صدمات جيوسياسيّة تغيّر الجغرافيا السياسيّة

بوتين يسرّع حرب أوكرانيا... قنبلة ترمب تحرّك المياه الراكدة في أوروبا... ومناطق عازلة في لبنان وغزة وسوريا

عاصمة القرم سيفاستوبول مقر الأسطول الروسي في البحر الأسود (إ.ب.أ)
عاصمة القرم سيفاستوبول مقر الأسطول الروسي في البحر الأسود (إ.ب.أ)
TT

صدمات جيوسياسيّة تغيّر الجغرافيا السياسيّة

عاصمة القرم سيفاستوبول مقر الأسطول الروسي في البحر الأسود (إ.ب.أ)
عاصمة القرم سيفاستوبول مقر الأسطول الروسي في البحر الأسود (إ.ب.أ)

مع كلّ تحوّل جذري تغييري جيوسياسيّ في النظام العالمي القائم، وفي أيّ وقت، هناك تبدّل في الجغرافيا السياسيّة للدول، أو الإمبراطوريات. في عام 1916، غيّر الاتفاق السريّ بين بريطانيا وفرنسا، أو ما سُمّي باتفاق «سايكس - بيكو»، الجغرافيا السياسيّة للمشرق العربيّ بعد هزيمة العثمانيين في الحرب العالمية الأولى. في عام 1947، غيّر قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة الصادر تحت الرقم 181، الجغرافيا السياسيّة لفلسطين (قسمها إلى دولتين، عربية ويهودية)، ولا تزال تداعياته مستمرّة حتى اليوم.

سُئل وزير خارجية روسيا سيرغي لافروف عمّن يسأل الرئيس فلاديمير بوتين قبل الذهاب إلى الحرب. فكان جوابه على الشكل التالي: إنه يسأل القيصر إيفان الرهيب، والقيصر بطرس الأكبر، كما يسأل القيصرة كاترين الكبرى. فماذا عنى لافروف بذلك؟ ركّز جوابه على البٌعد الجغرافي للإمبراطورية الروسيّة. فمع هؤلاء القياصرة، توسّعت الإمبراطورية الروسيّة التي نعرفها اليوم، لتُغيّر الجغرافيا السياسيّة لكل القارة العجوز. فمع إيفان الرهيب، قهرت روسيا المغول، وتوسعت شرقاً حتى جبال الأورال التي تشكّل الفاصل بين روسيا الأوروبيّة وروسيا الآسيويّة. مع بطرس الأكبر، أسقطت روسيا الإمبراطوريّة السويديّة في معركة بولتافا (التي تقع اليوم في شرق أوكرانيا)، وبنى بعدها بطرس الأكبر مدينة بطرسبرغ. أما مع القيصرة كاترين الكبرى، فقد توسّعت الإمبراطورية الروسية جنوباً وصولاً إلى شبه جزيرة القرم، التي استولت عليها بالتفاوض مع سكانها الأصليين (التتار). أسست كاترين أسطول البحر الأسود، كما أمرت ببناء مرفأ سيفاستوبول في عام 1784.

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين (إ.ب.أ)

في نهايات الحرب العالمية الثانية، تشدّد الزعيم السوفياتي جوزيف ستالين بطلباته من تشرشل والرئيس الأميركي روزفلت، حول حجم ومساحة مناطق نفوذ الاتحاد السوفياتي بعد نهاية الحرب. وكي يُعزّز موقعه على طاولة تقاسم العالم في يالطا في شبه جزيرة القرم، سرّع ستالين عملياته العسكرية في بولندا ضد الجيش النازي. وبذلك سقطت أوروبا الشرقية كلها تحت العباءة السوفياتيّة، وحقق ستالين بالتالي أكبر امتداد جغرافي لروسيا في كل العصور والحقبات التي مرّت بها.

ألا يُفكّر الرئيس الروسي حالياً بنفس منطق ستالين ولكن تجاه أوكرانيا؟ بالطبع قد يكون يفكّر بهذا المنطق. فالقنبلة الجيوسياسيّة التغييريّة قد أُلقيت من الرئيس دونالد ترمب الذي يضغط على كييف للوصول إلى اتفاق لوقف الحرب مع موسكو، ولعقد اتفاق على تقاسم ثروة المعادن النادرة في أوكرانيا مع الولايات المتحدة. ترمب يبدو مستعجلاً على عقد الصفقة، ولذلك سيُعجّل بوتين محاولات تقدّمه الميداني العسكري على المسرح الأوكرانيّ.

