التفاوض أم الردع؟... إيران بين هاريس وترمب

سجال جمهوري - ديمقراطي حول الاتفاق النووي وتوتر الشرق الأوسط

تختلف سياسات ترمب وهاريس تجاه إيران (أ.ف.ب)
تختلف سياسات ترمب وهاريس تجاه إيران (أ.ف.ب)
TT

التفاوض أم الردع؟... إيران بين هاريس وترمب

تختلف سياسات ترمب وهاريس تجاه إيران (أ.ف.ب)
تختلف سياسات ترمب وهاريس تجاه إيران (أ.ف.ب)

تتواصل الخروقات الإيرانية على الحملات الانتخابية في أميركا، رغم فشل عدد من المحاولات، بحسب الاستخبارات الأميركية، التي أكدت أن إيران تعدّ انتخابات هذا العام مصيرية، ولهذا السبب تستهدف طهران حملة الرئيس السابق دونالد ترمب، وفريق الرئيس الحالي جو بايدن والمرشحة الديمقراطية كامالا هاريس، على حد سواء.

ولا يعدّ هذا التحرك مفاجئاً، فالنظام الإيراني يقول علانية إن المواجهة مع الولايات المتحدة مفتوحة من دون قيود، ولا تقتصر على القرصنة الانتخابية، بل تمتد لتشمل محاولات اغتيال لمسؤولين حاليين وسابقين على الأراضي الأميركية، وهجمات لوكلاء طهران على القوات الأميركية في المنطقة.

يستعرض تقرير واشنطن وهو ثمرة تعاون بين صحيفة «الشرق الأوسط» وقناة «الشرق»، الفروقات في سياسيات ترمب وهاريس تجاه طهران، وما إذا كانت المساعي الدبلوماسية مطروحة على الطاولة أم أن الوقت حان لسياسة الضغط القصوى.

يتهم ترمب هاريس بالليونة تجاه طهران (رويترز)

التفاوض أم الردع؟

رجح مايك سينغ، المدير السابق لمكتب الشرق الأوسط وإيران في البيت الأبيض في عهد بوش الابن، أن سياسة هاريس ستتشابه إلى حد كبير مع الإدارات الديمقراطية السابقة، مشيراً إلى أن بايدن بذل في بداية عهده جهوداً لاعتماد الدبلوماسية، لكنها «لم تسفر عن أي اتفاق».

وأضاف سينغ أن بايدن «لم يكن يسعى إلى زيادة الضغط على إيران. لكن واشنطن ردت عندما ضربت طهران قواتها، وأيضاً حين هددت إسرائيل»، وعلى هذا الأساس توقع سينغ «موقفاً مماثلاً من إدارة ديمقراطية أخرى في المستقبل».

وبخصوص العودة للاتفاق النووي، قال سينغ: «إذا أظهرت إيران رغبة قوية في التفاوض مع الولايات المتحدة أو التواصل معها، فسوف ترغب هاريس في اختبار الاقتراح».

من ناحيته، أشار ستيفن كوك، كبير الباحثين في مجلس العلاقات الخارجية والكاتب في صحيفة «فورين بوليسي»، إلى أن «التطورات الأخيرة في الشرق الأوسط، وإيران جزء منها، قد تغير المعادلة»، ولهذا فإن هاريس «ليست مستعدة بعدُ للانخراط في أي نوع من المفاوضات الدبلوماسية النووية مع الإيرانيين»، ومع ذلك، «ففي حال انتهى الصراع بين إسرائيل و(حماس)، فسوف تنتهز هاريس الفرصة».

ووافق السفير الأميركي السابق لدى سلطنة عمان، ريتشارد شميرير، على هذه المقاربة، وذكّر بدوره التفاوضي خلال عهد أوباما للتوصل إلى الاتفاق النووي.

