الرئيس الفرنسي يهاجم إيران ويحمّلها مسؤولية ضرب الاستقرار في الشرق الأوسط

ماكرون يكشف دور بلاده في التصدي مرتين للصواريخ الإيرانية الموجهة لإسرائيل ومشاركتها في دعم تل أبيب في العمليات المستهدفة ضد «حماس»

الرئيس إيمانويل ماكرون بمعية الرئيس الأميركي والمستشار الألماني ورئيس الوزراء البريطاني في برلين الجمعة (إ.ب.أ)
الرئيس إيمانويل ماكرون بمعية الرئيس الأميركي والمستشار الألماني ورئيس الوزراء البريطاني في برلين الجمعة (إ.ب.أ)
TT

الرئيس الفرنسي يهاجم إيران ويحمّلها مسؤولية ضرب الاستقرار في الشرق الأوسط

الرئيس إيمانويل ماكرون بمعية الرئيس الأميركي والمستشار الألماني ورئيس الوزراء البريطاني في برلين الجمعة (إ.ب.أ)
الرئيس إيمانويل ماكرون بمعية الرئيس الأميركي والمستشار الألماني ورئيس الوزراء البريطاني في برلين الجمعة (إ.ب.أ)

«هبة باردة، هبة ساخنة»: هكذا يمكن توصيف العلاقة بين فرنسا وإيران، التي تتأرجح بين الحرص على الحفاظ عليها وبين فترات التصعيد. فمن جهة، يسعى الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إلى إبقاء قنوات الاتصال مفتوحة مع السلطات الإيرانية.

وكان ماكرون الرئيس الغربي الوحيد الذي التقى نظيره الإيراني مسعود بزشکیان في نيويورك، ويستمر في التواصل معه بشكل دوري عبر الهاتف، كما حدث في الفترة الأخيرة.

وجرى آخر اتصال بين المسؤولين، الأحد الماضي، حيث ركّز الطرفان، وفقاً لبيان صادر عن قصر الإليزيه، على تأكيد ماكرون على «مسؤولية إيران في دعم جهود التهدئة، واستخدام نفوذها لتحقيق هذا الهدف مع الأطراف التي تدعمها والتي تساهم في زعزعة الاستقرار، بهدف التوصل إلى وقف إطلاق النار في كل من غزة ولبنان».

يتضح من لهجة البيان الرئاسي تبني «نبرة تصالحية» مع التعويل على دور إيجابي لإيران في التهدئة ضمن الحربين الدائرتين حالياً في الشرق الأوسط (غزة ولبنان).

في المقابل، لا يتردد ماكرون، سواء بشكل شخصي أو من خلال وزير دفاعه سيباستيان لو كورنو، المقرب منه، في توجيه الانتقادات لطهران، محملاً إياها مسؤولية زعزعة استقرار المنطقة، سواء بشكل مباشر أو من خلال وكلائها.

جنديان يمنيان يرفعان في صنعاء صورة قائد حماس يحيى السنوار الذي قتلته إسرائيل أول من أمس (أ.ب)

مسؤولية إيران في حروب المنطقة

تجلّت هذه الازدواجية مجدداً خلال المؤتمر الصحافي المطول الذي عقده ماكرون ليل الخميس - الجمعة في بروكسل، عقب انتهاء أعمال القمة الأوروبية التي سبقتها قمة خليجية - أوروبية. وفي هذا المؤتمر، لم يتوانَ ماكرون عن توجيه انتقاداته الحادة نحو طهران، محمّلاً إياها المسؤولية عن الوضع المتأزم في الشرق الأوسط. وأكد ماكرون في تصريحاته: «إن إيران و(حزب الله) يتحملان مسؤولية كبيرة جداً عن الوضع الحالي. ذلك أنه رغم أن مصلحة لبنان الأساسية كانت في أن يبقى بعيداً عن الحرب، فإن إيران، من خلال دفع (حزب الله) إليها، فضلت خياراً وقحاً بتعريض اللبنانيين (لمخاطر الحرب) وأن تحمي نفسها منها».

