تقنيات متقدمة لتدوير مخلّفات البلاستيك... حل لمعضلة كبرى أم وصفة أخرى للفشل؟

صبي سوري يحمل مواد قابلة لإعادة التدوير ليتم وزنها في مكب للقمامة في محافظة إدلب 14 مارس (أ.ف.ب)
صبي سوري يحمل مواد قابلة لإعادة التدوير ليتم وزنها في مكب للقمامة في محافظة إدلب 14 مارس (أ.ف.ب)
TT

تقنيات متقدمة لتدوير مخلّفات البلاستيك... حل لمعضلة كبرى أم وصفة أخرى للفشل؟

صبي سوري يحمل مواد قابلة لإعادة التدوير ليتم وزنها في مكب للقمامة في محافظة إدلب 14 مارس (أ.ف.ب)
صبي سوري يحمل مواد قابلة لإعادة التدوير ليتم وزنها في مكب للقمامة في محافظة إدلب 14 مارس (أ.ف.ب)

يتوقع تقرير صادر عن «برنامج الأمم المتحدة للبيئة (يونيب)» أن ينمو توليد النفايات الصلبة في البلديات من 2.3 مليار طن في عام 2023 إلى 3.8 مليار طن بحلول سنة 2050. ويدعو التقرير إلى تحسين إدارة النفايات عن طريق سياسات التقليل وإعادة التدوير، ومع ذلك تبقى المخلّفات البلاستيكية المعضلة الكبرى في خطط الاقتصاد الدائري العالمي.

يقدِّر التقرير الذي يحمل عنوان «التوقعات العالمية لإدارة النفايات لعام 2024» أن ترتفع التكلفة العالمية المباشرة وغير المباشرة لإدارة النفايات من 361 مليار دولار في 2020 إلى 640.3 مليار دولار في 2050. ويقترح عدداً من الإجراءات لخفض هذه التكلفة، في مقدمتها تقليل النفايات عن طريق منعها في المقام الأول، أو إعادة استخدام المواد التي قد تصبح نفايات، بدلاً من إنتاج النفايات ثم إعادة تدويرها.

وتؤدي إعادة الاستخدام والتدوير إلى تقليل الطلب على استخراج المواد الخام كثيفة الاستهلاك للطاقة والمضرّة بالبيئة، وتمكّن من تقييم النفايات كمورد، وتمنع التلوّث الناجم عن تسرُّب النفايات إلى البيئة. وفي المقابل، يواجه تدوير المواد البلاستيكية مصاعب جمّة، إذ إنه من أصل 7 مليارات طن جرى إنتاجها من هذه المواد تاريخياً على مستوى العالم، تم تدوير أقل من 10 في المائة. وإذا استمرت اتجاهات النمو التاريخية، فمن المتوقَّع أن يرتفع الإنتاج العالمي السنوي من المواد البلاستيكية الأولية من 400 مليون طن حالياً إلى 1100 مليون طن بحلول 2050.

ويقترب معدّل توليد النفايات المنزلية في المنطقة العربية من 500 مليون طن يومياً، وتتباين نسبة المخلّفات البلاستيكية فيها حسب معدلات الدخل من بلد إلى آخر، حيث تصل هذه النسبة إلى 30 في المائة في البحرين، و25 في المائة في الإمارات وقطر وعُمان، وتتراجع إلى أقل من 17 في المائة في باقي الدول العربية. وتحقق الإمارات أعلى معدلات التدوير في العالم العربي بنسبة 20 في المائة، وتليها السعودية بمعدل 15 في المائة، فيما تقلّ النسبة عن 10 في المائة في باقي البلدان. وتقوم هذه المعدلات بمعظمها على تدوير المخلّفات المعدنية والأوراق وكمية قليلة من المواد البلاستيكية.

تقنيات متطوّرة لتدوير البلاستيك

لا تُتيح طُرق إعادة التدوير الميكانيكية للمخلّفات البلاستيكية إزالة جميع أشكال التلوّث، ولذلك لا تسمح التشريعات الوطنية عادة باستخدام البلاستيك المُعاد تدويره ميكانيكياً في منتجات على اتصال مباشر بالمواد الغذائية. كما تفقد المواد البلاستيكية جودتها وخصائصها مع زيادة حلقات إعادة التدوير، وحسب طبيعة البوليمر المستخدَم. وفي حالات النفايات البلاستيكية المختلطة أو المشوبة بنفايات عضوية، تصبح إعادة التدوير الميكانيكية غير مجدية فنياً واقتصادياً.

