تحالف حقوقي يكشف عن وسائل الحوثيين لاستقطاب القاصرين

الانقلابيون استحدثوا معسكراً لتجنيد الأطفال في الحديدة

مناورة عسكرية مصغرة نظمتها الجماعة الحوثية بالأطفال الذين جندتهم (أ.ب)
مناورة عسكرية مصغرة نظمتها الجماعة الحوثية بالأطفال الذين جندتهم (أ.ب)
TT

تحالف حقوقي يكشف عن وسائل الحوثيين لاستقطاب القاصرين

مناورة عسكرية مصغرة نظمتها الجماعة الحوثية بالأطفال الذين جندتهم (أ.ب)
مناورة عسكرية مصغرة نظمتها الجماعة الحوثية بالأطفال الذين جندتهم (أ.ب)

كشفت منظمة حقوقية عن وسائل الجماعة الحوثية لاستقطاب القاصرين والتعامل مع ذويهم بعد مقتلهم، في الوقت الذي أنشأت فيه الجماعة معسكراً تدريبياً في محافظة الحديدة التي تشهد نشاطاً عسكرياً حوثياً مكثفاً، وأجبرت الأهالي على إلحاق أبنائهم به قسراً.

وذكرت مصادر مطلعة في جنوب محافظة الحديدة (غرب اليمن) أن الجماعة الحوثية أنشأت المعسكر للأطفال المجندين في منطقة الأشاعرة التابعة لمديرية جبل رأس، وطلبت من الأهالي إلحاق أبنائهم به، متوعدة بمعاقبة مَن يتخلف عن ذلك، حيث يشهد المعسكر تدريبات مكثفة لأطفال استقدموا من المديريات المجاورة.

وأبدى أهالي المديرية استياءهم وقلقهم من هذا التطور الذي عدوه خطيراً، وينذرهم بتجنيد أطفالهم قسراً، بعد أن كانت عمليات التجنيد في السابق تتم من خلال مساعي القادة الحوثيين والأعيان الموالين لهم، وبإغراء الأهالي بحصول أبنائهم على رواتب وامتيازات، إلى جانب التهديد المحدود الذي يمكن تلافيه بدفع الأموال للجماعة.

وطبقاً للمصادر، فإن الأنشطة الميدانية لمشرفي الجماعة الحوثية في أوساط السكان، والمتزامنة مع التحركات العسكرية المتزايدة في محافظة الحديدة أخيراً، تشير إلى أنها عازمة على تجنيد أكبر عدد من الأطفال وإلحاقهم بمعسكراتها وجبهاتها.

عرض نظمته الجماعة الحوثية جنوبي الحديدة بالتزامن مع إنشاء معسكر للأطفال (إعلام حوثي)

وكانت وزارة حقوق الإنسان اليمنية أعلنت، منتصف الشهر الماضي، أن مكتبها في صنعاء رصد 609 حالات تجنيد لمراهقين دون سن الـ18 عاماً في مديرية الدريهمي التابعة لمحافظة الحديدة خلال عام فقط، وأخضعتهم على دفعات لدورات عسكرية وتعبئة طائفية.

استغلال الفقر

كشف التحالف اليمني لرصد انتهاكات حقوق الإنسان (تحالف رصد)، أخيراً، عن واقعة مقتل طفل من محافظة حجة (شمال غرب)، بعد 8 أشهر من تجنيد الجماعة الحوثية له، وتنظيم مراسم تشييع مُنِعت والدته وعائلته خلالها من رؤية جثمانه، وتهديدها من عواقب التشكيك أو الاعتراض على تلك الإجراءات، وإجبارها على قبول تعويضات رمزية.

ويذكر «تحالف رصد» أن الطفل غمدان الأحوس، الذي لم يتجاوز الرابعة عشرة من العمر، والمنتمي إلى مديرية الجميمة التابعة لمحافظة حجة، قتِل في 21 من سبتمبر (أيلول) الماضي بعد 8 أشهر من استقطابه من مشرفي التجنيد في الجماعة الحوثية، وإلحاقه بمعسكرات التجنيد والزج به في خطوط قتالها الأمامية.