وأضاف ماكرون: «لقد سارعت إيران في تصفية (حسن) نصر الله وبدء العمليات (العسكرية) الإسرائيلية، وعلى (حزب الله) أن يستخلص الدروس من ذلك؛ إذ تترتب عليه التزامات، أولها التخلي عن السلاح ووقف الإرهاب والعنف. اليوم، (حزب الله) أضعف بسبب فقدان زعيمه وتدمير قدراته العسكرية، ولا يوجد من يأسف على هذا الوضع. ينبغي على (حزب الله) أن يتيح للبنانيين فرصة التلاقي والعمل معاً لإيجاد حلول للأزمات المتعددة التي تعصف ببلادهم».

كانت إيران حاضرة في كل ما تناوله ماكرون بشأن الوضع في الشرق الأوسط. ولأول مرة، كشف الرئيس الفرنسي عن مشاركة بلاده في التصدي للصواريخ التي أطلقتها إيران باتجاه الأراضي الإسرائيلية في شهر أبريل (نيسان) الماضي، رداً على استهداف الطيران الإسرائيلي للقنصلية الإيرانية في دمشق.

كما أكد ماكرون، وهو ما سبق أن أشار إليه في مناسبة سابقة، أن القوات الفرنسية المتمركزة في الشرق الأوسط ساهمت في بداية شهر أكتوبر (تشرين الأول) الحالي في التصدي مجدداً للصواريخ الإيرانية الموجهة نحو إسرائيل، في رد على اغتيال رئيس المكتب السياسي لـ(حماس)، إسماعيل هنية، خلال مشاركته في تنصيب رئيس الجمهورية الإيرانية الجديد في طهران.

قال ماكرون: «لقد حذّرنا إيران وكل من تحركهم هذه الدولة ضد إسرائيل، ونبّهنا الجميع إلى المسؤوليات الكبيرة التي تقع على عاتقهم نتيجة توسيع الحرب إلى أنحاء المنطقة كافة. ونددنا منذ البداية بما قاموا به، خصوصاً ما فعله (حزب الله)، الذي لا يهدد فقط أمن الإسرائيليين، بل يعرض جميع اللبنانيين للخطر عن عمد».

كما كشف ماكرون عن سر إضافي خلال المؤتمر الصحافي المشار إليه، حيث قال: «لقد وفّرنا الدعم للعمليات المستهدفة التي قامت بها إسرائيل، والتي يمكن أن تقوم بها ضد (حماس)، حتى لا تتمكن مجدداً من ارتكاب الجرائم». وأشار أيضاً إلى تبادل المعلومات الاستخباراتية مع الأطراف المعنية وتنسيق الأعمال الدولية، كل ذلك من أجل درء المخاطر التي تشكلها إيران والمجموعات التي تتبع أوامرها.

استناداً إلى تأكيد الرئيس الفرنسي، فإن بلاده تظل دائماً إلى جانب إسرائيل، وتعمل على حمايتها وتأمينها. وأوضح ماكرون أن فرنسا «ساهمت في الدفاع عن إسرائيل ضد الهجمات الإيرانية والحوثية». وأضاف: «إن دعمنا لإسرائيل لن يضعف، فإسرائيل لها الحق في أن تنعم بالأمن والسلام مثل أي طرف آخر في الشرق الأوسط. كما أنها تتمتع بالحق في الدفاع عن نفسها ضد أولئك الذين يرفضون حقها في الوجود، (في إشارة إلى إيران وحماس)، والذين يهددون مواطنيها ويهاجمون أراضيها».

وختم بقوله: «سنكون دائماً إلى جانب إسرائيل في هذه الحرب كما كنا إلى جانبها منذ اليوم الأول، وحتى قبل ذلك».