ونتيجة لذلك، يجري التخلُّص من مجمل المخلّفات البلاستيكية في تيارات النفايات البلدية التي تصبّ غالباً في مكبّ النفايات أو محطات الحرق، بدلاً من معالجتها وتحويلها إلى مادة خام جديدة. ولهذا السبب، تُعدّ تقنيات إعادة التدوير المتقدمة ضرورية للاقتصاد الدائري، حيث توفّر مجموعة أدوات من التقنيات المتنوّعة لمعالجة تدفقات النفايات البلاستيكية بتركيبات ونوعيات مختلفة، من أجل تحويلها إلى مجموعة متنوعة من المواد الخام.

وتشمل هذه التقنيات إعادة تدوير المواد على أساس الانحلال، وهي عملية فيزيائية تسمح بالحصول على البوليمرات من المخلّفات البلاستيكية. كما يتوفر العديد من تقنيات إعادة التدوير الكيميائي القادرة على استخلاص البوليمر المستهدَف وإعادته إلى وحداته البنائية (المونومرات)، عن طريق التحلل الإنزيمي والتحلل بالمذيبات وإزالة البلمرة الحرارية.

كما توجد مجموعة أخرى من تقنيات إعادة التدوير تعتمد العمليات الكيميائية الحرارية، التي تحقق حالياً كبرى القدرات التشغيلية. وتقوم هذه التقنيات على الانحلال الحراري، والتغويز، والحرق، إلى جانب احتجاز الكربون واستخدامه، وذلك من أجل تحويل النفايات البلاستيكية إلى مواد كيميائية ثانوية ذات قيمة، ومنتجات جانبية يمكن استخدامها مثل مواد خام لإنتاج البوليمرات الجديدة.

ويقدم تقرير «رسم خرائط لتقنيات إعادة تدوير النفايات البلاستيكية المتقدمة وقدراتها العالمية»، الصادر مؤخراً عن «مؤسسة نوفا الاستشارية الأوروبية»، نظرة تفصيلية عن التقدم التكنولوجي واللاعبين الرئيسيين في هذا المجال، ويصِف الحالة الحالية لإعادة التدوير المتقدمة في أوروبا والعالم.

ويعرِض التقرير 127 تقنية إعادة تدوير متقدمة متاحة حالياً في السوق أو ستتوفر قريباً. وتقع غالبية التقنيات المحددة في أوروبا، لا سيما في هولندا وألمانيا، تليها أميركا الشمالية والصين واليابان ورابطة الدول المستقلة والشرق الأوسط وأفريقيا. ويسجّل التقرير وجود أكثر من 340 محطة متقدمة لتدوير المخلّفات البلاستيكية قيد التشغيل أو التخطيط في جميع أنحاء العالم، مما يوفر إجمالي قدرة مدخلات على معالجة النفايات البلاستيكية تقارب 1.5 مليون طن سنوياً. ومع وجود أكثر من 60 محطة تغطي ربع قدرة المدخلات العالمية، تُعدّ أوروبا رائدة في هذا القطاع.

ويتوقع التقرير حدوث نمو قوي في السوق خلال السنوات الخمس المقبلة، حيث ستتزايد على نحو مطرد أعداد مصانع إعادة التدوير الكيميائية والفيزيائية. ويُظهِر تحليل إعلانات مقدمي التكنولوجيا لبناء محطات جديدة أن قدرة معالجة المخلّفات البلاستيكية بالطُرق المتقدمة ستزيد في أوروبا بأكثر من 3 أضعاف بحلول عام 2027، بينما ستتضاعف القدرة على المستوى العالمي. ومع ذلك، فإن التوقعات بالنسبة لأوروبا قد تتغير صعوداً، اعتماداً على تدابير سياسية إضافية، مثل مراجعة التوجيهات ذات الصلة، أو إنشاء حوافز وبرامج استثمار.

شكوك بفعالية تدوير النفايات البلاستيكية

رغم التطوُّر الحاصل في تدوير النفايات البلاستيكية بالطُرق الميكانيكية التقليدية أو من خلال التقنيات المتقدمة، لا تزال معدلات استرجاع البلاستيك منخفضة للغاية. وحالياً، لا يزال إنتاج نحو 98 في المائة من المنتجات البلاستيكية التي تُستخدم لمرة واحدة يتم من الوقود الأحفوري، أو المواد الأولية «البِكر». وتتوقع «الوكالة الدولية للطاقة» أن يقود البلاستيك وحده ما يقرب من نصف النمو في الطلب العالمي على النفط بين 2017 و2050.

