هل هناك مدرسة لبنانية في الأدب؟

شعراء وناثرون واكبوا حقبة الاستقلال

هل هناك مدرسة لبنانية في الأدب؟
TT

هل هناك مدرسة لبنانية في الأدب؟

هل هناك مدرسة لبنانية في الأدب؟

لم يكن الأدب في مختلف تجلياته ومراحله، حالة هجينة ومنبتة عن الواقع، بل هو نتاج أرضي لا بد له أن ينطلق من مكان وزمان محددين، قبل أن يحلّق في فضائه المتخيل وغير المحدود. وقد يكون في عبارة الكاتب اللبناني يوسف حبشي الأشقر: «لا تنبت جذورٌ في السماء»، التي جعلها عنواناً لإحدى رواياته، ما يؤكد الفكرة القائلة بأن شجرة الإبداع تحتاج لكي تثمر إلى تربة ملائمة وشروط محلية المواصفات. وأياً تكن المتغيرات اللاحقة بمذاهب النقد الأدبي ومدارسه، فإن الثابت الذي لا يتبدل هو أن النتاجات الأدبية العظيمة لا تدين لمواهب أصحابها الفردية فحسب، بل ثمة ما يتصل بالتقاطع الخلاق بين الزمان والمكان، حيث يُفرج الأول عن كنوزه في المنعطفات الملائمة، وحيث للآخر عبقريته الخاصة، كما ذهب الكثير من المفكرين.

وإذا كانت هذه التوطئة بمثابة المدخل الضروري للحديث عن الأدب اللبناني، في مرحلتي الانتداب الفرنسي والاستقلال، فإن ما يجب تأكيده هو أن الحديث عن أي نتاج أدبي محلي في العالم العربي، لا ينبغي أن يُقرأ من زاوية التشرذم الكياني أو الانهمام النرجسي بالذات؛ لأن الانتماء الوطني ليس في حالة تعارض مع الانتماء القومي والإنساني، ولأن لكل بيئة عربية تعبيراتها الأدبية والإبداعية الخاصة، بحيث تسهم الأساليب المتنوعة في إثراء الحديقة الأوسع للغة الضاد.

أمين نخلة

كما يجب التأكيد من جهة أخرى على أن الأدب اللبناني ليس واحداً بالقطع، بل هو يختلف باختلاف الحقب والمراحل، ويتعدد بتعدد الكتّاب والشعراء والأساليب. والأدل على ذلك هو أن النماذج التي قدمها الجيل النهضوي الأول ممثلاً بجبران والريحاني ونعيمة وشعراء المهجر، وصولاً إلى إلياس أبو شبكة، تختلف تمام الاختلاف عن النموذج الجمالي الذي جسَّده شعراء وأدباء الحقبة اللاحقة من أمثال أمين نخلة، والأخطل الصغير، وصلاح لبكي، وفؤاد سليمان وسعيد عقل، الذين عملوا على تظهير صورةٍ للبنان أقرب إلى الأساطير واليوتوبيا الفردوسية منها إلى أي شيء آخر. كما أن هؤلاء الأخيرين يختلفون بالقدر نفسه عن التجارب الحداثية اللاحقة، التي توزعت بين مجلتي «شعر» و«الآداب» على نحو خاص.

ولعل الظروف الصعبة التي عاشها الجيل الأول في ظل الحكم العثماني وما رافقه من تنكيل وبطش وتجويع، واضطرار الكثيرين إلى الهجرة باتجاه الغرب، هي التي تفسر مسحة التشاؤم والتمزق الروحي والتبرم بالواقع التي حكمت نتاج ذلك الجيل، حتى إذا أعلنت سلطة الانتداب الفرنسي قيام دولة لبنان الكبير، وصولاً إلى الاستقلال التام عام 1943، راح شعراء الجيل اللاحق يرسمون صورةً للكيان الوليد، مفعمة بالزهو والتفاؤل والطرب الحسي بالجمال.

