«قارب أجرة» كهربائي ذاتيّ القيادة

سيُحدث تحولاً في النقل في الأنهار داخل المدن

«قارب أجرة» كهربائي ذاتيّ القيادة
TT

«قارب أجرة» كهربائي ذاتيّ القيادة

«قارب أجرة» كهربائي ذاتيّ القيادة

بمرور السنوات، تحولت الممرات المائية في المناطق الحضرية، مثل الأنهار والقنوات من ممرات أساسية للسفر والتجارة، إلى مجرد عناصر ثانوية داخل هذه المناطق. ولم تعد تستخدمها سوى سفن الشحن أو خدمات العبّارات المحدودة. أما بخلاف ذلك، فغالباً ما يطويها النسيان، ولا يفكر الملايين الذين يعيشون على شواطئها في الاقتراب منها.

قارب حضريّ مطوَّر

اليوم، يُقترح تصميم لقارب حضري جديد ذاتي القيادة، مستقبلاً يمكن في إطاره إعادة دمج مثل هذه الأنهار -من نهر التيمز في لندن إلى نهر إيست في نيويورك إلى قنوات أمستردام- في أسلوب حياة الناس وسبل تنقلهم داخل المدن.

يحمل القارب الجديد اسم «أوروب Orb»، مركبة مائية آلية متعددة الأغراض وذاتية التشغيل تشبه الكبسولة، مع مساحة تتسع لستة ركاب.

واللافت أن «أوروب» جرى تصميمه خصيصاً للمدن المزدحمة، حيث يشق طريقه عبر الماء على ما يشبه الأجنحة أو الوسادة، التي تمكنه من المناورة حول السفن الأكبر حجماً التي تتحرك عادةً في كثير من الممرات المائية في المناطق الحضرية.

من المفترض أن يشبه «أوروب» خدمة السيارات عند الطلب، لكن على الماء، ويهدف إلى جعل التنقل عبر الماء متاحاً على نطاق أوسع، لأنه لا يتطلب البنية التحتية البرية الكبيرة اللازمة للعبّارات أو سفن الركاب الأكبر حجماً.

جرى تصميم المفهوم الذي يقوم عليه «أوروب» من جانب «سيمورباول»، شركة تصميم مقرها لندن معروفة بعملها على مجموعة من المشروعات تتنوع ما بين تصميم الديكورات الداخلية للقطارات وصولاً إلى تصميم عبوات مزيل العرق.

وقال نيل بارون، مدير مساعد لشؤون تجربة المنتج لدى الشركة، وكان كبير فريق التصميم المعنيّ بمشروع «أوروب»، إن المفهوم طرأ على ذهن أفراد الفريق، بعدما عاينوا الازدحام المتزايد داخل وحول لندن، ومقارنة ذلك بالمياه الواسعة المفتوحة لنهر التيمز.

في هذا السياق، عبَّر بارون عن اعتقاده بأنه «لا يجري استغلال النهر كما ينبغي على الصعيد العام. ومع أن هناك قوارب تجوب النهر ذهاباً وإياباً كل ساعة، فإنها لا تُنزل ركابها في كثير من الأماكن».

«كبسولة» كهربائية وأرصفة إضافية

وأضاف: «بالتأكيد بمقدورنا إيجاد حل آخر أكثر مرونة عن الوضع الراهن -بحيث يشكل بديلاً أكثر نشاطاً وسهولة ومتعة».

وبناءً على خبرة الشركة الممتدة إلى 40 عاماً في مجال التصميم بالتعاون مع السكك الحديدية وشركات الطيران، جمع مصممو «سيمورباول» أحدث الأفكار في مجال ضمان راحة المسافرين عبر وسائل النقل الداخلي، مع الاستعانة بالتقنيات الناشئة التي تمكِّن المركبات من العمل ذاتياً.

وعبر تجسيد مثل هذه الأفكار في شكل كبسولة صغيرة نسبياً تعمل بالطاقة الكهربائية، يصور التصميم مستقبلاً قريباً تتمكن في إطاره مركبات الأجرة المائية، التي يسهل الوصول إليها، من التوسع داخل شبكات النقل الحضرية الحالية.