فعلياً، لا يزال قطاع تدوير المخلّفات البلاستيكية يواجه عقبات كبيرة، قد يكون من الصعب التغلّب عليها. وتتمثّل كبرى هذه العقبات بتكلفة إعادة التدوير، التي تستهلك كثيراً من الطاقة، في مقابل العروض المتزايدة من المواد الخام رخيصة الثمن التي تقوّض جدوى المواد البلاستيكية المُعاد تدويرها. كما أن نوعية المنتجات المُعاد تدويرها تبقى متدنية بالمقارنة مع تلك المصنوعة من المواد الخام.

ويبدو العالم حالياً أمام معضلة حقيقية، بين منافع المنتجات التي تُعدّ رخيصة الثمن وتوّفر استهلاك الموارد الطبيعية وتحقق متطلّبات الصحة العامة، مِثلما ظهر في أزمة جائحة «كوفيد - 19»، ومساوئ بصمتها الكربونية المرتفعة وآثارها التراكمية في النظم البيئية ومصاعب تدويرها.

ولمواجهة هذه المعضلة، تقترح «الوكالة الدولية للطاقة» عدداً من التوصيات في مجال السياسات، من بينها تحفيز قطاع الكيماويات على الاستثمار بشكل مباشر في البحث والتطوير لطُرق الإنتاج الكيميائي المستدام، وتقليل الاعتماد على المواد البلاستيكية ذات الاستخدام الواحد، وتحسين ممارسات إدارة النفايات في جميع أنحاء العالم، ورفع وعي المستهلك حول الفوائد المتعددة لإعادة التدوير، وتصميم المنتجات مع وضع التخلُّص منها في الاعتبار، وتوسيع نطاق مسؤولية المنتِج لتشمل الجوانب المناسبة لاستخدام المنتجات الكيميائية والتخلُّص منها.

سلسلة القيمة الخاصة

ويعد برنامج الأمم المتحدة للبيئة (يونيب) الحكومات جهات فاعلة رئيسية في سلسلة القيمة الخاصة بالمواد البلاستيكية، وهي تستطيع القيام بأمور عدّة إذا توافرت الإرادة، مثل حظر المواد البلاستيكية التي يمكن الاستغناء عنها، ودعم الابتكار بتصميم المواد البلاستيكية، وإدخالها في الاقتصاد بطريقة تسمح بإعادة استخدامها، وتعزيز الاقتصاد الدائري بجعل المواد البلاستيكية متداولة في الاقتصاد لأطول فترة ممكنة.

ويدعو «يونيب» قطاع البتروكيماويات لتسريع التغيير المنهجي في إنتاج المواد البلاستيكية، من خلال تعديل المنتجات التي ينطوي استخدامها على إشكاليات تُعيق التدوير، عن طريق إعادة تصميمها لتعزيز الاستدامة، وابتكار نماذج أعمال للانتقال من الاستخدام الخطّي لمرة واحدة إلى الاستخدام الدائري للمنتجات البلاستيكية. كما يقترح توفير معلومات استدامة موثوقة وشفافة حتى يتمكن المستهلكون من إجراء عمليات شراء مدروسة، إلى جانب زيادة استخدام المحتوى المُعاد تدويره في المنتجات الجديدة لجعل المواد البلاستيكية متداولة في الاقتصاد.

لا تزال تقنيات إعادة التدوير المتقدمة في مرحلة مبكرة من التطوير، ولا يمكن حتى الآن وضع افتراضات دقيقة حول تأثيراتها ومساهماتها؛ فهي لا تتعدى كونها بصيص أمل لمعالجة مشكلة المخلّفات البلاستيكية، وليست حلاً سحرياً. ولذلك يتعيّن على الحكومات أن تسنّ أنظمة أكثر صرامة، وعلى الصناعات أن تعطي الأولوية للحلول المستدامة، وعلى المستهلكين اتخاذ خيارات أكثر وعياً. ومن خلال التعاون بين الجميع يمكن تجنُّب تحويل الكوكب إلى مكبّ كبير للنفايات.


