إسرائيل تُباغت خان يونس... وتتمسك باجتياح رفح

انتشال 283 جثماناً من «المقابر الجماعية»... ومصدر في «فتح»: «حماس» غير قادرة على حكم غزة

أطفال يمشون بينما يتفقَّد الفلسطينيون موقع غارة إسرائيلية على منزل في رفح - جنوب قطاع غزة (رويترز)
أطفال يمشون بينما يتفقَّد الفلسطينيون موقع غارة إسرائيلية على منزل في رفح - جنوب قطاع غزة (رويترز)
TT

إسرائيل تُباغت خان يونس... وتتمسك باجتياح رفح

أطفال يمشون بينما يتفقَّد الفلسطينيون موقع غارة إسرائيلية على منزل في رفح - جنوب قطاع غزة (رويترز)
أطفال يمشون بينما يتفقَّد الفلسطينيون موقع غارة إسرائيلية على منزل في رفح - جنوب قطاع غزة (رويترز)

نفّذ الجيش الإسرائيلي، الاثنين، هجوماً مباغتاً على منطقة بشرق مدينة خان يونس (جنوب غزة) بعد أسابيع من انسحاب مفاجئ لقواته البرية، في وقت ذكرت فيه «هيئة البث الإسرائيلية» أن حكومة رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو تعمل على «توسيع المنطقة الإنسانية» في غزة في إطار التجهيزات لعملية برية في مدينة رفح (أقصى جنوب غزة).

وقال سكان في خان يونس، الاثنين، إن القوات الإسرائيلية شقت طريقها عائدة إلى المنطقة في مداهمة مباغتة دفعت السكان الذين كانوا قد عادوا إلى منازلهم للنزوح مجدداّ من المدينة الرئيسية بجنوب قطاع غزة.

وقالت السلطات الفلسطينية إنها انتشلت عشرات الجثث من «مقابر جماعية» في ساحة مجمع ناصر الطبي، وهو المستشفى الرئيسي في خان يونس الذي غادرته القوات الإسرائيلية. وجنوباً شنت إسرائيل ضربات جوية جديدة على رفح، الملاذ الأخير الذي لجأ له أكثر من نصف سكان القطاع البالغ عددهم 2.3 مليون نسمة.

وسحبت إسرائيل فجأة معظم قواتها البرية من جنوب قطاع غزة الشهر الحالي بعد بعض من أعنف المعارك في الحرب المستمرة منذ 7 أشهر. وبدأ السكان في العودة إلى منازلهم في أحياء بخان يونس لم يكن من الممكن الوصول إليها في السابق، حيث وجدوا منازل تحولت إلى أنقاض وجثثاً متناثرة في الشوارع.

امرأة فلسطينية تمشي بين أنقاض المباني المدمرة في خان يونس (إ.ب.أ)

وقال أحمد رزق (42 عاماً) لـ«رويترز»، من داخل مدرسة لاذ بها في الجزء الغربي من خان يونس: «اليوم الصبح فيه عائلات كتير من اللي رجعوا في الأسابيع الماضية على منطقة عبسان رجعوا تاني عندنا، كانوا مرعوبين»، في إشارة إلى منطقة في الشرق.

وأضاف: «قالوا إن الدبابات دخلت تاني بقوة وبشكل مفاجئ تحت غطاء من إطلاق نار كثيف، وهم (السكان) طلعوا حفاظاً على حياتهم».

«مقابر جماعية»

وعلى أنقاض ما كان يعرف بمستشفى ناصر، أكبر مستشفى في جنوب غزة، كان عمال طوارئ يرتدون بدلات بيضاء وهم ينتشلون جثثاً من الأرض بأدوات يدوية وحفار، وقالت إدارة خدمات الطوارئ إنه عُثِر على 73 جثة أخرى في الموقع يوم، الأحد، ليرتفع العدد الذي عُثِر عليه خلال الأسبوع إلى 283 جثة.

وتزعم إسرائيل أنها اضطُرت للقتال داخل المستشفيات لأن مقاتلي «حماس» كانوا يعملون من هناك، وهو ما تنفيه الطواقم الطبية و«حماس». وتقول السلطات في غزة إن الجثث التي انتُشلت حتى (الاثنين) هي من مقبرة واحدة فقط من بين 3 مقابر جماعية على الأقل عثرت عليها في الموقع.

وقال إسماعيل الثوابتة المدير العام للمكتب الإعلامي الحكومي في غزة التي تديرها «حماس»: «نحن نتوقع اكتشاف 200 جثمان لشهداء خلال اليومين المقبلين في نفس المقبرة الجماعية قبل البدء في العمل في المقبرتين الأخريين».

وفي غضون ذلك، وثّقت «هيئة شؤون الأسرى الفلسطينية» في تقرير لها اعتقال قوات الاحتلال الإسرائيلي لأكثر من 8425 فلسطينياً في الضفة الغربية منذ السابع من أكتوبر (تشرين الأول) الماضي.

وأشارت الهيئة إلى أن «من بين من اعتقلتهم قوات الاحتلال 540 طفلاً و280 امرأة، و66 صحافياً»، لافتة إلى «تعرض الأسرى الذين جرى اعتقالهم لعمليات تعذيب جسدي ونفسي».