وجرى وضع تصميم النظام بحيث يتضمن رصيفاً معيارياً يمكن وضعه بسهولة على حافة المياه وربطه بأرصفة إضافية مثل مكعبات «ليغو». وستعمل البنية التحتية للشحن المدمج على إعادة تعبئة بطاريات القوارب، وستساعد الألواح الشمسية الموجودة على متنها على إدارة الرحلات الأطول.

في هذا الصدد، أوضح بارون أن نظام القوارب الحضرية ذاتية القيادة يمكن أن يتولى تسيير رحلات قصيرة، مثل الرحلات من إحدى ضفتي نهر بمنطقة حضرية إلى الضفة الأخرى، أو الرحلات الأهم، مثل الرحلات من وسط مدينة شيكاغو إلى منزل شاطئ بحيرة ميشيغان.

يُذكر أن هناك بالفعل بعض السوابق لهذا النوع من الخدمة، فقد بدأت مركبات الأجرة المائية ذاتية القيادة في العمل، حديثاً، بمدينة هلسنكي في فنلندا، حيث تقوم برحلات قصيرة إلى جزر تقع على بعد أميال قليلة من ساحل المدينة.

ويمكن للنظام الذي صممته «سيمورباول» العمل كأسطول صغير أو شبكة ضخمة. وشرح بارون أنه بدلاً عن ركوب حافلة أو مترو أنفاق بخط سير ثابت، يمكن للراكب أن يصعد إلى متن «أوروب»، ليختار من قائمة محطات قبل أن ينطلق عبر الماء.

مستقبل السفر في المناطق الحضرية

يمكن أن تستعيد الممرات المائية داخل المدن حول العالم نشاطها وسهولة الوصول إليها بوصفها جزءاً من شبكات النقل الحضري، فضلاً عن كونها أماكن للسفر الترفيهي. عن هذا، قال بارون إن التصميم استوحى إلهامه من حافلات لندن التي صممها توماس هيذرويك، والتي أعطت الأولوية للإطلالات على معالم المدينة التي يستمتع بها الركاب. وبالمثل، يتيح الزجاج المنحني والشكل الكروي لـ«أوروب» إطلالة بانورامية على المدينة.

من جهته، وصف كبير المصممين عمر شرايبي، المشروع بأنه «وجهة نظر عائمة»، وأنه بمثابة نظام نقل بقدر ما هو معلم سياحي.

وأضاف: «بدأ هذا المشروع بوصفه مفهوماً مرتبطاً بلندن، ولا يزال كذلك. ولا يزال يبدو مثالياً لنهر التيمز، لكن عندما أطلعني زميلي على التصميمات التي وضعوها لمدينة فينيسيا، شعرت بإثارة بالغة. هناك عنصر في التصميم ممتع للغاية، ويدفع المرء إلى الهروب إلى مكان أجمل».

حتى هذه اللحظة، يبقى الأمر مجرد مفهوم. ومع ذلك، يلفت مشروع القارب الحضري ذاتي القيادة «أوروب» الانتباه إلى الممرات المائية داخل المدن، التي لم تَجرِ الاستفادة منها بشكل كافٍ في مجال النقل في العقود الأخيرة، لأسباب عملية عديدة.

وعبر الجمع بين أساليب التصميم الجديدة والتكنولوجيا الحديثة، يرى بارون أن المفهوم يمكن أن يُحيي وسيلة نقل يعود تاريخ ظهورها إلى تاريخ تأسيس المدن نفسها.

* مجلة «فاست كومباني»، خدمات «تريبيون ميديا».


مقالات ذات صلة

«أبل» تتجه لزيادة أسعار منتجاتها... ما علاقة الذكاء الاصطناعي؟

تكنولوجيا الرئيس التنفيذي لشركة «أبل» تيم كوك يلوّح بيده على خشبة المسرح خلال مؤتمر «أبل» السنوي العالمي للمطورين في كاليفورنيا (رويترز)

«أبل» تتجه لزيادة أسعار منتجاتها... ما علاقة الذكاء الاصطناعي؟

كشف الرئيس التنفيذي لشركة «أبل»، في مقابلة صحافية، عن أنَّ الشركة تعتزم زيادة أسعار منتجاتها؛ بسبب صعوبة امتصاص ارتفاع تكاليف رقائق الذاكرة.