وقال شميرير: «عندما كنت في عُمان، وبدأنا المناقشات حول الاتفاق النووي الإيراني، كان الشاغل الأساسي هو التهديد الوجودي الذي يشكله البرنامج النووي الإيراني. وإن توفرت الظروف السياسية المناسبة بعد الانتخابات، وفي حال فاز الديمقراطيون بالرئاسة في البيت الأبيض، أعتقد أن هناك احتمالاً أن تسعى الرئيسة هاريس إلى محاولة تجديد القيود المفروضة على البرنامج النووي الإيراني».

اعتمد ترمب سياسة الضغط القصوى مع إيران (أ.ف.ب)

سياسة الردع

يستغل المرشح الجمهوري دونالد ترمب النقاش حول الاتفاق النووي الإيراني، ليشن هجوماً على منافسته ويتغنى بسياسة الضغط القصوى التي اعتمدتها إدارته. ويرى سينغ أن العقوبات التي فرضها ترمب على طهران «كان لها تأثير هائل».

وقال سينغ: «لقد انخفضت صادرات النفط الإيرانية إلى ما يقارب الصفر. وفي الوقت نفسه لم نر إيران تتقدم في برنامجها النووي كما فعلت عندما انتُخب بايدن. لذلك، بينما كنا نضغط، لم تتقدم إيران في برنامجها النووي. ومن الواضح الآن أن المنطقة غرقت في الاضطرابات عندما تم تخفيف الضغوط».

لكن كوك رأى أن الردع قضية مشتركة بين الحزبين، وقال إن «الإيرانيين عندما انخرطوا في أنشطة خبيثة في أثناء إدارة أوباما، تم التغاضي عن بعض الأمور لحماية المفاوضات النووية. من جهة أخرى، كانت هناك ضغوطات قصوى خلال عهد ترمب، ولكن حين ضربت إيران منشآت خريص النفطية في السعودية، قال إننا لن نرد، ما أدى إلى تبديد 40 عاماً من السياسة الأميركية المعلنة في المنطقة. لذا فإن مواقف الحزبين على مدار السنوات العشر شجعت الأنشطة الخبيثة لإيران، وساعدت على تقدم برنامجها النووي».

ويعارض شميرير الانتقادات المحيطة بالاتفاق النووي، لافتاً إلى أن «المشاركة الدبلوماسية ستوفر ضمانات للمجتمع الدولي بأن البرنامج النووي الإيراني لن يؤدي إلى سلاح نووي». لكنه يعترف بأن الاتفاق لم يتطرق إلى أنشطة إيران الخبيثة»، مشدداً على المقاربة القائلة بأنه «من المهم معالجة القضية النووية بمفردها بهدف إزالة التهديد الوجودي».

واعترض كوك على هذه المقاربة، وقال: «لو كنا عالجنا الأنشطة الخبيثة، لكنا في وضع أفضل للتفاوض مع الإيرانيين». وتابع: «نحن مضطرون الآن للتعامل مع المشكلة في البحر الأحمر؛ لأننا في وضع أسوأ مما كنا عليه في السابق».

هاريس وبايدن في المؤتمر الوطني الديمقراطي في 19 أغسطس 2024 (رويترز)

«غياب» القيادة الأميركية

غياب القيادة الأميركية في المنطقة، كما يصفه البعض، يطرح مشكلة أخرى بين الفريقين، لكن التحدي الحقيقي «لا يتعلق بالشخص الذي يشغل المكتب البيضاوي، بل بصورة القيادة الأميركية في العالم»، على ما يقول سينغ، الذي رأى أن «أميركا باتت منعزلة، وفقدت الثقة بقدرتها على القيادة في مختلف أنحاء العالم».

مع ذلك، شدد سينغ على الرئيس القادم، أنه «لا يمكن التصدي للتحديات التي تفرضها روسيا والصين وإيران بمعزل عن بعضها، بل ينبغي أن يقدم استراتيجية لقيادة للعالم، يستطيع شركاؤنا دعمها، وتخولهم لمعالجة هذه التهديدات مجتمعة».

