معرض يُوثّق تاريخ الفن التشكيلي الأرميني في مصر

عبر 60 عملاً يُبرز إسهاماتهم في التصوير والنحت والكاريكاتير

اهتم الفنانون الأرمن بتجسيد البيئة المصرية (الشرق الأوسط)
اهتم الفنانون الأرمن بتجسيد البيئة المصرية (الشرق الأوسط)
TT

معرض يُوثّق تاريخ الفن التشكيلي الأرميني في مصر

اهتم الفنانون الأرمن بتجسيد البيئة المصرية (الشرق الأوسط)
اهتم الفنانون الأرمن بتجسيد البيئة المصرية (الشرق الأوسط)

شهدت الحركة التشكيلية المصرية منذ بداياتها حضوراً كبيراً للفنانين الأجانب من مختلف الجنسيات، لكن كان لأبناء الجالية الأرمينية على وجه الخصوص بصمات بارزة على الفن المصري الحديث؛ حيث شكّلت إبداعاتهم فرعاً أصيلاً من أفرع هذا الفن، بعد أن أصبحوا جزءاً لا يتجزأ من النسيج المجتمعي والثقافي المحلي.

وفي معرض جماعي للفنانين التّشكيليين من أصول أرمينية بعنوان «الأرمن في مـصر» بمركز «محمود سعيد للمتاحف» في الإسكندرية (شمال مصر)، يستمتع الزائر بروائع تشكيلية تُمثّل عرضاً بحثياً يضيء على إسهامات الأرمن في الفنون الجميلة المصرية، خصوصاً التّصوير والنحت والكاريكاتير، وتشكل في الوقت نفسه وثائق أثنوغرافية وتاريخية نادرة لحقبة زمنية مضت إلى الأبد.

لوحة «بائعة الذرة» للفنانة إليزبارتام (إدارة المعرض)

ويتنقل المشاهد ما بين ملامح الفن الأرميني الخالص وسمة الازدواجية الإنسانية الثقافية للفنانين وتأثير ذلك على أعمالهم؛ التي اتسمت بمزيج بين الثقافتين المصرية والأرمينية، في توليفة من العناصر الحضارية والبيئية؛ على مدى أجيال عدّة تُغطي أكثر من 125 عاماً من الفن الأرميني في مصر، منذ قَدَّم أول فنان أرميني مصري في العصر الحديث، وهو يرفاند دمردغيان، لوحته الشهيرة «فتاة أرمينية» عام 1900، وذلك بعد أن جاء إلى مصر سنة 1896، ومنه إلى فنانين آخرين من أجيال أخرى.

لوحة للفنان بيوزانت جودجامنيان المعروف بولعه بالريف المصري (الشرق الأوسط)

ولا نستطيع التأريخ لبدايات الحركة التشكيلية المصرية من دون تناول دور الفنانين من الجاليات الأجنبية الذين نزحوا إلى مصر، وعاشوا فيها طويلاً، وأصبحوا جزءاً من نسيج المجتمع، وفق الدكتورة نُهى يوسف مديرة مركز «محمود سعيد للمتاحف والمعارض» وصاحبة فكرة المعرض.

وتواصل نُهى: «ومن أهم هؤلاء الفنانين هم الأرمن الذين احتلوا مكانة مميزة في الفنون الجميلة، وهم يمثّلون حالة خاصة، لأنهم استمروا في مصر ولم يغادروها، على العكس من فناني الجاليات الأخرى، وهو ما ضاعف من تأثُّرهم وتأثيرهم في الفن المصري».

و«سجل الأرمن حضورهم اللافت في جميع مجالات الفنون التشكيلية بمصر، وهو ما يوثقه هذا المعرض المهم، الذي يُضيء على أعمالهم خلال أجيال فنية مختلفة، عبر أساليب ومدارس عدة» وفق نُهى يوسف.

لوحة زيت على قماش من مقتنيات جمعية القاهرة الخيرية الأرمنية العامة (الشرق الأوسط)

وأضافت نُهى في حديثها لـ«الشرق الأوسط»: «يكتسب هذا المعرض أهمية خاصة، لأنه يضمّ أعمالاً نادرة، معظمها لم يُعرض من قبل؛ ومنها المجموعة المتحفية المخزونة وهي من مقتنيات (متحف الفنون الجميلة) في الإسكندرية، وتُعرض للمرة الأولى، وتضم 17 لوحة تصوير وقطعتي نحت، إضافة إلى أعمال حصلنا عليها من الفنانين أنفسهم، أو من أُسر الراحلين منهم».

