هل يصبح صنّاع المحتوى صحافيي الغد؟

دراسات تتوقع اتساع رقعة نفوذهم مقابل أفول نجم الإعلام التقليدي

هوغو ترافرس "هوغو ديكريبت" (يو تيوب)
هوغو ترافرس "هوغو ديكريبت" (يو تيوب)
TT

هل يصبح صنّاع المحتوى صحافيي الغد؟

هوغو ترافرس "هوغو ديكريبت" (يو تيوب)
هوغو ترافرس "هوغو ديكريبت" (يو تيوب)

قبل 10 سنوات ما كان أحد يتصور أن يقبل رئيس دولة كبيرة كفرنسا بإجراء مقابلة خاصة مع صانع محتوى شاب لا يتعدى 24 سنة، لم يتخصّص في الصحافة ولا يعمل في أي مؤسسة إعلامية. إلا أن هذا ما حدث فعلاً في 2019 حين حاور هوغو ترافرس (قناة هوغو ديكريبت) الرئيس إيمانويل ماكرون لمدة ناهزت الساعتين حول مواضيع سياسية تهم الشباب والفرنسيين بصفة عامة. كذلك، حاور صانع المحتوى الشاب أكثر من 30 سياسياً فرنسياً من اليسار واليمين، وشخصيات مهمة مثل بيل غيتس ورئيس وكالة الاستخبارات الأميركية جون برينان، كما يقدم أسبوعياً تحليلاً لأهم الأحداث السياسية والاقتصادية، يتابعها ويعلّق عليها الملايين على منصّة «يوتيوب».

لينا محفوف "لينا سيتواسيون" (غيتي)

هذه الأمثلة المختارة ما عادت ظاهرة منعزلة، فـ«صنّاع المحتوى» الذين يقتحمون المجال الإعلامي ويقلبون الموازين باتوا ظاهرة آخذة في التطور... وكل في مجاله. إذ إن منهم من يتخصّص في السياسة، ومنهم في الاقتصاد والمال أو في الثقافة والرياضة، بعيداً عن الصورة التقليدية أو النمطية لصانع المحتوى الذي لا يتناول إلا المواضيع الترفيهية بسطحية وابتذال. واللافت أن الظاهرة أخذت أبعاداً كبيرة، خصوصاً في أوساط الشباب، لدرجة أنها صارت تثير قلق الإعلاميين وخوفهم من منافسة قد لا تنتهي حتماً لصالحهم.

انقلاب الموازين يعدّ البعض النفوذ المستجد لصانعي المحتوى بمثابة طبق الانتقام الذي يؤكل بارداً، فلطالما عانى هؤلاء من ازدراء شخصيات من عالم الصحافة والإعلام عدّتهم «متطفلين» يفتقدون الشرعية والمؤهلات. وفي حوار نُشر بالمجلة الثقافية «تيلي راما»، عاد المؤثّر الفرنسي لوكاس هوشار الملقب بـ«سكويزي» سنوات إلى الوراء ليعلّق على الحوار التلفزيوني الذي جمعه بالإعلامي المعروف تيري أرديسون، وهو الحوار الذي أثار كثيراً من الجدل بسبب لهجة السخرية والازدراء التي خاطب بها أرديسون المؤثر الشاب، وبالذات عندما توجّه إليه بلهجة ساخرة قائلاً: «دعني أقول لك إنك عبقري... فعملك يقتصر على اللعب والدردشة مع متابعيك، وبفضل الإعلانات تتلقى أجوراً خرافية، هذا أمر رائع...».«سكويزي» علّق على تلك الحادثة بقوله: «لقد تلقوا صفعة على وجوههم ولم يفهموا أننا على أبواب ثورة ترفيهية وتكنولوجية... مَن أكون حتى أقول إن تعامله معي لم يكن لائقاً؟... لكن ما أستطيع قوله هو أن الازدراء كان فعلاً مبالغاً فيه... اليوم نضجنا من حيث المضمون والمعالجة وهذه لغة يفهمونها أكثر...». وحقاً، بمرور الوقت، انقلبت الموازين واختلطت الأوراق، وصار صانعو المحتوى يتمتعون بنفوذ كبير.

سيبريان (آ ف ب)

المؤثر الشاب الذي كان موضع استهزاء من طرف الإعلامي أصبح اليوم «الرجل الأكثر مشاهدة في فرنسا»، وفق مجلة «تيلي راما» بأكثر من 40 مليون متابع في مجمل المنّصات، ويتربع على رأس شركة إنتاج تزن أكثر من 14 مليون يورو، وهو الذي يقرر مَن يحاوره من الصحافيين وبأي الشروط.

ملاحقة وشروط

في الموقع الإخباري «أري سو ايماج»، الذي يديره الصحافي المستقل دانيال شنيديرمان، شرح عدد من الصحافيين كيف أنهم ركضوا لأشهر طويلة وراء صانع المحتوى «سكويزي» أملاً في الظفر بحوار معه، وحين قبل، اشترط موافقته على النسخة النهائية وحذف المقاطع التي لا يراها مناسبة قبل النشر، وهو أمر قبل به الصحافيون، بحسب شهادة أحدهم وهو فيكتور لو غران الصحافي من مجلة «سوسايتي» الثقافية.

ما يأخذه صنّاع المحتوى على الإعلاميين التقليديين هي لهجة «التعالي» التي تُستخدم تجاههم، ذلك أنه على الرغم من كل الجهود التي يبذلونها فإن تُهم السطحية ونقص المهنية لا تزال تلاحقهم في كل مناسبة.

وفي شهادات حصرية لمجلة «لا روفو دي ميديا»، التي خصّصت مقالاً طويلاً حول هذا الموضوع بعنوان: «بين المؤثرين والصحافيين، غياب دائم للثقة»، يستحضر كثير من صنّاع المحتوى الفرنسيين العبارة التي غالباً ما يستعملها الإعلاميون لتقديمهم. وهي تبدأ بالجملة التالية: «أنتم لا تعرفونهم، لكنهم الشخصيات الأكثر شعبية في ساحات المدارس...».