«الشرق الأوسط» (كاليفورنيا (الولايات المتحدة))
تكنولوجيا النظام يمنح الروبوتات ذاكرة طويلة الأمد تربط الأشياء بالأماكن والأوقات التي ظهرت فيها (الجامعة)

تقنية جديدة تمنح الروبوتات ذاكرة للمكان والزمان

النظام يمنح الروبوتات ذاكرة مكانية وزمنية تساعدها على تذكّر الأشياء والمواقع واسترجاعها عبر أوامر بلغة طبيعية بسرعة أكبر.

نسيم رمضان (لندن)
الاقتصاد شعار شركة «ديب سيك» الصينية على هاتف ذكي (رويترز)

أميركا تتراجع عن إدراج «ديب سيك» على القائمة السوداء

أفادت تقارير بأن المستثمرين قدّروا قيمة شركة «ديب سيك» الصينية الناشئة في مجال الذكاء الاصطناعي بأكثر من 50 مليار دولار في أول جولة تمويلية للشركة

«الشرق الأوسط» (واشنطن - بكين)
تكنولوجيا يختبر تطبيق «رسائل غوغل» أداة تكشف ما إذا كانت الصور أُنشئت أو عُدلت باستخدام الذكاء الاصطناعي

أداة جديدة في «رسائل غوغل» لكشف الصور المنشأة بالذكاء الاصطناعي

يختبر «رسائل غوغل» أداة تتيح التحقق من مصدر الصور وتعديلات الذكاء الاصطناعي، لمساعدة المستخدمين على اكتشافها داخل المحادثات بسهولة.

نسيم رمضان (لندن)
الاقتصاد متداولة تقف إلى جانب لوحة إلكترونية في قاعة تداول بنك هانا في سيول (إ.ب.أ)

أسهم كوريا الجنوبية تتراجع مع خسائر «وول ستريت» في قطاع التكنولوجيا

سجّلت الأسهم الكورية الجنوبية تراجعاً، الأربعاء، متأثرة بخسائر أسهم التكنولوجيا في «وول ستريت»، في حين واصلت شركة «إس كيه هاينكس» مكاسبها.

«الشرق الأوسط» (سيول)

موجة محمومة لابتكار حلول طبية بالذكاء الاصطناعي

موجة محمومة لابتكار حلول طبية بالذكاء الاصطناعي
TT

موجة محمومة لابتكار حلول طبية بالذكاء الاصطناعي

موجة محمومة لابتكار حلول طبية بالذكاء الاصطناعي

تُضخ مليارات الدولارات من رأس المال الاستثماري في رهان واحد: إذا تمكنت من توليد إجابة طبية متطورة بسرعة كافية، فقد تكون حققتَ حلاً ذا قيمة في مجال الرعاية الصحية. وهذه الفكرة مغرية، فالأطباء تحت ضغط هائل من الوقت، والمرضى ينتظرون شهوراً، ونماذج اللغة الكبيرة للذكاء الاصطناعي قادرة الآن على إنتاج إجابات دقيقة، ومتعاطفة، وذات مصداقية سريرية في ثوانٍ، وبتكلفة زهيدة ، كما كتب فيكرام بهاسكاران(*).

رهان «خاطئ»... قد يدفع الطب ثمنه

تكمن المشكلة في أن هذا الرهان مبني على خطأ في التصنيف، وقد يدفع الطب ثمنه خلال العقد المقبل، إذ لم يكن الجزء الأصعب في الطب يوماً هو استرجاع المعلومات، بل معرفة أي المعلومات مهمة لهذا المريض، في هذه اللحظة، في ظل ظروف عدم اليقين، مع بيانات غير مكتملة، وعواقب حقيقية، وقيود لم يسبق لأي خوارزمية أن واجهتها.

وتتجسد العواقب في حالات: اللحظة التي لا تتوافق فيها حالة المريض مع تقرير الإحالة.. تحديد الفرق بين «أنا متعب» و«هناك مرض ما».. الشعور بملمس الأنسجة أثناء الجراحة.. القدرة على تحديد متى تنطبق قواعد الدليل الإرشادي، ومتى لا تنطبق، ومتى يكون الدليل نفسه متخلفاً عن الممارسة.

لم تُسجّل أيٌّ من هذه المعلومات بدقة في قاعدة بيانات. ولن يُسجّل الكثير منها أبداً.