ويكشف المعرض الذي يُنظّم بالتعاون مع «جمعية القاهرة الخيرية الأرمينية العامة» عن قيمة فنية مميزة لأعمال الأرمن، كما أنه يعكس أيضاً دفء علاقاتهم بالمصريين وذوبانهم في المجتمع، ومن ذلك أعمال الفنانة ماركريد بالطايان التي كانت تهتمُّ برسم جيرانها في حيّ شبرا حيث تقطن، وأعمال أخرى تبرز إحساسهم في الاحتماء بالمجتمع من ذكريات المأساة التي تعرضوا لها ودفعتهم للنزوح إلى مصر، فتلمس الرومانسية والشّجن فيها، وكأن المعرض يسرد حكاياتهم الإنسانية مثلما يعرض فنّهم وإبداعاتهم، حسب مديرة المركز.

لوحة «الفلاحة» زيت على قماش من مقتنيات متحف الفنون الجميلة (إدارة المتحف)

يضم المعرض نحو 60 عملاً فنياً، من أبرزها أعمال همبارهمبرتسوميان صاحب لقب «فنان الأحياء الشعبية في الإسكندرية»؛ حيث جسّد أجواء الحارة وأزقتها وتفاصيلها في المدينة، معبّراً عن السكينة والهدوء النفسي فيها بريشته، منجذباً بشكل خاص إلى الجدران الرّطبة والمباني المتهالكة، مؤكداً حقيقة انصهار هؤلاء الفنانين في النسيج المجتمعي.

وتأتي أعمال الفنانة ساتينغ تشاكر التي استقرّت في مصر بعد عام 1919 بعدما أكملت دراستها في إنجلترا لتستكمل التأكيد على ذلك الانصهار؛ فتأمُّل لوحاتها يُمثّل رحلة داخل مصر بين أحيائها وناسها، بوجوه مصرية خصوصاً الفلاحات، وتُشاهد أمكنة متنوعة مثل حديقة الحيوان في الجيزة، وغير ذلك، في حين تعكس لوحات بيوزانت جود جامنيان ولعه بالريف المصري.

لوحة «شارع تيمور بك» حبر شيني على ورق لفنان الأحياء الشعبية همبارهمبرتسوميان (الشرق الأوسط)

إرفاند دميردغيان أحد الفنانين الأرمن الذين تستطيع من خلال لوحاته في المعرض أن تستكشف الهوية المصرية وطِباع المصريين ببساطة، ومن دون أي تكلّف أو تنميق؛ كان دميردغيان شغوفاً باكتشاف البلاد ورسم كل شيء حوله، ويُركّز أثناء ذلك على المهمّشين؛ إذ يعكس دواخلهم ومشاعرهم على مسطح أعماله، ساعده على ذلك أنه اختار أن يعيش في شقة على سطح خان (وكالة) في 155 شارع محمد علي بوسط القاهرة.

لوحة بعنوان «ولد جالس» زيت على قماش من مقتنيات متحف الفنون الجميلة (إدارة المتحف)

وتلتقي على مسطّح لوحات فنانين آخرين بتفاصيل مختلفة من قلب مصر، فنشاهد على سبيل المثال باب زويلة، وعباس محمود العقاد وبائعة الذرة، والمراكب في نهر النيل، والبيوت القديمة إضافةً إلى وجوه ومشاهد من الطبيعة في مصر والخارج.

الكاريكاتير ورسوم الإعلانات والأعمال الأدبية في الصُّحف المصرية على أيدي الفنانين الأرمن، جانب آخر يكشف عنه هذا المعرض المقام حتى 25 فبراير (شباط) الحالي؛ فتستعيد من خلاله ذاكرة الصحافة أعمال ديكران الشهير بـ«ديك» في مؤسسة «الأهرام»، فضلاً عن أعمال الفنان ألكسندر صاروخان الكاريكاتيرية، ومساهمته البارزة في الصحافة، خصوصاً صحيفتي «آخر ساعة» و«أخبار اليوم».