لوكاس هوشار "سكويزي" (آ فب ب)

من جانب آخر، «سيبريان»، وهو صانع محتوى آخر معروف، يتذكّر على صفحات المجلة ذاتها كيف أنه فوجئ بالصحافية في قناة «كنال بلوس» مايتينا بيرابان، التي من المفروض أن تحاوره، وقد كلّفت طفلة صغيرة بتوجيه الأسئلة بدلاً منها... في تلميح منها إلى أن الجمهور الذي يهتم بمضامين المؤثر الشاب هم فقط من الأطفال.الغيرة والخوف من المنافسةالمنافسة التي بات يشكلها صنّاع المحتوى على الصحافيين، وبخاصة الناشطين في القطاع السمعي البصري، أدّت إلى تطور علاقات سيئة بين الفريقين. بل ازدادت الوضعية تدهوراً مع الوقت بسبب الهوّة التي شكلها نقص الثقة المزداد بين الجمهور والإعلام التقليدي المُقيم، وحسب آخر مسح أجري في فرنسا، بنحو لا تزيد الثقة على 30 بالمائة فقط.

وفي موضوع الهجوم الذي شنّه بعض الصحافيين المتخصصّين في الأخبار الفنية، حين اكتشفوا أن مجموعة من المؤثرين قد حصلوا على تصاريح صحافية في حفل افتتاح الفيلم السنيمائي «بابيلون»، نقلت مجلة «ليبيراسيون» عن واحدة منهم؛ وهي الصحافية بالوما بيكوس من مجلة «باري ماتش» في تغريدة عبر منصّة «إكس»، قولها: «أنا حزينة لأنني اكتشفت اليوم أن التصاريح الصحافية النادرة جداً باتت اليوم متاحة للمؤثرين، كأن الأماكن ليست غالية بما فيه الكفاية، بل كأن المعركة التي نخوضها (نحن الصحافيين التقليديين) يومياً من أجل الفوز بالمصداقية ليست صعبة بما فيه الكفاية... هل أنا الوحيدة التي تجد أن هذه الوضعية ما عادت تطاق؟».

بيكوس نشرت التغريدة مع صورة لمؤثرة شابة تدعى لينا محفوف (قناة لينا سيتواسيون) وهي تحمل التصريح الصحافي، مع العلم أن المؤثرة التي وجهت لها شركة الإنتاج الدعوة لا تنتمي لأي مؤسسة إعلامية ولا تتمتع بأي خبرة في الحوارات الصحافية. إلا أنها في المقابل، تملك أعداداً غفيرة من المتابعين (3 ملايين). ولقد ذكّرت «ليبيراسيون» قراءها بأن صانعة المحتوى الشابة وزملاءها الأربعة الذين حضروا حفل الافتتاح يتربّعون على مملكة من المتابعين تصل إلى 6 ملايين شخص يثقون في آرائهم ويتأثرون باختياراتهم، وهو ما تفتقده الصحافية بيكوس.

لسنا بحاجة إلى الإعلام التقليديهذه العلاقات المتوترة بين «الإخوة الأعداء» أكدتها دراسات كثيرة، منها واحدة لوكالة «ريتش» المتخصّصة في التسويق الرقمي، نُشرت في صحيفة «لاروفو دي ميديا» وشارك فيها أكثر من 1300 صانع محتوى فرنسي. وفي حين بينت الدراسة أن 42 بالمائة منهم يعدّون «وسائل الإعلام تمثلهم بصورة سلبية»، ذهبت صانعة المحتوى الفرنسية آفا ميند إلى حد اتهام الصحافيين «بتشويه الحقيقة ومحاولة الإيقاع بهم في الحوارات». ذلك أن معظم الأسئلة، حسب الشابة الفرنسية، تدور حول مواضيع تافهة «كالمدخول، والمشروعات بعد فقدان المتابعين، والعلاقة بالزملاء من الرجال (؟) ولذا فهي نادراً جداً ما تقبل حوارات صحافية». وأردفت: «مهنة صانع المحتوى مهنة قائمة بحد ذاتها، فيها جوانب إيجابية وكذلك سلبية... والمهم التوقف عن النظر إلينا باحتقار لأنني فخورة بعملي...».

صانع المحتوى المعروف «سكويزي» ذهب، من جهته، إلى وصف قطاع التلفزيون «بالعتيق الذي عفّى عليه الزمن» خلال حوار مع مجلة «تيلي راما». وتابع أنه «لا يفكر بالعمل فيه، لأن طريقة العمل فيه تخلو من الإبداع والتجديد». وحقاً، على طريق الاستغناء عن الإعلام التقليدي يلجأ صنّاع المحتوى اليوم إلى إنشاء «دائرة إعلامية بديلة». وعبرها يقوم هؤلاء باستجواب بعضهم، والأسباب شرحها أحدهم على صفحات مجلة الدراسات الإعلامية «لا روفو دي ميديا»، فقال: «حين يحاورني زميل، فأنا أتعامل مع شخص من الوسط نفسه الذي أنشط فيه، ولذا سيكون وديّاً معي ومتفهّماً للمواضيع التي لا أود التطرق إليها». هل هم صحافيو الغد؟أمام المعطّيات الجديدة، فقد اهتمت عدة جهات برصد تطورات المشهد والتوقعات المستقبلية. إذ ظهرت عدة دراسات تتوقع مستقبلاً زاهراً لصناع المحتوى، أولاها دراسة نشرت في صحيفة «فايننشيال تايمز» البريطانية، كبرى الصحف المالية والاقتصادية العالمية، في أواخر مارس (آذار) الماضي 2024، تحت عنوان «الطّرق التي سنلجأ لها للتزود بالأخبار مع مطلع 2030»، وهي تبين أن أهم تغيير سيتعلق بمستقبل النشاط الصحافي.