النبطية التي دمرت الهجمات الجوية الإسرائيلية أحياء كاملة منها بما فيها مقر البلدية والسوق القديمة (د.ب.أ)

الدور الإيراني في لبنان

يوجه ماكرون سهامه نحو إيران بسبب الدور الذي تلعبه في لبنان؛ حيث تسعى باريس لإنقاذ هذا البلد من براثن الحرب. ويرى الرئيس ماكرون في لبنان «قضية جوهرية ستدافع عنها فرنسا دائماً؛ لأنه يمثل احترام تعددية الطوائف اللبنانية، ولأن قناعته هي أن لبنان يحمل رسالة سلام وتنوع لكل المنطقة».

ونظراً لأن ما يحدث حالياً في الشرق الأوسط «يمس السلام والأمن العالميين»، يؤكد ماكرون أنه يستمر في التواصل مع رئيس الوزراء الإسرائيلي والرئيس الإيراني وجميع الأطراف الإقليمية واللبنانية «من أجل تجنب الانفجار الواسع».

ويرى ماكرون أن الطرف الأهم في الأزمة الراهنة هو إيران، التي يتعين عليها «التوقف عن تهديد إسرائيل، سواء بشكل مباشر أو عبر وكلائها، والعودة إلى احترام التزاماتها النووية، ووضع حد لأنشطتها الخطيرة في الشرق الأوسط، ووقف تقديم الأسلحة لروسيا التي تستخدمها ضد أوكرانيا».

كما أكد ماكرون في هذه المناسبة مجدداً على ضرورة وضع حد للحرب في غزة والصراع بين إسرائيل و«حزب الله»، مشيراً إلى أن مقتل يحيى السنوار يمثل «فرصة لوقف إطلاق النار، وإطلاق سراح الرهائن كافة، وفتح الباب أمام عملية سياسية تتمتع بالمصداقية للإسرائيليين والفلسطينيين».

يتضح من ذلك أن ماكرون يحمّل إيران المسؤولية الكبرى عن الوضع الحالي في الشرق الأوسط؛ حيث يرى أن لها دوراً محورياً فيما تعدّه باريس تهديداً للاستقرار في المنطقة. ومع ذلك، فإن هذا الاستنتاج لا يمنعه من السعي للحفاظ على «شعرة معاوية» مع إيران، منطلقاً من رؤية براغماتية للوضع القائم؛ إذ يدرك أن لإيران دوراً فاعلاً ومؤثراً على الوكلاء، مما يجعل الحوار معها ضرورة ملحّة ومفيدة.


مقالات ذات صلة

قاليباف إلى مسقط لبحث ترتيبات «هرمز»

شؤون إقليمية قاليباف لحظة مغادرته جنيف والعودة إلى طهران الاثنين (موقع البرلمان)

قاليباف إلى مسقط لبحث ترتيبات «هرمز»

غادر رئيس البرلمان الإيراني ورئيس الوفد المفاوض محمد باقر قاليباف طهران متوجهاً إلى سلطنة عمان، بعد ساعات من عودته من سويسرا.

«الشرق الأوسط» (لندن - طهران)
شؤون إقليمية الرئيس الأميركي دونالد ترمب ووزير الخارجية ماركو روبيو ووزير الخزانة سكوت بيسنت خلال اجتماع على هامش قمة مجموعة السبع في إيفيان بفرنسا الأسبوع الماضي (رويترز) p-circle

واشنطن تصدر ترخيصاً عاماً مؤقتاً لمبيعات النفط الإيراني

أصدرت وزارة الخزانة الأميركية، الاثنين، ترخيصاً عاماً مؤقتاً لمدة 60 يوماً يتيح إنتاج وتسليم وبيع النفط الخام والمنتجات البتروكيماوية والنفطية الإيرانية.