أطفال جندتهم الجماعة الحوثية خلال 2024 في وقفة تحدٍ لتحالف الازدهار (غيتي)

وجرى تجنيد الأحوس في 23 فبراير (شباط) الماضي، بعد أن انقطع عن الدراسة منذ العام الدراسي 2019-2020، الذي كان خلاله في المرحلة السادسة من التعليم الابتدائي، ولم يستطع مواصلة التعليم بسبب الأوضاع المعيشية الصعبة التي فرضها كل من الانقلاب الحوثي والحرب، إلى جانب تسببهما في تدهور التعليم.

وينتمي الأحوس إلى أسرة فقيرة توفي عائلها منذ سنوات، وتركها في حالة شديدة من العوز، وبسبب اليتم والفقر لم يتمكن من إكمال تعليمه.

واتهم التحالف الحقوقي الجماعة الحوثية باستغلال حالات الفقر والعوز لدى العائلات الريفية، ومن خلال الرصد الميداني، وجد أن تركيزها ينصب على المناطق والعائلات الفقيرة ومحدودة التعليم.

وبين التحالف أن الطفل الأحوس تعرض لغسل دماغه عبر الجلسات اليومية مع أفراد يتبعون الجماعة الذين عملوا على تزويده بنبتة «القات» المخدرة و«الشمة» (مسحوق التبغ)، وهو ما تسبب في إدمانه عليهما، وأثناء تلك الجلسات كان يجري التأثير عليه من قبلهم وبسماع الأناشيد الحماسية التي تهتم الجماعة الحوثية بإنتاجها، والمعروفة شعبياً باسم «الزوامل».

باسم التضامن مع غزة وجنوب لبنان جنَّد الحوثيون آلاف الأطفال خلال الأشهر الأخيرة (أ.ب)

كما استمع خلال مجالسته للأفراد الحوثيين إلى محاضرات حول مزاعم الجماعة عن ضرورة قتال «اليهود والأمريكان» ليؤدي كل ذلك إلى اقتناعه بالالتحاق مع أقرانه ممن جرى تجنيدهم سابقاً.

وتزامن ذلك مع نشاط مسؤولي التعبئة العامة في المحافظة وإدارة أمن مديرية الجميمة في استقطاب عدد من الأطفال والمراهقين، ليكون الأحوس من بين من جرى دعوتهم لحضور دورة تدريبية قتالية وفكرية، في معسكر أبو طير العسكري الذي يقوده القيادي الحوثي عماد القاضي.

تكثيف أنشطة التحشيد

بعد ثلاثة أشهر من تجنيده تخرج غمدان، وتم تسمية الدفعة التي كان أحد أفرادها باسم «دفعة طوفان الأقصى»، ومُنِح إجازة لثلاثة أيام لزيارة أسرته، قبل أن يدفع به مع آخرين إلى جبهة حرض وميدي، شمال غربي اليمن، لتنقطع أخباره بعدها.

طفل ناجِ من معارك الحوثيين يشرح المهارات القتالية التي تلقاها (أرشيفية - أ.ب)

وبعد نحو خمسة أشهر اتصل المسؤول الحوثي، زيد دهشوش، والمعين مديراً لأمن المديرية، بأسرته وأخيه، لإبلاغهم عن مقتله، رافضاً الإدلاء بمعلومات تفصيلية حول ذلك.

ويؤكد مطهر البذيجي، الرئيس التنفيذي لـ«تحالف رصد»، أن الجماعة الحوثية تواصل تحشيد وتعبئة الأطفال لتجنيدهم والزج بهم في جبهات القتال بوتيرة عالية، خصوصاً في الفترة الأخيرة بعد سقوط نظام بشار الأسد في سوريا، استعداداً لأي مواجهات محتملة مع الأطراف اليمنية الأخرى، منوهاً إلى أن المعلومات الميدانية تفيد بعقد مسؤولي التعبئة والتحشيد الحوثيين دورات مكثفة ونزولاً إلى المدارس.

ويوضح البذيجي لـ«الشرق الأوسط» أن هؤلاء المسؤولين يطلبون من مديري المدارس إلزام جميع الطلاب بالحضور، ولفت نظر وإنذار ولي أمر كل من يتغيب عن تلك الدورات التي تستخدم فيها حرب غزة مبرراً للدعاية من أجل تعبئة الأطفال وغسل أدمغتهم وتجنيدهم.