هذه الدراسة تتوقع نفوذاً أكبر لصنّاع المحتوى في قطاع الإعلام مقابل «أفول نجم الصحافيين بالمعنى التقليدي... تحت وطأة المنافسة الشرسة». ثم إنها تشير إلى مشكلة «انعدام الثقة» التي أضحت تجسّد العلاقة بين جمهور الشباب ووسائل الإعلام التقليدية، التي من المتوقع أن تمتد إلى شرائح أخرى في المستقبل.

وبالتالي، فإن الدراسة وإن لم تعلن عن «موت الصحافة التقليدية» وصحافييها، فإنها دقّت ناقوس الخطر بالقول إن «على الصحافيين العمل على تغيير علاقتهم بالجمهور إذا أرادوا الاحتفاظ بشيء من النفوذ، لأن أكبر مشكلة تواجههم الآن هي «غياب المصداقية». ثم شرحت أن كثيرين «ما عادوا يثقون في وسائل الإعلام التقليدية ومصادرها الإخبارية»، بل يشككون في كل معلومة أو خبر. وفي المقابل، تنصبّ الأنظار والاهتمامات نحو المضامين التي تقدّمها شخصيات من وسائل التواصل الاجتماعي. وعلى سبيل المثال، فإن صانع المحتوى الذي يسجل أحداث المظاهرات وينقل حيثياتها يومياً قد يبدو أكثر صدقية من الصحافي الذي يغطي الحدث، ثم ينتقل إلى موضوع آخر في اليوم الذي يليه، لكون التقارب والشعور بالارتباط بمصدر المعلومات مسألة مهمة للغاية.

دراسة «فايننشيال تايمز» ركزت أيضاً على تقدم صانعي المحتوى على الإعلاميين فيما يتعلق بالعلاقات «شبه الاجتماعية» أو التفاعلات الافتراضية التي تربطهم بالجمهور الذي يستهلك هذه المواد الإخبارية.

في حين يعزل الصحافيون التقليديون أنفسهم داخل قلاع المؤسسات الإعلامية التي ينتمون إليها.

ولعل هذا ما قصدته الصحافية الأميركية تايلور لورنز في مقال بصحيفة «واشنطن بوست» تحت عنوان «صانعو المحتوى: الفائز الأول في محاكمة (جوني) ديب وأمبر (هيرد)»، عندما كتبت: «انطلاقاً من هذا الحدث الذي أثار اهتمام الجمهور، أدرك كثير من صناع المحتوى أنهم باتوا قادرين على إثارة الاهتمام وجني الأرباح من خلال تغطية الأخبار...». وأضافت: «في سياق يشهد تلاشي الصلة الضعيفة التي كانت تربط الجمهور بالصحافيين، وسواءً أرادت وسائل الإعلام والسّاسة الاعتراف بذلك أم لا، فإن صنّاع المحتوى صاروا شخصيات ريادية تقدم مضامين إخبارية لعدد مزداد من الأشخاص، وأيضاً هم الذين صاروا يحددون السّرد الإلكتروني للأحداث الكبرى».

دراسة أخرى، في الاتجاه نفسه، أعدتها وكالة «رويترز» عن الإعلام الرقمي تتوقع منعطفاً خطيراً في طرق استهلاك الأخبار بالمستقبل. فقد كشفت الدراسة أن «توزيع الأخبار الآن بصدد الانتقال من أيدي الصحافيين إلى أيدي صنّاع المحتوى، وأن البحث عن المضامين الإخبارية سيكون في المستقبل مدفوعاً بغرض التواصل بين أفراد المجتمع، أما البحث عن الأخبار ذاتها فسيغدو مهمة جماعية نسعى من خلالها إلى تحقيق الترابط والوصول إلى مصادقة الآخرين».

كذلك، تتوقع دراسة «رويترز» نهاية «الفجوة» بين المضامين الإخبارية «الجادة»، كمواضيع السياسة والاقتصاد، والمواضيع الخفيفة كأخبار المشاهير والرياضة، ومن ثم، ظهور مزيج بين الاثنين أطلقت عليه اسم «إنفوتاينمنت» المكوّنة من كلمتي «إنفورمايشن» (معلومات) و«إنترتاينمنت» (ترفيه). وبالتالي، «على قاعات التحرير - حسب الدراسة - تقديم ما يريده الصحافيون وما يريده الجمهور»، وأهم ما بينته هذه الدراسة «الرغبة المُلحة في التفاعل ونبذ مشاعر العجز»، وهو الجانب الذي يتفوق فيه صناع المحتوى ويتألقون مقارنة بالصحافيين.


مقالات ذات صلة

بيع لوحة للفنان الفرنسي مونيه مقابل 10.2 مليون يورو

ثقافة وفنون موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «فيتوي، إيفيه دو ماتان» للرسام الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 9 أبريل 2026 (أ.ف.ب)

بيع لوحة للفنان الفرنسي مونيه مقابل 10.2 مليون يورو

بيعت لوحة مناظر طبيعية للفنان الفرنسي كلود مونيه، أعيد اكتشافها في الآونة الأخيرة، مقابل 10.2 مليون يورو (12 مليون دولار) في مزاد بفرنسا.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
يوميات الشرق استعرضت «منصة الإلهام» تجارب ملهمة للمنظمات غير الربحية (وزارة الثقافة السعودية)

مبادرة سعودية لدعم المجتمعات المحلية في ترميم البلدات التراثية

أعلنت وزارة الثقافة السعودية عن مبادرة دعم المجتمعات المحلية في ترميم البلدات التراثية؛ لتعزيز مساهمة المجتمع في الحفاظ على أصوله التراثية ذات القيمة وتأهيلها.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
يوميات الشرق الأمير بدر بن عبد الله بن فرحان لدى لقائه الدكتور فضلي زون في جاكرتا الاثنين (وزارة الثقافة السعودية)

السعودية وإندونيسيا لرفع مستوى التعاون الثقافي

أعرب الأمير بدر بن عبد الله بن فرحان، وزير الثقافة السعودي، عن اعتزازه بالروابط المتينة التي تجمع بلاده وإندونيسيا، والتعاون القائم بينهما في المجالات الثقافية.