عباس العقاد بريشة صاروخان (الشرق الأوسط)

كما تتعرّف من خلال المعرض على أعمال هرانت آنترانغيان مبتكر مصمّم غلاف مجلة «سمير» للأطفال، الصادرة عن مؤسسة «دار الهلال»، ومبتكر الشخصية الرئيسية فيها «سمير».

ويواكب المعرض ملتقيات حوارية وفعاليات فنية، تكشف جوانب جديدة موثّقة من تاريخ الأرمن في مصر، كما تبرز ملامح الثقافة الأرمنية، ومنها الندوة الافتتاحية، وحفل كورال الجمعية الخيرية الأرمنية على مسرح «متحف الفنون الجميلة» في الإسكندرية، والندوة الختامية التي يُشارك فيها فنانون ونُقاد وباحثون أرمن ومصريون.


مقالات ذات صلة

«أحب الزهور كما النجوم» استعادة لأعمال يتجاوز عمرها نصف قرن

يوميات الشرق في مربّع «الأمير الصغير» يتخيّل تكوين الجنين في رحم زوجته (الشرق الأوسط)

«أحب الزهور كما النجوم» استعادة لأعمال يتجاوز عمرها نصف قرن

مع التقدُّم في الجولة، تطالع الزائر سلسلة لوحات بالأبيض والأسود توثّق أجواء الحرب اللبنانية القاتمة...

فيفيان حداد (بيروت)
يوميات الشرق لوحة «تلة الشتاء» التي تعود إلى الفترة ما بين عامي 1955 - 1956 (معرض جينا بورلينغهام)

معرض «إليزابيث»... مناظر طبيعية شتوية ولوحات صامتة

ربما تكون شهرة إليزابيث بلاكادر أكبر بفضل لوحاتها البسيطة، التي تصور الزهور والقطط، لكن معرضاً جديداً لأعمالها يركز، بدلاً من ذلك، على المناظر الطبيعية الباردة.

«الشرق الأوسط» (لندن)
يوميات الشرق معرض المدينة يتسم بالحس السريالي (الشرق الأوسط)

«المدينة»... معرض فوتوغرافي ينعى دفء الحياة الشعبية بلغة سريالية

«لقد أصبحتُ منسياً في شوارع مدينتي، لا لأنني رحلت عنها، بل لأن ملامحها التي عرفتني... لم تعد هنا».

محمد الكفراوي (القاهرة)
يوميات الشرق الرمز والتجريد يلتقيان في أعمال تستدعي التأمل وإعادة القراءة (الشرق الأوسط)

«حكايات» يبرز وجوه أحمد الصعيدي بين الذاكرة والواقع

في معرضه الجديد «حكايات» المقام بغاليري ضي بالزمالك، يواصل الفنان التشكيلي المصري أحمد الصعيدي تقديم عالمه البصري القائم على التداخل بين الإنسان والذاكرة.

نادية عبد الحليم (القاهرة)
يوميات الشرق اللوحة الشهيرة «ترتيب باللونين الرمادي والأسود (رقم 1 - صورة والدة الفنان) (متحف أورساي - باريس)

خلف لوحات ويسلر الحالمة... صوتٌ مشحون بالعاطفة

«القولُ إنّ الطبيعة على صواب دائماً ادعاءٌ، من الناحية الفنية، خاطئٌ تماماً، كما هي الحال مع حقيقةٍ يُسلّم بها الجميع»، هكذا صرّح الفنان جيمس ماكنيل ويسلر في…

إميلي لابارج (لندن)

الديوهات الغنائية العربية تفرض حضورها في موسم الصيف

ديو محمد حماقي وشيرين عبد الوهاب (إنستغرام)
ديو محمد حماقي وشيرين عبد الوهاب (إنستغرام)
TT

الديوهات الغنائية العربية تفرض حضورها في موسم الصيف

ديو محمد حماقي وشيرين عبد الوهاب (إنستغرام)
ديو محمد حماقي وشيرين عبد الوهاب (إنستغرام)

فرضت الديوهات الغنائية نفسها بقوة على خريطة الغناء العربي مع انطلاق موسم صيف 2026، بعدما شهد الأسبوع الأول من شهر يونيو (حزيران) الجاري وحده طرح نحو ستة أعمال مشتركة جمعت نجوماً من مختلف أنحاء الوطن العربي، في ظاهرة تعكس اتجاهاً متزايداً لدى المطربين للتعاون فيما بينهم بهدف تقديم تجارب موسيقية متنوعة، والوصول إلى شرائح جماهيرية أوسع.