على أن شعراء تلك المرحلة وناثريها لم يكتفوا بإسناد كتابتهم إلى واقع البلاد الفعلي، بل راحوا ينقّبون في الأساطير والمرويات القديمة والكتب المقدسة و«أحافير التاريخ»، عن كل ما يضاعف من مساحة الوطن الصغير، ويعمل على تظهير حضوره في العالم، بوصفه وطن المغامرة الإنسانية والثراء الإبداعي. ولم ينسَ هؤلاء الكتّاب بالطبع أن لبنان قد ذُكر عشرات المرات في العهد القديم، وبخاصة في«نشيد الأناشيد» حيث لا يجد العاشق المولّه ما يشبّه به رائحة حبيبته سوى قوله: «رائحة ثيابك كرائحة لبنان»، وما يشبّه به أنفها سوى قوله المماثل: «أنفكِ كبرج لبنان الناظر تجاه دمشق».

بشارة الخوري

ولا يمكن في الوقت نفسه أن نقرأ ذلك الإفراط في الترصيع الجمالي والنمنمة اللفظية، بمعزل عما أصابه لبنان في تلك الفترة من ازدهار ورخاء، في ظل الطفرة النفطية غير المسبوقة التي شهدتها البلدان المجاورة، وفي ظل مناخ الحرية والانفتاح الثقافي والاجتماعي الذي رافقه لعقود كثيرة، فضلاً عن طبيعته الخلابة ورحابة أهله؛ الأمر الذي جعل منه مقصد الباحثين عن المتعة والفرح، وقِبلة أنظار الكثيرين في العالمين العربي والغربي.

هكذا بدا الأدب اللبناني في الثلث الثاني من القرن العشرين بمثابة احتفال كرنفالي بالحياة، واستثمار لأكثر ما في اللغة العربية من جماليات البلاغة وأناقة المفردات وفتنة الإيقاع. كما بدت صورة لبنان الزاهية خليطاً من التاريخ المطعّم بالأساطير، والجغرافيا المتوسطية التي تقدم أفضل ما لديها من عروض الجمال، حيث الطبيعة مسرفة في تنوعها، وحيث الكلفة مرفوعة بين الجبال والشواطئ.

وفي هذا العالم الأثيري المفعم بالتفتح، عالم ما قبل تلوث المدن وفساد الأيام، راحت كوكبة من النخب اللبنانية، تبعث إلى المطابع بإصدارات مختلفة المشارب، يؤالف بينها انتصارٌ للّغة الأنيقة و«الأرستقراطية» والبعيدة عن الشوائب. وفي حين كان غليان الحياة مدفوعاً إلى تخومه القصوى، وأصبح الشعر والنثر نوعين من الطرب والانتشاء الطربي بجمال الطبيعة، أو تغنياً بالأنوثة المطلقة، راح الأخطل الصغير، يهتف بامرأته المعشوقة:

الصبا والجمال ملْك يديكِ أيُّ تاجٍ أعزُّ من تاجيكِ

نصبَ الحسنُ عرشه فسألنا مَن تُراها له فدلَّ عليكِ

وإذا كان الأخطل الصغير قد حرص على المواءمة بين البعدين الريفي والمديني في الكتابة، محولاً القصيدة العمودية التقليدية مقطوعاتٍ قصيرة وأغنياتٍ رشيقة، فإن سعيد عقل قد آثر البقاء في المربع الفحولي للكتابة، حيث الشعر رديف الذرى الأكثر ارتفاعاً للبلاغة العربية. وهذه الميزة لم تفارق صاحب « قدموس» في معظم أعماله، كما لو أنه كان يرى في الليونة التعبيرية نوعاً من التأنُّث أو «الخنوثة» التعبيرية التي لم يكن يستسيغها بالمطلق. وإذا استثنينا بعض مقطوعاته الغزلية، فقد ظل الشاعر وفياً لفكرته عن الشعر حتى في قصائد الرثاء، كقوله في رثاء أمين تقي الدين:

سليل الأُلى قيلوا السيوفُ رنتْ لهمْ جبالٌ، وقال الحقُّ من بعضهمْ جندي

على ريف لبنانٍ نموا مثلما نما الضياء، وسال الفجرُ في القمم الجُردِ

أنا اليومَ منهم في قصيدة شاعرٍ لَتَسْكنني كالريح تَلفحُ من بردِ

ولم يكن نثر تلك الثلة من مبدعي الوطن المزهو باستقلاله ليختلف كثيراً عن الشعر، بل كان موازياً له في الصنيع البارع والترصيع البلوري والتأليف المحكم. وهو ما بدا واضحاً في نثر فؤاد سليمان وصلاح لبكي وأمين نخلة، على سبيل المثال لا الحصر. ومع أن سليمان كان ينتمي على المستوى العقائدي إلى أحد الأحزاب القومية، إلا أن أدبه ومعجمه اللغوي كانا يتغذيان من مصادر لبنانية وريفية بحتة، شأنه في ذلك شأن أقرانه الآخرين. ولا تبتعد مناخات سليمان النثرية عن مناخات لبكي ونخلة، من حيث الاستلهام الرومانسي للطبيعة اللبنانية، فكتب في «درب القمر» مخاطباً صديقاً له: «أين لي عشيةٌ في كرْم، تحت قبة عشية خضراء. أغني حتى أجرح حنجرتي. ولكنْ لا عرزال ولا ضباب، لا راعٍ ولا خيمة ولا مطلّ على الدروب. أنا هنا في موكب التائهين، أمشي على براكين تغلي نيرانها تحت رجليّ». ولم يختلف شعر صلاح لبكي ونثره عن مناخات أقرانه من كتاب ذلك الجيل، وهو الذي عمل في «أرجوحة القمر» و«لبنان الشاعر» وغيرهما، على خلق عالم أثيري مصنوع من جماليات التخيل وبهاء التصورات.

وكما هو شأن رفيقيه، حرص أمين على تحميل لغة النثر كل ما تحتاجه من قوة السبك وطاقة الإيحاء. وإذ تداوى أبو نواس بالخمرة، قبله بقرون عدة، جهد نخلة عبر «المفكرة الريفية»، في تحويل الطبيعة منتجعاً للفرح، وتحويل الجمال علاجاً مجانياً، فكتب قائلاً: «إن عصر المداواة بالزهر كان عصراً شهياً؛ إذ كان بالأرج يُداوى، وبالمَلاحة يُطَبَّب، وكان صاحب العلّة من الناس يُقبل على الطبيعة وهي قائمة على ساقها، أو هي طحينٌ في علبة وعجينٌ في حُقّ».



الخيام... مدينة الشعراء وقصيدة الجنوب الكبرى

حسن عبد الله
حسن عبد الله
TT

الخيام... مدينة الشعراء وقصيدة الجنوب الكبرى

حسن عبد الله
حسن عبد الله

إذا كان التضافر الخلّاق للتاريخ والجغرافيا مع المعاناة القاسية والهوية القلقة، قد جعل من الجنوب اللبناني خزاناً للشعر يتعذر نضوبه، فإن ثمة بين جنباته حواضر ومدناً وبلدات بدت أكثر من سواها قادرة على رفد هذا الخزان بالقدر الأكبر من الشعراء والكتاب والمبدعين، كما هو حال النبطية ومرجعيون وبنت جبيل وصور وعيناتا وشقراء والخيام، على سبيل المثال لا الحصر. ومع أن كل حاضرة من الحواضر التي ذكرت، تستحق الاحتفاء بكتابها وشعرائها ومبدعيها؛ كل على حدة، فإن اختيار «الخيام» محوراً لهذه المقالة، لم يكن سببه التقليل من شأن المدن والحواضر الأخرى، بل لأنها بحكم موقعها الحساس، تتحمل مع كل حرب تقع، أكثر أشكال المواجهة مع الغزاة قسوةً وعنفاً، ولأنها تشكل على الدوام رأس حربة الدفاع عن الجذور وحراسة الهوية.

ولعل ما ينطبق على لبنان وجنوبه، بشأن التضاد المتعلق بنعمة الجغرافيا ونقمتها، إنما يجد في بلدة الخيام برهانه النموذجي وشاهده الأمثل. ذلك أن الثراء المشهديّ الذي أتاح للبلدة أن تطل على قمم جبل الشيخ ومنحدراته، كما على الجليل الفلسطيني، وعلى السهل الفسيح المسمى باسمها، وعلى جهات مرجعيون وقلعة الشقيف وبلدات الحدود، فضلاً عن وقوعها على هضبة عالية تشبه ظهر الفرَس، هو ما أمدّها بعدد غير قليل من المبدعين، وغذَّى نصوص شعرائها بكل أشكال الاستعارات وضروب التخييل.