«الشرق الأوسط» (جاكرتا)
ثقافة وفنون جانب من معرض «الملكة إليزابيث الثانية: حياتها من خلال الأناقة»... في معرض الملك بقصر باكنغهام لندن 9 أبريل 2026 (رويترز)

بالصور: بريطانيا تحتفي بالملكة إليزابيث الثانية أيقونةً للموضة بمعرض ضخم في الذكرى المئوية لميلادها

تحتفي بريطانيا بمرور مائة عام على ميلاد الملكة إليزابيث الثانية عبر معرض ضخم في قصر باكنغهام يبرز دور أزيائها أداةً دبلوماسيةً ورمزاً لأناقتها وتأثيرها الثقافي.

«الشرق الأوسط» (لندن)
يوميات الشرق تذوّق استثنائي يثير أسئلة حول الترف وحدوده (شاترستوك)

بيضة الفصح بـ1300 إسترليني... سعر صادم وانتقادات واسعة

تتبَّع رجل بيضة عيد فصح وسعرها 1300 جنيه إسترليني تُباع في متجر حلويات في غرب لندن، لكن بعد سماع مدى الدقّة التي أُعدّت بها، سلّط الناس الضوء على عيب كبير فيها.

«الشرق الأوسط» (لندن)

لماذا يهتم الإعلام العالمي بحروب ويتجاهل أخرى؟

لقطة من حرب أوكرانيا (آ ف ب)
لقطة من حرب أوكرانيا (آ ف ب)
TT

لماذا يهتم الإعلام العالمي بحروب ويتجاهل أخرى؟

لقطة من حرب أوكرانيا (آ ف ب)
لقطة من حرب أوكرانيا (آ ف ب)

في حين تتصدر بعض الحروب والنزاعات اهتمامات وسائل الإعلام الدولية، فإن حروباً أخرى قد تكون أكثر مأساوية، تتوارى ولا تجد طريقها إلى العناوين الرئيسية. وهذا ما أرجعه خبراء لأسباب عدة من بينها هيمنة الغرب على الإعلام، وقلة اهتمامه بالصراعات في الدول الفقيرة، إضافةً إلى مستوى تعقيد نزاعٍ ما وطول أمده.

في تقرير نشره «معهد رويترز لدراسات الصحافة»، أخيراً، ذكر أنه بخلاف نزاعَي أوكرانيا والشرق الأوسط، «من غير المرجح أن تحظى حروب أخرى باهتمام الإعلام الدولي». ولفت التقرير إلى أنه «بدءاً من عام 2025، كان هناك 59 نزاعاً نشطاً بين دول حول العالم، وهو أعلى عدد منذ الحرب العالمية الثانية وفقاً لمعهد الاقتصاد والسلام».

أيضاً تضمّن تقرير «معهد رويترز» مقابلات مع ثلاثة صحافيين من بوركينا فاسو وأوغندا وإثيوبيا سبق لهم تغطية نزاعات وحروب، أعربوا كلهم عن إحباطهم من ضعف التغطية لقصص لها تأثير إنساني عميق.

ثم أشار التقرير إلى أن «الأزمات في الدول الفقيرة، خصوصاً في أفريقيا، تحظى باهتمام أقل من غيرها... وأنه خلال عام 2024 رصد المجلس النرويجي للنازحين تغطية إعلامية ضئيلة لأكثر أزمات النزوح، ثمانٍ منها كانت في أفريقيا، حيث تصدّرت الكاميرون وإثيوبيا وموزمبيق القائمة».

الأهمية الجيوسياسية

وأضاف أن «التغطية الإعلامية للنزاعات تعكس رؤية ضيقة تشكلها الأهمية الجيوسياسية أكثر من الإلحاح الإنساني». ثم لاحظ أن نتائج دراسة لـ«المرصد الأوروبي للصحافة» بيّنت إن «نحو 10 في المائة فقط من وقت البث في نشرات الأخبار العامة في ألمانيا وسويسرا والنمسا يُخصص لدول الجنوب العالمي».

محمد عبد الحميد عبد الرحمن، الصحافي السوداني ورئيس تحرير القسم العربي في إذاعة هولندا العالمية ومدير وكالة السودان للأبناء سابقاً، رأى أن «هناك علاقة معقدة بين الإعلام والسياسة والرأي العام». وأوضح في مقابلة مع «الشرق الأوسط» أن «الإعلام في أثناء الحرب لا يغطي ولا يعكس الواقع كما هو، بل يعكس ما يُعد مهماً أو قابلاً للتسويق أو يخدم سرديات معينة، لذلك تختلف التغطية من حرب إلى أخرى». ثم أردف: «المصالح الجيوسياسية، خصوصاً للدول الكبرى وحلفائها، وتحديداً أميركا ودول غرب أوروبا، هي التي تحدد مدى وكيفية تغطية الحروب ومبرّراتها وفظائعها ومترتباتها الإنسانية الفادحة».

ومن ثم، أضاف عبد الرحمن، الذي عمل خلال مسيرته المهنية مراسلاً حربياً في السودان والشرق الأوسط وأفريقيا وآسيا: «الاهتمام الإعلامي الدولي بالحروب يتناسب طردياً مع مدى تأثيرها على مصالح القوى الدولية والإقليمية واستراتيجياتها إلى حد ما»، لافتاً إلى تراجع الاهتمام بالوضع في السودان مع اندلاع حرب غزة، وتراجع الاهتمام بغزة في ظل استحواذ أوكرانيا على الاهتمام.

بعدها تطرّق الصحافي السوداني إلى «عوامل أخرى تؤثر في تغطية الحروب؛ من بينها البُعد الجغرافي لموقع الحرب عن مواقع مؤسسات الإعلام الدولية الكبرى، حيث غالباً ما تهم النزاعات التي يصعب الوصول إليها». وفي مقارنة بين حرب أوكرانيا والنزاع الممتد منذ عقود في الكونغو الديمقراطية، قال عبد الرحمن إن «وسائل الإعلام تتجنّب الخوض في النزاعات المعقّدة التي تتطلّب معرفة معقولة بخلفياتها، وتميل إلى التركيز على النزاعات التي يمكن تبسيطها إلى نزاع بين قوى شريرة وأخرى خيّرة ومظلومة».