الرئيس دونالد ترمب (إ.ب.أ)

في أي حال، حرّكت القنبلة الجيوسياسيّة للرئيس ترمب المياه الراكدة، إن كان في أوروبا أو حتى في الشرق الأقصى. وإذا كان الرئيس الأميركي يعاقب أوروبا عبر التخلّي الجيوسياسيّ عنها (Geopolitical Abandonment)، وذلك انطلاقاً من نظريّة الواقعيّة السياسيّة (Realism)، فإن لأوروبا خيارات كثيرة بحسب ما نظّر المفّكر السنغافوري كيشور محبوباني. من بين هذه الخيارات ما يلي: يمكن لأوروبا التقارب من جديد مع روسيا، كونها مترابطة جغرافياً معها، وهي أصلاً بحاجة إلى الغاز الروسي. التخلّي عن حلف الناتو، ورسم منظومة أمنيّة جديدة، مع العمل على تأمين المظلّة النوويّة الأوروبيّة بدل الأميركية عبر الأسلحة النووية البريطانية والفرنسية. كما يمكن لأوروبا الانفتاح الكامل على الصين، وهو أمر ضغطت أميركا في السابق على الأوروبيين لعدم السير به. فإذا سلكت أوروبا أياً من هذه الخيارات، فماذا سيبقى لترمب من وسائل ضغط على حلفائه؟

إفطار وسط الدمار في رفح بجنوب قطاع غزة (أ.ب)

بعد الصدمة الجيوسياسية في 7 أكتوبر (تشرين الأول) 2023 في غزة، تبدّلت الجغرافيا السياسية في القطاع كما في الدول المحيطة. تحافظ إسرائيل حالياً على منطقة عازلة في جنوب لبنان، كما تطالب بمنطقة منزوعة السلاح جنوب نهر الليطاني. يندرج الأمر نفسه على قطاع غزّة، حيث هناك منطقة عازلة داخل القطاع بعمق 700متر، باستثناء 5 نقاط بعمق 1100 متر. وهناك أيضاً منطقة عازلة في شبه جزيرة سيناء حسب الملحق الأمني لاتفاقية كامب ديفيد. وأخيراً وليس آخراً، ألقى قبل أيام رئيس وزراء إسرائيل بنيامين نتنياهو، خلال تخريج دفعة من الضباط، خطاباً سياسياً لافتاً حدّد فيه منطقة عازلة جديدة في جنوب سوريا تشمل كلاً من السويداء والقنيطرة ودرعا. فما الهدف من مثل هذه المنطقة في المنطق الجيوسياسي لنتنياهو؟

آلية إسرائيلية في المنطقة العازلة بين إسرائيل وسوريا في الجولان المحتل (أ.ف.ب)

تشير تقارير تحليلية إلى أن السبب يعود إلى 3 أمور أساسية في حسابات رئيس الوزراء الإسرائيليّ، وهي: 1-حصول السيناريو السيّئ في سوريا، وبدء تشكّل ميليشيات تقاتل إسرائيل انطلاقاً من الأراضي السورية، بسبب عدم قدرة المركز على ضبط كل الأراضي السورية، 2- الدور التركي المتزايد مع القيادة السورية الحالية والمقلق لإسرائيل، خصوصاً بعد أن اقترحت لجنة البروفسور جاكوب ناجل في تقريرها للحكومة الإسرائيليّة أنه يجب الاستعداد للصدام مع تركيا مباشرة بسبب ما يعتبره الإسرائيليون أطماعاً إمبراطوريّة لحكومة الرئيس رجب طيب إردوغان، وأخيراً، السعي لإقامة علاقات جيدة لإسرائيل مع المجموعات البشرية المختلفة في جنوب سوريا، وهو أمر جاهر به عدد من المسؤولين في تل أبيب.