وأشارت إلى أن «الاحتلال الإسرائيلي يواصل التكتم على من اعتُقلوا خلال العدوان المستمر على قطاع غزة لليوم الـ199 على التوالي».

رفح

ومن جهة أخرى، ذكرت «هيئة البث الإسرائيلية»، الاثنين، أن حكومة رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو تعمل على «توسيع المنطقة الإنسانية في قطاع غزة في إطار التجهيزات لعملية برية في مدينة رفح (أقصى جنوب القطاع)».

وقالت الهيئة، نقلاً عن مصادر: «ستقوم إسرائيل بتوسيع المنطقة الإنسانية في غزة، وستكون أوسع كثيراً من تلك المنطقة الموجودة في المواصي»، مشيرة إلى أن «توسيع المنطقة الإنسانية يعني إيجاد مزيد من المساحات لتوجه النازحين إليها».

ووفق الهيئة، فإن المنطقة الإنسانية «ستمتد من المواصي جنوباً على طول الشريط الساحلي حتى أطراف منطقة النصيرات، وستصل القدرة الاستيعابية للنازحين في هذه المنطقة إلى مليون نازح».

وذكرت الهيئة أنه «سيكون هناك 5 مستشفيات ميدانية في هذه المنطقة، بالإضافة إلى المستشفيات الدائمة العاملة بها».

«فتح» و«حماس»

وعلى صعيد قريب، قال مصدر مسؤول في حركة «فتح» الفلسطينية إنه «لا يوجد أي حوارات مع حركة (حماس) فوق أو تحت الطاولة، بشأن حكم قطاع غزة، على أساس أن السلطة الفلسطينية يجب أن تدير القطاع بعد انتهاء الحرب»، ورأى أن «(حماس) لم تعد قادرة على حكم غزة، وعليهم أن يفيقوا ويتوقفوا عن مناوراتهم».

وكان المصدر يرد على سؤال من «الشرق الأوسط» بشأن تقييمه تصريحات رئيس المكتب السياسي لـ«حماس»، إسماعيل هنية، التي قال فيها إن حركته ليست متمسكة بالتمثيل المنفرد في غزة، وإنه يمكن بناء «حكومة وحدة وطنية على قاعدة الشراكة».

فلسطينيون ينتظرون عند معبر رفح الحدودي بين قطاع غزة ومصر (وكالة الأنباء الألمانية)

ورأى المصدر المسؤول في «فتح» أن تصريحات هنية تأتي «بعدما خسروا (أي حماس) الحكم في الحقيقة، وليس أكثر»، وزاد: «الوضع خطير وصعب ومعقد، وعليهم أن يتعاملوا مع الواقع الذي جلبوه».

وخلال تصريحات هنية لـ«وكالة الأناضول» قال إن «إدارة غزة يجب أن تجري بإرادة فلسطينية، وهذه قضايا (إدارة غزة) وطنية، ولن نسمح للاحتلال أو غيره بترتيب الوضع الفلسطيني في غزة أو الضفة أو كلتيهما».

ودعا هنية إلى «ترتيب البيت الفلسطيني على مستويين، وهما المستوى القيادي بإطار (منظمة التحرير الفلسطينية) بحيث تجري إعادة بنائها لتشمل الفصائل كافة، والمستوى الثاني هو تشكيل حكومة وطنية للضفة الغربية وغزة يكون لها 3 مهمات: الأولى: الإشراف على الإعمار (في غزة)، والثانية: توحيد المؤسسات في الضفة والقطاع، والثالثة: التحضير لإجراء الانتخابات العامة رئاسية وتشريعية».

ومطالبات هنية بإعادة بناء «منظمة التحرير» وتشكيل حكومة فلسطينية، تطرحها «حماس» قبل وأثناء الحرب الحالية، لكنها جاءت رغم أن الرئيس الفلسطيني محمود عباس، شكّل بالفعل حكومة جديدة برئاسة محمد مصطفى، ورفضتها «حماس»، وتؤكد تصريحات هنية أنهم ما زالوا يرفضونها.

وجرى تكليف مصطفى، وهو رجل أعمال معروف وخبير اقتصادي، بعد استقالة رئيس الوزراء السابق محمد أشتية، استجابة لطلبات أميركية ودولية بإجراء «إصلاحات» في السلطة الفلسطينية.

وبدأت حكومة مصطفى عملها فعلاً مع بداية الشهر الحالي، لكنها سرعان ما فجرت أوسع خلاف بين «فتح» و«حماس»، وأخرجته للعلن للمرة الأولى منذ بداية الحرب الإسرائيلية الطاحنة على قطاع غزة في السابع من أكتوبر الماضي.

والعلاقة بين «فتح» و«حماس» لم تكن جيدة حتى بعد الحرب، وظلت في أدنى مستوى من التواصل. ووفق المصدر الذي تحدثت إليه «الشرق الأوسط»، فإن «قرار تشكيل الحكومة الفلسطينية، جاء في سياق أن الأولوية الآن، هي لإنقاذ غزة، وإغاثة الغزيين، والنهوض بالواقع الصعب هناك، وليس انتظار إرضاء (حماس)».