الطب: معلومات+ تقديرات مستمدة من الخبرة

يجمع القطاع الطبي بين المعلومات الطبية والتقدير الطبي، بينما تتميز البرامج الذكية بقدرتها الفائقة على تحليل ما هو مدوّن. أما الكثير ممّا يجعل الطب جديراً بالثقة فانه يكمن في مكان آخر تماماً: في الخبرة، وفي السياق، وفي التعرّف على الأنماط المتراكمة عبر آلاف الحالات، وفي التفكير السريري المتبادل بين الأطباء. هذا الجزء الأخير بالغ الأهمية، وهو الجزء الذي تجاهله وادي السيليكون تماماً.

يتكوّن التقدير السريري في الممرّ بعد حالة صعبة، وفي الاستشارة السريعة، وفي حوار للتدقيق في الحالة بين طبيب قلب وطبيب عناية مركزة، لم يكن ليلتقيا لولا تلك الحالة. صحيح أن الطب يمتلك بنية تحتية معرفية رسمية واسعة وفريدة من نوعها: كالمجلات والمؤتمرات والإرشادات والجلسات العلمية الكبرى وغيرها. لكن طبقة التفكير الموزعة والفورية بين الأقران هي التي تُصاغ فيها معظم المعلومات السريرية.

* آلات قادرة على إنتاج إجابات دقيقة ومتعاطفة وذات مصداقية سريرية في ثوانٍ.. وبتكلفة زهيدة*

منصة سريرية عالمية مشتركة

للحظة وجيزة وغير متوقعة، غيّر موقع «ميدتويتر» MedTwitter هذا الواقع. فرغم كل عيوبه - من التزاحم والتنافس الهرمي إلى اليقين الظاهري - منح «ميدتويتر» الأطباء شيئاً لم يبنه الطب عمداً قط: منصة سريرية عالمية مشتركة، فورية، ومتعددة التخصصات. ويستطيع طبيب طوارئ في منطقة ريفية نشر رسم لتخطيط قلب كهربائي معقد والحصول على رأي خبير في غضون دقائق. ويستطيع المتدرب مشاهدة كبار الأطباء يناقشون دراسة في نفس يوم نشرها. كما يمكن مراجعة تجربة سريرية جديدة، وتحسينها، ووضعها في سياقها، واختبارها من قبل الأشخاص الذين سيتولون رعاية المرضى في صباح اليوم التالي. هذه هي القيمة الحقيقية لـ«ميدتويتر» في مجال الطب.

لقد ارتقى هذا النظام لفترة وجيزة إلى مستوى التفكير السريري غير الرسمي قبل أن ينهار تحت وطأة حوافز المنصة التي استضافته.

فشل المنصة «بنيوي» بسبب انعدام العمق الطبي

كان الفشل بنيوياً أيضاً. فالمنصة المصممة لزيادة الاهتمام لا يمكنها الحفاظ على مجتمع يعتمد على التفكير العميق، والثقة، والتواضع، والمعايير المهنية. يحتاج الطب إلى مساحات يستطيع فيها الطبيب أن يقول «لا أعرف» أو «هذا ما نفعله في مؤسستي» دون أن يُعاقب بخوارزمية مُحسَّنة. يحتاج الأطباء إلى أماكن يكون فيها الاختلاف مثمراً، والشك صادقاً، ولا يُضطرون فيها إلى استخدام خبراتهم لإرضاء المرضى والصحافيين وأصحاب العمل والمتصيدين والغرباء في آن واحد.

إن غياب هذه المساحة المشتركة للأطباء بات أكثر أهمية من أي وقت مضى. فالأطباء يواجهون دخول الذكاء الاصطناعي إلى الممارسة السريرية دون بنية تحتية فعّالة للتفسير الجماعي.

توصيات «ذكية» بناء على حالات من «المرضى الآخرين»

ما معنى الخبرة عندما تتحول عملية استرجاع المعلومات إلى مجرد سلعة؟ ما هي الأدوات التي تُمثل اختراقات حقيقية فعلاً، وما هي تلك التي لا تقدم سوى أوهام مُنمقة؟ كيف يُقيّم طبيب الأورام في المجتمع توصية علاجية مُولَّدة بواسطة الذكاء الاصطناعي، في حين أن النموذج قد يكون قد دُرّب على مرضى مختلفين، في مؤسسات مختلفة، وبظروف متباينة؟ كيف ينبغي للأدلة الواقعية، وأنماط الممارسة المحلية، والخبرة المؤسسية أن تُؤثر في استخدام هذه الأدوات؟

لن تُجاب هذه الأسئلة بعروض توضيحية للمنتجات، أو معايير قياس مُنمّقة، أو مُلخص آخر للذكاء الاصطناعي في ورقة بحثية. ستأتي الإجابات من إعادة بناء طبقة الاستدلال السريري، القائمة على التفاعل بين النظراء من الأطباء، التي تعمل في الوقت الفعلي، التي لطالما اعتمد عليها الطب.