مقالات ذات صلة

موسكو وكييف تبحثان عن أوراق تفاوض تحت النار

خاص الرئيس الروسي فلاديمير بوتين متحدثاً في الكرملين بموسكو (أ.ب)

موسكو وكييف تبحثان عن أوراق تفاوض تحت النار

يرى الغرب أن الكرملين يُحاول تحويل التصعيد الميداني إلى أداة تفاوض عبر رفع تكلفة الحرب على أوكرانيا وحلفائها.

إيلي يوسف (واشنطن)
يوميات الشرق تسجيل ولادة أول مُهر للحمار البري الآسيوي على أرض المملكة منذ أكثر من 100 عام (واس)

السعودية تسجل ولادة أحد أندر الحيوانات في العالم

نجحت جهود الحماية الفطرية في تسجيل ولادة أول مهر للحمار البري الآسيوي على أرض المملكة منذ أكثر من 100 عام، في مؤشر لعودة كائن غاب عن صحاري الجزيرة العربية.

«الشرق الأوسط» (تبوك)
أوروبا زعيم حزب العمال البريطاني كير ستارمر (يسار) يتحدث إلى رئيس الوزراء البريطاني الأسبق توني بلير في قصر سانت جيمس بلندن، 10 سبتمبر 2022 (د.ب.أ)

ستارمر يدافع عن حكومته بعد انتقادات رئيس الوزراء الأسبق توني بلير

دافع رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر، الخميس، عن حكومته ضد انتقادات رئيس الوزراء الأسبق والأطول خدمة في حزب العمال توني بلير.

«الشرق الأوسط» (لندن)
تحليل إخباري الرئيس الاميركي دونالد ترمب متحدثاً خلال اجتماع إدارته يوم الاربعاء في البيت الابيض (إ.ب.أ)

تحليل إخباري واشنطن وطهران بين الهدنة الهشة وتصعيد «هرمز»

لم يعد وقف إطلاق النار بين الولايات المتحدة وإيران يعني توقفاً فعلياً للعمليات العسكرية، بل تحوّل إلى مظلة هشة لاختبار حدود الاشتباك.

إيلي يوسف (واشنطن)
تحليل إخباري الرئيس الأميركي دونالد ترمب خارجاً من الطائرة الرئاسية الأسبوع الماضي (أ.ب) p-circle

تحليل إخباري ترمب وإيران... نصر معلن أم تسوية ملتبسة؟

ليس الجدل الأميركي حول الحرب مع إيران مجرد خلاف حزبي بين البيت الأبيض وخصومه الديمقراطيين.

إيلي يوسف (واشنطن)

أميركا تشدد الحصار... وإيران تستهدف الكويت والبحرين

رئيس الوزراء الكويتي الشيخ أحمد العبدالله الصباح (الثاني يميناً) لدى تفقده المطار المتضرر بعد الهجوم الإيراني أمس (كونا)
رئيس الوزراء الكويتي الشيخ أحمد العبدالله الصباح (الثاني يميناً) لدى تفقده المطار المتضرر بعد الهجوم الإيراني أمس (كونا)
TT

أميركا تشدد الحصار... وإيران تستهدف الكويت والبحرين

رئيس الوزراء الكويتي الشيخ أحمد العبدالله الصباح (الثاني يميناً) لدى تفقده المطار المتضرر بعد الهجوم الإيراني أمس (كونا)
رئيس الوزراء الكويتي الشيخ أحمد العبدالله الصباح (الثاني يميناً) لدى تفقده المطار المتضرر بعد الهجوم الإيراني أمس (كونا)

شددت الولايات المتحدة حصارها على الموانئ الإيرانية أمس، فيما ردت طهران بالصواريخ والمسيّرات على ضربات أميركية استهدفت جزيرة قشم قرب مضيق هرمز وناقلة قرب جزيرة خرج، في تطور مَثّل أخطر اختبار لاتفاق وقف النار.

وأسفر هجوم إيراني على الكويت بـ13 صاروخاً باليستياً و17 طائرة مسيّرة عن مقتل مقيم هندي وإصابة 63 شخصاً، وإلحاق أضرار بمطار الكويت ومنشآت حيوية وبعثات دبلوماسية. وطلبت الكويت من دبلوماسيين إيرانيين مغادرة البلاد خلال 24 ساعة. كما أعلنت البحرين اعتراض وتدمير ثلاثة صواريخ وعدد من الطائرات المسيّرة التي استهدفت الأعيان المدنية.

