.

يعتمد هذا التأليف وحدة هندسية ثابتة تُعرف في قاموس الهندسة الرياضية باسم «مُعَيَّن»، وهي وحدة بسيطة لها أربعة أضلاع متساوية الطول، قطراها متعامدان ومتناصفان. تحضر في وسط هذا الشبكة ثلاث قامات نصفية، تحتل كلّ منها خانة مستقلة. تحلّ هذه الوجوه في ترتيب عمودي متين، ويظهر في الأسفل وجه شيخ بلحية بيضاء، يعلوه وجه امرأة نضرة، ثمّ وجه شاب أمرد. حافظت هذه القامات على ملامحها بشكل شبه كامل، واستعادت بريقها الأول إثر عملية التنقية والترميم التي قام بها فريق إيطالي في الموقع خلال عام 2010.

يغلب على هذه الوجوه الطابع الكلاسيكي، كما يشهد أسلوبها الذي يحاكي المثال الحي، ويجمع بين التجسيم والتظليل في تحديد ملامح كل منها. يظهر الشيخ الجليل بلحية بيضاء طويلة تبلغ أسفل الرقبة. وتبدو جبهته عريضة، وأعلى رأسه أصلع، مع كتلة صغيرة من الشعر، تحيط بها خصل عريضة تلتف حول الوجه. العينان واسعتان، ويعلوهما حاجبان عريضان مقوّسان، صيغتا باللون الأسود. بؤبؤ العين محدد بدقة، كذلك الحدقة والجفن والأهداب. الأنف هرمي، وعناصر تكوينه محدّدة بدقة بالغة. الأذنان ظاهرتان، ومكوّناتهما واضحة كذلك. صدرُ هذا الشيخ عارٍ جزئياً، ويعلوه معطف ينسدل على الكتف اليسرى. الجزء الأسفل ممحوّ، ويوحي ما تبقّى منه بحضور يد تقبض على رمح طويل، ظهر طرفه الأعلى كاملاً في الجانب الأيسر من الصورة. تحتل هذه القامة خانة بيضاء مجرّدة، يزيّنها غصنان مورقان متواجهان يحيطان بذراعَي الشيخ.

تحضر فوق قامة هذا الشيخ قامة أنثوية تقف في وضعيّة مشابهة. الأسلوب واحد في تجسيم الملامح، مع بقعتين باللون الأحمر الخمري تستقران على الوجنتين المكتنزتين. تكلّل الرأس كتلة من الشعر الكثيف تنسدل خصله على الكتفين، مع فارق نصفي في الوسط. ترتدي هذه المرأة ثوباً عسلياً تعلوه بطانة حمراء عريضة تنعقد حول الكتفين، وتزيّن هذه البطانة شبكة زخرفية، تجمع بين أزهار محوّرة تتألف كل منها من أربع بتلات متساوية. تظهر اليد اليمنى في أسفل الخانة، وتقبض شتلة تعلوها كوكبة من البراعم البيضاء. تزيّن هذه الخانة كرمة تتألف من غصنين مورقين يستقران فوق هامة هذه القامة الأنثوية، ويتدلّى من كلٍّ من هذين الغصنين عنقود من العنب الأحمر حُدّدت حبّاته المرصوفة بدقّة.

تعلو هاتين القامتين قامةٌ ثالثة تمثّل شاباً في مقتبل العمر، تُكلّل وجهه خصل من الشعر تنسدل على طرفي الخدين. يرتدي هذا الفتى الأمرد لباساً أرجوانياً تعلوه بطانة على شكل مربّع تحيط بصدره، ويرفع بيده اليمنى عصا نحيلة طويلة تمتدّ في الأفق. يُزيّن هذه الخانة غصنان متقابلان ومتواجهان، كما نرى في خانة الشيخ الجليل. تحتلّ هذه الوجوه الثلاثة وسط السقف المقبّب، وتحدّ خاناتها الثلاث سلسلة من الخانات المتشابكة، تزيّنها عناصر تصويرية متعدّدة الأشكال، تحضر وسط أغصان مورقة تلتف في الأفق المجرّد.