مقالات ذات صلة

علماء يكتشفون سر مصيدة نبتة «فينوس» التي تفترس الحشرات

بيئة حشرة (بلوس وان)

علماء يكتشفون سر مصيدة نبتة «فينوس» التي تفترس الحشرات

ما أتعس الحشرة ‌التي تختار الوقوف على نبتة «فينوس» صائدة الحشرات؛ لأنها سرعان ما تتحول إلى وليمة شهية تتغذى عليها النبتة لأيام!

«الشرق الأوسط» (لندن)
يوميات الشرق تم إطلاق أكثر من 10 آلاف كائن فطري إلى بيئاتها الطبيعية (المركز الوطني لتنمية الحياة الفطرية)

تشمل الطائف وثادق... تأهيل وجهات سعودية لاكتشاف الحياة الفطرية والتنوع الأحيائي

كشف المركز الوطني لتنمية الحياة الفطرية في السعودية عدداً من الفرص والوجهات السياحية المرتبطة بالحياة الفطرية والتنوع الأحيائي.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
يوميات الشرق تسجيل ولادة أول مُهر للحمار البري الآسيوي على أرض المملكة منذ أكثر من 100 عام (واس)

السعودية تسجل ولادة أحد أندر الحيوانات في العالم

نجحت جهود الحماية الفطرية في تسجيل ولادة أول مهر للحمار البري الآسيوي على أرض المملكة منذ أكثر من 100 عام، في مؤشر لعودة كائن غاب عن صحاري الجزيرة العربية.

«الشرق الأوسط» (تبوك)
يوميات الشرق مستعمرات النحل داخل منحل واحة الرياض (تركي العقيلي) p-circle 02:10

العسل يحلي «واحة الرياض»... تجارب حية تكشف أسرار الشهد الأصفر

نظمت «واحة الرياض» في شارع التحلية فعالية «تعرف على النحل»، وذلك ضمن برامجها الأسبوعية الثابتة التي تهدف إلى تعزيز الوعي البيئي، والتعرف على أهمية النحل.

فاطمة القحطاني (الرياض)
بيئة غابة محترقة جرّاء ارتفاع درجات الحرارة في مدينة قادس الإسبانية (أ.ف.ب)

نباتات مهددة بالانقراض بسبب تغيُّر المناخ

يرى خبراء أن بعض النباتات التي تضفي ‌لمسات مميزة على المناظر الطبيعية المألوفة يحتمل أن تختفي بحلول نهاية القرن.

«الشرق الأوسط» (كاليفورنيا)

علماء يكتشفون سر مصيدة نبتة «فينوس» التي تفترس الحشرات

حشرة (بلوس وان)
حشرة (بلوس وان)
TT

علماء يكتشفون سر مصيدة نبتة «فينوس» التي تفترس الحشرات

حشرة (بلوس وان)
حشرة (بلوس وان)

ما أتعس الحشرة التي تختار الوقوف على نبتة «فينوس» صائدة الحشرات؛ لأنها سرعان ما تتحول إلى وليمة شهية تتغذى عليها النبتة لأيام!

فعندما يدفعها حظها العاثر لملامسة تراكيب شبيهة بالشعيرات على جسم هذا النبات العجيب، سرعان ما يطبق عليها بأوراق تشبه الفك المفترس، ثم يفرز أنزيمات تساعده على الهضم.

وتمكن العلماء الآن من كشف الآلية الفيزيائية الكامنة وراء إطباق النبات أوراقه على الحشرات.

وقال باحثون إن التجارب أظهرت أن انغلاق مصيدة نبتة «فينوس» يبدأ بتليين سريع يحدث في جدران الخلايا في الطبقة الخارجية للمصيدة، وهي عبارة عن ورقة متحورة بدرجة كبيرة وممتدة في شكل فصين يشبهان فكين تبرز منهما أسنان.

وعلى مدى أكثر من قرن، كانت الفرضية السائدة تفيد بأن انغلاق المصيدة يحدث بفعل إعادة توزيع سريعة للماء داخل الورقة؛ إذ ينتقل الماء بين الخلايا مسبباً انتفاخاً في أحد جانبَي الورقة. لكن البحث الجديد يشير إلى آلية بيولوجية مختلفة.