حبيب صادق

وإذا كان محرك البحث «ويكيبيديا»، قد عرّف الخيام بأنها البلدة التي «اشتهرت بسهلها وشعرائها ومعتقلها»، فإن أكثر ما يلفت في هذا التعريف، هو تمكّنه عبر مفردات ثلاث من العثور على هوية للبلدة، تجمع بين جماليات المكان، وجمالية التعبير عنه، وتكلفة جماله الباهظة. واللافت أن عدد الشعراء والمبدعين الذين تبرعمت مواهبهم فوق أرض الخيام، لا يقل أبداً عن عدد الينابيع التي تفتحت في كنف سهلها الفسيح، وبين هؤلاء عبد الحسين صادق وعبد الحسين عبد الله وسكنة العبد الله وحبيب صادق وكامل العبد الله ومحمد العبد الله وعصام العبد الله وحسن عبد الله، وكثر غيرهم.

وحيث يجدر التنويه بأن المكان والنشأة المتقاسمين بين الشعراء المذكورين، لم يجعلا منهم نسخاً مكررة، ومتماثلة الأسلوب والرؤية إلى العالم. إلا أن ما جمعهم، على تفاوت المواهب والمستويات، هو وفاؤهم للمكان الأصلي الذي انبثقوا عنه. حتى إذا جذبهم بسحره المغوي بريق المدن، أو أجبرتهم الحروب المتعاقبة على النزوح باتجاه بيروت، ظلوا كما فعل الشريف الرضي، يتلفتون بالقلب نحو مساقط الحياة الأم، ويلأمون بالشعر والحنين المسافة الفاصلة بين مواطئ الجسد ومواطن الروح.

ومع أن التجارب الشعرية، المتباينة لغةً وأسلوباً، لكل من حسن ومحمد وعصام العبد الله، قد شكلت الأضلاع الثلاثة الأكثر تميزاً لمثلث الشعر «الخيامي»، إلا أن مقتضيات الوفاء والإنصاف، توجب التنويه بالتجربة الشعرية المبكرة لحبيب صادق، الذي حالت التزاماته النضالية والاجتماعية والثقافية المتنوعة دون متابعتها إلى نهاية الشوط. وإذا كان صادق قد استعاض عن كتابة الشعر بتأسيس «المجلس الثقافي للبنان الجنوبي»، وتعهُّد الشعراء والكتاب الجنوبيين بالرعاية والحدب والاهتمام، فإن ذلك لم يمنعه من إصدار عديد من المجموعات، التي حرص فيها على المزاوجة بين النسقين الخليلي والتفعيلي، وعلى حقن النصوص «الملتزمة» بشحنات متفاوتة من الغنائية الرومانسية والشجن العاطفي. وهو ما يبدو واضحاً في أبياته المغنّاة:

شدَي عليكِ الجرح وانتصبي عبر الدجى رمحاً من اللهبِ

يا ساحة الأنواء كم عصفتْ فيها خيول الهول والرعُبِ

أهلوكِ لا سورٌ من الكذِبِ أهلوكِ لا قنّاصةُ الرتبِ

صدّوا الرياح السودَ يحْفزهم جرح التراب وأنةُ العشُبِ

أما حسن عبد الله فقد بدت تجربته الشعرية مدينة لموهبة شديدة التوقد، كما لإصغاء عميق إلى كل ما ينمّ عنه تراب الخيام من عبق الروائح وهسيس الأصوات، وتنقّل الكائنات الحية بين باطن الأرض وغلافها الخارجي. لا بل إن ما منح صاحب «أذكر أنني أحببت» مكانته الإبداعية المرموقة، لم تكن ثقافته العالية وسعة اطّلاعه فحسب، بل إمعانه الدؤوب في التنقيب عن مناجم طفولته الغنية، التي أمدَّته بقدر غير قليل من البساطة واالصفاء التعبيري والتبصر الدائم في كنه الأشياء. وإضافة إلى ذكائه الحاد وسخريته اللماحة، امتلك حُسن القدرة على تسييل الحواس الخمس، عبر نصوص رشيقة الجرْس وغنية بالصور والاستعارات والمفارقات المباغتة.