وجاءت البداية مع أغنية «بحرية»، إحدى أغنيات ألبوم الفنان محمد حماقي الجديد «سمعوني»، والتي جمعته للمرة الأولى بالفنانة شيرين عبد الوهاب في ديو غنائي أثار جدلاً واسعاً منذ اللحظات الأولى لطرحه. ورغم الانتقادات التي تعرض لها العمل، فقد نجح في تصدر قائمة الأغنيات الأكثر استماعاً في مصر عبر منصة «يوتيوب» خلال الأيام الماضية، ليؤكد أن الجدل لم يمنع الجمهور من التفاعل معه.

وكشف الشاعر والملحن عزيز الشافعي، في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، كواليس الأغنية، موضحاً أنها كانت في الأصل مخصصة لمحمد حماقي ضمن ألبومه الجديد، قبل أن تبرز فكرة مشاركة شيرين عبد الوهاب في تقديمها كثنائي غنائي، وهو الاقتراح الذي وافق عليه حماقي فوراً، بهدف تقديم عمل خفيف ومختلف، ويحمل روحاً جديدة.

ديو الشاب خالد وجانا عمرو دياب (إنستغرام)

كما حقق ديو «القمر ديالي»، الذي يجمع الفنان اللبناني محمد فضل شاكر بالفنان المغربي سعد لمجرد، نجاحاً لافتاً منذ طرحه، بعدما تصدر قوائم الاستماع على عدد من المنصات الرقمية. ويعد العمل أول تعاون بين النجمين باللهجة المصرية، وهو من كلمات وألحان جمانة جمال، وتوزيع حسام الصعبي، فيما جرى تصويره في العاصمة الفرنسية باريس تحت إدارة المخرج المغربي أمير الرواني.

وأكد محمد فضل شاكر، في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، أن الكيمياء الفنية التي جمعته بسعد لمجرد لعبت دوراً كبيراً في نجاح الأغنية، مشيراً إلى أن العمل قدم بإحساس صادق انعكس بوضوح على النتيجة النهائية.

وأضاف أن الأغنية شهدت تعديلات موسيقية عدة، تم خلالها المزج بين الإيقاع الحيوي والطابع الرومانسي، ما منحها هوية فنية مختلفة، مؤكداً إعجابه الكبير بإحساس سعد لمجرد، وأسلوبه في الأداء، قائلاً إنهما نجحا في الالتقاء عند نقطة فنية مشتركة أثمرت عن تجربة مميزة.

وفي مفاجأة فنية أخرى، اجتمع للمرة الأولى الفنان الجزائري الشاب خالد مع الفنانة الشابة جانا عمرو دياب في ديو غنائي جديد، بعد مرور نحو 27 عاماً على التعاون الذي جمع الشاب خالد بوالدها النجم عمرو دياب في أغنية «قلبي» ضمن ألبوم «قمرين» عام 1999.

ويتميز العمل الجديد بمزج ثلاث لغات هي العربية والإنجليزية والفرنسية، في محاولة للوصول إلى جمهور عربي وعالمي، حيث تدور فكرته حول الأمل، والمستقبل، والتمسك بالحب والذكريات رغم مرور الزمن من خلال إعلان دعائي لصالح أحد المنتجعات السياحية المصرية.

وشهد الموسم أيضاً تعاوناً جديداً جمع الفنان المصري تووليت بالفنان الفلسطيني سانت ليفانت في أغنية «نانو»، في تجربة تمزج بين الأساليب الموسيقية الحديثة والإيقاعات الشبابية.

وعلى صعيد الأغنية الخليجية، اجتمعت الفنانة السعودية داليا مبارك مع الفنان العراقي محمود التركي في ديو «شنو شنو»، وهو العمل الذي حمل توقيع الشاعر محمد الواصف، وألحان محمود التركي، وتوزيع عثمان عبود، وإشراف محمد درويش الزرعوني، فيما تولى إخراج الكليب المخرج بسام الترك.