وقال الفيزيائي يوئيل فورتير، من المركز الوطني الفرنسي للبحث العلمي (سي إن آر إس) وجامعة إيكس مارسيليا، وهو المؤلف الرئيسي للدراسة التي نُشرت الخميس في مجلة «ساينس»: «أحد أشهر النباتات في العالم لا يزال قادراً على إدهاشنا. فبعد أكثر من قرن من البحث، ما زلنا نكتشف أشياء جديدة جوهرية حول طريقة عمله». وينمو هذا النبات الصغير المفترس في منطقة محدودة من ولايتَي نورث كارولاينا وساوث كارولاينا في الولايات المتحدة. وكغيره من النباتات المفترسة التي تتغذى على اللحوم، ينمو النبات في بيئات فقيرة محرومة من العناصر الغذائية، ويعوض ذلك باصطياد الحشرات وهضمها.

وفي تجارب أُجريت في مرسيليا، استخدم الباحثون أدوات من بينها تقنية التصوير عالي السرعة وتطبيق القياسات الميكانيكية للطبقة الخارجية للنبات. كما أجروا قياسات لانتقال الماء داخل أنسجة النبات من أجل استبعاد كونه سبباً مؤثراً في عملية انغلاق المصيدة.

وقال فورتير: «تستخدم النبتة شعيرات حساسة متخصصة على السطح الداخلي للمصيدة. عندما تلمس الحشرة هذه الشعيرات مرتين خلال فترة زمنية قصيرة، تحدث عملية الانغلاق. ويمكن أن يحدث الانغلاق في غضون بضعة أجزاء من الثانية».

وأضاف: «تفترض نظريتنا أن المصيدة تكون مشدودة ميكانيكياً مسبقاً، تماماً مثل الملف المعدني (الزنبرك). وعند تحفيز المصيدة، تلين جدران خلايا الطبقة الخارجية بسرعة بنسبة تتراوح بين 30 و40 بالمائة تقريباً، مما يعني أن جدار الخلية يصبح أكثر مرونة. من شأن ذلك أن يحرر الضغوط الداخلية المخزنة في الأنسجة، مما يؤدي إلى انحناء المصيدة وحدوث الانغلاق. ويحدث هذا التليين في غضون ثانية واحدة تقريباً».

وبمجرد أن تنغلق المصيدة، تُحتجز الحشرة في الداخل لتبدأ عملية هضمها. وبعد أن تمتص النبتة السائل الغني بالعناصر الغذائية الناتج عن عملية الهضم، يُعاد فتح المصيدة من جديد.


علماء يفتشون في ذاكرة نهر الفرات بالمسوح الزلزالية ويتعرفون على أصوله القديمة

صورة من الأعلى لمرور نهر الفرات في مدينة النجف جنوب العراق (رويترز)
صورة من الأعلى لمرور نهر الفرات في مدينة النجف جنوب العراق (رويترز)
TT

علماء يفتشون في ذاكرة نهر الفرات بالمسوح الزلزالية ويتعرفون على أصوله القديمة

صورة من الأعلى لمرور نهر الفرات في مدينة النجف جنوب العراق (رويترز)
صورة من الأعلى لمرور نهر الفرات في مدينة النجف جنوب العراق (رويترز)

كانت مياه الفرات تغذي أوروك، أول مدينة كبرى في العالم ومهد اللغة المكتوبة، وكذلك بابل، أعظم مدن بلاد ما بين النهرين القديمة.

وكان السهل الخصب الواقع بين الفرات وجاره ورفيقه في رحلة أبدية، نهر دجلة، مهداً لواحدة من أعرق الحضارات البشرية.

وبالرجوع إلى الزمن السحيق، لأبعد بكثير من عصر هذه المراكز الحضرية العظيمة التي نشأت قبل آلاف السنين، تمكن باحثون من فك الشفرة ومعرفة السر وراء تشكل نهر الفرات لأول مرة.

واستناداً إلى صور زلزالية لرواسب مدفونة وبيانات أخرى، قالوا إن نهر الفرات ظهر إلى الوجود على ما يبدو منذ ما بين 3.6 مليون و1.6 مليون سنة عندما اندمج نظامان نهريان سابقان بسبب النشاط التكتوني في جبال طوروس بجنوب تركيا حالياً. ونهر الفرات هو أطول نهر في جنوب غربي آسيا ويمتد لنحو 2800 كيلومتر، إذ ينبع من تركيا، ويتدفق عبر سوريا والعراق قبل أن يصب في الخليج. وتشمل المدن الحالية على ضفاف نهر الفرات بيرجيك في تركيا والرقة في سوريا والرمادي والفلوجة والناصرية في العراق. ومن بين المدن القديمة على نهر الفرات أيضاً أور وماري.