وقد واجهت إدارة بايدن انتقادات شديدة في بداية عهده عندما اتهمه كثيرون بتجاهل الشرق الأوسط، والتركيز على المنافسة مع الصين، ويقول شميرير إن التركيز على آسيا لا يعني تخفيف التركيز على الشرق الأوسط، مشدداً على أن إدارة بايدن لم تتجاهل المنطقة.

وقال شميرير: «الشرق الأوسط يظل جزءاً بالغ الأهمية من العالم بالنسبة لنا؛ لأسباب مختلفة منها الطاقة والتحالفات المختلفة».

تتهم الاستخبارات الأميركية إيران بقرصنة الحملات الانتخابية (أ.ف.ب)

قرصنة إيرانية

يسعى النظام الإيراني باستمرار إلى تحدي النفوذ الأميركي. وفي آخر تحركاته، عمد إلى خرق الحملات الانتخابية عبر قرصنتها، بحسب تقارير استخباراتية أميركية أفادت بأن المساعي نجحت في خرق حملة ترمب.

رأى كوك أن مساعي القرصنة «محاولة إضافية من جانب الإيرانيين لنشر المزيد من الفوضى، تتطلب الرد»، وخلافاً لمخاوف كثيرين، فإن كوك لا يتفق مع القول بأن الرد على طهران سيفتح حرباً شاملة.

كما أن سينغ أشار إلى أن «إيران تسعى إلى إظهار قوتها بشتى الطرق، وتحاول دفع الولايات المتحدة خارج الشرق الأوسط عبر محاولة إقناعها بأن التعامل مع طهران يمثل مشكلة كبيرة».

لكن سينغ صنف الهجمات السيبرانية الأخيرة على أنها تحوّل معاصر في السياسة الإيرانية، مستبعداً فرضية كانت تقول بأنها تخدم مرشحاً بعينه على حساب الآخر. وقال: «أعتقد أنهم يحاولون ببساطة فرض التكاليف علينا، وإحداث الفوضى حيثما أمكنهم»، وشدد على الرد على هذه الأنشطة «بنفس العزم الذي قد نرد به على أي هجوم على القوات الأميركية».

لكن شميرير يحذر من هذه المقاربة، مشيراً إلى أهمية «إظهار القوة والقيام بمبادرات دبلوماسية تقوض أو تضعف النفوذ الإيراني في المنطقة».


مقالات ذات صلة

كامالا هاريس تعيد تفعيل حساب حملتها الانتخابية على مواقع التواصل

الولايات المتحدة​ كامالا هاريس (أ.ف.ب - أرشيفية)

كامالا هاريس تعيد تفعيل حساب حملتها الانتخابية على مواقع التواصل

أعادت نائبة الرئيس الأميركي السابقة كامالا هاريس، تفعيل حساب تابع لحملتها الانتخابية الرئاسية على مواقع التواصل الاجتماعي، ما أثار تكهنات عدة.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
يوميات الشرق الممثل جورج كلوني وكامالا هاريس (أ.ف.ب)

جورج كلوني: اختيار كامالا هاريس بديلاً لبايدن «كان خطأ»

قال الممثل الأميركي الشهير جورج كلوني إنه يشعر بأن اختيار كامالا هاريس بديلاً لجو بايدن في الانتخابات الرئاسية الأميركية لعام 2024 كان «خطأً».

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الولايات المتحدة​ الرئيس الأميركي دونالد ترمب يغادر المسرح بعد أن تحدث إلى أفراد الجيش على متن حاملة الطائرات «يو إس إس جورج واشنطن» بجنوب طوكيو (أ.ب) p-circle

ترمب: أرغب في الترشح لولاية رئاسية ثالثة

تحدث الرئيس الأميركي دونالد ترمب عن إمكانية ترشح نائبه جي دي فانس ووزير الخارجية ماركو روبيو للرئاسة في عام 2028، لكنه لم يستبعد نفسه من السباق.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الولايات المتحدة​ نائبة الرئيس الأميركي السابق كامالا هاريس (أ.ب)