وكشف بسام الترك، في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، أن التحضير للعمل استغرق أكثر من 15 يوماً للوصول إلى أفضل نتيجة ممكنة، موضحاً أنه حرص على تقديم رؤية بصرية عالمية من خلال تصوير سينمائي باستخدام كاميرا «أليكسا»، مع فريق متخصص في الصورة والمونتاج وتصحيح الألوان.

وأضاف أن داليا مبارك تمتلك شخصية فنية متفردة، والكاميرا تعشق حضورها، فيما أبدى إعجابه بمحمود التركي في أول تعاون يجمعهما، مؤكداً أن النتيجة جاءت بإيقاع إيجابي، وروح شبابية قادرة على جذب مختلف فئات الجمهور.

كما شهد شهر يونيو طرح ديو «عايش لعيونك» الذي جمع الفنان السوري الشامي بالفنانة اللبنانية لين الحايك، وهو من كلمات الشامي وفادي مرجان، وألحان الشامي وأنس كريم.

وقالت لين الحايك، في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، إن «هذه التجربة تمثل محطة مهمة في مسيرتها الفنية، لأنها خاضت من خلالها لوناً غنائياً مختلفاً، واعتمدت لهجة جديدة، ما منحها فرصة للخروج من الإطار التقليدي الذي اعتاد عليه الجمهور، واستكشاف إمكانات فنية جديدة».

ديو محمود التركي وداليا مبارك ومعهما المخرج بسام الترك (إنستغرام)

ورغم الزخم الكبير الذي شهدته ساحة الديوهات الغنائية مع بداية الموسم الصيفي، يرى الناقد الموسيقي فوزي إبراهيم أن «معظم هذه الأعمال جاءت دون مستوى التوقعات»، مؤكداً أن «الأغنيات لم تحقق النجاح الاستثنائي الذي كان ينتظره الجمهور، خصوصاً ديو شيرين عبد الوهاب ومحمد حماقي الذي اعتبره كثيرون أقل من سقف التطلعات المرتفع الذي سبق طرحه».

وأضاف إبراهيم، في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، أن «ظاهرة الديوهات أصبحت في كثير من الأحيان وسيلة لتبادل الجماهير بين المطربين، بهدف توسيع قاعدة المستمعين لكل فنان، دون الالتفات بالقدر الكافي إلى القيمة الفنية للديو، أو الفكرة الإبداعية التي يقوم عليها»، مشيراً إلى أن «نجاح أي تعاون غنائي يظل مرهوناً بوجود رؤية فنية حقيقية تتجاوز الحسابات التسويقية».


«التمساح» يوثق معاناة وأحلام سينمائيين نيجيريين على مدار 13 عاماً

انجذبت المخرجة للفريق بمجرد مشاهدة مقاطعهم عبر الإنترنت (الشركة المنتجة)
انجذبت المخرجة للفريق بمجرد مشاهدة مقاطعهم عبر الإنترنت (الشركة المنتجة)
TT

«التمساح» يوثق معاناة وأحلام سينمائيين نيجيريين على مدار 13 عاماً

انجذبت المخرجة للفريق بمجرد مشاهدة مقاطعهم عبر الإنترنت (الشركة المنتجة)
انجذبت المخرجة للفريق بمجرد مشاهدة مقاطعهم عبر الإنترنت (الشركة المنتجة)

يقدم الفيلم الوثائقي «Crocodile» (التمساح) واحدة من أكثر الحكايات الإنسانية دفئاً وصدقاً، حيث يغوص في أعماق الشغف البشري، ويتتبع بمسؤولية ونضج مسيرة مجموعة «النقاد» (The Critics) النيجيرية الشابة، وتضم هذه المجموعة ريموند يوسف، ورونالد يوسف، وفيكتور جوسايا، وجودوين جوسايا، وبرفقة صديقيهم جوردان، وريتشارد، بالإضافة إلى عدد من المقربين، وأفراد العائلة الذين شاركوهم الرحلة.

من قلب الأزقة المتواضعة في مدينة كادونا النيجيرية قرر هؤلاء الفتية منذ نعومة أظفارهم ألا يستسلموا لواقعهم، فبدأوا في صناعة أفلام خيال علمي هوليوودية الطابع بإمكانات تكاد تكون معدومة، ومحولين الشغف الطفولي إلى قضية حياة.