«الشرق الأوسط» (لندن - واشنطن)
شؤون إقليمية بزشكيان يلتقي عدداً من المسؤولين الإيرانيين خلال اجتماع الأحد (الرئاسة الإيرانية) p-circle

بزشكيان: دخلنا التفاوض وحققنا انفراجات من دون تنازلات

قال الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان إن طهران دخلت مسار المفاوضات مع الولايات المتحدة «بعزة واعتزاز ومن دون أي تنازل» مؤكداً أنها لن تتراجع إذا جرى تجاهل حقوقها

«الشرق الأوسط» (لندن - واشنطن)
رياضة عالمية بعثة منتخب إيران شكرت مدينة لوس أنجليس (رويترز)

رسالة إيرانية من غرفة الملابس: جئنا بفخر ونغادر بكرامة

تركت إيران رسالة بغرفة الملابس الخاصة بها بملعب «سو.في»، الأحد، شكرت فيها مدينة لوس أنجليس على حسن ضيافتها خلال كأس العالم لكرة القدم، مؤكدة أنها تغادر بكرامة

«الشرق الأوسط» (لوس أنجليس )
رياضة عالمية مهدي طارمي نجم منتخب إيران (أ.ب)

طارمي: التعادل مع بلجيكا «بطعم الخسارة»

عبَّر مهدي طارمي، نجم منتخب إيران، عن خيبة أمله بعد تعادل منتخب بلاده مع بلجيكا من دون أهداف، مساء الأحد، في الجولة الثانية بدور المجموعات لكأس العالم.

«الشرق الأوسط» (لوس أنجليس)

قاليباف إلى مسقط لبحث ترتيبات «هرمز»

قاليباف لحظة مغادرته جنيف والعودة إلى طهران الاثنين (موقع البرلمان)
قاليباف لحظة مغادرته جنيف والعودة إلى طهران الاثنين (موقع البرلمان)
TT

قاليباف إلى مسقط لبحث ترتيبات «هرمز»

قاليباف لحظة مغادرته جنيف والعودة إلى طهران الاثنين (موقع البرلمان)
قاليباف لحظة مغادرته جنيف والعودة إلى طهران الاثنين (موقع البرلمان)

غادر رئيس البرلمان الإيراني ورئيس الوفد المفاوض محمد باقر قاليباف طهران متوجهاً إلى سلطنة عمان، بعد ساعات من عودته من سويسرا، حيث اختُتمت صباح الاثنين الجولة الأولى من المحادثات الأميركية-الإيرانية في منتجع بورغنستوك.

وقالت وسائل إعلام إيرانية إن قاليباف سيجري مباحثات مع السلطان هيثم بن طارق بشأن العلاقات الثنائية والتطورات المرتبطة بمضيق هرمز.

وذكرت أن قاليباف سيبحث خلال الزيارة سبل تعزيز التعاون بين البلدين، بالإضافة إلى التنسيق بشأن الترتيبات المتعلقة بإدارة الملاحة في مضيق هرمز وتثبيت الآليات التي جرى التوافق عليها في أعقاب محادثات سويسرا.

ويرافق قاليباف في الزيارة وزير الخارجية عباس عراقجي، الذي شارك في الجولة الأولى من المحادثات مع الجانب الأميركي في سويسرا.

وكانت الجولة الأولى قد انتهت بإطلاق مسار فني يمتد 60 يوماً، وإنشاء آليات لمتابعة ملفي مضيق هرمز ووقف إطلاق النار في لبنان.

وأقرت خريطة طريق سويسرا إنشاء خط اتصال بين الأطراف لتفادي الحوادث وسوء الفهم في مضيق هرمز، وضمان المرور الآمن للسفن التجارية عبر الممر الحيوي، ضمن المسار الفني الذي سيواصل بحث آليات تنفيذ التفاهم خلال مهلة الستين يوماً.