كامالا هاريس تلمح إلى إمكان خوضها الانتخابات الرئاسية مجدداً

ألمحت نائبة الرئيس الأميركي السابق كامالا هاريس، في مقابلة تلفزيونية مع قناة بريطانية، إلى أنها قد تترشح مجدداً للانتخابات الرئاسية.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الولايات المتحدة​ نائبة الرئيس الأميركي السابقة كامالا هاريس (رويترز) p-circle

«الأكثر تأهيلاً على الإطلاق»... كامالا هاريس تلمّح لإمكانية ترشحها للرئاسة عام 2028

لمّحت نائبة الرئيس الأميركي السابقة، كامالا هاريس، إلى احتمال ترشحها للرئاسة عام 2028، وأكدت أن البعض وصفها بأنها «المرشحة الأكثر تأهيلاً على الإطلاق».

«الشرق الأوسط» (واشنطن)

وزارة الخزانة الأميركية تفرض عقوبات جديدة متعلقة بإيران

وزير الخزانة ‌الأميركية سكوت بيسنت (رويترز)
وزير الخزانة ‌الأميركية سكوت بيسنت (رويترز)
TT

وزارة الخزانة الأميركية تفرض عقوبات جديدة متعلقة بإيران

وزير الخزانة ‌الأميركية سكوت بيسنت (رويترز)
وزير الخزانة ‌الأميركية سكوت بيسنت (رويترز)

​قالت وزارة الخزانة ‌الأميركية التي يتولى حقيبتها سكوت بيسنت عبر موقعها ​الإلكتروني، الثلاثاء، ‌إن ⁠الولايات ​المتحدة فرضت ⁠عقوبات ⁠جديدة متعلقة ‌بإيران ‌شملت ‌أفراداً ‌وشركات ‌على صلة بالتجارة ⁠والسفر الجوي.

وجاء في بيان أصدرته الوزارة أن هذه الجهات «متورطة في شراء أو نقل الأسلحة أو مكونات الأسلحة نيابة عن النظام الإيراني».

وقال بيسنت، وفق «رويترز»: «تجب محاسبة النظام الإيراني على ابتزازه لأسواق الطاقة العالمية واستهدافه العشوائي للمدنيين بالصواريخ والطائرات المسيّرة (...). ستواصل وزارة الخزانة تتبع الأموال، واستهداف تهوّر النظام الإيراني ومن يدعمونه».


إسرائيل تتهم «حزب الله» بإطلاق صواريخ باتجاه جيشها في جنوب لبنان

جنود إسرائيليون يقفون فوق دبابة في شمال إسرائيل بالقرب من الحدود مع لبنان 15 أبريل 2026 (رويترز)
جنود إسرائيليون يقفون فوق دبابة في شمال إسرائيل بالقرب من الحدود مع لبنان 15 أبريل 2026 (رويترز)
TT

إسرائيل تتهم «حزب الله» بإطلاق صواريخ باتجاه جيشها في جنوب لبنان

جنود إسرائيليون يقفون فوق دبابة في شمال إسرائيل بالقرب من الحدود مع لبنان 15 أبريل 2026 (رويترز)
جنود إسرائيليون يقفون فوق دبابة في شمال إسرائيل بالقرب من الحدود مع لبنان 15 أبريل 2026 (رويترز)

قال الجيش الإسرائيلي، الثلاثاء، إن جماعة «حزب الله» اللبنانية المدعومة من إيران أطلقت عدة صواريخ باتجاه قواته التي تعمل في جنوب لبنان، فيما وصفه بأنه «انتهاك صارخ» لاتفاق وقف إطلاق النار، وفق وكالة «رويترز» للأنباء.

وأضاف أن صفارات الإنذار التي دَوّت في بلدات بشمال إسرائيل يُرجح أنها انطلقت بسبب اعتراض طائرة مسيّرة أُطلقت من لبنان قبل أن تعبر إلى داخل إسرائيل، وذلك تصحيحاً لتقرير سابق أشار إلى احتمال حدوث خطأ في التقدير.