وأضاف: «الحكومة جاءت لقطع الطريق على الكل. أي مؤامرات أو ترتيبات أو رؤى لـ(اليوم التالي) لغزة، ولتقول للقاصي والداني إن السلطة هي التي ستحكم». ودعا المصدر «حماس» إلى عدم إعاقة «أي خطوة من شأنها توحيد المؤسسات، وإنقاذ الناس في غزة».

وزاد: «إذا كانوا يريدون مصلحة الغزيين وغزة والفلسطينيين، فعليهم أن ينضموا للمنظمة (منظمة التحرير) بلا شروط، وعليهم أن يساعدوا الحكومة ولا يعرقلوا عملها، هذا الوقت انتهى، وإسرائيل أعادت احتلال قطاع غزة بالكامل، ولم يعد هنا وقت للمناكفات».

الجامعة العربية

دبلوماسياً، طلبت فلسطين عقد اجتماع طارئ لمجلس «جامعة الدول العربية» على مستوى مندوبي الدول الأعضاء في أقرب وقت ممكن، لمناقشة تصاعد الحرب الإسرائيلية على غزة، وهجمات المستوطنين في الضفة الغربية.

ونقلت «وكالة الأنباء الفلسطينية» عن المندوب الدائم لفلسطين لدى الجامعة مهند العكلوك قوله إن بلاده تطلب انعقاد مجلس الجامعة على مستوى المندوبين الدائمين في أقرب وقت ممكن في ضوء استمرار «جريمة الإبادة الجماعية ضد الشعب الفلسطيني في قطاع غزة، وتصاعد العدوان الإسرائيلي وهجمات المستوطنين في الضفة الغربية المحتلة بما فيها القدس، واستخدام الولايات المتحدة الأميركية حق النقض (الفيتو) في (مجلس الأمن) ضد حصول فلسطين على العضوية الكاملة في الأمم المتحدة».

المندوب البديل للبعثة الأميركية الدائمة لدى الأمم المتحدة روبرت وود رافعاً يده عند استخدام حق النقض (الفيتو) ضد مشروع قرار في مجلس الأمن لمنح العضوية الكاملة لفلسطين في المنظمة الدولية (أ.ف.ب)

وأدان منسق السياسة الخارجية والأمنية بالاتحاد الأوروبي جوزيب بوريل، تصاعد هجمات المستوطنين ضد الفلسطينيين في الضفة الغربية.

وقال بوريل في تصريحات قبيل اجتماع لمجلس الشؤون الخارجية الأوروبي، الاثنين: «علينا أن ننظر مرة أخرى في فرض عقوبات ضد المستوطنين الذين يمارسون العنف»، مشيراً إلى ما وصفها بحزمة «صغيرة» للعقوبات فرضها الاتحاد الأوروبي ضد مستوطنين خلال الأيام القليلة الماضية.


مقالات ذات صلة

غزة: 225 مسافراً عبر معبر رفح خلال أسبوع وسط قيود مستمرة

المشرق العربي فلسطينيون قادمون من رفح يصلون إلى مستشفى «ناصر» في خان يونس (رويترز) p-circle

غزة: 225 مسافراً عبر معبر رفح خلال أسبوع وسط قيود مستمرة

شهدت حركة السفر عبر معبر رفح البري عبور 225 مسافراً، خلال الفترة من الثاني إلى التاسع من الشهر الجاري.

«الشرق الأوسط» (غزة )
شؤون إقليمية مبانٍ مدمرة في مخيم جباليا للاجئين بشمال غزة (أ.ف.ب) p-circle

الجيش الإسرائيلي يقتل أربعة «مسلّحين» خرجوا من نفق في رفح

قال الجيش الإسرائيلي، الاثنين، إنه قتل أربعة مسلحين فلسطينيين عند خروجهم من نفق في رفح بجنوب قطاع غزة، متهماً إياهم بأنهم كانوا يطلقون النار على جنود إسرائيليين

«الشرق الأوسط» (تل أبيب)
المشرق العربي يتلقى الأطفال الفلسطينيون طعاماً مُعداً في مطبخ خيري برفح (أرشيفية-د.ب.أ)

الجيش الإسرائيلي يعلن مقتل 6 مسلحين في رفح

أعلن الجيش الإسرائيلي، اليوم الأربعاء، مقتل 6 من المسلّحين في رفح، اليوم.

«الشرق الأوسط» (تل أبيب)
خاص معبر رفح من الجانب المصري (رويترز)

خاص نتنياهو يراوغ حول فتح «معبر رفح»... والوسطاء يرفضون «الابتزاز»

عاد رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، للمراوغة مجدداً بشأن فتح معبر رفح من الجانب الفلسطيني، ورهن الخطوة باستعادة جثمان آخر جثة إسرائيلية من قطاع غزة.