نتنياهو: الجيش الإسرائيلي سيبقى في المنطقة الأمنية بجنوب لبنان

رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو يلقي كلمة خلال فعالية في القدس... 21 يونيو 2026 (رويترز)
رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو يلقي كلمة خلال فعالية في القدس... 21 يونيو 2026 (رويترز)
TT

نتنياهو: الجيش الإسرائيلي سيبقى في المنطقة الأمنية بجنوب لبنان

رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو يلقي كلمة خلال فعالية في القدس... 21 يونيو 2026 (رويترز)
رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو يلقي كلمة خلال فعالية في القدس... 21 يونيو 2026 (رويترز)

صرّح رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بأن القوات الإسرائيلية لها مطلق الحرية في الحركة في جنوب لبنان، وفق ما نقلته «وكالة الأنباء الألمانية».

وقال: «إن قواتنا في جنوب لبنان تتمتع بحرية العمل الكاملة لإحباط أي تهديد مباشر أو ناشئ ضدها أو ضد سكان الشمال. وليس لدى جيش الدفاع الإسرائيلي أي قيود على الإطلاق في هذا الشأن»، بحسب صحيفة «يديعوت أحرونوت» الإسرائيلية في موقعها الإلكتروني.

وأضاف نتنياهو: «إنني أتمسك ببقائنا في المنطقة الأمنية في جنوب لبنان طالما كان ذلك ضرورياً لحماية سكان الشمال وجميع مواطني الدولة».

ويحتل الجيش الإسرائيلي في جنوب لبنان مناطق تمتد حتى 10 كيلومترات من الحدود الإسرائيلية.

وتضمّن اتفاق بين الولايات المتحدة وإيران أعلن عنه الأسبوع الماضي، الوقف الفوري والدائم للعمليات العسكرية على جميع الجبهات، بما فيها لبنان.


السؤال المُحرم يظهر في «الليكود»: من يخلف نتنياهو؟

رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو خلال مؤتمر في القدس يوم الأحد (رويترز)
رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو خلال مؤتمر في القدس يوم الأحد (رويترز)
TT

السؤال المُحرم يظهر في «الليكود»: من يخلف نتنياهو؟

رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو خلال مؤتمر في القدس يوم الأحد (رويترز)
رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو خلال مؤتمر في القدس يوم الأحد (رويترز)

للمرة الأولى منذ عقود، بدأت مناقشات غير رسمية داخل حزب «الليكود» الذي يتزعمه رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، حول موعد تنحيه، وسط تصاعد الانتقادات بسبب وضعه الصحي، والقانوني المرتبط بالمحاكمة الجارية ضده، وتراجع شعبيته في استطلاعات الرأي الأخيرة.

ونتنياهو (77 عاماً) هو الأكثر إقامة في موقع رئيس وزراء إسرائيل على مدار تاريخها؛ إذ قاد إسرائيل منذ عام 1996 مع انقطاعات تقدر مجتمعة بنحو 10 سنوات، كان في أغلبها بين وزراء الحكومة أو على مقاعد المعارضة.

وقال موقع «والا» الإسرائيلي إنه حتى العام الماضي، كان سؤال «من سيخلف نتنياهو؟» من المحرمات بين مؤيديه، بل كان سؤالاً فاحشاً وممنوعاً، وكان أنصاره يصابون بالذعر لمجرد التفكير في احتمال اعتزاله، وعلى الرغم من أنه حتى الآن لا يُطرح هذا السؤال بشكل رسمي في اجتماعات «الليكود»، فإن سلسلة من الأحداث أدت إلى بدء مناقشته مؤخراً في جلسات مغلقة.

ويعتزم نتنياهو الترشح مجدداً للانتخابات البرلمانية، المقررة بين سبتمبر (أيلول) وأكتوبر (تشرين الأول) المقبلين، وبالتالي المنافسة على تحقيق الأغلبية أو ائتلاف لتشكيل الحكومة.