وأفادت قيادة «سنتكوم» الأميركية بأن قواتها قصفت موقعاً عسكرياً في جزيرة قشم واعترضت صواريخ ومسيّرات إيرانية، مؤكدة أنها لم تُصب أهدافاً أميركية. وقال الرئيس الأميركي دونالد ترمب إن إيران وافقت على عدم امتلاك سلاح نووي، وأبدى انفتاحه على لقاء المرشد مجتبى خامنئي في حال التوصل إلى اتفاق.

في المقابل، أعلن «الحرس الثوري» استهداف مواقع أميركية رداً على ضربات قرب مضيق هرمز. وأضاف «الحرس» أن «العدو مضطر لقبول القواعد الجديدة، خصوصاً في مجال الإدارة والسيطرة الذكية على مضيق هرمز».

ولوّح وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي وكبير المفاوضين محمد باقر قاليباف برد «فوري» و«حاسم» على أي هجوم.

وقالت مصادر إيرانية إن طهران لم تردّ خلال الأيام الماضية على النص المقترح للتفاهم مع الولايات المتحدة، وإن تبادل الرسائل عبر الوسطاء «معلّق عملياً».


عراقجي: أي هجوم على بيروت سيؤدي إلى تجدد الحرب «على نطاق واسع»

وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي (أرشيفية - إ.ب.أ)
وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي (أرشيفية - إ.ب.أ)
TT

عراقجي: أي هجوم على بيروت سيؤدي إلى تجدد الحرب «على نطاق واسع»

وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي (أرشيفية - إ.ب.أ)
وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي (أرشيفية - إ.ب.أ)

حذّر وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي الاربعاء من أن أي هجوم على العاصمة اللبنانية بيروت سيؤدي الى تجدد الحرب في الشرق الاوسط «على نطاق واسع»، فيما تكثف اسرائيل عملياتها العسكرية ضد «حزب الله» الموالي لطهران.

ونقلت قناة تلفزيونية لبنانية عن عراقجي قوله في مقابلة أجرتها معه «نحن نعتبر أنّ مصير حرب إيران مع أميركا وإسرائيل ليس منفصلا عن مصير الحرب في لبنان».

ونقلت عنه وكالة تسنيم قوله في المقابلة مع القناة اللبنانية إن «أي هجوم على بيروت ستكون له تداعيات خطيرة وسيؤدي الى استئناف الحرب على نطاق واسع»، مضيفا أن «قواتنا المسلحة جاهزة لضرب اسرائيل إذا هاجمت بيروت». وأوردت القناة أن عراقجي لفت في المقابلة إلى أن «نهاية الحرب ستترافق مع انسحاب القوات الإسرائيلية من الأراضي اللبنانية المحتلة، وصون سيادة لبنان ووحدة أراضيه، تمهيدا لبدء مرحلة إعادة الإعمار».

تصريحات عراقجي تأتي في اليوم الثاني من جولة محادثات رابعة يجريها دبلوماسيون لبنانيون وإسرائيليون في واشنطن. وفي تصريح أدلى به قبل المحادثات، قال رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتانياهو إنه يتشارك مع الرئيس الأميركي دونالد ترامب هدف «تجريد (حزب الله) من ترسانته وجعل لبنان منزوع السلاح» تمهيدا لتحقيق سلام بين البلدين.


«اتفاق مؤقت» يترك إيران مثخنة بالجراح لكن دون انكسار

أشخاص يغادرون محطة مترو في طهران تحت صورة المرشد علي خامنئي 3 يونيو 2026 (أ.ف.ب)
أشخاص يغادرون محطة مترو في طهران تحت صورة المرشد علي خامنئي 3 يونيو 2026 (أ.ف.ب)
TT

«اتفاق مؤقت» يترك إيران مثخنة بالجراح لكن دون انكسار

أشخاص يغادرون محطة مترو في طهران تحت صورة المرشد علي خامنئي 3 يونيو 2026 (أ.ف.ب)
أشخاص يغادرون محطة مترو في طهران تحت صورة المرشد علي خامنئي 3 يونيو 2026 (أ.ف.ب)

كانت الغاية من الحرب الأميركية - الإسرائيلية كسر شوكة حكام طهران، لكن بدلاً من ذلك، يتجه الطرفان المتحاربان نحو اتفاق مؤقت من شأنه أن يترك إيران مثخنة بالجراح لكن غير منكسرة، حسب تحليل وكالة «رويترز» للأنباء.