وأعلن الجيش الإسرائيلي في المقابل أنه قصف موقعاً تابعاً لـ«حزب الله» في جنوب لبنان، رداً على إطلاق الصواريخ ضد جنوده المنتشرين في المنطقة.

وذكر الجيش في بيان: «قبل قليل، أطلق تنظيم (حزب الله) الإرهابي، عدة صواريخ باتجاه جنود الجيش الإسرائيلي المتمركزين جنوب خط الدفاع الأمامي في منطقة رب ثلاثين»، وهي بلدة تقع في جنوب لبنان على بعد أقل من 3 كيلومترات من الحدود الإسرائيلية. وأضاف البيان: «رداً على ذلك، قصف الجيش الإسرائيلي موقع الإطلاق الذي انطلقت منه الصواريخ».

وسيطرت إسرائيل على عدة مناطق في جنوب لبنان، معقل «حزب الله»، منذ اندلاع الحرب بينهما في الثاني من مارس (آذار) إثر إطلاق «حزب الله» صواريخ من جنوب لبنان على إسرائيل، ردّاً على مقتل المرشد الإيراني علي خامنئي في بداية الهجوم الأميركي الإسرائيلي على إيران.

وبينما شاب وقف إطلاق النار العديد من الحوادث، ستُعقد جولة جديدة من المحادثات «المباشرة» بين لبنان وإسرائيل الخميس في واشنطن، بعد نحو عشرة أيام من الجولة الأولى، بحسب ما قال مسؤول في وزارة الخارجية الأميركية لـ«وكالة الصحافة الفرنسية» الاثنين.


التفاوض يختبر توازنات طهران... ومجلس الأمن القومي في الواجهة

قاليباف يشارك في اجتماع مجلس «تشخيص مصلحة النظام» ويبدو أمين مجلس الأمن القومي الجنرال محمد باقر ذو القدر (موقع قاليباف)
قاليباف يشارك في اجتماع مجلس «تشخيص مصلحة النظام» ويبدو أمين مجلس الأمن القومي الجنرال محمد باقر ذو القدر (موقع قاليباف)
TT

التفاوض يختبر توازنات طهران... ومجلس الأمن القومي في الواجهة

قاليباف يشارك في اجتماع مجلس «تشخيص مصلحة النظام» ويبدو أمين مجلس الأمن القومي الجنرال محمد باقر ذو القدر (موقع قاليباف)
قاليباف يشارك في اجتماع مجلس «تشخيص مصلحة النظام» ويبدو أمين مجلس الأمن القومي الجنرال محمد باقر ذو القدر (موقع قاليباف)

بعدما أطاح القصف الأميركي - الإسرائيلي بالمرشد الإيراني علي خامنئي ومعظم قادة الصف الأول، لم تنهَر قيادة الجمهورية الإسلامية، لكن المفاوضات المطروحة لإنهاء الحرب تفتح اختباراً جديداً أمام تماسكها وقدرتها على إدارة المرحلة التالية.

على مدى عقود، نجح المرشد في إدارة عدة فصائل قوية، حيث أخضع من تحدوا سلطته، بينما استمع في الوقت نفسه إلى آراء متنافسة. ولم يعد واضحاً الآن من يمارس هذا النوع من السلطة على مجموعة من الشخصيات المدنية والجنرالات البارزين في «الحرس الثوري» الذين يبدو أنهم يديرون المشهد.

وقد توصلت هذه الأطراف إلى قدر من التماسك، في الوقت الراهن، عبر تبنّي موقف متشدد وفقاً لتحليل نشرته وكالة «أسوشييتد برس»، لكن الخلافات بشأن حجم التنازلات الممكنة في المفاوضات مع الولايات المتحدة قد تكشف عن خطوط تصدع، في وقت يكافح الوسطاء الباكستانيون لاستضافة جولة جديدة من المحادثات.

من يدير المشهد؟

كان المرشد علي خامنئي قادراً على فرض إرادته على مراكز القوة المتباينة داخل الجمهورية الإسلامية. وبعد مقتله في الضربات الإسرائيلية في اليوم الأول من الحرب، خلفه نجله مجتبى خامنئي.