ورغم أن تجربة حسن عبد الله قد ذهبت بعيداً في تنوع أسئلتها وموضوعاتها، فإن معاناة الجنوب اللبناني، والخيام على وجه الخصوص، ظلت شغله الشاغل وحجر الزاوية في عديد من قصائده. وإذا كانت قصيدته «الدردارة»، التي أخذت اسمها من حوضٍ مائي مترع بالخضرة عند أطراف بلدته، قد بدت درة أعماله، فلأنه استطاع أن يحوِّلها إلى معلَّقة حديثة، يختلط فيها الحنين مع الرغبات الأولية، والماضي مع الحاضر، والفراديس الوارفة للماضي مع جهنمات الحاضر وكوابيسه المتجددة. والخيام التي نبت فيها حسن مع أعراس العصافير، وصباحات التين، وزمن الهناءة اللازوردي، هي نفسها التي حوَّلتها الطائرات المعادية ذات الاجتياح الغادر، إلى أثر بعد عين، ليقول في ذلك:

تأتي الطائرات وأرحلُ

الطائراتُ، ويثبتُ الولد اليتيمُ

وطابتي في الجوّ،

إني مائلٌ شرقاً

وقد أخذ الجنوب يصير مقبرةً بعيده

وحين كان حسن عبد الله يغادر بلدته الخيام ليحط رحاله في صيدا، عاصمة الجنوب اللبناني، كان محمد العبد الله، ذو القامة الباسقة والمنكبين العريضين والصوت الأجش، يواصل رحلته باتجاه بيروت، شأنه في ذلك شأن أقرانه الكثر من شعراء الجنوب وكتابه وفنانيه، الذين رأوا في «لؤلؤة المتوسط» كل ما يحلمون بتحقيقه من آمال، وما يجيش في دواخلهم من رغبات. وحيث بدا اصطدام ذلك الجيل الأعزل، إلا من براءته الريفية وطموحه الرومانسي، بإسمنت المدينة الأصم وأبراجها الشاهقة، أمراً لا بد من حدوثه، فقد استطاع محمد العبد الله، بما يملكه من موهبة فطرية وتحصيل ثقافي مبكر، أن يعبّر في قصيدته الفريدة «بيروت» عن مكابدات ذلك الجيل وهواجسه وأسئلته المؤرقة.

لكن سوء التفاهم المرير الذي حكم العلاقة بين المدينة ومثقفي الأطراف، سرعان ما أخلى مكانه لعلاقة أقل توتراً، زادها وثوقاً شغف الوافدين بالمغامرة ورغبتهم في تحقيق الذات. على أن الانغماس في العالم الجديد، قد ولّد لدى الشعراء الهابطين من القرى، شعوراً بالذنب منبعه الخشية من تحول الجنوب إلى أضغاث مبهمة ومشرفة على التلاشي. ومرة أخرى كان صاحب «مصرع دون كيشوت» يؤرّخ لغروب العالم الريفي، ويهتف بحرقة بالغة:

الدم الزراعي ينزف عشباً أخيراً

الدم الزراعي ماتْ

انتهى زمن الذكرياتْ

رأيت دماءً بفصلين:

فصل تراجع نحو الحكايه

وفصل يصير إلى لا نهايه

وإذ يصعب أخيراً تناول شعراء الخيام الكثر، كلٍّ على حدة، إلا أنه من غير الجائز إسقاط تجربة عصام العبد الله من المشهد الشعري الخيامي. صحيح أن ما كتبه الشاعر من قصائد ومقطوعات، قد اقتصر على مجموعات ثلاث مكتوبة بالمحكية اللبنانية، إلا أن الشاعر القادم من الفصحى، استطاع بتمكّن لافت، أن يدمغ ببصمته الخاصة وأسلوبه الطريف، مجمل النصوص التي كتبها.

