خامنئي: انتخابات حماسية رغم محاولات ثني الإيرانيين عن المشاركة

صحيفة إيرانية: الناخبون كتبوا أسعار السلع بدلاً من أسماء المرشحين

امرأة إيرانية تمشي أمام لافتة ضخمة كُتب عليها «الجميع معاً من أجل الوطن» باللغة الفارسية في أحد شوارع طهران الاثنين (إ.ب.أ)
امرأة إيرانية تمشي أمام لافتة ضخمة كُتب عليها «الجميع معاً من أجل الوطن» باللغة الفارسية في أحد شوارع طهران الاثنين (إ.ب.أ)
TT

خامنئي: انتخابات حماسية رغم محاولات ثني الإيرانيين عن المشاركة

امرأة إيرانية تمشي أمام لافتة ضخمة كُتب عليها «الجميع معاً من أجل الوطن» باللغة الفارسية في أحد شوارع طهران الاثنين (إ.ب.أ)
امرأة إيرانية تمشي أمام لافتة ضخمة كُتب عليها «الجميع معاً من أجل الوطن» باللغة الفارسية في أحد شوارع طهران الاثنين (إ.ب.أ)

غداة تأكيد الحكومة الإيرانية مشاركة 41 في المائة من الناخبين في انتخابات البرلمان ومجلس خبراء القيادة؛ ما يؤكد أعلى نسبة امتناع في تاريخ الجمهورية الإسلامية، وصف المرشد الإيراني علي خامنئي الاقتراع بـ«الحماسي»، و«الجهاد».

وقال خامنئي في أول ظهور له بعد الإدلاء بصوته الجمعة إن «أعداء الجمهورية الإسلامية من مختلف مناطق العالم على مدى عام، حاولوا إضعاف الانتخابات، وثني الناس عن المشاركة؛ لهذا كانت جهاداً». وقال: «كان إقبال الناس على الانتخابات حركة حماسية».

وكان خامنئي شدد في خطاباته على ضرورة رفع نسبة المشاركة في الانتخابات، خصوصاً بعد خطاب رأس السنة الفارسية في مارس (آذار) الماضي. وزاد صاحب كلمة الفصل من وتيرة تأكيداته على ضرورة تكثيف المشاركة في الأشهر الأخيرة.

أكبر امتناع

وبعد صمت دام 72 ساعة، أعلن وزير الداخلية أحمد وحيدي، عن مشاركة 25 مليوناً، ما يعادل 41 في المائة من 61 مليوناً يحق لهم التصويت، وهي أكبر نسبة امتناع عن المشاركة في الانتخابات، خلال 45 عاماً على انتصار ثورة 1979 التي وضعت حجر الأساس للحكم الثيوقراطي (حكم رجال الدين) في إيران.

وكتب خامنئي على «إكس»: «أرى من الضروري الإشارة إلى قضية الانتخابات المهمة، وأشكر الشعب الإيراني لحضورهم في صناديق الاقتراع». وأضاف: «لقد أدى الشعب الإيراني بهذا الحضور واجباً اجتماعياً وحضارياً وجهادياً».

واقتبس النائب الإصلاحي السابق، محمود صادقي تغريدة حساب المرشد الإيراني متسائلاً: «الـ60 في المائة الذين لم يصوّتوا ليسوا جزءاً من الأمة الإيرانية؟»، في إشارة إلى عدد الناخبين الذين لم يشاركوا في الانتخابات.

ورغم الدور المحدود للبرلمان، اكتسبت الانتخابات حساسية؛ لکونها أول اختبار لشعبية الحكام بعدما رفض المرشد الإيراني الدعوات الداخلية لإجراء استفتاء بشأن النظام السياسي في أعقاب الاحتجاجات الدامية، التي أشعلتها وفاة الشابة مهسا أميني في سبتمبر (أيلول) 2022.

صورة نشرها موقع خامنئي من حديثه في حديقة مكتبه

وواصل التيار المحافظ المتشدد سيطرته على غالبية المقاعد الـ245 من أصل 290 معقداً، حسمت نتائجها في الجولة الأولى. وقدرت وسائل إعلام إيرانية عدد الفائزين من المحافظين المتشددين بـ200 نائب، في حين يتقاسم 45 معقداً المستقلون وبعض المنتسبين للإصلاحيين والمعتدلين.

ومن المرجح أن تجري نهاية الشهر المقبل، جولة حاسمة لتحديد مصير 45 مقعداً ومن بينها 16 معقداً في طهران، حيث تقتصر المنافسة بين المرشحين المحافظين.

ومن بين النواب الذين تأكد انتخابهم، فازت 11 امرأة في مختلف أنحاء إيران بعضوية البرلمان الذي كانت دورته الحالية تضمّ 16 امرأة، حسب وكالة الصحافة الفرنسية.

«عجائب غير مسبوقة»

ولم تكن النتائج مفاجئة، سواء على صعيد المشاركة، أو التيار الفائز؛ نظراً للاستياء العام في إيران وكذلك الإجراءات التي اتخذها مجلس صيانة الدستور، بإبعاد مرشحين من التيار الإصلاحي والمعتدل، وكذلك مرشحون مستقلون بارزون.