من فناء منزل طيني بسيط يفتقر لأدنى مقومات التكنولوجيا، استطاع هؤلاء الشباب تأسيس عالم سينمائي متكامل الأركان، مستعينين بأدوات لا تتجاوز هاتفاً جوالاً واحداً بائساً بملامح بدائية، وبعض الملابس والأقمشة القديمة، وقطع الخردة، والمعادن التي يجمعونها من القمامة.

القصة قدمت في الفيلم الوثائقي، وهو إنتاج نيوزيلندي-نيجيري مشترك، وعرض في النسخة الماضية من مهرجان «برلين السينمائي»، وسيكون عرضه الأول في الولايات المتحدة ضمن فعاليات الدورة الخامسة والعشرين لمهرجان «تريبيكا السينمائي» الشهر المقبل.

مخرجة وأبطال الفيلم على السجادة الحمراء في برلين (إدارة المهرجان)

العمل الذي أخرجته المخرجة النيوزيلندية بيترا بريتكيللي، بالتعاون الإنتاجي والفني الإبداعي مع أعضاء المجموعة أنفسهم، يتجاوز كونه مجرد توثيق تقليدي لصناعة السينما المستقلة، أو الأفلام البديلة في أفريقيا، فهو يتحول تدريجياً إلى رحلة فلسفية عميقة تبحث في جوهر الحلم، ومعنى النجاة، ومحاولات صياغة الهوية الشخصية والثقافية وسط واقع محلي قاسٍ يفيض بالأزمات المعيشية والأمنية.

على مدار ثلاثة عشر عاماً كاملة من التصوير المتواصل والمضني، يرصد الفيلم نمو هؤلاء الشباب جسدياً وفكرياً وعاطفياً أمام عدسة الكاميرا، وكيف تشكلت وتبلورت علاقاتهم المعقدة بالحياة والسينما والعالم الخارجي.

تتحدث المخرجة بيترا بريتكيللي لـ«الشرق الأوسط» عن اللحظة الاستثنائية التي اكتشفت فيها المجموعة للمرة الأولى عبر فضاء الإنترنت، مشيرة إلى أن اهتمامها المهني والإنساني الطويل بفكرة الهوية الثقافية واللغات المهددة بالاختفاء كان السبب الجوهري وراء هذا الانجذاب المباغت.

كانت بيترا تتابع بشغف تجارب ثقافية مغايرة ومستقلة حول العالم، قبل أن تصادف بالصدفة البحتة مقاطع فيديو قصيرة صنعتها مجموعة «النقاد»، وفي تلك اللحظة شعرت المخرجة بأنها تقف أمام تجربة إنسانية نادرة وصادقة للغاية، وتحمل في طياتها طاقة خام، وسحراً دفيناً من الصعب تفسيره بالكلمات العادية، أو النظريات النقدية الجاهزة.

استغرق العمل على الفيلم عدة سنوات (الشركة المنتجة)

وأكدت المخرجة النيوزيلندية في مقابلتها مع «الشرق الأوسط» عبر تطبيق «زووم» أن علاقتها بالمشروع الوثائقي بدأت بشكل غريزي وعاطفي تماماً، بعيداً عن الحسابات الإنتاجية الباردة، أو التخطيط المسبق، واتخذت قراراً جريئاً بالسفر الفوري إلى نيجيريا بعد أيام قليلة جداً من أول تواصل إلكتروني معهم، دون أن تملك أي خطة عمل واضحة، أو تصور نهائي لشكل الفيلم، أو مساره الفني.

ولم يكن طريق التصوير الممتد عبر السنين مفروشاً بالورود، بل واجه تحديات لوجستية وإنسانية بالغة التعقيد، بدأت من مشقة السفر والمسافات الطويلة بين نيوزيلندا ونيجيريا، ومروراً بأزمة جائحة كورونا العالمية التي قطعت أوصال التواصل الفعلي، ومنعتها لسنوات من العودة. امتدت الصعوبات لتشمل تفاصيل الحياة اليومية المضطربة لأبطال الفيلم، من انقطاع دائم للتيار الكهربائي، وغياب شبكات الإنترنت، وهي عقبات كادت تعصف بالمشروع بأكمله.

من جانبه، كشف ريموند يوسف، أحد الأعضاء البارزين في المجموعة، عن الكواليس النفسية الأولى للقاء، موضحاً أنهم تجاهلوا رسائل بيترا المتكررة في البداية عبر منصات التواصل الاجتماعي، مدفوعين بنوع من التوجس والريبة الفطرية.