التقاعد يكتسب زخماً

بحسب «واللا»، يتناقش الوزراء وأعضاء الكنيست ورؤساء الفروع والناشطون المركزيون والبارزون عن مسألة اعتزال نتنياهو، ومن سيخلفه، ومتى سيحدث ذلك.

وقال المعلق الإسرائيلي البارز باراك سري، إن نقاشات تقاعد نتنياهو تكتسب زخماً، بعدما ظل لعقود مهيمناً في النظام السياسي.

ومن وجهة نظره، فالأسباب تتراكم، وأهمها حالة نتنياهو الصحية (يحمل جهاز تنظيم ضربات القلب، وخضع لعلاج ورم سرطاني، ويتردد على المستشفى بشكل متكرر) والمحاكمة، وهي الأمر الذي يثقل كاهله أكثر من غيره ويزعزع استقراره، إضافة إلى استطلاعات الرأي الأخيرة (التي تراجع فيها).

وأكد سري: «في النظام السياسي برمته، يسود اعتقادٌ بأنه إذا لم تتحسن شعبيته، وكذلك شعبية حزب (الليكود)، خصوصاً كتلة نتنياهو، فقد نستيقظ ذات صباح على خبر توقيع نتنياهو على صفقة إقرار بالذنب واعتزاله الحياة السياسية».

نتنياهو في المحكمة للإدلاء بإفادته بخصوص تُهم فساد يواجهها (رويترز)

وأظهرت آخر استطلاعات للرأي في إسرائيل، تراجع «الليكود» ونتنياهو معاً، وكذلك معسكره الذي لن يستطيع تشكيل حكومة، والاثنين، بينما كان في المحكمة، هاجم الادعاء العام بشدة، وقال: «لقد نصبوا لي فخاً ووقعت فيه».

وكتب سري أن «نتنياهو يعلم أن التوجه إلى انتخابات الآن ينطوي على مخاطرة كبيرة بالنسبة له شخصياً، فإذا طلب الآن صفقة ادعاء، فقد تكون فرص حصوله على اتفاق جيد مرتفعة، خصوصاً إذا تضمن اعتزاله الحياة السياسية، أما إذا خاض الانتخابات وخسرها، فإن حافز الجهات القضائية لمنحه صفقة جيدة سيتراجع كثيراً، لأنه عندها يصبح مجرد عضو كنيست في المعارضة، وسيكون من دون أي أوراق ضغط على النيابة العامة أو المستشارة القضائية للحكومة».

توتر في «الليكود»

قال موقع «واللا» إن كتلة «الليكود» متوترة، فهم لا يعرفون حقاً إلى أين يتجه نتنياهو، لأنهم يعتمدون عليه، ومصيرهم السياسي بين يديه. المعضلة أنه إذا استقال فقد ينهار «الليكود» في الانتخابات، وسيعود معظمهم إلى ديارهم.

بينما لو ترشح فثمة انتخابات تمهيدية للحزب، ويريد نتنياهو 10 مرشحين على قائمة «الليكود» حتى ينالوا مقاعد مضمونة في الكنيست، وهو ما يعني أن جزءاً كبيراً من أعضاء الكنيست والوزراء الحاليين، سيعودون أيضاً إلى ديارهم. وتثير مسألة الانتخابات التمهيدية أزمة داخلية كبيرة في الحزب.

مسيرة انتخابية لأنصار «الليكود» في سوق بالقدس عام 2022 (أ.ف.ب)

وقالت صحيفة «يديعوت أحرونوت» إن قضية الانتخابات التمهيدية تهز الحزب، وإن نتنياهو يجري مشاورات تمهيداً لاتخاذ قرار بشأن ذلك، وقال في حديث مع مسؤولي «الليكود»، إنه يريد «إما لجنة تختار المرشحين (دون انتخابات تمهيدية)، وإما انتخابات تمهيدية ولكن بشرط الحصول على مقاعد مضمونة يختارها هو».