ومع أن صاحب «سطر النمل» كان عاشقاً لبيروت، بشوارعها ومكتباتها وبحرها ومقاهي رصيفها، إلا أنه ظل ملفوحاً كأترابه الكثر، بكل ما تحمله إليه رياح الجنوب من مسرَّات الطفولة، وقلامات الألم، وأزمنة الوداعة المنقضية، حتى إذا التفت كغيره باتجاه الجنوب المثقل بالمكابدات، والذي حوّله النأي والصمود الدامي إلى ما يشبه الأسطورة، كتب عصام عبد الله قائلاً:

كانْ في جبلْ إسمو جبلْ عاملْ

وكانِ الوقتْ قبلِ العصرْ بِشوَيْ

بكّيرْ تيْصلّي

تْمَدّدْ عَ كرسي إسْمها الخْيامْ

كتْفو الشْمالِ ارتاحْ عَ الجولانْ

كتْفو اليمين ارتاحْ عَا نيسانْ

إسْمو جبلْ عاملْ التجارب الشعرية لكل من حسن ومحمد وعصام العبد الله شكَّلت الأضلاع الثلاثة الأكثر تميزاً لمثلث الشعر الخيامي


واجهة قصر الحير الغربي

واجهة قصر الحير الغربي مع تفصيل يكشف عن بعض من عناصره التصويرية
واجهة قصر الحير الغربي مع تفصيل يكشف عن بعض من عناصره التصويرية
TT

واجهة قصر الحير الغربي

واجهة قصر الحير الغربي مع تفصيل يكشف عن بعض من عناصره التصويرية
واجهة قصر الحير الغربي مع تفصيل يكشف عن بعض من عناصره التصويرية

تُزيّن مدخل متحف دمشق الدولي منذ منتصف خمسينات القرن الماضي واجهة معمارية ضخمة يحدّها برجان، وتكسوها شبكات من النقوش الزخرفية المتقنة، تتوزّع على مساحات سطحها، وتبلغ قمّة برجيها. يبلغ طول هذه الواجهة نحو 15 متراً، وتعود إلى الحقبة الأموية، ومصدرها قصر يُعرف باسم قصر الحير الغربي، كشفت عنه بعثة فرنسية قادها عالم الآثار دانيال شلومبرجير بين عام 1936 وعام 1938.

مثل العديد من القصور الأموية التي أنشئت في وسط صحاري بلاد الشام الواسعة، كان قصر الحير الغربي خربة منسية ترتفع أطلالها على تخوم البادية السورية، بين مدينة تدمر ومدينة القريتين، غير أن الجزء الأكبر منه كان مطموراً تحت التراب. مرّ بهذه الخربة عدد من الرحّالة والبحّاثة، وتوقّفوا أمام ما ظهر من أسسها، وبدا لهم أنها تعود إلى الحقبة الرومانية. قصد العالم الألماني ثيودور ويغاند تدمر مراراً لدراسة آثارها بين عام 1902 وعام 1917، وقدّم وصفاً عاماً لهذه الخربة في بحث صدر في 1932. كذلك، جاء الكاهن الفرنسي رافاييل سافينياك برفقة زميله أنطونين جوسين من «مدرسة الكتاب المقدس» في القدس، وتوجّه إلى تدمر لدراسة نقوشها الكتابية في صيف 1914، وتوقّف أمام هذا الموقع، وذكره في دراسة عرض فيها نتائج هذه الرحلة الاستكشافية، نُشرت في مطلع عام 1920.

بدوره، قام الكاهن اليسوعي أنطوان بوادوبار في مطلع الثلاثينات برحلة جوية فوق البادية السورية بحث خلالها عن آثار روما، وشملت هذه الرحلة خربة قصر الحير الغربي، وكشفت لأوّل مرة عن امتداد مساحتها المطمورة تحت الرمال. جاء هذا الكشف ضمن كتاب نشره بوادوبار في 1934، وتضمّن صوراً جويّة ورسماً تخطيطياً لهذا الموقع شكّلت أساساً للحملة الفرنسية التي انطلقت في عام 1936 تحت قيادة دانيال شلومبرجير، وامتدّت على مدى سنتين. خرجت هذه الحملة بمجموعة هائلة من اللقى تجاوز عددها 50 ألفاً، يعود القسم الأكبر منها إلى حلل زينية ثرية متعدّدة الأنواع والأشكال تعود إلى العصر الأموي، وتمثّل زينة هذا القصر الاستثنائي. نُشر التقرير المطوّل الخاص بهذه الحملة في عام 1939، وجاء في حلقتين مفصّلتين، استعرض فيهما شلومبرجير حصيلة عمله المتأنّي.