وأضاف في تصريحات لـ«الشرق الأوسط» أن الفضول هو ما حركهم في النهاية للرد عليها، حيث لم يكونوا يستوعبون إطلاقاً لماذا قد تتكبد مخرجة أجنبية مشقة السفر من نيوزيلندا إلى نيجيريا لتصنع فيلماً عن فتيان يصورون مقاطع بسيطة بهواتف متهالكة في حي شعبي منسي، ولم يدركوا وقتها أن شغفهم الصغير يملك هذه القيمة الإنسانية الكبيرة.

وأشار ريموند يوسف إلى أن المجموعة اعتقدت في بادئ الأمر أن المسألة لن تتجاوز بضعة أيام من التصوير التوثيقي العابر، قبل أن تفاجئهم بيترا بإعلان نيتها مرافقة تفاصيل حياتهم، ورصد تقلبات عيشهم لسنوات طويلة قادمة.

هذا الالتزام الزمني الطويل لم يفهم الشباب أهميته وقيمته الفنية في ذلك الوقت المبكر من حياتهم، لكن السنوات اللاحقة جعلتهم يدركون النضج الكامن في هذا التوثيق، فشاهدوا، بكثير من الدهشة والذهول، كيف تغيرت ملامحهم، ونضجت أفكارهم، وكيف كبروا، وتطورت أدواتهم الفنية والشخصية أمام هذه العدسة المخلصة التي رافقت طفولتهم وشبابهم.

أما شقيقه رونالد يوسف، فقد أوضح أن فكرة التصوير المستمر والتوثيق لم تكن غريبة تماماً على بيئة المجموعة، لأنهم اعتادوا منذ الطفولة توثيق كواليس أفلامهم، ومشاركة تفاصيل حياتهم اليومية مع متابعيهم على شبكات التواصل.

وثق الفيلم جانباً من حياة مخرجين شباب في نيجيريا (الشركة المنتجة)

هذا الاعتياد خلق نوعاً من الانسجام الطبيعي والتلقائي مع كاميرا بيترا منذ اللحظات الأولى، وضمن تدفقاً عفوياً للأحداث دون تصنع، لكن رونالد اعترف في الوقت نفسه بأن أحداً منهم لم يكن يتوقع أو يتخيل، ولو في الأحلام، أن يتحول هذا الفيلم الوثائقي إلى علامة فارقة تشكل جزءاً جوهرياً ومصيرياً من حياتهم، ومسيرتهم الفنية والمهنية اللاحقة.

في المقابل، لم ينكر فيكتور جوسايا أن وجود شخص أجنبي يحمل ثقافة مختلفة تماماً ويراقب تفاصيل حياتهم الخاصة بالكاميرا كان أمراً مربكاً ومثيراً للقلق في البداية، وزاد من هذا الإرباك أن المجموعة كانت تتلقى في تلك الفترة عروضاً تجارية، ورسائل بريدية لا حصر لها من جهات وأشخاص يبحثون عن استغلال نجاحهم الرقمي المفاجئ على الإنترنت.

لكن فيكتور أكد أن علاقتهم الإنسانية بالمخرجة النيوزيلاندية تطورت تدريجياً وبثبات مع مرور الوقت، بعدما اكتشفوا بذكائهم الفطري أنها لا تبحث عن إثارة رخيصة، أو صناعة فيلم سريع، بل تسعى بصدق واهتمام لفهم أعماقهم الفكرية.


فك لغز تحمل «قمل البحر» الجوع لسنوات

قمل البحر العملاق (لي شينزهانج - الأكاديمية الصينية للعلوم)
قمل البحر العملاق (لي شينزهانج - الأكاديمية الصينية للعلوم)
TT

فك لغز تحمل «قمل البحر» الجوع لسنوات

قمل البحر العملاق (لي شينزهانج - الأكاديمية الصينية للعلوم)
قمل البحر العملاق (لي شينزهانج - الأكاديمية الصينية للعلوم)

يُعدّ قمل البحر العملاق من نوع «باثينوميد» أحد أنواع القشريات متساوية الأرجل التي تعيش في أعماق البحار، وتشتهر بقدرتها على البقاء أكثر من 5 سنوات دون طعام. ورغم أنها تعيش في بيئة فقيرة للغاية بالعناصر الغذائية، تُظهر هذه الكائنات ضخامةً ملحوظة في أجسامها، وهي سمة تتطلب طاقةً كبيرة.