الجماعة الحوثية تواصل حشد المزيد من المقاتلين تحت مزاعم مناصرة سكان غزة (أ.ب)

ويشير إلى أن عمليات الرصد والتوثيق لانتهاكات تجنيد الأطفال تتم عبر راصدين وباحثين ميدانيين، يعملون على إجراء مقابلات مع ذوي الضحايا والشهود، ومن خلال الرصد من المصادر المفتوحة والإنترنت وإعلام الحوثيين، وما ينشر من أخبار وفيديوهات خاصة بتجنيد الأطفال.

ويقول التحالف الحقوقي إنه رصد تجنيد الجماعة الحوثية 7171 قاصراً خلال الفترة ما بين سبتمبر (أيلول) 2015 وحتى سبتمبر (أيلول) 2024، قتل منهم 5552 أثناء الأعمال القتالية والعسكرية، وأصيب 48، إلى جانب مصير مجهول لـ 907 آخرين، في حين عاد منهم 161 إلى عائلاتهم، مع استمرار 503 في القتال في صفوف الجماعة.

وتشير إحصاءات متفرقة إلى تجنيد الجماعة الحوثية منذ سيطرتها على صنعاء عشرات الآلاف من الأطفال، وتقدر بعضها عددهم بأكثر من 30 ألف طفل.


مقالات ذات صلة

وفاة عبد ربه منصور هادي... الرجل الذي قاد اليمن في أصعب مراحله

بروفايل وفاة عبد ربه منصور هادي... الرجل الذي قاد اليمن في أصعب مراحله (سبأ)

وفاة عبد ربه منصور هادي... الرجل الذي قاد اليمن في أصعب مراحله

توفي الخميس، الرئيس اليمني السابق عبد ربه منصور هادي، بعد مسيرة امتدت لثمانية عقود، عاصر خلالها مختلف التحولات السياسية في اليمن.

عبد الهادي حبتور (الرياض)
خاص لقاء وزير الدفاع اليمني بالمستشار العسكري للمبعوث الأممي لليمن في عدن (سبأ)

خاص وزارة الدفاع اليمنية: ماضون في توحيد القرار العسكري وإنهاء تعدد التشكيلات

أكّدت وزارة الدفاع اليمنية استمرار الجهود والترتيبات لتنفيذ استراتيجية توحيد القرار العسكري، وإنهاء حالة الانقسام، وتعدد التشكيلات المسلحة.

عبد الهادي حبتور (الرياض)
خاص أفاد حيدان بأنَّ التنسيق الأمني بين اليمن والسعودية في أعلى مستوياته (تصوير: تركي العقيلي)

خاص وزير الداخلية اليمني: خلايا الاغتيالات في عدن مموّلة خارجياً... وتسعى لإفشال الدولة

كشف وزير الداخلية اليمني، اللواء الركن إبراهيم حيدان، عن إفشال ما وصفه بـ«أكبر مخطط للاغتيالات السياسية» في العاصمة المؤقتة عدن.

عبد الهادي حبتور (الرياض)
المشرق العربي المشروع ينفذ في 3 مديريات ويخدم أكثر من 360 ألف مستفيد (الشرق الأوسط)

مأرب: وضع حجر الأساس لمشروع تعزيز الأمن المائي

يستهدف مشروع الأمن المائي والطاقة تعزيز مصادر المياه وتحسين كفاءة تشغيلها واستدامتها، من خلال حفر وإعادة تأهيل 11 بئراً مزودة بأنظمة طاقة شمسية.

عبد الهادي حبتور (الرياض)
خاص محافظ شبوة عوض بن الوزير خلال استقباله مسؤولي التحالف والبرنامج السعودي مؤخراً (السلطة المحلية)

خاص الخليفي: التدخلات السعودية في شبوة شملت التنمية والصحة والأمن

التدخلات السعودية في محافظة شبوة مثّلت نموذجاً ناجحاً للتعاون في المجالات التنموية والخدمية والإنسانية والأمنية.