لكن الشكوك لا تزال تحيط بدور خامنئي الابن بعد تقارير عن إصابته في الغارات. ولا يزال متوارياً عن الأنظار، ولم يظهر علناً منذ توليه المنصب، كما أن طريقة إصداره التعليمات إلى كبار القادة لا تزال غير واضحة.

ويقع مركز السلطة الآن في يد هيئة شبيهة بالمكتب السياسي تُعرف باسم «المجلس الأعلى للأمن القومي»، وتضم كبار المسؤولين المدنيين والعسكريين. وقد برز محمد باقر قاليباف، رئيس البرلمان، باعتباره واجهة لهذا المجلس وكبير المفاوضين مع الولايات المتحدة.

إيرانيون يتابعون عبر شاشة تلفاز جانباً من المناظرة بين الرئيس مسعود بزشكيان والمتشدد سعيد جليلي يوليو 2024 (أرشيفية - د.ب.أ)

وكان المرشد السابق قد بدأ بمنح المجلس صلاحيات أوسع قبل وفاته، لكن الحرب عززت نفوذ المجلس بشكل أكبر.

ويضم المجلس طيفاً من التوجهات السياسية، وغالباً ما يشهد منافسات حادة. ويمثل سعيد جليلي، المنافس السياسي لقاليباف والمعارض المتشدد للولايات المتحدة، المرشد داخل المجلس، فيما يتولى الرئيس الإصلاحي مسعود بزشكيان رئاسته الاسمية.

ومن بين الأعضاء المتشددين القائد الجديد لـ«الحرس الثوري» أحمد وحيدي، والأمين العام الجديد للمجلس محمد باقر ذو القدر، وهو أيضاً من قادة «الحرس».

لكن استراتيجية إسرائيل القائمة على تصفية القيادات العليا تشير إلى سوء تقدير لطبيعة عمل النظام الإيراني، بحسب تقديرات خبراء.

ومنذ اندلاع الحرب، أدى النفوذ المتزايد لـ«الحرس الثوري» داخل المجلس إلى تغذية تكهنات بشأن احتمال حدوث تحول جوهري في بنية السلطة.

اختبار تفاوضي حاسم

تواجه القيادة الآن اختباراً صعباً في المفاوضات مع الولايات المتحدة، مع بروز أسئلة قد تكون مثيرة للانقسام حول مدى الاستعداد لتقديم تنازلات. وتطالب واشنطن إيران بتقديم تنازلات كبيرة لضمان عدم قدرتها على تطوير سلاح نووي، فيما تؤكد طهران أن برنامجها سلمي وتصر على حقها في تخصيب اليورانيوم.

وفي مقابلة مع التلفزيون الرسمي الإيراني، الأحد، قال قاليباف إن إيران تسعى إلى اتفاق شامل يحقق «سلاماً دائماً» يمنع تكرار الهجمات الأميركية.

وأضاف: «يجب قطع هذه الحلقة الخطيرة»؛ في إشارة إلى الضربات الأميركية التي استهدفت إيران خلال فترات التفاوض، مرة خلال حرب الأيام الـ12 في يونيو (حزيران)، ومرة أخرى خلال النزاع الحالي.

وأعرب أعضاء المجلس عن ثقتهم بأن إيران تمسك بزمام المبادرة حالياً، خصوصاً في ظل سيطرتها على مضيق هرمز، ما يمنحها القدرة على التأثير في أسعار الطاقة وفرض ضغوط سياسية.

وأكد مسؤولون أنهم قادرون على الصمود للحصول على ضمانات بعدم التعرض لهجمات جديدة، حتى مع خطر استئناف الحرب، معتبرين أن إيران قادرة على تحمّل الضغوط لفترة أطول من الولايات المتحدة وحلفائها.