دمج وتكامل المعلومات

سيُساعد الذكاء الاصطناعي بالتأكيد المرضى على فهم النظام، وسيُساعد الأطباء على استرجاع المعلومات، وتلخيص السجلات، وكتابة الملاحظات، وتحديد المخاطر، ودعم القرارات. ولكن أهمية الأطباء لن تقل مع انخفاض تكلفة استرجاع المعلومات وسرعته، بل سينتقلون إلى العمل الأكثر صعوبة المتمثل في دمج السياق الخاص بكل مريض، مع أطر القيود المؤسسية، ومع الخبرة المعيشية، وعدم اليقين، والأدلة، والقيم، والمخاطر في القرارات التي تؤثر فعلياً على حياة البشر.

الطبيب صاحب القرار

في هذا العالم، قد لا يكون السؤال الأهم الذي يطرحه الأطباء هو: «ماذا يقول النموذج؟» بل قد يكون السؤال الأقدم والأصعب والأكثر إنسانية: «ماذا ستفعل؟» لعلاج المريض؟

في الوقت الراهن، تتشتت المعرفة الجماعية للأطباء عبر قنوات تطبيق «سلاك» المنعزلة، ومحادثات المجموعات الخاصة، وسلاسل الرسائل النصية، والقنوات الخلفية غير الرسمية. غالباً ما تكون هذه المساحات عالية الثقة، ولكنها محدودة النطاق. فهي تفتقر إلى الوصول الشامل بين التخصصات، والهيكل المطلوب لفهم جماعي حقيقي. ولا يمكن أتمتة هذه التجربة ببساطة، لأن فهم الأمور في الطب يعتمد على الثقة، والدقة، والمصداقية. يعتمد الأمر على معرفة المتحدث، وما رآه، وكيف يمارس عمله، ولماذا يُعدّ رأيه مهماً. هذا هو الجانب الإنساني حيث تتحول الأدلة إلى أحكام، والأحكام إلى رعاية.

بنية تحتية موثوقة تُتيح فهماً سريرياً منطقياً

لن يتحدد مستقبل الرعاية الصحية الأفضل للمرضى بما يعرفه الذكاء الاصطناعي فحسب، بل سيعتمد على قدرتنا على إطلاق العنان للمعرفة والحكم والخبرة الهائلة الكامنة لدى الأطباء، وجعل هذا الذكاء الجماعي متاحاً لمن يقدمون الرعاية للمرضى في الواقع.

لا يحتاج العصر القادم للطب إلى منصة أخرى مُحسّنة لجذب الانتباه، أو أداة أخرى تُعامل الأطباء كنقاط نهاية لإجابات مُولّدة. بل يحتاج إلى بنية تحتية موثوقة تُتيح فهماً سريرياً منطقياً: بيئة يُمكن فيها الطعن في الأدلة، وتبادل الخبرات، ومناقشة الشكوك بصدق، ومساعدة الأطباء بعضهم بعضاً في تحديد معنى المعرفة بالنسبة للمريض الذي أمامهم. في عصر الذكاء الاصطناعي، لا تُمثل هذه الشبكة البشرية تراجعاً عن التقدم، بل هي البنية التحتية التي ستدفع الابتكار وتجعل التقدم ذا مغزى سريري.

في عصرنا الجديد للذكاء الاصطناعي، قد لا تكون أهم التقنيات هي النموذج نفسه. قد يكون المجتمع هو من يتعلم، ويتساءل، ويختبر، ويقرر في نهاية المطاف معنى هذا النموذج عملياً.

إن مستقبل الطب لن يقتصر على ما تستطيع الآلات معرفته، بل سيرتبط بما يمكن للأطباء اكتشافه معاً.

* مجلة «فاست كومباني».