كفاح زبون (رام الله) محمد محمود (القاهرة)
شؤون إقليمية جنديان إسرائيليان في رفح جنوب قطاع غزة (رويترز)

قيادي بـ «حماس»: انفجار رفح وقع في منطقة تسيطر عليها إسرائيل بالكامل

قال محمود مرداوي القيادي في حركة «حماس» إن الانفجار الذي وقع في منطقة رفح في جنوب قطاع غزة اليوم الأربعاء كان في منطقة تسيطر عليها إسرائيل بالكامل.

«الشرق الأوسط» (غزة)

باريس تريد تفعيل «الميكانيزم» لمراقبة وقف إطلاق النار وتوسيع نطاقها

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون يستقبل رئيس الحكومة اللبنانية نواف سلام في الإليزيه (رويترز)
الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون يستقبل رئيس الحكومة اللبنانية نواف سلام في الإليزيه (رويترز)
TT

باريس تريد تفعيل «الميكانيزم» لمراقبة وقف إطلاق النار وتوسيع نطاقها

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون يستقبل رئيس الحكومة اللبنانية نواف سلام في الإليزيه (رويترز)
الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون يستقبل رئيس الحكومة اللبنانية نواف سلام في الإليزيه (رويترز)

استبق قصر الإليزيه اجتماع الرئيس إيمانويل ماكرون ورئيس الوزراء اللبناني نواف سلام بتوفير توضيحات عما تريده باريس من هذا الاجتماع وما تريد تقديمه لبيروت، قبل أن تنطلق المفاوضات اللبنانية الإسرائيلية في العاصمة الأميركية. وتتمثل الرسالة الفرنسية الأولى، وفق مصادر الإليزيه، بتأكيد دعم فرنسا المطلق للدولة اللبنانية.

ورغم الدور الحاسم الذي لعبه الرئيس الأميركي دونالد ترمب في فرض الهدنة بين إسرائيل و«حزب الله»، فإن باريس تريد إفهام لبنان أنها قادرة على مساعدته والوقوف إلى جانبه في هذه المرحلة، حيث يبدو أنه الطرف الأضعف. من هنا، كانت أهمية تسليط الضوء على الاتصالات المتلاحقة التي قام بها ماكرون، إنْ مع الشركاء العرب والأوروبيين أو مع الرئيس ترمب، الذي «حثه على الانخراط مجدداً في الملف اللبناني وعلى فرض وقف إطلاق النار». وتدفع باريس، ليس فقط باتجاه تمديد «هدنة الأيام العشرة»، لكن، خصوصاً ولاحقاً، بشأن «كيفية إطلاق دينامية استقرار مستدامة».

تفعيل «الميكانيزم»

من هذا المنطلق، تدعو فرنسا إلى إعادة تفعيل آلية الإشراف على وقف إطلاق النار التي أقرت بعد هدنة نوفمبر (تشرين الثاني) 2024، والتي ما فتئت تؤكد على ضرورة إحيائها وتشكو من أن رئيسها، الضابط الأميركي، عاد إلى بلاده دون استشارة أحد، وبعودته توقف عمل «الميكانيزم».

ووفق المقاربة الفرنسية، فإن «الميكانزيم» يمكنها الإشراف على احترام وقف إطلاق النار وامتدادها يمكن أن يتناول كل الأراضي اللبنانية، ويمكن أن تشكل عنصراً مهماً لضمان احترام وقف إطلاق النار وتوفير نوع من الاستقرار بانتظار ما ستسفر عنه المفاوضات مع إسرائيل.

سلام إسرائيل ولبنان

لكن ما تسعى إليه فرنسا هو «توفير السبيل الذي يفضي إلى إقامة علاقات طبيعية بين لبنان وإسرائيل مع المحافظة على سيادة لبنان ووحدة وسلامة أراضيه». ولا ترى باريس سلاماً كهذا «طالما لم تنسحب القوات الإسرائيلية من مجمل الأراضي اللبنانية التي تحتلها» وهي تنظر إلى الوضع القائم اليوم على أنه «مؤقت ومن ثمّ يجب أن يزول». وبنظر الإليزيه، فمن «الواضح أنه يتعين على السلطات الإسرائيلية أن تحترم سلامة الأراضي اللبنانية التي من دونها لا يمكن التوصل إلى اتفاق بين البلدين».

مؤتمر دعم الجيش

ثمة مسألة أخرى لم تتخل عنها باريس، وهي الدعوة لمؤتمر لدعم الجيش اللبناني والقوى الأمنية الذي تأجل بسبب الحرب الأخيرة وهي تتحين الفرصة والوقت الملائم لإعادة تفعيله بالتشاور مع لبنان والشركاء الإقليميين والدوليين، ولكي «يتم تكييفه مع الوضع المستجد» في لبنان. وسبق لباريس، أكثر من مرة، تأكيد أن أحد أهداف المؤتمر مساندة الدولة اللبنانية لتمكينها من تنفيذ خطة حصرية السلاح بيد قواها الشرعية. وكان مقرراً أن يكون هذا الملف أحد مواضيع النقاش بين ماكرون وسلام.