الأمر الذى يُثير مفارقةً عجيبة: كيف تحافظ هذه القشريات، التي تبدو متعطشةً للطاقة، على حجمها الهائل في ظل ندرة الغذاء في أعماق البحار؟

للإجابة عن هذا السؤال، كشف فريق بحثي من معهد علوم المحيطات التابع للأكاديمية الصينية للعلوم (IOCAS) عن الآليات التي تُمكّن هذه الكائنات العملاقة من الازدهار في الحجم في ظل ظروف غذائية قاسية.

وأفاد بيان، الجمعة، بأنه من خلال الجمع بين تحليلات متعددة للجينات وعلوم الأيض، اكتشف الباحثون أن قشريات أعماق البحار تمتلك استراتيجية بقاء مزدوجة للتكيف مع الظروف الفقيرة بالعناصر الغذائية؛ إذ تمتلك مَعِدة متضخمة قادرة على تخزين كميات كبيرة من الطعام، ومعدل أيض أساسياً منخفضاً للغاية يحول الطعام إلى طاقة، بالتوازي مع تصنيع مواد جديدة يحتاج إليها الجسم للنمو والإصلاح.

زيادة الموارد وتقليل النفقات

في دراستهم، حلل الباحثون نوعين من القشريات متساويات الأرجل من أعماق مختلفة، ومن خلال دمج علم الجينوم المقارن مع التحليلات السلوكية وتحليلات أخرى، كشفوا عن استراتيجية «زيادة الموارد وتقليل النفقات من الطاقة» للتكيف مع ظروف نقص الغذاء.

تشغل معدة قمل البحر في أعماق البحار نحو ثلثي جسمها، وهي أكبر كثيراً من معدة نظيراتها التي تعيش في المياه الضحلة أو في مناطق المد والجزر. وعندما تمتلئ المعدة بالطعام، تحتوي على خليط طيني ناعم مطحون ومهضوم بشكل كبير، يتضمن نسبة منخفضة نسبياً من البكتيريا الهاضمة مثل الفيرميكوتس، وغنية بالبكتيريا الكلاميدية، المرتبطة بتخزين الدهون.

تشير هذه الخصائص إلى أن قمل البحر في أعماق البحار قد يستهلك كميات كبيرة من الطعام عند تتوفر فرص التغذية، ثم يُخفّض معدل الأيض الأساسي لديه بشكل كبير؛ ما يسمح بهضم هذا المخزون الغذائي واستخدامه على مدى فترات طويلة.

حدد الباحثون أيضاً جيناً، يُدعى ND1، يلعب دوراً حاسماً في استقلاب الطاقة.

علاوة على ذلك، اكتشف الباحثون آلية لتنظيم التعبير الجيني في قمل البحر في أعماق البحار تُحقق «كفاءة عالية، وحفظاً للطاقة، وتحكماً دقيقاً»، في ظروف درجات الحرارة المنخفضة التي تحاكي بيئة أعماق البحار؛ ما يؤدي إلى كبح استقلاب الطاقة بشكل فعال وتقليل نشاط الميتوكوندريا – جهاز الطاقة في الخلية-، ومن ثم زيادة القدرة على تحمل الجوع.

ماذا تعني هذه النتائج؟

تشير هذه النتائج إلى أن الجين ND1 يُعدّل شبكة استقلاب الميتوكوندريا من خلال ضبط دقيق لدرجة كبح الاستقلاب، ومن ثم حل المفاضلة الأساسية بين الطلب العالي على الطاقة في وقت زيادة الموارد والحاجة إلى كبح الاستقلاب في وقت شيوع البيئات القاسية.

يقول يوان جيانبو، من معهد علوم المحيطات التابع للأكاديمية الصينية للعلوم، والمؤلف الأول للدراسة: «لا يقتصر عملنا على كشف لغز قدرة قشريات الأرجل في أعماق البحار على تحمل فترات الجوع الطويلة للغاية فحسب، بل يُقدّم أيضاً نموذجاً مهماً لفهم كيفية تحقيق التوازن بين النمو والبقاء في البيئات القاسية».