غروب الشمس فوق نهر الفرات في الرقة شرقي سوريا، 30 أكتوبر 2013. (رويترز)

ورغم أن نهر الفرات شكل المنطقة جيولوجيا لمدة طويلة، فإن توقيت تشكله وتطور مساره الحالي ظل غامضاً. وقال الباحثون إن فك شفرة تاريخ النهر شيء ملهم لفهم المعالم البارزة في الثقافة البشرية في مجالات الزراعة والكتابة والتنمية الحضرية وغيرها من المجالات التي شهدتها سهوله الفيضية.

صياد يلقي شباكه في نهر الفرات بالفلوجة غربي بغداد، 2 مايو 2008. (رويترز)

واكتشف علماء جيولوجيا باستخدام بيانات المسوح الزلزالية تحت سطح الأرض، خلال محاولتهم تحديد احتياطيات الغاز المحتملة تحت البحر المتوسط، ملامح لتضاريس مدفونة تشبه القنوات، وتعود إلى أكثر من 5 ملايين عام مضت عندما جفت أجزاء كبيرة من البحر، وهو حدث يعرف باسم «أزمة الملوحة الميسينية». وخلصوا إلى أن نهرين منفصلين، وهما سلفا نهري قره صو ومراد الموجودين حالياً في تركيا، كانا يتدفقان عبر منطقة تمتد بين تركيا وسوريا، ويصبان في حوض البحر المتوسط.

قارب صيد على ضفاف أحد فروع نهر الفرات في ضواحي الحلة وسط العراق (أ.ف.ب)

ويعتقد العلماء أن النشاط التكتوني في هذه المنطقة المعرضة للزلازل تسبب في تحويل مسار سلف نهر مراد نحو الخليج، بينما انضم إليه لاحقاً سلف نهر قره صو، وقالوا إن هذا شكّل نظاماً نهرياً واحداً قوياً وهو نهر الفرات.

وكانت إحدى الأدوات الرئيسية التي استخدمها العلماء هي التصوير الزلزالي، وهي تقنية تنشئ خرائط مفصلة ثنائية وثلاثية الأبعاد لباطن الأرض من خلال تسجيل كيفية انتقال الموجات الصوتية عبر طبقات الصخور الجوفية وارتدادها عنها. ومن خلال هذا التصوير الزلزالي، تمكنوا من اكتشاف ملامح قنوات نهرية قديمة تختفي تحت قاع البحر.

وقال سيمون لانج الجيولوجي بجامعة وسترن أستراليا الذي ساعد في الدراسة المنشورة بدورية «نيتشر جيوساينس» برفقة الجيولوجي آندرو مادوف من شيفرون: «هذه التقنية تعادل استخدام الموجات فوق الصوتية لتصوير التفاصيل الدقيقة لجنين في طور النمو، أو لركبة مصابة بالتهاب في المفاصل، لكن في هذه الحالة نستخدمها لتصوير (عناصر) الحصى والرمال والطين والحجر الجيري والملح المدفونة التي تعرضت للضغط، وتحولت إلى صخور».

سكان يسيرون وسط أراضٍ زراعية غمرتها مياه نهر الفرات قرب دير الزور السورية، 29 مايو 2026. (أسوشيتد برس)

وتوصل العلماء، من خلال صنع نماذج للمعالم الجوفية، إلى أن هذين النهرين القديمين كانا يتمتعان بمعدلات تدفق تفوق معدلات تدفق أنهار النيل ودجلة والفرات في العصر الحديث.

وبالرجوع إلى الوراء، تتبع العلماء مسار النهرين القديمين إلى الأراضي التركية. ومن خلال فحص البيانات الجيولوجية من الرواسب في الوديان ورواسب الفحم التي ارتفعت الآن لتشكل جبال طوروس، توصلوا إلى أن نهري قره صو ومراد الحاليين كانا على الأرجح المصدرين الأصليين لتلك القنوات المدفونة.

وقال لانج: «لكن بطريقة ما انقطعا عن وديانهما الغربية السفلية، واندمجا معاً لتشكيل ما يُعْرف اليوم بنهر الفرات. وتلك الطريقة هي، بالطبع، النشاط التكتوني عبر شرق الأناضول».