غير أن فرنسا ترى أن للمؤتمر الموعود مهمة أخرى هي النظر في كيفية ملء الفراغ بعد انتهاء انتداب قوة اليونيفيل الدولية نهاية العام الحالي. وتفيد باريس بأن المناقشات قائمة مع الأطراف المعنية لمعرفة شكل القوة التي ينبغي أن تحل محل «اليونيفيل» والدور الذي تريد أن تلعبه فرنسا داخلها.

وتنفي فرنسا ما يقال عن رغبتها في أن تأخذ مكان القوة الدولية بل تريد، بعكس ما يشاع، الاستفادة من مؤتمر دعم القوات المسلحة من أجل إطلاق «مشاورات سياسية» لتحديد مهمات القوة الموعودة وانتدابها ومساهمة الدول الراغبة في الانضمام إليها.

وتريد باريس أن تلعب دور «المحرك» لهذه القوة، خصوصاً أنها شاركت بقوة حفظ السلام في لبنان منذ عام 1978. وعُلم أن ثمة مشاورات قائمة مع إسبانيا وإيطاليا وألمانيا ومع الدول الأخرى المنخرطة راهناً في قوة اليونيفيل.

مشاركة في المفاوضات المرتقبة

تريد باريس مساعدة لبنان، لكنها في الوقت عينه تريد من لبنان الإصرار على إشراك فرنسا في المفاوضات المرتقبة، وفي ذلك منفعة للبنان إزاء نزعات سياسة الفرض التي تتبعها الحكومة الإسرائيلية. لكن الدور الذي يمكن أن يلعبه الطرف الفرنسي يمكن أن يأتي لاحقاً باعتبار أنه في الوقت الحاضر ليست هناك مفاوضات حقيقية بين لبنان وإسرائيل، ولم تعرف بعد الصيغة التي سترسو عليها هذه المفاوضات. والثابت، وفق القراءة الفرنسية أن باريس «من بين الدول التي تستطيع أن تلعب دوراً ملموساً ومباشراً لمساندة لبنان، وهي تدعمه في القرارات الشجاعة التي اتخذها خصوصاً في هذه المرحلة الحساسة». وتدعم باريس الموقف الرسمي اللبناني وهي «تريد أن يقرر اللبنانيون مصير بلادهم». إلا أنها ترى أن ملف «حزب الله» يمكن أن يطرح على طاولة المفاوضات الأميركية ــ الإيرانية عندما يتم تناول دعم إيران لوكلائها في المنطقة ومنهم «حزب الله».

وأكثر من مرة، شددت باريس على دعم القرارات اللبنانية التي تناولت نزع سلاحه. وسبق لماكرون أن وصف إدخال «حزب الله» للبنان في الحرب بأنه «خطأ استراتيجي». وتقول مصادرها إنه «لن ينعم لبنان باستقرار وسلام دائمين عندما يكون قادراً على ممارسة سيادته وعندما تحترم إسرائيل هذه السيادة». والخلاصة أنه إذا كان الملف اللبناني قد طرح في إطار أوسع فلأنه كانت هناك حاجة لوقف لإطلاق النار. لكن «بالنسبة لمستقبل لبنان، فإنه يعود للبنانيين وحدهم أن يقرروا مصير بلادهم، إذ إن هناك طريقاً خاصة بلبنان، وفرنسا تواكبه على هذه الطريق».


تعثر مسار الدمج في الملف القضائي في الحسكة

الوفد الرئاسي الحكومي في اجتماع مع الإدارة الذاتية في الحسكة (روناهي)
الوفد الرئاسي الحكومي في اجتماع مع الإدارة الذاتية في الحسكة (روناهي)
TT

تعثر مسار الدمج في الملف القضائي في الحسكة

الوفد الرئاسي الحكومي في اجتماع مع الإدارة الذاتية في الحسكة (روناهي)
الوفد الرئاسي الحكومي في اجتماع مع الإدارة الذاتية في الحسكة (روناهي)

بالتزامن مع وصول اتفاق 29 يناير (كانون الثاني) المبرم بين الحكومة السورية و«قوات سوريا الديمقراطية» (قسد) إلى مراحله النهائية، شهد مسار الدمج تعثراً في تسليم القصر العدلي في مدينة القامشلي للحكومة السورية، كما تم منع القضاة من الدوام في القصر العدلي بالحسكة بعد يوم من تسلم وزارة العدل له.

واعتبر المتحدث باسم الفريق الرئاسي أحمد الهلالي هذا التطور «خطوة تصعيدية لا مبرر لها» فيما كانت عملية الدمج متواصلة في قطاع المنافذ الحكومية، بالتوازي مع بدء اللقاءات السياسية مع الأحزاب والقوى الفاعلة في محافظة الحسكة في إطار التحضير لانتخابات مجلس الشعب السوري.

وكشف المتحدث باسم الفريق الرئاسي المكلف تنفيذ «اتفاق 29 يناير» مع «قسد»، أحمد الهلالي، في تصريحات للإعلام، الثلاثاء، أنه بعد استلام القصر العدلي في مدينة الحسكة، تم التوجه إلى مدينة القامشلي، لكننا «فوجئنا برفض الموجودين في القصر العدلي فكرة تسليم المبنى وعودة القضاة إلى مكاتبهم وأعمالهم دون أي مسوغ مشروع. كما تم منع القضاة من الدوام في القصر العدلي بالحسكة».