صورة نشرتها الخارجية الإيرانية تظهر رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف وإلى جانبه كاظم غريب آبادي نائب وزير الخارجية وخلفهما يقف المتحدث إسماعيل بقائي والنائب أبو الفضل عمويي عضو لجنة الأمن القومي والسياسة الخارجية في البرلمان

لكن في نهاية المطاف، تبقى أولوية القيادة هي البقاء. فالحرب والحصار الأميركي، الذي يهدد تجارة النفط الإيرانية، يضغطان على اقتصاد البلاد المتدهور.

وقد أسهمت الأوضاع الاقتصادية الصعبة في اندلاع موجات من الاحتجاجات خلال العقدين الماضيين، بما في ذلك احتجاجات دعت إلى إسقاط النظام. وقد يساعد التوصل إلى اتفاق مع الغرب ورفع العقوبات في الحفاظ على الاستقرار الداخلي.

مؤشرات على الخلاف

وأشارت تطورات عطلة نهاية الأسبوع في مضيق هرمز إلى وجود خلافات بشأن حجم التنازلات في المفاوضات. فقد ظل الانخراط مع واشنطن محل انقسام داخل النخبة الإيرانية، رغم انعدام الثقة العميق تجاه الولايات المتحدة.

وفي يوم الجمعة، أعلن وزير الخارجية عباس عراقجي أن إيران ستفتح المضيق أمام الملاحة التجارية في إطار وقف إطلاق النار. وبعد ساعات، أكد ترمب أن الولايات المتحدة ستواصل الحصار للضغط على طهران.

وفي صباح السبت، أعلن الجيش الإيراني إعادة إغلاق المضيق رداً على الحصار.

وانتقدت بعض وسائل الإعلام الإيرانية تصريحات عراقجي، معتبرة أنها أعطت انطباعاً بالضعف، وكشفت عن تباين المواقف داخل النظام. وذكر تقرير لوكالة «تسنيم» التابعة لـ«الحرس الثوري» أن الموقف بشأن المضيق كان ينبغي أن يصدر عن المجلس الأعلى للأمن القومي.

ورد مكتب عراقجي بأن وزارة الخارجية «لا تتخذ أي إجراء دون التنسيق مع الجهات العليا». في مقابلة لاحقة، شدد قاليباف على أن جميع مكونات القيادة متفقة على استراتيجية التفاوض مع الولايات المتحدة.

وسيط محتمل

ويُنظر إلى قاليباف على أنه يمتلك موقعاً يسمح له بجسر الفجوات بين الأجنحة المختلفة داخل النظام. فهو جنرال سابق في «الحرس الثوري» وقائد سابق للشرطة، وحافظ على علاقات وثيقة مع المؤسسة العسكرية طوال مسيرته السياسية.

وخلال توليه رئاسة بلدية طهران بين 2005 و2017، اكتسب سمعة كونه مسؤولاً عملياً قادراً على تنفيذ المشاريع، رغم اتهامات بالفساد وانتهاكات حقوقية.

وكتب علي ربيعي، وهو إصلاحي بارز ومساعد للرئيس، في مقال صحافي أن قاليباف يمثل «الدولة والنظام».

وفي الوقت نفسه، يتمتع قاليباف بعلاقات وثيقة مع عائلة خامنئي، إذ يتحدر الطرفان من مدينة مشهد. وقال محسن سازغارا، أحد مؤسسي «الحرس الثوري» سابقاً والمعارض الحالي، إن مجتبى خامنئي دعم محاولات قاليباف المتكررة غير الناجحة للوصول إلى الرئاسة خلال فترة حكم والده.

كما يحتفظ قاليباف بعلاقات قوية مع القيادات الجديدة في «الحرس الثوري» التي خلفت القادة الذين قُتلوا، والتي يُنظر إليها على أنها تمسك بمفاتيح أي اتفاق مستقبلي مع الولايات المتحدة. وقد يتيح له هذا الدعم العابر للتيارات ضمان تأييد داخلي لأي اتفاق، في مواجهة معارضة محتملة من المتشددين الرافضين لتقديم تنازلات.