وأضاف: «اليوم، تتحد مياه نهري الفرات ودجلة بالقرب من البصرة لتشكل دلتا ضخمة عند مصب الخليج. وغمرت هذه المياه مساحة كبيرة من سهل بلاد ما بين النهرين الذي تطورت فيه الزراعة المبكرة، بما في ذلك المدن المستقلة القديمة، وتطورت الكتابة المسمارية التي كانت حيوية للغاية لتطور البشرية في المراحل المبكرة».

ويمكن أن يتغير مجرى حتى أقوى الأنهار بفعل أحداث جيولوجية قوية. وقال لانج: «كان أكبر نهر على كوكب الأرض، نهر الأمازون، يتدفق غرباً نحو كولومبيا وبيرو حالياً باتجاه ساحل دلتا المحيط الهادي القديم قبل ظهور جبال الأنديز. ومع ارتفاع جبال الأنديز بفعل ارتفاعات ضخمة في القشرة الأرضية، انعكس اتجاه جميع الروافد السابقة على مدى ملايين السنين، والآن يتدفق نهر الأمازون إلى المحيط الأطلسي».


دراسة تقلب المفاهيم: الغذاء الملكي وحده لا يصنع ملكة النحل... تحتاج إلى «قصر»

مستعمرة النحل تبني نوعاً مميزاً من الحجرات مخصصاً للملكات المستقبلية (بكسلز)
مستعمرة النحل تبني نوعاً مميزاً من الحجرات مخصصاً للملكات المستقبلية (بكسلز)
TT

دراسة تقلب المفاهيم: الغذاء الملكي وحده لا يصنع ملكة النحل... تحتاج إلى «قصر»

مستعمرة النحل تبني نوعاً مميزاً من الحجرات مخصصاً للملكات المستقبلية (بكسلز)
مستعمرة النحل تبني نوعاً مميزاً من الحجرات مخصصاً للملكات المستقبلية (بكسلز)

لطالما اعتقد العلماء، على مدى عقود، أن مصير يرقة نحل العسل في أن تصبح ملكة بدلاً من عاملة يتحدد حصراً من خلال تغذيتها على الغذاء الملكي الغني بالعناصر الغذائية، إلا أن دراسة جديدة تُعدّ اختراقاً علمياً تشير إلى أن البيئة الفيزيائية والكيميائية للغرفة التي تنمو فيها اليرقة تؤدي دوراً حاسماً أيضاً في تشكيل الملكة المستقبلية.

«القصر الملكي» لا يقل أهمية عن الغذاء الملكي

أظهرت الدراسة (نُشرت في مجلة «نيتشر» ونقلها موقع «إندي 100») أن الخلية الشمعية الخاصة التي تبنيها العاملات لتربية ملكة جديدة ليست مجرد وعاء سلبي، بل تؤدي وظيفة أساسية في عملية النمو.

وقال كاي وانغ، الباحث في معهد أبحاث تربية النحل التابع للأكاديمية الصينية للعلوم الزراعية أحد قادة الدراسة: «الغذاء الملكي لا يعني شيئاً من دون قصر ملكي».

ويتكوَّن عش نحل العسل عادة من خلايا شمعية سداسية الشكل تفرزها العاملات وتُستخدم لتخزين الغذاء أو تربية الصغار. لكن المستعمرة تبني أيضاً نوعاً ثالثاً مميزاً من الحجرات مخصصاً للملكات المستقبلية. وتُعرف هذه الحجرات لدى مربي النحل بأنها مؤشر على الاستعداد للتطريد أو استبدال الملكة، وتُشبِه في شكلها قشرة الفول السوداني، وتتدلى إلى الأسفل من قرص العسل.

حاضنة ذكية مصممة بعناية

وأوضح وانغ أن هذه الحجرات المتخصصة تمثل «حاضنة ذكية» عالية الهندسة.

وكشفت الدراسة، التي ركزت على نحل العسل الغربي، أن الشمع المستخدَم في بناء الخلايا الملكية يتمتع بخصائص فريدة؛ فهو أكثر ليونة، ويذوب عند درجة حرارة أعلى، كما يطلق «عطراً» كيميائياً مختلفاً.

ويرى الباحثون أن الجدران الأكثر ليونة توفر مساحة كافية لتمدد اليرقة أثناء نموها، في حين قد تعمل الروائح الخاصة بوصفها محفزات هرمونية مهمة.