واعتبر الهلالي تصرف «قسد» خطوة تصعيدية لا مبرر لها وتزيد من معاناة أهالي محافظة الحسكة، لافتاً إلى أن بعض الشخصيات الحقوقية في «الإدارة الذاتية» حاولت تذليل العقبات والتدخل بشكل إيجابي، لكن جهودها قُوبلت بالرفض من «طرف آخر أصر على التأجيل لأجل غير محدد». وأكد الهلالي أن وزارة العدل «جهة سيادية، ومن غير المقبول ألا تكون على نسق واحد في مختلف الجغرافيا السورية».

جولة تفقدية في معبر فيش «خابور سيمالكا» السوري لوفد حكومي ضم رئيس الهيئة العامة للمنافذ والجمارك والمبعوث الرئاسي وقائد الأمن الداخلي في الحسكة الثلاثاء (مديرية إعلام الحسكة)

تعليقاً على التعثر الحاصل، قال عمر عبد الكريم، ممثل الإدارة الذاتية في دمشق، لـ«الشرق الأوسط»، إن «موضوع الدمج ليس سهلاً هناك أمور تسير بسلاسة لكن هناك أموراً تحتاج إلى مزيد من الوقت، فمؤسسات عمرها 15 عاماً يحتاج دمجها إلى مزيد من الوقت، إلا أن المهم من حيث المبدأ أننا ملتزمون بتنفيذ الاتفاق ونعتقد أن الأمور ستكون جيدة».

وكان مركز إعلام الحسكة قد أفاد في وقت سابق من يوم الثلاثاء بقيام عناصر من «قسد» بطرد موظفي الحكومة من مبنى القصر العدلي في محافظة الحسكة ومنعهم من الدخول إليه. وترافق ذلك مع قيام عناصر من «الشبيبة الثورية» التابعة لـ«قسد» وعدد من أهالي معتقلي «قسد» لدى الحكومة، باقتحام اجتماع كان منعقداً بين وفد حكومي وموظفين من «قسد» داخل مبنى القصر العدلي في مدينة القامشلي.

مظاهرة لعوائل معتقلي «قسد» لدى الحكومة السورية أمام مبنى حزب الاتحاد الديمقراطي في القامشلي (روناهي)

مصادر كردية في الحسكة قالت لـ«الشرق الأوسط» إن خلافاً حول آلية وشكل الدمج في الملف القضائي ظهر على السطح، حيث ترغب «الإدارة الذاتية» في دمج «ديوان العدل» لديها ككتلة واحدة بدل تفكيكه وإعادة هيكلته ضمن مؤسسات وزارة العدل السورية. وتظهر رغبة في الاحتفاظ بإدارة الملف القضائي، وهو ما رفضته الحكومة السورية باعتباره يتناقض مع الاتفاق.

وحسب تقارير إعلام محلي، فإن «الإدارة الذاتية» تطلب الحصول على ما لا يقل عن 50 في المائة من إجمالي عدد القضاة في محافظة الحسكة، وهو ما ترفضه وزارة العدل.

وتسلمت وزارة الداخلية السورية عدة سجون في محافظة الحسكة كانت تتبع لـ«قوات سوريا الديمقراطية»، أبرزها سجن الحسكة المركزي (غويران)، وسجن القامشلي المركزي (علّايا)، وسجن المالكية (ديريك)، التي سيتم ربطها بالمحاكم التابعة لوزارة العدل، بالإضافة إلى إغلاق مراكز احتجاز كانت تستخدمها «قسد».

وضمن مسار الدمج، أعلن أمس عن إعادة افتتاح منفذ اليعربية على الحدود مع العراق بعد إغلاق دام 13 عاماً واستئناف حركة العبور، بحضور وفد من الجانب العراقي، في خطوة اعتُبرت مهمة لاستئناف الحركة الاقتصادية بين البلدين.

وفي المسار ذاته قام المبعوث الرئاسي العميد زياد العايش وعدد من أعضاء الفريق برفقة قائد الأمن الداخلي في الحسكة العميد مروان العلي، بجولة تفقدية، الثلاثاء، إلى معبر «سيمالكا ـ فش خابور» على الحدود مع شمال العراق، تمهيداً لإعادة افتتاحه.

وفد من الحكومة السورية برئاسة مسؤول إدارة الشؤون السياسية عباس حسين يلتقي هيئة رئاسة المجلس الوطني الكردي في مدينة القامشلي الثلاثاء (روناهي)

سياسياً، وفي إطار التحضير لانتخابات مجلس الشعب في الحسكة، اجتمع وفد سياسي من الحكومة السورية مع «حزب الاتحاد الديمقراطي» (المكون الرئيسي لقوات «قسد»)، الثلاثاء، في مقر الحزب بمدينة القامشلي. وقالت وكالة «هاوار» الكردية إن الاجتماع بحث ملف الاندماج السياسي.