عبد الهادي حبتور (الرياض)

الحكومة اليمنية تحسم الجدل حول دار إيواء المعنفات بحضرموت

تدخل حكومي يمني لحماية 730 امرأة معنفة في حضرموت (إعلام حكومي)
تدخل حكومي يمني لحماية 730 امرأة معنفة في حضرموت (إعلام حكومي)
TT

الحكومة اليمنية تحسم الجدل حول دار إيواء المعنفات بحضرموت

تدخل حكومي يمني لحماية 730 امرأة معنفة في حضرموت (إعلام حكومي)
تدخل حكومي يمني لحماية 730 امرأة معنفة في حضرموت (إعلام حكومي)

حسمت الحكومة اليمنية الجدل الواسع الذي أثير خلال الأيام الماضية بشأن دار إيواء النساء المعنفات في محافظة حضرموت (شرق) بعد موجة من الاعتراضات، والانتقادات التي رافقت الإعلان عن الدار في بعض الأوساط الاجتماعية، مؤكدة أن المنشأة لا تستهدف تشجيع النساء على التمرد على أسرهن، أو تقويض بنية الأسرة اليمنية، وإنما تمثل آلية للحماية الاجتماعية، والإنسانية تخضع لإشراف حكومي مباشر، وضوابط قانونية محددة.

وجاء التوضيح الحكومي عقب أيام من النقاشات الحادة، والتفسيرات المتباينة بشأن طبيعة عمل الدار، وأهدافها، إذ أصدر مكتب وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل بساحل حضرموت بياناً أكد فيه أن كثيراً من المعلومات المتداولة استندت إلى روايات غير دقيقة، وأن الصورة التي جرى ترويجها لا تعكس طبيعة الدور الذي أنشئت من أجله الدار.

وأوضح المكتب أن دار الإيواء ليست جهة لتشجيع الخلافات الأسرية، أو تفكيك الروابط الاجتماعية، كما أنها لا تمثل ملاذاً للهروب من الأسرة، بل خدمة اجتماعية مؤقتة تستهدف النساء اللاتي يواجهن ظروفاً استثنائية تستدعي الحماية، والرعاية وفقاً للقوانين النافذة، والضوابط المعمول بها.

وبحسب البيان الحكومي، فإن الدار مخصصة لاستقبال النساء اللاتي لا يجدن مأوى آمناً نتيجة مشكلات اجتماعية أو أسرية معقدة، أو اللواتي يتعرضن للعنف، أو التهديد، أو الاستغلال، بما يضمن حمايتهن من المخاطر المحتملة التي قد تواجههن في حال بقائهن دون رعاية، أو مأوى.

حملة تحريض استهدفت دار إيواء المعنفات في حضرموت (إعلام حكومي)

وأشار المكتب إلى أن وجود مثل هذه المرافق يسهم في الحد من حالات الابتزاز والاستغلال التي قد تتعرض لها بعض النساء في الظروف الاستثنائية، كما يتيح معالجة الإشكالات الأسرية عبر تدخلات اجتماعية ومهنية تراعي أحكام الشريعة، والقانون، وتحافظ على السرية، والخصوصية.

وأكدت السلطات أن الدار تعمل تحت إشراف مكتب وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل، وبالتنسيق مع مكتب وزارة الأوقاف والإرشاد، والجهات المختصة الأخرى، بما يضمن توجيه خدماتها نحو الإصلاح الاجتماعي، والحماية الإنسانية بعيداً عن أي أهداف أخرى يجري الترويج لها.

الحالات المستقبَلة

أوضح البيان الحكومي اليمني أن الدار لا تستقبل الحالات بشكل عشوائي، وإنما تستقبل النساء المحالات من الجهات المختصة، وفي مقدمتها الأجهزة الأمنية، والجهات الاجتماعية، بعد دراسة أوضاعهن، والتأكد من حاجتهن إلى الرعاية المؤقتة.

كما تشمل الخدمات النساء القادمات من خارج المحافظة ممن لا يجدن مكاناً آمناً للإقامة إلى حين تسوية أوضاعهن، إضافة إلى بعض الحالات التي تنتهي إجراءاتها القانونية في السجون، بينما يرفض ذووها استقبالها، الأمر الذي يضعها أمام ظروف اجتماعية وإنسانية صعبة.

اتحاد نساء اليمن يلعب دوراً فاعلاً في حماية المعنفات (إعلام محلي)

وكشف مكتب الشؤون الاجتماعية والعمل في ساحل حضرموت أنه تدخل خلال الأعوام الثلاثة الماضية في أكثر من 730 حالة احتاجت إلى الحماية، والرعاية الاجتماعية، وهو ما يعكس حجم الحاجة إلى مثل هذه الخدمات في ظل التحديات الاجتماعية والاقتصادية التي تشهدها البلاد.