وأظهرت النتائج أنه حتى عندما تتغذى اليرقات على الغذاء الملكي، فإن تعرضها لشمع الخلايا العادية الخاصة بالعاملات يؤدي إلى تراجع جودة تطورها كملكات وارتفاع معدلات النفوق بشكل ملحوظ.

ويشير ذلك إلى أن «رائحة وملمس» الشمع الملكي عنصران أساسيان لبقاء اليرقة وتحولها إلى ملكة.

الحجرات المتخصصة لملكات النحل تمثل «حاضنة ذكية» عالية الهندسة (بكسلز)

العاملات يتحولن إلى «أفران حية»

كما أظهرت الدراسة أن العاملات المكلفة بناء الخلايا الملكية تخضع لتغيرات لافتة أثناء أداء هذه المهمة؛ فقد تبين أن درجة حرارة منطقة الصدر لديها ترتفع بشكل غير معتاد، كما تتغير أنماط نشاط بعض الجينات لديها.

وقال وانغ: «لصياغة هذا الشمع الخاص الذي يتمتع بدرجة انصهار مرتفعة، يتعين على هذه العاملات الفتيَّة أن تحوّل أجسامها إلى أفران حية صغيرة؛ إذ ترتفع حرارة صدورها إلى أكثر من 39 درجة مئوية، كما لو أنها تعاني من الحمى».

وأوضح أن هذه النحلات لا تنتمي إلى فئة متخصصة دائمة، بل هي «عاملات عادية ومرنة» تتولى دوراً مؤقتاً وطارئاً.

وخلال هذه الفترة تتغير أنماط التعبير الجيني لديها لمساعدتها على معالجة الشمع، ما يجعلها «متعددة المهام بامتياز»، إذ تبني الخلايا الملكية، وفي الوقت نفسه تواصل مهامها اليومية، مثل توزيع الغذاء وتفقد الخلايا الأخرى.

تحدٍّ لمعتقد علمي راسخ

وأعرب وانغ عن دهشته من أن الفرضية الراسخة التي سادت طويلاً، القائلة إن الغذاء الملكي وحده هو المسؤول عن تحديد مصير الملكة، تبيّن أنها غير مكتملة.

ورغم أن الدراسة لم تحدد بعد العامل الدقيق المسؤول داخل الشمع، فإن الخطوة التالية تتمثل في اكتشاف «المفتاح الجزيئي» الذي يطلق عملية التحول.

وقال وانغ: «نريد معرفة أي رائحة كيميائية أو أي إحساس فيزيائي هو الذي يخبر الحمض النووي ليرقة الملكة: أنتِ الملكة».

آثار تمتد إلى ما وراء النحل

ويرى الباحثون أن نتائج الدراسة قد لا تقتصر على نحل العسل فقط، بل ربما تنطبق أيضاً على حشرات اجتماعية أخرى؛ حيث قد تؤدي الهياكل التي تبنيها، مثل أعشاش النمل الأبيض أو الدبابير، وظائف تتجاوز مجرد توفير المأوى لتؤثر في تطور المستعمرة نفسها.

أهمية كبيرة لمربي النحل والزراعة

ومن الناحية العملية، قد تساعد هذه النتائج مربي النحل على إنتاج ملكات أكثر صحة وكفاءة، وفقاً لبوريس باير، أستاذ صحة الملقحات في جامعة كاليفورنيا - ريفرسايد، أحد قادة الدراسة.

وتُعد الملكات السليمة عنصراً أساسياً للحفاظ على مستعمرات قوية، وهي بدورها ضرورية لتلقيح أكثر من 80 محصولاً زراعياً رئيسياً.

وأشار باير إلى أن الفهم الأعمق للآليات الطبيعية التي تنتج من خلالها المستعمرات ملكات عالية الجودة قد يسهم في دعم تجمعات نحل أكثر قدرة على الصمود؛ خصوصاً في ظل الخسائر الكبيرة التي يبلغ عنها مربو النحل حول العالم.

«المنزل المثالي» يغيّر المصير

وفي ختام الدراسة، رأى وانغ أن هذه الاكتشافات تؤكد أن مستعمرة النحل تمثل «كائناً فائقاً» يعمل فيه الأفراد بصورة جماعية لتحويل يرقة عادية إلى أمهم المستقبلية.

وقال: «التغذية الجيدة مهمة، لكن العيش في المنزل المثالي هو ما يغيّر المصير حقاً».