تبيّن أنّ الأطلال التي مرّ بها الرحالة خلال العقود الأولى من القرن الماضي تعود فعلاً إلى ما قبل العصر الإسلامي، وأبرزها برج بيزنطي أُعيد استخدامه في بناء قصر أموي الطابع، حيث ثُبّت في الزاوية الشمالية الغربية من هذا القصر. شُيّد هذا البناء على أنقاض دير بناه في القرن السادس للميلاد الحارث بن جبلة، سادس ملوك الغساسنة، واستمدّ حاجته من المياه عن طريق قناة تربطه بخزان يتغذّى من سد أُقيم قبل الإسلام، يُعرف باسم سد خريقة. وكان لهذا السد ثلاث فتحات، منها تجري المياه وتتفرّع إلى القصر والمنشآت المجاورة له، وهي الحمّام الملاصق له في الركن الجنوبي الغربي، والبستان الذي أضحى تراباً في الصحراء، والقصير الذي يبعد عنه مسافة 10 كيلومترات، وقد بقيت منه بوابته الحجرية التي تحمل كتابة بالخط الكوفي جاء فيها: «بسم الله الرحمن الرحيم لا إله إلا الله وحده لا شريك له أمر بصنعة هذا العمل عبد الله هشام أمير المؤمنين أوجب الله أجره عمل على يدي ثابت بن أبي ثابت في رجب سنة تسع ومائة».

اتّضح أن هشام بن عبد الملك أمر ببناء هذا القصر في عام 727، وتأكّدت هذه النسبة حين نجح العلماء في فك جزء من كتابة ثانية نُقشت على حجر رخامي مهشّم رمّمه أهل الاختصاص، وفيه: «بسم الله/ من هشام أمير المؤمنين إلى/ الوليد أبي العباس/ أحمد الله إليك». اشتهر هذا القصر الذي يقع جنوب غرب تدمر باسم قصر الحير، وهو الاسم الذي اشتهر به قصر أموي آخر يتميّز بضخامته، ويقع شمال شرق تدمر. ولهذا، سُمّي الأول باسم قصر الحير الغربي، وسُمّي الآخر باسم قصر الحير الشرقي.

انكبّ شلومبرجير بمعاونة فريقه العلمي على دراسة هذا الموقع، وأنجز دراسة توثيقية معمّقة شملت أصغر تفاصيله، فتمكّن من إعداد خريطة هندسية مفصّلة لبناء القصر ومحيطه. شُيّد أساس القصر على شكل مربّع طول كل ضلع من ضلوعه 70 متراً، وتمّ دعم جدرانه الخارجية بأبراج مستديرة، منها البرج البيزنطي في الزاوية الشمالية الغربية. تميّز الجدار الشرقي ببوابة عظيمة، تنفتح على دهليز يقود إلى فناء يتوسّطه حوض صغير. يحيط بهذه البوابة من كل طرف برج نصف دائري زيّن بالزخارف، أما الجدران الثلاثة الأخرى، فكان كل منها مدعوماً ببرج نصف دائري أقيم في وسطه. شكّلت قاعات القصر 6 بيوت مستقلة، واختلف عدد الحجرات في هذه البيوت من 8 إلى 13.

ارتفعت واجهة مدخل القصر وبلغت نحو 15 متراً، وكانت هذه الواجهة أنقاضاً حين تعرّف إليها فريق التنقيب الفرنسي في مكانها الأصلي، فجمع قطعها المبعثرة، وأعاد تركيبها بجهد جهيد. في منتصف الخمسينات، اختيرت هذه الواجهة لتكون مدخلاً لمتحف دمشق الدولي، فباتت منذ ذلك التاريخ معلماً من أشهر معالمه. تغطّي هذه الواجهة مجموعة متناغمة من الزخارف المنجزة بتقنية الجص المنقوش، تجمع بين الأشكال الهندسية التجريدية والأشكال التصويرية المحوّرة، في تناسق مثالي يشهد لرهافة التزيين المعماري الأموي المدني. تمثل هذه الأشكال منجماً مفتوحاً يصعب تحديد عناصره بشكل كامل، وتحوي نقوشاً تصويرية تقارب في نتوئها البارز النحت الثلاثي الأبعاد، منها منحوتات آدمية وحيوانية، تتجلّى قيمتها الفنية من خلال قراءة تحليلية متأنية لها.