وفيما يتعلق بتمويل المشروع، أوضح المكتب أن إنشاء المبنى تم بدعم من الوكالة الكورية للتعاون الدولي عبر برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، واقتصر الدعم على عملية البناء، قبل أن تُسلَّم الدار رسمياً إلى الحكومة اليمنية لتتولى إدارتها، والإشراف عليها.

تحذير من حملات التشويه

ردّت السلطات اليمنية على ما وصفته بحملات التحريض التي استهدفت الدار خلال الأيام الماضية، مؤكدة احتفاظها بحقها القانوني في مقاضاة كل من نشر معلومات مضللة، أو صوراً معدلة باستخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي وبرامج التلاعب الرقمي بهدف تشويه صورة المؤسسة، وإثارة البلبلة المجتمعية.

ورأى البيان أن تلك الحملات تتعارض مع القيم الاجتماعية والأخلاقية، وتسعى إلى إثارة الفتنة، وتغذية الانقسامات بدلاً من دعم الجهود الرامية إلى حماية الفئات الأكثر هشاشة.

وأكدت وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل أن الإسلام أولى المرأة عناية خاصة، وحث على صون كرامتها وحمايتها، مشيرة إلى أن الظروف التي فرضتها الحرب والأزمة الاقتصادية جعلت الحاجة أكبر إلى آليات مهنية توفر الحماية للحالات الأكثر عرضة للمخاطر، والانتهاكات.

وفي حين لا تتوافر إحصاءات رسمية دقيقة بشأن حجم العنف الأسري ضد النساء في اليمن، بسبب ضعف الإبلاغ، والخوف من الوصمة الاجتماعية، فإن تقارير محلية ودولية تشير إلى تصاعد الظاهرة خلال سنوات الحرب.

كما تؤكد الأمم المتحدة أن النزاع المسلح والنزوح وتدهور الأوضاع المعيشية، كلها ساهمت في ارتفاع معدلات العنف المنزلي ضد النساء والفتيات اليمنيات في مختلف أنحاء البلاد.


جيل يمني كامل يدفع ثمن الانقلاب الحوثي

منظر عام للعاصمة اليمنية صنعاء (الشرق الأوسط)
منظر عام للعاصمة اليمنية صنعاء (الشرق الأوسط)
TT

جيل يمني كامل يدفع ثمن الانقلاب الحوثي

منظر عام للعاصمة اليمنية صنعاء (الشرق الأوسط)
منظر عام للعاصمة اليمنية صنعاء (الشرق الأوسط)

في المدن والقرى الخاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية، يتشكل وعي جيل كامل على وقع انقلاب ممتد دخل عامه الثاني عشر، حتى باتت تفاصيل الصراع جزءاً من المشهد اليومي الذي نشأ فيه ملايين الأطفال والشباب، فبالنسبة إلى كثيرين منهم، لم تعد الحرب حدثاً استثنائياً، بل أصبحت الإطار الذي تشكلت داخله طفولتهم ومراهقتهم وبدايات نضجهم.

هذا الجيل الذي وُلد بعض أفراده بعد اندلاع الحرب، أو كان في سنواته الأولى عندما انفجرت الأزمة، لم يعرف من اليمن سوى صور الانقسام السياسي والانهيار الاقتصادي وتراجع الخدمات الأساسية. وبينما يتحدث الآباء عن سنوات أكثر استقراراً شهدت حياة طبيعية نسبياً، تبدو تلك الحكايات بالنسبة إلى كثير من الشباب أشبه بقصص تنتمي إلى زمن بعيد يصعب تخيله.

ويقول عدد من الشباب في مناطق سيطرة الحوثيين لـ«الشرق الأوسط» إن أولى ذكرياتهم لا ترتبط بالمناسبات المدرسية أو الرحلات العائلية بقدر ما ترتبط بأصوات الانفجارات وأخبار الجبهات ومشاهد النزوح والقلق الدائم من المجهول.

ويؤكد هؤلاء أن سنوات مراهقتهم مرت بين أزمات معيشية متلاحقة، وانقطاعات متكررة للخدمات، ومخاوف مستمرة من تدهور الأوضاع، في وقت كان أقرانهم في بلدان أخرى يعيشون تجارب أكثر استقراراً وانفتاحاً على المستقبل.