ومع ظهور ملامح اتفاق محتمل من مصادر مطلعة على المناقشات، يبدو أن إيران ستخرج من هذه الأزمة باقتصاد منهار وقاعدة صناعية عسكرية متضررة بشدة، لكن هيمنة «الحرس الثوري» المتشدد ترسخت بقدر أكبر من ذي قبل.

وتشير تقديرات دبلوماسيين ومسؤولين ومحللين إقليميين إلى أنه حتى لو جرى التوصل قريباً إلى مذكرة تفاهم لإنهاء الحرب، فمن غير المرجح أن تشكل هذه المذكرة انفراجة دائمة بقدر ما ستكون هدنة مؤقتة.

ويميل هؤلاء إلى توصيف النتيجة المحتملة على أنها صفقة تهدف إلى فتح مضيق هرمز، وتخفيف الضغوط على الأسواق المالية العالمية وعلى إيران، وإعطاء الرئيس الأميركي دونالد ترمب مخرجاً سياسياً مع تأجيل القضايا الشائكة إلى وقت لاحق.

وقال دينيس روس، الدبلوماسي الأميركي الكبير السابق: «تحققت نجاحات عسكرية تكتيكية استثنائية، لكن لم تتحقق مكاسب استراتيجية جوهرية. لم يغلق أي ملف».

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتحدث في المكتب البيضاوي بينما وضع أمامه مجسماً من قاذفات «بي 2» التي قصفت منشآت إيران النووية يوليو الماضي (أ.ف.ب)

«مساحة التوافق ضئيلة»

بعد بدء الضربات الأميركية - الإسرائيلية على إيران في 28 فبراير (شباط)، تحدث ترمب عن أهداف مثل القضاء على التهديدات الوشيكة من إيران، مشيراً إلى برنامجها النووي وبرامج الصواريخ الباليستية، وحث الإيرانيين على السعي للسيطرة على زمام الأمور في بلادهم.

وبموجب مذكرة قيد الإعداد، حصلت «رويترز» على ملامحها من مصادر مطلعة على المناقشات، ستنهي إيران إغلاقها الفعلي لمضيق هرمز، وهو شريان رئيسي لإمدادات النفط العالمية، وستحصل على دعم مالي من خلال الإفراج عن أصول إيرانية مجمدة أو تخفيف محدود للعقوبات.

ويرى المسؤولون الإيرانيون في التوصل إلى اتفاق محدود وسيلة لكسب الوقت، وتأمين دعم مالي، واحتواء مخاطر داخلية آخذة في التزايد؛ نظراً لتدهور الأوضاع الاقتصادية، من دون التعامل مع القضايا الأكثر حساسية والأشد صعوبة.

ويريد ترمب، الذي يضع نصب عينيه انتخابات التجديد النصفي للكونغرس في نوفمبر (تشرين الثاني)، صيغة تسمح له بادعاء إحراز تقدم في قضية البرنامج النووي الإيراني، ولا سيما مخزون طهران من اليورانيوم عالي التخصيب اللازم لصنع قنبلة ذرية.

وستبقى الأسباب الرئيسية المحفزة للحرب قائمة إلى حد كبير، مع رفض إيران التخلي عن التخصيب، وعدم رغبة واشنطن في تقديم ضمانات أمنية لإيران، واستمرار عزم إسرائيل على احتواء عدو ترى فيه تهديداً وجودياً لها.

أما إيران فتعتقد أنه لا سبيل لردع أي هجمات مستقبلية دون الاحتفاظ بترسانتها الصاروخية، وشبكة حلفائها في المنطقة، وبقدرتها على تعطيل تدفقات الطاقة من الخليج.

وقال آلان آير، الدبلوماسي الأميركي السابق والخبير في الشؤون الإيرانية: «ما يحتاجه ترمب سياسياً وما ترغب إيران في تقديمه ربما يبدوان قريبين، لكن مساحة التوافق بينهما ضئيلة للغاية».