وأوضح عضو الهيئة السياسية في محافظة الحسكة، أسامة شيخ علي، أن هذه الزيارة هي البداية وسنواصل التواصل مع الأحزاب والتيارات السياسية والفعاليات الاجتماعية، وأضاف: «سنحاول أن تكون هذه المرحلة عنواناً لبناء ثقافة سياسية جديدة تقوم على الحوار والنقاش في جميع القضايا التي تهمّ شعبنا السوري بكل أطيافه». هذا، وقد توجّه الوفد الحكومي لاحقاً إلى مقر المجلس الوطني الكردي في القامشلي.

افتتاح منفذ ربيعة - اليعربية الحدودي بين سوريا والعراق بعد إغلاق لمدة 14 عاماً الاثنين (مرصد الحسكة)

حول الاجتماع مع «حزب الاتحاد الديمقراطي»، صرح الرئيس المشترك للحزب، غريب حسو، للإعلام، بأن هذه هي المرة الأولى التي تجري فيها مثل هذه اللقاءات، واعتبرها «خطوة جديدة وإيجابية». وقال بعد الاجتماع إن النقاشات ركزت على الوضع في سوريا والتنوع فيها، وضرورة ضمان الحقوق عبر القانون، وضرورة إصدار قوانين جديدة تتيح للجميع ممارسة مهامهم بحرية وارتياح إضافة إلى دستور جديد للبلاد. كما ناقش الاجتماع انتخابات مجلس الشعب في الحسكة الجاري التحضير لها.


لبنان يتطلع لتمديد الهدنة وتحديد موعد التفاوض لإيحاد «حل دائم» مع إسرائيل

من مراسم تشييع مدنيين قُتلوا بغارات إسرائيلية في بلدة البازورية بجنوب لبنان (أ.ب)
من مراسم تشييع مدنيين قُتلوا بغارات إسرائيلية في بلدة البازورية بجنوب لبنان (أ.ب)
TT

لبنان يتطلع لتمديد الهدنة وتحديد موعد التفاوض لإيحاد «حل دائم» مع إسرائيل

من مراسم تشييع مدنيين قُتلوا بغارات إسرائيلية في بلدة البازورية بجنوب لبنان (أ.ب)
من مراسم تشييع مدنيين قُتلوا بغارات إسرائيلية في بلدة البازورية بجنوب لبنان (أ.ب)

تتجه الأنظار إلى اللقاء الثاني الذي يجمع سفيري لبنان وإسرائيل لدى الولايات المتحدة في واشنطن، الخميس؛ لتمديد وقف إطلاق النار وتحديد موعد وموقع المفاوضات المباشرة بين الطرفين، وسط تأكيد الرئيس اللبناني جوزيف عون أن المفاوضات «لا تعني التنازل والاستسلام»، مشدداً على «الحفاظ على الحقوق، وأهمية أن يقف اللبنانيون إلى جانب دولتهم في هذا الظرف بالذات».

ويتمسك لبنان بالتفاوض لإنهاء لتثبيت وقف الحرب، وضمانة انسحاب الجيش الإسرائيلي من جنوب لبنان، في مقابل تصعيد إسرائيلي، عبَّر عنه وزير الدفاع يسرائيل كاتس الذي هدّد «بمواصلة العمليات العسكرية ضدّ (حزب الله)، في حال لم يتحرّك لبنان لوقف نشاطه». وقال كاتس إنّ مصير جنوب لبنان قد يكون مشابهاً لما شهدته مدينتا رفح وبيت حانون في قطاع غزة.

كما وجّه تهديداً مباشراً إلى الأمين العام لـ«حزب الله» نعيم قاسم، عادَّاً أنّه قد يلقى مصيراً مشابهاً لمصير الأمين العام السابق حسن نصر الله الذي اغتالته إسرائيل عام 2024.

ترسيخ الاستقرار

وقال عون في تصريح، الثلاثاء، إنه يتحمل مسؤولية قراراته، وإن الديبلوماسية هي حرب من دون دماء، في حين الحرب هي إهراق دماء ودمار وخراب.

وأكد أن «صمود الجنوبيين في مناطقهم وقراهم واستقبال النازحين الذين وفدوا من قرى وبلدات مجاورة، هو تجسيد لمدى وحدة اللبنانيين وتضامنهم مع بعضهم بعضاً؛ ما يشكل مصدر قوة ووعي وإيمان بهذا البلد»، لافتاً إلى أنه «يواصل السعي لدى الجهات الدولية والمؤسسات الاجتماعية والإنسانية من أجل زيادة المساعدات المخصصة للجنوبيين، النازحين منهم والمضيفين».

ولفت الرئيس عون إلى «أهمية تضافر الجهود بين الجيش والقوى الأمنية والبلديات والسكان، لترسيخ الاستقرار الأمني وإبعاد فرضية الأمن الذاتي الذي يحمل مخاطر كثيرة، في الوقت الذي تعمل فيه الدولة من أجل استتباب الأمن وإنهاء الحرب».