آلاف المراهقين وصغار السن أخضعهم الحوثيون للتعبئة العقائدية والقتالية (إ.ب.أ)

ويصف مروان، وهو اسم مستعار لطالب جامعي من صنعاء يبلغ من العمر 22 عاماً، شعوره تجاه تلك الفجوة الزمنية بين جيله وجيل والده بقوله إن الأحاديث عن اليمن قبل الحرب تجعله يشعر وكأنها تدور حول بلد مختلف تماماً.

ويشير إلى أنه اضطر إلى تعليق مسيرته الدراسية مؤقتاً والعمل لمساعدة أسرته على مواجهة الأعباء المعيشية المتزايدة، موضحاً أن سقف أحلام كثير من الشباب لم يعد يدور حول تحقيق إنجازات كبيرة أو مشاريع طموحة، بل حول الحصول على وظيفة مستقرة تضمن دخلاً يكفي للعيش بكرامة.

ويعكس هذا الحديث واقعاً أوسع يعيشه آلاف الشباب الذين وجدوا أنفسهم أمام ضغوط اقتصادية متزايدة أجبرتهم على إعادة ترتيب أولوياتهم. فبدلاً من التفكير في التطور المهني أو استكمال الدراسات العليا، أصبح التركيز منصباً على تأمين الاحتياجات الأساسية ومساندة الأسر التي استنزفتها سنوات الحرب الطويلة.

ورغم استمرار العملية التعليمية بدرجات متفاوتة، فإن التحديات التي واجهها قطاع التعليم خلال سنوات الصراع تركت آثاراً عميقة على جودة المخرجات التعليمية ومستوى التأهيل الأكاديمي. ويتحدث طلاب وخريجون عن نقص الإمكانات التعليمية، وضعف فرص التدريب والتأهيل، وغياب البيئة المناسبة لاكتساب المهارات التي تتطلبها سوق العمل الحديثة.

بطالة متصاعدة

مع تزايد أعداد خريجي الجامعات عاماً بعد آخر، تتقلص في المقابل فرص التوظيف في كثير من القطاعات، الأمر الذي يضع آلاف الشباب أمام واقع معقد يتسم بندرة الوظائف وغياب الاستثمارات القادرة على استيعاب الطاقات الجديدة.

ويقول خريج في كلية الهندسة بجامعة إب إنه يشعر بقلق متزايد من أن تتحول سنوات الدراسة الطويلة إلى مجرد شهادة لا تفتح له باباً حقيقياً نحو الاستقرار المهني أو الاجتماعي.

جانب من سوق شعبية في العاصمة صنعاء (الشرق الأوسط)

وتتراوح الخيارات المتاحة أمام كثير من الشباب بين أعمال مؤقتة منخفضة الأجر، وانتظار فرص غير مضمونة، والتفكير في الهجرة بحثاً عن مستقبل أفضل إذا توفرت الإمكانات. كما يواجه بعضهم مخاوف مرتبطة بمحاولات الاستقطاب والتجنيد في ظل استمرار الصراع.

ولا تقتصر الخسائر التي يتحدث عنها الشباب على الجوانب الاقتصادية فقط، بل تمتد إلى أبعاد اجتماعية ونفسية أكثر عمقاً. فالكثير منهم فقدوا أقارب أو أصدقاء خلال سنوات الحرب، كما تضررت شبكات العلاقات الاجتماعية نتيجة النزوح والهجرة والانقسامات التي أصابت المجتمع اليمني.

ويقول أحد الشباب من محافظة عمران (شمال صنعاء) إنه كان في العاشرة من عمره عندما بدأت الحرب، بينما أصبح اليوم على وشك إنهاء دراسته الجامعية، مشيراً إلى أن كامل مسيرته التعليمية جرت في ظل ظروف استثنائية. ويضيف أن أكثر ما يخشاه هو الوصول إلى لحظة التخرج دون أن يجد فرصة عمل تمنحه القدرة على بناء حياة مستقرة.

السلام... الحلم المشترك

في محافظة ذمار (100 كيلومتر جنوب صنعاء)، تقول أسماء، وهي طالبة في المرحلة الثانوية تبلغ من العمر 17 عاماً، إنها لا تتذكر يوماً لم تكن فيه الحرب أو الأزمة الاقتصادية جزءاً من الأحاديث اليومية. وتوضح أن التفكير في المستقبل بات يرتبط أولاً بالسؤال عما إذا كانت البلاد ستتمكن من استعادة الاستقرار الذي يسمح للأجيال الجديدة بالتخطيط لحياتها بصورة طبيعية.