الدمار في غزة (آ ف ب)

ملاحقة الجديد وهجر الحروب الطويلة

وأردف: «الصحافيون وأجهزة الإعلام عادةً ما يميلون إلى ملاحقة الجديد والابتعاد عن الحروب الطويلة، فكل كارثة تسرق الأضواء من سابقاتها، لكن رغم ذلك تلعب التغطية الإعلامية دوراً مهماً جداً، بل وحاسماً في بعض الأحيان، لتشكيل الرأي والضغط على أطراف النزاع والمجتمع الدولي للتخفيف من حدة النزاع أو تصعيده حسب المصالح المعرَّضة للخطر جرّاء استمرار الحرب».

من ناحية أخرى، وفق محمد عبد الحميد عبد الرحمن، «التغطية المتحيزة أو المتأثرة بالمصالح قد تعمل في بعض الأحيان على إطالة أمد الحرب؛ ذلك إلى أن استمرار تغطية نزاعٍ ما لفترة طويلة لا يعني بالضرورة استمرار اهتمام الرأي العام به، بسبب ما يمكن أن نسميه إرهاق التغطية والمتابعة والتعاطف».

وتابع: «لا تؤدي التغطية المكثفة بالضرورة إلى إنهاء النزاعات والميل إلى إنهائها كما نلاحظ بوضوح في الصراع الفلسطيني - الإسرائيلي... لأن المواقف الدولية تحكمها المصالح والتحالفات ولا تخضع في معظم الأحيان للضغط الإعلامي».

على صعيد متصل، وفق تقرير «معهد رويترز»، فإن «النزاعات بين الدول المستقلة تحظى بتغطية أكبر من النزاعات الداخلية؛ نظراً إلى تأثيرها الأوسع على السياسة العالمية والاستقرار الاقتصادي. أما النزاعات في المناطق الأقل تأثيراً اقتصادياً، فمن المرجح تجاهلها بغضّ النظر عن شدّتها أو آثارها الإنسانية... يلعب القرب الثقافي دوراً في تحديد الخبر المهم، وغالباً ما تحظى النزاعات التي يشعر الجمهور الغربي بأنها أقرب إليه بتغطية كبرى».

هنا أرجع يوشنا إكو، الباحث الإعلامي الأميركي، ورئيس ومؤسس «مركز الإعلام ومبادرات السلام» في نيويورك، غياب بعض الحروب عن العناوين الرئيسية، جزئياً، إلى «هيمنة الغرب على وسائل الإعلام والاتصال». وقال لـ«الشرق الأوسط» خلال حوار معه، إن «تجانس المحتوى الإعلامي يزيد من تفاقم أوجه عدم المساواة أو الاختلال في التوزيع العالمي للمحتوى الإعلامي».

وقارن بين حجم التغطية الإعلامية للحروب الجارية في أوكرانيا وإيران، وحجم التغطية للحروب المستعصية المستمرة منذ عقود في الصومال والسودان وجمهورية الكونغو الديمقراطية، فنبّه إلى أن «توزيع وسائل الإعلام يفترض ضمناً هيمنة السياسة والاتصال ورأس المال».

لجنة ماكبرايد

كذلك تطرّق إكو إلى إنشاء «اللجنة الدولية لدراسة مشكلات الاتصال» عام 1977 برئاسة الآيرلندي شون ماكبرايد (حامل جائزة نوبل للسلام)، ومشاركة ممثلين من 15 دولة أخرى. وقال إن اللجنة أعدَّت فيما بعد تقريراً بعنوان «أصوات متعددة... عالم واحد»، عُرف بـ«تقرير ماكبرايد»، شدد على «وجود اختلال فادح بين الشمال والجنوب، لا تزال أصداؤه تتردد إلى اليوم».

وللعلم، كان إكو قد أجرى عام 1991 دراسة حول تغطية الصحف النيجيرية للأزمات الإقليمية والدولية، كدراسة حالة عن ليبيريا وحرب الخليج. وذكر أن «الدراسة أظهرت أن وسائل الإعلام الغربية آنذاك، لا سيما (سي إن إن) الأميركية و(بي بي سي) البريطانية كانتا تقودان السرديات المتعلقة بالحروب... وهذا الوضع لم يتغير، إذ ما زال الإعلام الغربي يهيمن على سرديات الحروب حتى الآن».

أما بالنسبة إلى «حرب غزة»، فقد أورد تقرير «معهد رويترز» أنه «رغم التغطية الكبيرة للحرب في غزة، فإن بعض الضحايا يحظون باهتمام إعلامي أكبر من غيرهم. حيث كانت التغطية الإعلامية لكل قتيل إسرائيلي أعلى بـ33 مرة من نظيرتها للقتيل الفلسطيني في محتوى (بي بي سي) خلال سنة».

وهنا علّق خالد القضاة، عضو مجلس نقابة الصحافيين الأردنيين، في لقاء مع «الشرق الأوسط» فقال إن «الواقع يؤكد أن موضوع الحياد الإعلامي غير موجود، فبعض المؤسسات الإعلامية هي انعكاسات لسياسات دولية وتنسجم مع مواقفها فيما يتعلق بالحروب والنزاعات».

وأوضح أن «تغطية النزاعات والحروب تختلف بين المتابعة داخل دولة النزاع نفسها والتي تتعرض لانحيازات حسب مواقف الدولة وأطراف الصراع، والتغطية في المؤسسات الدولية التي تنحاز أيضاً إلى مواقف دولها واهتمامات شعوبها». وشدد من ثم على «ضرورة التنوع في مؤسسات الإعلام من أجل تقليل درجة الانحياز في تغطية النزاعات وضبط المصطلحات والمواقف وزيادة الاهتمام بالنزاعات المهملة».