«شهادة في الذكاء الاصطناعي»… هل ترغب في الحصول عليها؟

«شهادة في الذكاء الاصطناعي»… هل ترغب في الحصول عليها؟
TT

«شهادة في الذكاء الاصطناعي»… هل ترغب في الحصول عليها؟

«شهادة في الذكاء الاصطناعي»… هل ترغب في الحصول عليها؟

وصل هوس الذكاء الاصطناعي إلى قوائم البرامج الأكاديمية في الكليات والجامعات الأميركية، فقد بدأت عشرات الجامعات أخيراً بتقديم تخصصات رئيسية وفرعية وبرامج دراسات عليا في الذكاء الاصطناعي، مما جذب الطلاب من جهة وأثار في الوقت نفسه تساؤلات حول سرعة تطوير هذه البرامج الأكاديمية.

تعرف على الأهداف قبل التسجيل

إليك بعض الأمور التي اقترح الخبراء التدقيق فيها قبل التسجيل في برنامج الذكاء الاصطناعي.

* تعرّف على أهداف البرنامج الأكاديمي (إضافة إلى أهدافك أنت). قد تتشابه عناوين برامج الذكاء الاصطناعي، لكنها لا تتشابه في المناهج الدراسية، ولا حتى في الطموحات.

جوانب نظرية وتطبيقات صناعية وطبية

على سبيل المثال، تركز جامعة كارنيجي ميلون، أول جامعة في الولايات المتحدة تقدم برنامجاً في الذكاء الاصطناعي، على الجانب النظري وكيفية بناء هذه التقنية. وقال ريد سيمونز، أستاذ علوم الحاسوب ومدير البرنامج: «هدفنا الرئيسي هو تعليم الطلاب كيفية فهم أسس تقنية الذكاء الاصطناعي، ليتمكنوا من الانطلاق في العالم وتصميم وبناء الجيل المقبل».

وفي كثير من الأحيان، تُدرّس الجامعات الطلاب كيفية استخدام الذكاء الاصطناعي في مجالات تتجاوز علوم الحاسوب. وأوضح رايان آدامز، عميد كلية الهندسة والمناجم في جامعة نورث داكوتا، التي تُقدّم درجة الدكتوراه في الذكاء الاصطناعي، أن الجامعة تُعلّم الطلاب كيفية تطبيق الذكاء الاصطناعي في مجالات تشمل صناعة الطائرات والطب. وأضاف: «يمكننا معالجة هذه المشكلات المعقدة للغاية، واستخدام الذكاء الاصطناعي للمساعدة في حلّها».

وقال مارشال هيبرت، عميد كلية علوم الحاسوب في جامعة كارنيجي ميلون، إن كلا النهجين قد يكون قيّماً. وأكّد: «عليك فقط أن تعرف ما ستحصل عليه».

تعرف على «الجامعات المتميزة»

* انظر إلى سجل الإنجازات الجامعية. أثار التطور السريع للبرامج قلق بعض الأكاديميين. واقترح الخبراء على الطلاب التوجه إلى الجامعات المعروفة بتخصصها في علوم الحاسوب.

وقال تشارلز إيزبيل، عالم الحاسوب ورئيس جامعة إلينوي في أوربانا-شامبين: «الجامعات التي برعت في هذا المجال ستبقى كذلك. أما الجامعات التي لا تملك سجلاً حافلاً في هذا المجال، فعليها بذل جهد كبير لبناء برنامج عالي الجودة. بعضها سينجح، والبعض الآخر لن ينجح». وأضاف، الذي لا تقدم جامعته شهادة مستقلة في الذكاء الاصطناعي: «عدّد أفضل 50 قسماً أكاديمياً/ من تلك التي لم تكتشف الذكاء الاصطناعي فحسب، بل كانت رائدة فيه، وكان لها تأثير كبير قبل أن يدرك عموم الجمهور حجم هذا التأثير».

شهادات الجامعات واحتمالات التوظيف

* راقب ما يفعله أصحاب العمل. يجتمع العمداء ورؤساء الأقسام بانتظام مع أصحاب العمل للاستماع إلى احتياجاتهم. وفي الوقت نفسه، تُقيّم الشركات البرامج الأكاديمية والطلاب المتخرجين فيها. ويرى مسؤولو الجامعات أن التوظيف مؤشر واقعي على جودة البرامج الأكاديمية. لذا، ومع تطور هذه البرامج الجديدة، اسأل عن فرص التوظيف واهتمام أصحاب العمل.