ويرى باحثون اجتماعيون أن سنوات الحرب الطويلة أوجدت لدى قطاع واسع من الشباب قدرة ملحوظة على التكيف مع الظروف المتغيرة والتعامل مع الأزمات المتكررة، إلا أنها في الوقت نفسه تركت آثاراً نفسية عميقة مرتبطة بحالة القلق المستمر وعدم اليقين تجاه المستقبل.

عناصر أمن حوثية تجوب شوارع صنعاء (رويترز)

وعند سؤال الشباب عن أحلامهم المستقبلية، تتباين التفاصيل لكن تتشابه المضامين. فمعظمهم لا يتحدث عن الثراء أو الشهرة أو الطموحات الاستثنائية، بل عن أمور تبدو بديهية في المجتمعات المستقرة، مثل الحصول على وظيفة دائمة، وتوفر الكهرباء والمياه والخدمات العامة، والقدرة على التخطيط للمستقبل دون خوف.

ويقول حميد، وهو شاب عشريني من محافظة إب (193 كيلومتراً جنوب صنعاء)، إن حلمه لا يتجاوز العيش في بلد طبيعي يستطيع فيه الناس العمل والدراسة وبناء حياتهم بعيداً عن الحروب والمخاوف اليومية.

ويؤكد مختصون اجتماعيون أن الشباب في مناطق سيطرة الحوثيين يمثلون اليوم شريحة واسعة تشكلت هويتها في ظل الحرب والانقسام والأزمات المتراكمة. ورغم اختلاف تجاربهم الفردية، فإنهم يتشاركون شعوراً عاماً بأن سنوات مهمة من أعمارهم مضت في ظروف لم يكن لهم دور في صنعها.

ومع ذلك، لا يزال كثير منهم يتمسكون بفكرة أن المستقبل يمكن أن يكون مختلفاً. فبالنسبة إلى جيل لم يعرف السلام إلا عبر روايات الآباء، يبدو السلام أكثر من مجرد مطلب سياسي؛ إنه الشرط الأساسي لاستعادة الحياة الطبيعية، والفرصة الأولى لبناء ما حرمته الحرب من فرص وأحلام ومسارات كان يمكن أن ترسم ملامح جيل كامل بصورة مختلفة.


«إم إس سي» تعلن إصابة سفينة لها بقذيفتين في ميناء أم قصر بالعراق

صورة لسفينة تابعة لشركة «إم إس سي» لدى استيلاء «الحرس الثوري» الإيراني عليها بمضيق هرمز في أبريل الماضي (أرشيفية - رويترز)
صورة لسفينة تابعة لشركة «إم إس سي» لدى استيلاء «الحرس الثوري» الإيراني عليها بمضيق هرمز في أبريل الماضي (أرشيفية - رويترز)
TT

«إم إس سي» تعلن إصابة سفينة لها بقذيفتين في ميناء أم قصر بالعراق

صورة لسفينة تابعة لشركة «إم إس سي» لدى استيلاء «الحرس الثوري» الإيراني عليها بمضيق هرمز في أبريل الماضي (أرشيفية - رويترز)
صورة لسفينة تابعة لشركة «إم إس سي» لدى استيلاء «الحرس الثوري» الإيراني عليها بمضيق هرمز في أبريل الماضي (أرشيفية - رويترز)

قالت شركة (إم إس سي)، أكبر مجموعة شحن حاويات في العالم، اليوم الثلاثاء، إن قذيفتين أصابتا سفينتها (ساريسكا 5) أثناء وجودها في ميناء أم قصر بالعراق أمس الاثنين، مضيفة أن جميع أفراد الطاقم بخير ولم يصابوا بأذى.

وذكرت الشركة أن «الحرس الثوري» الإيراني أعلن مسؤوليته عن الواقعة التي وصفتها بأنها هجوم غير مبرر على ناقلة تجارية محايدة لا علاقة لها بالولايات المتحدة أو إسرائيل، وفقا لما ذكرته وكالة «رويترز» للأنباء.

وأضافت المجموعة في بيان «تشعر (إم إس سي) بقلق بالغ إزاء هذه الهجمات غير المبررة والمخاطر التي تشكلها على بحارتها الأبرياء والتجارة البحرية الحيوية في المنطقة».