ضمّ القصر كذلك واجهة داخلية زيّنت الجدار الداخلي الذي يقع خلف الرواق الشرقي، وبقيت منها أنقاض تمّ جمعها ونقلها إلى المتحف، حيث أعيد تركيبها على هيكل من الأسمنت المسلّح طوله 16 متراً. تشكّل هذه الزينة الداخلية امتداداً للزينة الخارجية، وتشهد لحرفية عالية تجمع بين الحجر والطوب والآجر، إضافة إلى العوارض الخشبية. تتبنّى هذه الزينة تقليداً فنياً محلياً اتُّبع في زمن الأمويين، ذلك أننا نجد رديفاً لها في مواقع أخرى، أهمّها موقع قريب من مدينة أريحا في فلسطين، يُعرف بخربة المجفر، وفيه قصر آخر أنشأه كذلك هشام بن عبد الملك، عاشر خلفاء بني أمية.


رحلة شعرية إلى بغداد

رحلة شعرية إلى بغداد
TT

رحلة شعرية إلى بغداد

رحلة شعرية إلى بغداد

صدر أخيراً عن دار «أكورا» المغربية كتاب «سنة أخرى من الاشتياق» للشاعر والناقد الفني فاروق يوسف.

وهو عبارة عن رحلة شعرية إلى بغداد، المدينة التي لم يرها الشاعر منذ نحو ثلاثين سنة.

يبدأ الكتاب بمفتتح:

«سنة واحدة وأعود» قلت لأمي. بعد عشرين سنة قالت لي من خلال الهاتف «ألم تنتهِ تلك السنة؟» صمتُ. كنت خجلاً لأني أخلفت وعدي. سمعتها تقول «لا بأس سأضيف عليها سنة أخرى، ربما تساعدني الملائكة على تحملها»، لا تدري أمي أنها وضعت في رقبتي جرساً فيما ذهبت بالبقرة إلى مكان خفي».

ومن الكتاب: «يوم كانت بغداد هي المدينة كنت أنعم برؤية مدن العالم. أما حين اختفت بغداد وانفصلت عن جنتها، فلم أعد أثق بالمدن. صرت أمرّ بالمدن كما لو أنها هي التي تمرّ بي. القطار السريع الذي يقلني يحملها هي الأخرى. سنضحك ونبكي حين نلتقي في محطات مهجورة، ولكن أصابعي لا تزال ممسكة بأزقة ضيقة على الخريطة، التي فرشتها على الطاولة. لن أسمح لمطابخ العالم بأن تزيح المطبخ العباسي من البيت. ذلك ما قررته وأنا أعرف أن لا بيت لي. فأنا في الطريق. تلك طريق تقيم على جانبيها مدن تيرنر، وإليوت، وفرجينيا وولف، وجيمس جويس، وكلود مونيه، وشارل بودلير وبروست، وروفائيل، وباخ، وغوته، وفيلاسكز وفليني، ولكن رائحة الباقلاء بالدهن تشد أعصابي. ما أزال طفلاً. المراهق يلعب بأصابعي والشاب هو الذي يعنى بخزانة ثيابي. المشرد الذي صرته لا يزال يقوى على أن يقف في منتصف الطريقة ويعود أدراجه. هناك مسافة للركض في الغابة لن يتمكن الكلب فيها من اللحاق بي ونحن نلعب. لا رغبة لديّ في العودة إلى حطام البيت لأتناول فطوري مثل طفل صحا من النوم، ليكتشف أن الطائرات أبقته حياً من أجل أن يغطي بكاؤه على ضجيجها. لقد سلمت حياتي للفوضى. وحياتي لا ثمن لها».