وقالت سيمون لودفيغ، رئيسة قسم علوم الحاسوب في جامعة ولاية داكوتا الشمالية، إنه سيكون من الواضح للشركات أيّ الجامعات التي تُخرّج طلاباً غير مؤهلين.

شهادة خاصة بالذكاء الاصطناعي؟

تذكر أنه لا يوجد إجماع حول جدوى وجود شهادات في الذكاء الاصطناعي. لطالما كان موضوع ما إذا كان ينبغي أن يكون للذكاء الاصطناعي شهادة مستقلة بدلاً من وجوده ضمن تخصص علوم الحاسوب، موضوع نقاش واسع في الأوساط الأكاديمية. وصفت نشرة جمعية أبحاث الحوسبة نقاشاً حول هذا الموضوع في مؤتمر عُقد العام الماضي بأنه «أحد أكثر الأحداث ترقباً في ذلك الأسبوع».

وقالت ليزا ميدن أستاذة في كلية سوارثمور، التي شاركت في لجنة المؤتمر، في مقابلة أجريت معها هذا الربيع: «أنا متشككة في ضرورة وجود هذا المستوى من التخصص. أشعر أن هناك الكثير مما يجب فهمه حول علوم الحاسوب كعلم، أكثر بكثير مما يحدث في مجال الذكاء الاصطناعي - وأنا شخصياً أعمل في مجال الذكاء الاصطناعي منذ 32 عاماً».

ابتكار بـ«طريقة أخلاقية»

مع ذلك، يجادل مؤيدو شهادات الذكاء الاصطناعي بأن البرامج المصممة خصيصاً لتلبية الاحتياجات المعاصرة ستخدم الطلاب والمجتمع بشكل أفضل.

قال أندرو أرماكوست، رئيس جامعة نورث داكوتا: «لا أعتقد أنها مجرد موضة عابرة». وأضاف أن الجامعات بحاجة إلى دور في مجال الذكاء الاصطناعي «لتحقيق التوازن، وللتأكيد على رغبتنا في المشاركة في ابتكار تقنيات جديدة، ولكن بطريقة أخلاقية ومدروسة».

* خدمة «نيويورك تايمز».


«رقعة الإبر الدقيقة» لإصلاح القلب... وتقنيات تحويل الكلام إلى «أجسام مادية»

«رقعة الإبر الدقيقة» لإصلاح القلب... وتقنيات تحويل الكلام إلى «أجسام مادية»
TT

«رقعة الإبر الدقيقة» لإصلاح القلب... وتقنيات تحويل الكلام إلى «أجسام مادية»

«رقعة الإبر الدقيقة» لإصلاح القلب... وتقنيات تحويل الكلام إلى «أجسام مادية»

تتبوأ الكليات والجامعات مكانة رائدة في مجال التصميم المبتكر، فالتعاون الذي يربط الطلاب والأساتذة والتقنيات الرائدة يُحوّل الأفكار التي تبدو مستحيلة إلى واقع ملموس، كما كتبت لويز إمبر(*).

ولا تقتصر إنجازات هذه المؤسسات التعليمية على تحقيق تقدم سريع في مجالات الاستدامة والتصميم والرعاية الصحية فحسب، بل إنها تُرسّخ أيضاً مساحاتٍ تُمكّن الطلاب من التجربة والتصميم من خلال مناهج عملية وأفكار مبتكرة، مما يُسهم في إعداد جيل جديد من صُنّاع التغيير.

«رقعة الإبر الدقيقة» لإصلاح القلب

يُصاب نحو 805 آلاف أميركي بنوبة قلبية كل عام، وفقاً لمراكز مكافحة الأمراض والوقاية منها. ويعمل رواد الابتكار في مجال الطب الحيوي بجامعة «تكساس إيه آند إم» على علاج، وعكس الضرر طويل الأمد الناتج عن السكتة القلبية، باستخدام رقعة إبر دقيقة قابلة للتحلل الحيوي.