وأضاف آير الذي كان عضواً للفريق التفاوضي الأميركي خلال عهد باراك أوباما أن النهج هو التوصل إلى اتفاق الآن و«تأجيل جميع القضايا الشائكة إلى مرحلة ثانية»، والتي لن تأتي على الأرجح.

إيرانيات يسرن قرب لافتة تضم صور الخميني وعلي خامنئي ومجتبى خامنئي في مدخل جامعة طهران 3 يونيو 2026 (رويترز)

هدنة قصيرة الأمد

قال مصدران إقليميان مطلعان على المناقشات إن الأمر سينتهي باكتفاء ترمب، على ما يبدو، بهدنة قصيرة الأمد، والتزام غامض الصياغة بشأن اليورانيوم عالي التخصيب، وبقاء مضيق هرمز تحت السيطرة الإيرانية.

ويرى محللون في المنطقة أنه حتى لو فُتح المضيق، فإنه، على حد قول أحدهم، «سيكون في الأساس تحت سيطرة إيران، بغض النظر عن كيفية تحديد رسوم العبور».

ويقول هؤلاء إن واشنطن لم تعد، إلى حد كبير، تركز على ضمان تفكيك الصواريخ الباليستية الإيرانية، رغم مخاوف إسرائيل ودول الخليج.

وأشارت المصادر إلى عقبات ينبغي التغلب عليها، من بينها مطالب إيران بربط أي اتفاق بوقف الهجمات الإسرائيلية على جماعة «حزب الله» في لبنان، ورغبة ترمب في ترك انطباع إيجابي فيما يتعلق بالمسألة النووية.

وأضافت أن ترمب قبل في الواقع ما ينفيه علناً بشأن الربط بين لبنان والمضيق. وضغط بالفعل على إسرائيل لوقف الضربات على بيروت وضاحيتها الجنوبية، خوفاً من أن يؤدي أي تصعيد في ذلك الصراع إلى إفشال المساعي الرامية إلى التوصل إلى اتفاق بشأن المضيق.

وقالت المصادر إن إيران ترى أن الإفراج الفوري عن أصول مجمدة بنحو 12 مليار دولار أساسي لأي اتفاق، ومن غير المرجح أن تمضي قدماً دونه.

وقال ديفيد شينكر، من معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى، إن ترمب يريد تجنب المقارنات مع الاتفاق النووي الذي جرى التوصل إليه في عهد الرئيس الأسبق باراك أوباما عام 2015، لكن الإفراج عن الأموال الإيرانية ينطوي على خطر استدعاء هذه المقارنات.

وأضاف شينكر: «لست متأكداً من أن هناك أي طريقة لتفادي ذلك».

صورة قمر ماكسار الصناعي للمنشأة النووية الإيرانية في فوردو بعد الهجمات الأميركية (نيويورك تايمز)

أسباب الحرب ربما تستمر

في عام 2018، سحب ترمب الولايات المتحدة من اتفاق 2015، الذي وافقت إيران بموجبه على فرض قيود على برنامجها النووي مقابل رفع العقوبات. وقال إن الاتفاق لا يحمي مصالح الأمن القومي الأميركي.

ويريد ترمب الآن صيغة تسمح له بأن يدعي الفوز في ملف البرنامج النووي الإيراني من دون تصعيد للحرب.

وقال روس: «أعتقد أن بالإمكان التوصل إلى صيغة يفسرها كل طرف على هواه. وعندئذ ستكون المفاوضات اللاحقة محفوفة بالمخاطر».

ويشير المحللون إلى أن أي هدنة في الصراع ستكسب على الأرجح «الحرس الثوري» مزيداً من الجرأة.

وقال شينكر: «كانوا في السابق القوة المؤثرة من وراء الستار، والآن أصبحوا القوة» التي تتولى زمام الأمور مباشرة.

ومن المرجح أن يؤدي اتفاق مؤقت إلى شعور بالقلق في إسرائيل، إذ يصوغ قادة إيران صورة للحرب في قالب آيديولوجي، مستخدمين تعبيرات شديدة القوة والوضوح، ويشيرون إلى أنه لا يوجد اتفاق يمكن أن يحل الصراع من جذوره.

وقال روس: «بالنسبة لإسرائيل وإيران، ربما يكون هذا الفصل من الحرب انتهى، لكن الصراع باق».