الحفاظ على الحقوق

وأشار الرئيس عون إلى أنه «في الوضع الحالي كان الخيار بين الاستمرار في الحرب أو الدبلوماسية لإنهائها». وأوضح أن «هذا السبب هو الذي أدى إلى قرار الانخراط في المفاوضات التي تكون بين متخاصمين، مع التشدد في الحفاظ على الحقوق.

والأهم أولاً وقف الاعتداءات والانسحاب الإسرائيلي وعودة الأسرى، من أجل البحث في السلام بعد عقود وسنوات طويلة من الحروب والموت والدمار. إن المفاوضات لا تعني التنازل ولا الاستسلام، بل هي لحل المشاكل، ومن المهم أن يقف اللبنانيون إلى جانب دولتهم في هذا الظرف بالذات، وهم تعبوا من الحروب».

وقال: «واجبي ومسؤوليتي أن أبذل كل ما يلزم لتحقيق الأمن والسلام للبنان، وقد نجحنا العام الماضي في تحقيق خطوة مهمة عبر بداية نمو اقتصادي، ووفر في الخزينة، ووفر في العملات الصعبة في المصرف المركزي، وكنا نتوقع المزيد من التحسن إلا أن الحرب أعادت الأوضاع إلى الوراء».

التمسك بالحلول الدبلوماسية

ويدفع لبنان باتجاه حل مستدام لأزمة الصراع مع إسرائيل، عبر التمسك بالحلول الدبلوماسية، وهو ما عبَّر عنه رئيس الحكومة نواف سلام خلال لقائه في لوكسمبورغ، رئيس وزراء لوكسمبورغ لوك فريدن، حيث تم البحث في الأوضاع في لبنان والمنطقة.

وأكد فريدن خلال اللقاء «أن لبنان، كما المنطقة بأسرها، يحتاج إلى السلام»، مشدداً على «أن المطلوب لا يقتصر على وقف إطلاق النار، بل يتعداه إلى حل مستدام وذي صدقية، يحفظ سيادة لبنان واستقراره».

رئيس الحكومة اللبنانية نواف سلام يصل إلى لوكسمبورغ (أ.ب)

وفي كلمة له أمام مجلس الشؤون الخارجية للاتحاد الأوروبي في لوكسمبورغ، قال سلام: «مع دخولنا مرحلة جديدة من تاريخ لبنان المضطرب، عقب التوصل إلى وقف إطلاق النار الأسبوع الماضي، نأمل أن يكون مستداماً وأن يضع حداً للحروب بالوكالة التي أثقلت كاهله لسنوات طويلة».

وأضاف: «نجد أنفسنا اليوم في حربٍ لم نسعَ إليها ولم نخترها. حربٌ جلبت ولا تزال تجلب ألماً عميقاً لشعبنا، وتزرع الخوف في نفوس أولادنا. لقد عانت أمتنا من صراعات متكررة، سواء كانت داخلية أم مفروضة من الخارج، استنزفت مواردنا وأضعفت قدراتنا. وجاءت هذه الحرب الأخيرة لتفاقم حجم الدمار، وتعمّق أزمتنا الاقتصادية، وتهدد استقرارنا الاجتماعي».

وشدد سلام على أن «إنهاء هذه الحرب بات ضرورةً ملحّة.

والطريق إلى ذلك يمر عبر صون سيادة لبنان، بل استعادتها كاملة، وحماية سلامة أراضيه. غير أن بلوغ هذا الهدف يقتضي مواجهة صريحة مع الواقع الداخلي الذي أضعف الدولة لسنوات طويلة: فالدولة التي لا تحتكر قرار الحرب والسلم تبقى دائماً عُرضةً للخطر».

وقال: «لقد آن الأوان لتكريس مبدأٍ واضحٍ لا لبس فيه: لا قيام لدولةٍ مستقلة من دون مقومات سيادتها، ولا سيادة من دون سلطة شرعية واحدة تحتكر القرار الوطني».

وتابع: «إن حكومتي ملتزمة باتباع مسار واضح ومسؤول للخروج من النزاع الراهن. وفي هذا السياق، انخرط لبنان مؤخراً، وبحسن نية، في محادثات تحضيرية مباشرة مع إسرائيل برعاية أميركية في واشنطن».

هدف التوصل لحل دائم

وأكد أن «خيار الدبلوماسية ليس علامة ضعف، بل هو تعبير عن مسؤولية وطنية تهدف إلى عدم ترك أي مسار غير مستكشف لاستعادة سيادة بلدنا وحماية شعب»، مضيفاً: «هدفنا ليس انخراطاً رمزياً، بل على العكس، نحن مصممون على اغتنام هذه الفرصة للعمل نحو حل دائم.

وتسعى حكومتي، من خلال هذا المسار الدبلوماسي، إلى إنهاء الاحتلال، وضمان الإفراج عن أسرانا، وتأمين عودة النازحين إلى منازلهم وقراهم».

كما شدد على أن «إرادتنا في تكريس احتكار الدولة للسلاح، ووضع حدٍ للتدخلات الإقليمية في شؤوننا الداخلية، يجب ألا تكون موضع تساؤل بعد اليوم. وكما تعلمون، فقد اتخذنا سلسلة من الإجراءات الحاسمة في هذا الاتجاه».