ما تأثير تحديثات «إكس» للروابط الخارجية على المحتوى والجمهور؟

شعار "إكس" فوق أحد مقراتها في سان فرانسيسكو (رويترز)
شعار "إكس" فوق أحد مقراتها في سان فرانسيسكو (رويترز)
TT

ما تأثير تحديثات «إكس» للروابط الخارجية على المحتوى والجمهور؟

شعار "إكس" فوق أحد مقراتها في سان فرانسيسكو (رويترز)
شعار "إكس" فوق أحد مقراتها في سان فرانسيسكو (رويترز)

على الرغم من تراجع منصة «إكس» عن دعم الأخبار المعززة بروابط خارجية، فإن تعديلات خوارزمية أخيرة أجرتها المنصة «قد تعيد المحتوى الإخباري إلى واجهة الاهتمامات بشرط تغيير عقيدة النشر التقليدية».

هذا التحول لم يعد مجرّد تكهّن تقني؛ بل أثبتته الأرقام في دراسة حديثة أجراها مختبر «نيمن لاب» للصحافة التابع لجامعة هارفارد الأميركية، وأشارت إلى «عقوبات خوارزمية» غير مُعلنة تواجهها الروابط الخارجية، مقابل مكافآت لمنتجي المحتوى داخل المنصة.

الدراسة، التي نشرت نتائجها في أبريل (نيسان) الحالي، أوضحت أن «الناشرين الذين يعتمدون على نشر عنوان الخبر مرفقاً برابط يُخرج المستخدم من التطبيق لصالح بقائه على المنصة الإخبارية مالكة الخبر، باتوا يعانون من تراجع حاد في معدلات الوصول».

بينما رصدت الدراسة عدة عوامل أخرى قد تدفع بالأخبار إلى الواجهة. مثلاً، وجدت أن التغريدات التي تبدأ بعبارة «خبر عاجل» حققت تفاعلاً يزيد بمقدار 4 أضعاف بشرط أن يكون المحتوى مكتوباً بأسلوب «أصلي» يغني القارئ عن الخروج من المنصة.

أيضاً، حذّرت الدراسة من أن الخوارزمية أصبحت تتعامل بصرامة مع مقاطع الفيديو «المعاد تدويرها» من منصات أخرى؛ إذ يُخفض الوصول للفيديوهات التي تحمل علامات مائية لمنصة أخرى مثل «تيك توك» بنسبة تصل إلى 90 في المائة.

مستشار الإعلام الرقمي، رامي الطراونة، قال لـ«الشرق الأوسط» معلقاً إن «إكس» تسعى - حالها كحال جميع المنصات – إلى تعزيز وقت مكوث المستخدمين عليها لأطول مدة ممكنة. وأوضح أن الهدف هو بقاء المستخدم، غير أن «المنصة معنية كذلك بالحفاظ على طابع وصبغة محتواها الإخباري الملخص والمركز، مستغلة ميل المتابعين إلى تجربة مبسطة تتضمّن أقل عدد ممكن من التنقل والنقرات مع أكبر زخم من المعلومات (المعلبة) في المكان نفسه». وتابع: «لذلك فإن المنشورات التي تكتفي برابط وعنوان دون تفاصيل لم تَعُد تحظى بمكانتها السابقة، بينما باتت الأفضلية أوضح للمحتوى الذي يقدم الخبر نفسه داخل المنشور».

حسب الطراونة فإن «إكس» لا تعادي الأخبار؛ لكنها لم تعد تكافئ «الكسل التحريري»، على حد قوله. قبل أن يضيف: «لقد صار الوصول يُبنى على جودة الصياغة داخل (إكس) لا على مجرد رابط وانتظار جهد من المتابعين». ودلل على ذلك بأن محتوى «إكس» من المنشورات النصية والفيديو يمثل مصدر تغذية أساسي لـ«غروك» (نموذج ذكاء اصطناعي توليدي خاص طورته المنصة أخيراً)، الذي تستثمر فيه «إكس» بشكل كبير، وهو ما يضيف بعداً وقيمة إضافية لأهمية نشر المحتوى الكامل على المنصة من وجهة نظر ملاكها».

أيضاً وفق الطراونة فإن «الممارسة الأنسب حالياً لمواكبة تغيرات المنصة وخوارزميتها، هي ببساطة أن يبدأ المنشور بخلاصة خبرية قوية ومباشرة، تتضمن أهم معلومة أو تطور أو رقم، ثم يستكمل السياق عبر شرح أو محتوى مرئي سريع». وأردف: «كلما كان المحتوى أصلياً ومباشراً وسهل الالتقاط في لحظة الحدث، زادت فرص ظهوره ضمن التدفقات والملخصات الفورية». أما عن فرص الربح أمام الناشرين داخل المنصة، فقال: «رغم تقلبات (إكس) ما تزال أدوات الربح فيه تمثل فرصة مفيدة، إذا استُخدمت كرافعة تمويل لا كموجه تحريري... ويمكن للمؤسسات الإخبارية الاستفادة من الاشتراكات، ومشاركة الإيرادات، وتحقيق الدخل من الفيديو، ثم إعادة توظيف جزء من هذه العوائد لدعم انتشار المحتوى الجاد والعام ذي القيمة».

من جهة ثانية، في نقاش مطلع الشهر الحالي، جمع رئيس قسم المنتجات في «إكس»، نيكيتا بير، وصحافيين في الـ«نيويورك تايمز»، عبر المنصة، اتهمت الصحيفة المنصة بأنها «تحد من التفاعل على الأخبار»، لكن بير نفى، وأرجع التراجع إلى أسلوب الصحيفة. إذ قال إنها «لم تغير أسلوب صياغة عناوينها منذ 20 سنة، ووصف ذلك بـ«الأسلوب القديم» الذي لا يتناسب مع الخوارزمية، وأن المشكلة في «طريقة النشر» التي لا تشجع المستخدم على التفاعل.