وبحسب «يديعوت»، من المتوقع أن يتخذ نتنياهو قراراً هذا الأسبوع بشأن ذلك، وقال لهم: «إما لجنة تنظيمية، أو مقاعد مضمونة».

وتشير التقديرات داخل «الليكود» إلى أن نتنياهو يدفع باتجاه إلغاء الانتخابات التمهيدية لكي يشكّل القائمة بمفرده، ويوفر ملايين الشواقل على خزينة «الليكود» كانت ستُصرف على الانتخابات الداخلية. وزعم نتنياهو في محادثات مغلقة، أنه يعمل على «اتخاذ قرار بناءً على التوافق وليس بالإكراه»، مشيراً إلى أن «القرار الذي سيُتخذ سيكون بالتعاون مع كبار مسؤولي (الليكود)».

زعيم حزب «الليكود» بنيامين نتنياهو إلى جانب زوجته سارة يخاطب مؤيديه في مقر الحملة بالقدس خلال انتخابات 2022 (أ.ف.ب)

وقالت «يديعوت» إن هذه المسألة تهز «الليكود»، فقد استقال المستشار القانوني المخضرم للحزب، المحامي آفي هاليفي، من منصبه في أعقاب انتقادات وجهها إليه نتنياهو بعد أن قدم تمثيلاً قانونياً لـ«الليكود» في مسألة الانتخابات التمهيدية دون موافقة رئيس الحزب، كما نشر مراقب الحزب الداخلي، المحامي شاي غاليلي، تقريراً يفيد بأن خطوة نتنياهو لإلغاء الانتخابات التمهيدية غير قانونية. وأضافت «يديعوت»: «في غضون ذلك، تتشكل جبهة داخل الحزب بين مؤيدي ومعارضي الانتخابات التمهيدية، وقد قدم عضو الكنيست ديفيد بيتان، الذي يُعدّ قوياً ومؤثراً، التماساً إلى (محكمة الليكود) ضد نتنياهو».

«لا تغيير لقواعد اللعبة أثناء سيرها»

وقال بيتان إن محاولة نتنياهو لإلغاء الانتخابات التمهيدية هي «تجاوز دستوري». وأضاف: «لا يمكن تغيير قواعد اللعبة أثناء سير اللعبة».

وفي مقابلة مع «يديعوت»، قال بيتان: «من دون انتخابات تمهيدية، سيُمحى حزب (الليكود)». وجادل بأن نتنياهو نفسه لم يكن ليُنتخب لرئاسة (الليكود)، لو لم تكن هناك انتخابات تمهيدية أوصلته إلى ذلك، لما دخل هو نفسه إلى (الليكود)».

أحد الاجتماعات في «الكنيست» الإسرائيلي (موقع الكنيست)

وعن خيار حصول نتنياهو على مقاعد مضمونة شخصية في قائمة «الليكود»، قال بيتان: «لا توجد أي مشكلة في أن تكون لديه مقاعد مضمونة، السؤال: كم عددها وفي أي المراكز؟».

ولم يتضح موقف نتنياهو بشكل رسمي، لكن قالت هيئة البث الرسمية «كان» في وقت لاحق من يوم الاثنين، إن نتنياهو تراجع عن خطته لإلغاء الانتخابات التمهيدية، على أمل أن ذلك سيتيح له الحصول على ما بين 8 و10 مقاعد مضمونة في القائمة، إلا أن بيتان، لم يوافق بعد على منحه إياها.

ومن المتوقع أن تحسم المسألة يوم الخميس، عندما تجتمع اللجنة الدستورية لحزب «الليكود» لمناقشة الانتخابات التمهيدية المقبلة، التي من المقرر إجراؤها بحلول نهاية شهر يوليو (تموز) المقبل.

ويجتمع قادة «الائتلاف الحكومي»، الثلاثاء، لمناقشة موعد حل الكنيست. وقالت «القناة 12» إنه من المتوقع أن تجري الانتخابات في 20 أكتوبر 2026.