تُحسّن «رقعة الإبر الدقيقة» لإصلاح القلب Microneedle patch for cardiac repair هذه، التي تُوصل جزيئاً مُعالجاً مباشرةً إلى أنسجة القلب المُصابة، شعور المرضى بعد النوبات القلبية من خلال تركيز العلاج واستدامته. وبالاقتران مع الذكاء الاصطناعي والنمذجة الإحصائية، تُعالج الرقعة القلب وتمنع الإصابة بفشل القلب المزمن. وفي العام الماضي، تطورت الرقعة من مشروع بحثي إلى علاج مدعوم من المعاهد الوطنية للصحة وجمعية القلب الأميركية.

أطراف صناعية ذكية تتكيف مع عادات المستخدم (جامعة كاليفورنيا)

مشروع «إحياء الغابات الحضرية»

يُعيد مشروع «غروف Grove»، من ابتكار طلاب كلية سافانا للفنون والتصميم الأميركية، إحياء الغابات الحضرية من خلال نهج استباقي لتأمين صحة أشجار المدينة. وباستخدام الذكاء الاصطناعي وأجهزة استشعار التربة الذكية، تُراقب تقنيات «غروف» صحة التربة وأنماط النمو وأولويات الصيانة، مما يُساعد خبراء الأشجار على منع المشاكل قبل ظهورها. كما تُغني تقنيات عرض البيانات والتحليلات التنبؤية في «غروف» عن التخمين والتقارير اليدوية، مما يجعل المساحات الخضراء الحضرية فعّالة واقتصادية.

يُطبّق المشروع أدواتٍ لإشراك المجتمع، مثل لوحة غروف Grove Plaque وتطبيق غروف سيتيزن Grove Citizen App، حيث يُمكن للسكان الإبلاغ عن مشكلات مثل الآفات والأضرار، ما يُضفي طابعاً تفاعلياً على رعاية الأشجار. وقد حظي المشروع بتقدير من إدارة الغابات الحضرية في نيويورك ومنظمة «تريز أتلانتا» لرفعه قيمة العقارات وتحسين جودة الهواء من خلال الاستثمار المدروس في البنية التحتية الخضراء.

أطراف اصطناعية ذكية تتكيف مع عادات المستخدم

يعمل طلاب جامعة ولاية كاليفورنيا في نورثبريدج، بالتعاون مع Autodesk، على تصميم طرف اصطناعي متطور للذراع Smart prosthetics design project، وبسعر معقول. يتميز تصميمهم الثوري بمجموعة واسعة من الإيماءات والميزات الفريدة.

تستخدم الأجهزة القابلة للارتداء التي طوَّرها فريق الذكاء الاصطناعي للتكيف مع عادات المستخدم، والتعرف البصري لتحديد المواد، ومستشعرات التغذية الراجعة لنقل الملمس. وفي العام الماضي، طوَّر الفريق نظاماً للتحكم بالقدم مخصصاً لمبتوري الأطراف الذين لا يملكون ما يكفي من العضلات المتبقية لاستخدام الأطراف الاصطناعية العضلية الكهربائية التقليدية.

يتميز المنتج بتصميمه الخفيف والقابل للفصل، مما يجعله مناسباً لمبتوري الأطراف والمصابين على حد سواء، وتبلغ تكلفة تصنيعه باستخدام طابعة ثلاثية الأبعاد نحو 300 دولار.

ذراع روبوتية تنشئ نموذجاً صغيراً لمقعد بعد تلقيها أوامر صوتية بصنعه (معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا)

تحويل الكلام إلى «أجسام مادية»

يحوّل مشروع «تحويل الكلام إلى واقع»، الذي ابتكره باحثون من معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا، الكلمات إلى أجسام مادية باستخدام الذكاء الاصطناعي التوليدي ثلاثي الأبعاد ونظام تجميع آلي. وعلى عكس مولدات النماذج ثلاثية الأبعاد الأخرى، التي تستخدم طابعات ثلاثية الأبعاد تستهلك الكثير من الوقت والموارد، يعتمد مشروع «تحويل الكلام إلى واقع» على أجزاء معيارية قابلة لإعادة الاستخدام لإنشاء منتج في دقائق، مما يُعيد تشكيل التصميم والتجميع والاستهلاك.

يستطيع المستخدمون من جميع مستويات الخبرة في التصميم تحويل الطاولات والكراسي وحتى المنحوتات إلى واقع بمجرد التحدث، ويتوسع المشروع بسرعة ليشمل بناء أجسام متحركة متينة باستخدام المفصلات والسكك والخشب والزجاج.

* مجلة «فاست كومباني».