من جانبه، اعتبر أحمد البرماوي، رئيس تحرير منصة «فولو آي سي تي» للاقتصاد الرقمي، في لقاء مع «الشرق الأوسط»، أنه «لا تزال فرص انتشار المحتوى الإخباري على منصة (إكس) قائمة، لكنها شهدت تحولاً واضحاً في آليات الوصول للجمهور». ثم أوضح أنه لم يعد أمام المؤسسات الإخبارية «خيار أحادي بين جذب الزيارات إلى مواقعها أو الاكتفاء بالنشر داخل المنصة»، بل أصبح الاتجاه نحو «نموذج هجين هو الأكثر واقعية وفاعلية».

وأضاف أن «الاعتماد الكامل على الروابط لم يعد يحقق النتائج المرجوة، في ظل القيود التي تفرضها الخوارزميات، بينما يحمل الاعتماد الكامل على النشر داخل المنصة مخاطر تتعلق بالتحكم في الوصول». وتابع: «لذا تميل المؤسسات الناجحة إلى المزج بين تقديم محتوى متكامل وجذاب داخل (إكس) مع استخدام الروابط بشكل انتقائي وذكي، وهذا التحول يعكس حقيقة أن (إكس) لم تعد مجرد وسيلة لتوزيع المحتوى؛ بل منصة نشر قائمة بذاتها تتطلب استراتيجيات تحريرية مخصصة».

أخيراً، على صعيد تحقيق الإيرادات، يرى البرماوي أنه «يمكن للناشرين الاستفادة عبر مسارين: الأول مباشر من خلال برامج تحقيق الدخل المرتبطة بنسبة التفاعل والمشاهدات. والثاني غير مباشر عبر بناء جمهور قوي يمكن توظيفه لاحقاً في الشراكات الإعلانية أو توجيهه إلى منصات أخرى».


جدل «حظر النشر» لا ينقطع في مصر

مقر نقابة الصحافيين في مصر (أرشيفية - متداولة)
مقر نقابة الصحافيين في مصر (أرشيفية - متداولة)
TT

جدل «حظر النشر» لا ينقطع في مصر

مقر نقابة الصحافيين في مصر (أرشيفية - متداولة)
مقر نقابة الصحافيين في مصر (أرشيفية - متداولة)

عادت قرارات «حظر النشر» لتتصدَّر المشهد الإعلامي في مصر، مثيرةً نقاشاً متصاعداً حول الحدود الفاصلة بين متطلبات العدالة وحق المجتمع في المعرفة، وبين ما يُكشَف للرأي العام وما يُحجَب عنه باسم «سرية التحقيقات». فكلما اشتعلت قضية في الفضاء العام، عاد السؤال ذاته ليفرض حضوره: أين تنتهي حرية النشر وتبدأ ضرورات الحماية القضائية؟

وانفتح الباب واسعاً أمام موجة جدل في مصر أعقبت قرار قضائي بـ«حظر النشر» في 3 قضايا أخيراً، وُصفت بأنها تمس «صورة المجتمع»، من بينها واقعة «انتحار سيدة في الإسكندرية»، وقضيتان تتعلقان بـ«اعتداءات جنسية على قُصّر من قبل أقارب»، في أحداث أعادت إلى الواجهة إشكاليات التناول الإعلامي للقضايا الحساسة، خصوصاً بعد تداول منصات إلكترونية مواد مكتوبة ومُصوَّرة عُدَّت صادمةً أو غير منضبطة مهنياً.

الإجراء السابق الذي اتخذته النيابة المصرية، الأسبوع الماضي، بـ«حظر النشر» عزته إلى «الحرص على حماية سير التحقيقات... ومنع تداول معلومات غير دقيقة أو غير مكتملة قد تؤثر في الرأي العام أو تمس خصوصية الضحايا وأسرهم».

غير أنَّ القرار، كما هي الحال في قرارات مماثلة خلال السنوات الأخيرة، لم يظل محصوراً في إطاره القانوني؛ بل تحوَّل إلى نقاش عام واسع امتد من غرف الأخبار إلى منصات التواصل. وبينما عدّ صحافيون في منصات رقمية إخبارية أن «حظر النشر» يضعهم أمام معضلة مهنية بين الالتزام القانوني من جهة، ومواكبة اهتمام الجمهور المتزايد من جهة أخرى، يرى برلمانيون وخبراء أنه يُعدُّ جزءاً من أدوات حماية التحقيقات في قضايا حساسة، وأنَّ «الهدف ليس حجب المعلومات عن المجتمع، وإنما ضبط توقيت نشرها».

نقيب الصحافيين المصريين، خالد البلشي، سارع إلى إعلان موقف قطعي «رافض لحظر النشر»، معتقداً أنه «لا يمكن أن يكون وسيلة للتعامل مع القضايا - مهما كانت تفاصيلها - في ظلِّ انتشار وسائل التواصل والتدفق الهائل والعابر للحدود للمعلومات». وإذ ذهب إلى اعتبار أن «المجتمعات تُحمَى بالحقائق لا بحجبها»، فإنَّه رأى أن «العلاج يكون دائماً بالنشر المهني الملتزم بالمعايير القانونية والمهنية».

وعلى مدار العقد الأخير شهدت مصر عدداً من قرارات «حظر النشر» في قضايا جنائية واجتماعية. ففي عام 2025 صدر قرار بـ«حظر النشر» في واقعة وفاة القاضي سمير بدر عبد السلام. وفي عام 2022 صدر قرار مماثل في قضية مقتل الإعلامية شيماء جمال على يد زوجها، كما طُبِّق «الحظر» في قضية مقتل الطالبة نيرة أشرف، وشمل الحظر أيضاً قضية «شقة الزمالك» الخاصة بحيازة آثار.

أما في سنوات سابقة، فقد امتد «حظر النشر» إلى قضايا ذات طابع أخلاقي وسياسي؛ ففي عام 2019 شمل قضية «الفيديوهات الفاضحة» المرتبطة بعدد من الفنانات ومخرج شهير. وفي عام 2015 فُرض الحظر في قضية مقتل ناشطة يسارية.

ويستند «حظر النشر» في مصر إلى مجموعة من النصوص التي تتيح لجهات التحقيق أو المحاكم «فرض السرية على بعض القضايا». ويجرِّم قانون العقوبات نشر تفاصيل التحقيقات في حال صدور قرار بالحظر، مع إمكانية توقيع عقوبات تصل إلى الحبس والغرامة.