يظهر من جهة غزالان، كل منهما في خانة مستقلّة، ويظهر في الجهة المقابلة كذلك غزالان، يتبعان تقسيماً تعادلياً مشابهاً. لا تتماثل هذه الغزلان إطلاقاً، إذ يحضر كل منها في وضعية خاصة به. يظهر من جهةٍ غزال في وضعية جانبية، يحني رأسه في مواجهة غزالٍ يدير برأسه نحو الخلف. في الطرف المعاكس، يظهر غزال يحني رأسه نحو الأرض كأنه يقتات من العشب، ويقابله غزال يعلو رأسه قرنان طويلان، يحدّق في وضعيّة المواجهة.

تتشابك هذه الخانات الأربع بست خانات تحوي صوراً مغايرة. يَظهر من جهةٍ دبٌّ على طاولة صغيرة، حاضناً عوداً يعزف عليه بأنامل قائمتيه الأماميتين. في مواجهة هذا العازف، يَظهر قردٌ منتصباً، رافعاً قائمتيه الأماميتين نحو الأعلى، كأنه يُصغي إلى عزفه. من خلف هذا القرد، يقف فتى يرفع يده اليمنى نحو رأسه، ويده اليسرى نحو صدره، كأنه يشارك في هذه الوصلة. في الجهة المعاكسة، تحضر ثلاث خانات تختزل كما يبدو وصلة عزف أخرى، وفيها يحضر فتى يقف منتصباً وهو يعزف بمزمار يحمله بين يديه المرفوعتين، وتحضر في مواجهته صبية تتمايل في وضعية راقصة، ويحضر في الخانة الأخيرة فتى يرافقها في هذه الوصلة.

تكتمل هذه الشبكة مع أربع خانات تسكن كلا منها بهيمة حيّة. يظهر من جهة ابن آوى يحدّق في اتجاه غزال يحني رأسه أرضاً، ويظهر في الطرف المعاكس غزال ينظر إلى الخلف، وغزال يقفز نحو الأمام. تحد هذه الشبكة الكبيرة سلسلة من المثلثات، تسكنها طائفة من الطيور والحيوانات المتنوّعة، ضاع أثر بعض منها. يظهر في الطرف العمودي نمس وأفعى وسنجاب، وتقابلها في الطرف المعاكس ثلاثة كائنات انمحت أشكالها كلّياً. في الطرف الأفقي، تظهر أربعة طيور مائية، منها البجع والإوز، وتقابها في الطرف المقابل مجموعة مشابهة من الطيور.

تجمع هذه الشبكة الأموية بين عناصر متعدّدة مستمدّة من قاموس الفن المتوسّطي، وتشكّل في هذا السياق امتداداً حيّاً لهذا الفن الذي ازدهر في بلاد الشام خلال القرون الميلادية الأولى. ورث الفن الأموي المدني تقاليد هذا القاموس الراسخة، وأعاد قولبتها في مكوّنات مبتكرة، تشهد لاستمراريتها طوال القرن الثامن. تتجلّى هذه الاستمرارية في جداريات قصير عمرة، كما تتجلّى في أعمال فنية أخرى خرجت من قصور أموية أخرى، كشفت عنها حملات التنقيب في صحاري بلاد الشام الواسعة خلال العقود التي تلت اكتشاف القصير الأردني.


«الطرف الثالث»... بين أغاثا كريستي وبليك إدواردز

«الطرف الثالث»... بين أغاثا كريستي وبليك إدواردز
TT

«الطرف الثالث»... بين أغاثا كريستي وبليك إدواردز

«الطرف الثالث»... بين أغاثا كريستي وبليك إدواردز

ينتقل الكاتب والمؤلف المسرحي ماجد الخطيب، في عمله المسرحي الجديد «الطرف الثالث - في قطار الشرق السريع» (دار السرد)، هو الثاني عشر له، من نمطه المفضل في الكوميديا السوداء إلى كوميديا التقليد الساخر (Parody). وهو يستقطب انتباهنا عن طريق المفردات والتعابير ثنائية المعاني، وأحياناً المتعددة، على صعيد العنوان والشخصيات والأحداث.

العنوان الرئيسي «الطرف الثالث» له دلالته ومغزاه في المخزون الثقافي العراقي، حين ألقت السلطات العراقية مسؤولية قتل مئات المتظاهرين، وجرح الآلاف في انتفاضة تشرين 2019، على «طرف ثالث».

أما العنوان الفرعي، فهو يشير إلى رواية «جريمة في قطار الشرق السريع» لأغاثا كريستي، التي استوحى منها الخطيب مسرحيته الجديدة، كما هو مثبت على الغلاف الداخلي: هي «مسرحية بوليسية ساخرة من وحي أغاثا كريستي». كأن المؤلف يخاطب من جديد مخزوننا الثقافي «البوليسي» القديم تاركاً لمخيلتنا حرية التفاعل المتبادل بين جريمتي القطارين.

يحافظ الخطيب على هذه الثنائية طوال أحداث وسطور نصه الدرامي في اختياره لإطار العمل وطبيعة شخصيات المسرحية، حيث يبقي على الأحداث جغرافياً في قطار الغرب، وتجري وتتنقل الأحداث، كما في عمل أغاثا كريستي، بين مختلف غرف وقاعات القطار.

كما أنه، رغم المحتوى الضاحك، يستخدم التصاعد التدريجي للحدث وتراكم الإشارات والمعلومات إلى لحظة الكشف النهائية عن ملابسات الجريمة، كما هي الحال في أعمال كريستي البوليسية. وإلى أن يبلغ الكاتب هذه الذروة يفاجئ القارئ والشخصيات على حد سواء بنتائج التحقيق.

أما الجانب الآخر للثنائية في العمل، فنجده في اختياره للشخصيات. فهو يستعير من كوميديا بلاك إدواردز وبيتر سيلرز في سلسلة أفلام «النمر الوردي» شخصية «المفتش كلوزو»، كما جسدها سيلرز. ونجدها ثانية في طريقة كتابته للمشاهد مستخدماً «كوميديا الموقف» ومضيفاً لها، على طريقة «سيلرز»، الهفوات أو «الإفيه»، كما تسمى في المسرح المصري.

تدور أحداث مسرحية «الطرف الثالث» حول رئيس الوزراء «لوستيت»، وبعض وزرائه، وهم يرافقون المدعو «رايتهاند»، المتهم بالإرهاب، إلى محكمة لاهاي الدولية في هولندا. وتجري هذه الأحداث في عربة الدرجة الأولى في قطار الغرب السريع (يوروستار) الذي يربط بين لندن وباريس في نفق يمر تحت بحر المانش. يتعرض رايتهاند للقتل في عربة الدرجة الأولى والقطار تحت المياه الإقليمية الفرنسية. يؤكد الوزراء براءتهم من الجريمة ويدّعون بوجود «طرف ثالث» نفذ الجريمة. لكن المفتش الشهير «كلوزو»، الذي يستدعى للتحقيق في الجريمة، يثبت خطل نظرية «الطرف الثالث».

لم يركز الخطيب هنا على تطوير شخصيات العمل درامياً إلا بما يسمح بتطوير الأحداث رغم اهتمامه بتوصيفاتهم و«وظائفهم» الدرامية من خلال تحديد مواقعهم الشخصية. واختار البناء الدرامي الكلاسيكي الذي يعنى بالحبكة وتفاعلها بشكل تصاعدي، بحيث تتراكم الأحداث بتتابع يؤدي إلى نقطة الذروة وانكشاف الحدث النهائي. ويطرح حل لغز الجريمة - في إطار معروف ومتداول في روايات وقصص الجريمة والغموض «البوليسية» مثل أعمال أغاثا كريستي والأعمال الدرامية أو أفلام أو مسلسلات الجريمة والغموض مثل أعمال بلاك إدواردز الكوميدية أو سدني لوميت الجادة وغيرهما.

صدرت المسرحية عن دار «السرد»، قطع متوسط، في 87 صفحة. وكانت لوحة الغلاف للفنان العراقي طه سبع.