رئيس «اللجنة التشريعية» بمجلس النواب المصري (الغرفة الأولى للبرلمان)، محمد عيد محجوب، قدَّم رؤيةً داعمةً لاستخدام «حظر النشر» في حدود معينة، عادّاً أنه «ضرورة إجرائية» في مراحل التحقيق الأولى، و«ليس بدعة مصرية». ويضيف لـ«الشرق الأوسط» أن الهدف الأساسي هو حماية مجريات الاستدلال، ومنع التأثير على الشهود، أو توجيه الرأي العام قبل اكتمال الصورة، محذِّراً من أنَّ تداول المعلومات غير المكتملة قد يؤدي إلى «حالة من اللبس والبلبلة بالمجتمع».

ويشار إلى أنه في بريطانيا يقيّد «قانون ازدراء المحكمة» الصادر عام 1981 النشر المؤثر على العدالة وفق مبدأ المسؤولية الصارمة، ويمنح المحاكم «سلطة تأجيل أو تقييد نشر تفاصيل القضايا لحماية سير المحاكمة، مع السماح بالتغطية العادلة والدقيقة».

ورغم سريان قرارات النيابة المصرية بـ«حظر النشر» في القضايا الثلاث التي شغلت الرأي العام أخيراً، فإنَّ النيابة قد باشرت، الثلاثاء الماضي، التحقيق في وقائع انتهاك لهذا «الحظر». ويقول متابعون إن «أغلبها وقع عبر حسابات على مواقع التواصل الاجتماعي».

عضو «المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام» في مصر، عبد المحسن سلامة، قال إن «(حظر النشر) هو الاستثناء وليس القاعدة، ويأتي لضرورات معينة ولصالح كل الأطراف، وبهدف حماية المجتمع وخصوصيات الضحايا وذويهم وأسرهم». ويضيف لـ«الشرق الأوسط» أن «لجان المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام تتابع (بدقة) مدى التزام وسائل الإعلام المحلية، والأجنبية العاملة في مصر، بقرار النيابة بشأن (حظر النشر) في القضايا المنظورة أمام جهات التحقيق راهناً، وذلك من خلال لجنتَي (الرصد والشكاوى)».

ويوضِّح سلامة أن «أي خروقات يتم رصدها تُعرَض على المجلس لاتخاذ ما يراه مناسباً بحقِّ المؤسسات المخالفة»، ويشير إلى أن «نسبة هذه الخروقات، سواء في القرار الحالي أو في القرارات السابقة تبدو محدودةً وفي نطاق ضيق». وأكد أن «قرارات حظر النشر تهدف إلى الحيلولة دون تحويل تلك القضايا المنظورة أمام المحاكم إلى مادة للتكهنات والتحليلات التي قد تخالف المعايير والقيم المهنية الراسخة».

أستاذة الصحافة في جامعة القاهرة، الدكتورة ليلى عبد المجيد، ترى أن «حرية النشر تظل الأصل في العمل الإعلامي»، لكنها «حرية محكومة بضوابط مهنية وقانونية هدفها حماية الأفراد، وضمان عدم الإضرار بالمجتمع».

وتوضِّح لـ«الشرق الأوسط» أنَّ «بعض القضايا، خصوصاً ذات الطابع الإنساني الحاد أو المرتبط بالأمن، أو الجرائم الحساسة، تستدعي قدراً من التوازن في التغطية الإعلامية بما يمنع الانزلاق إلى الإثارة أو انتهاك الخصوصية». وتلفت إلى أنَّ الإفراط في التفاصيل أو تقديمها دون سياق مهني قد يؤدي إلى آثار اجتماعية سلبية، من بينها احتمالات التقليد لدى بعض الفئات الهشة، خصوصاً الشباب والمراهقين.

غير أنَّ نقيب الصحافيين المصريين، ومع تمسكه بموقفه الرافض لقرارات «حظر النشر» والذي أعاد تأكيده لـ«الشرق الأوسط»، دعا الصحافيين والإعلاميين إلى «مراعاة الدقة المهنية والمسؤولية المجتمعية». وجدَّد دعوته إلى ضرورة «إطلاق التزام مهني طوعي وجماعي داخل الوسط الصحافي لضبط الأداء، وتطوير مواثيق وأكواد التناول الإعلامي، إلى جانب التدريب والمساءلة المهنية النقابية»، مؤكداً أن «الصحافة المنضبطة قانونياً ومهنياً هي الضمان الحقيقي لحماية المجتمع وحقوق جميع الأطراف».

لكن د. ليلى عبد المجيد ترى أن «التحدي الأكبر خلال المرحلة الراهنة يتمثل في تأثير وسائل التواصل الاجتماعي، التي غيرت جذرياً طبيعة تداول المعلومات، إذ لم يعد النشر مقتصراً على المؤسسات الإعلامية التقليدية، بل أصبح متاحاً للجميع؛ ما أدى إلى انتشار محتوى غير موثق يختلط فيه الخبر بالرأي والتكهن».

وتشير إلى أن «هذا الواقع الجديد يفرض تحديات إضافية على (حظر النشر) إذ لم يعد من السهل ضبط تدفق المعلومات عبر جهة واحدة، ما يطرح تساؤلات حول مدى فاعلية هذا الإجراء في العصر الرقمي».

ومن زاوية قانونية وحقوقية، يقدِّم المحامي والناشط المصري، طارق العوضي، مقاربةً وسطيةً، يتحدَّث فيها عن أن «(حظر النشر) يجب أن يُفهم بوصفه أداةً استثنائيةً لا قاعدة عامة». ويؤكد لـ«الشرق الأوسط» أنَّ «التوازن بين حرية الإعلام ومتطلبات العدالة التزام دستوري يتطلب استخدام هذا الإجراء بحذر شديد، بما يضمن عدم تحوله إلى وسيلة لحجب المعلومات عن الرأي العام بشكل دائم أو غير مُبرَّر».