ويعود الاستياء العام في الأساس إلى تدهور الأوضاع المعيشية، وعجز السلطات في كبح الأزمة الاقتصادية، مع استمرار العقوبات الأميركية، فضلاً عن التضييق على الحريات السياسية والثقافية. وتراجع الثقة العامة بالمسؤولين.

وكانت الانتخابات التشريعية لعام 2020 سجلت مشاركة 42.57 في المائة من الناخبين، بينما شهدت الانتخابات الرئاسية لعام 2021 مشاركة بنسبة 48.8 في المائة كانت بدورها الأدنى في استحقاق رئاسي في الجمهورية الإسلامية.

وفي طهران، أعلنت الوزارة الداخلية عن تسجيل مشاركة بنسبة 26 في المائة، وهي النسبة نفسها تقريباً التي أعلنتها السلطات قبل أربع سنوات، لكن مسؤولاً في مجلس تشخيص مصلحة النظام، ومقرباً من حكومة إبراهيم رئيسي، كان قد كشف عن مشاركة بلغت 18 في المائة بالعاصمة. وقالت وكالة «مهر» الحكومية إن المشاركة في العاصمة تصل إلى 24 في المائة. وبلغت نسبة المشاركة خلال الانتخابات الرئاسية بطهران نحو 34 في المائة.

وأشارت صحيفة «آرمان ملي» إلى التراجع الكبير في أرقام الانتخابات البرلمانية الحالية مقارنة بالدورتين السابقتين. وحصل رجل الدين المحافظ المتشدد، محمود نبويان على 597 ألف صوت، في حين فاز رئيس البرلمان الحالي محمد باقر قاليباف قبل أربع سنوات بـ1.2 مليون صوت.

وبدورها، قالت صحيفة «جمهوري إسلامي» المحسوبة على المعتدلين إن «المتصدر في انتخابات طهران، يمثل 6 في المائة من أهالي العاصمة».

ولفتت إلى أن «العجائب في انتخابات البرلمان، غير مسبوقة، والناس بسلوكهم تحدثوا إلى المسؤولين». وأضافت: «الناس كتبوا أسعار السلع بدلاً من أسماء المرشحين في أوراق الاقتراع».

وزير الداخلية الإيراني يكشف عن نسبة المشاركة في الانتخابات خلال مؤتمر صحافي (رويترز)

«مزاعم غير موثوقة»

وأثارت الأصوات الباطلة جدلاً واسعاً في الأوساط الإيرانية. وقال وزير الداخلية، الجنرال أحمد وحيدي، الاثنين، إن الأصوات الباطلة تتراوح بين 5 و8 في المائة في أنحاء البلاد، «على رغم الدعاية التي قام بها الأعداء لثني الشعب عن المشاركة في الانتخابات ورغم بعض الصعوبات الاقتصادية التي يواجهها الشعب، فإن الشعب شارك في الانتخابات».

ورأى وحيدي أن «الأعداء كانوا يروّجون لتشويه أمن الانتخابات، بدءاً من أجهزة التجسس إلى الجماعات الإرهابية وغيرهم من أعداء الشعب، لقد تحركوا في هذا الاتجاه، لكننا رأينا أنه تم توفير أمن جيد للغاية في الانتخابات».

وتدل مفردة الأعداء في أدبيات المسؤولين الإيرانيين على القوى الغربية، على رأسها الولايات المتحدة وتشمل حليفتها إسرائيل.

ورأت الولايات المتحدة أن انخفاض نسبة المشاركة في الانتخابات الإيرانية هو مؤشر إضافي إلى «الاستياء» الشعبي حيال الحكام.

وقال المتحدث باسم وزارة الخارجية الأميركية ماثيو ميلر للصحافيين الاثنين: «لا أعتقد أن ثمة أي مدعاة للشك في وجود استياء حيال حكم النظام».

وأضاف: «لم يكن تقييمنا بأن هذه الانتخابات ستكون حرة ونزيهة، وأعتقد أن العديد من الإيرانيين رأوا أن هذه الانتخابات لن تكون حرة ونزيهة؛ لذا فلن أفاجأ... بأنهم اختاروا عدم المشاركة».وأشار ميلر إلى أن الولايات المتحدة لن تعرض تقييماً للانتخابات، مضيفاً: «مزاعم السلطات الإيرانية بشأن نسبة المشاركة عادة ما تكون غير موثوقة».

غيابات تعطل البرلمان

وذكرت وسائل إعلام إيرانية، الثلاثاء، أن نحو 62 نائباً في البرلمان الحالي لم يحضروا جلسة البرلمان. وأشارت التقارير إلى قراءة أسماء النواب الغائبين. وتأكد عدم استمرار 147 نائباً حالياً في البرلمان الجديد. ورُفضت طلبات بعض النواب للترشح، ولم يترشح آخرون، بينما خسر الأغلبية حملته الانتخابية.

وجاءت الخطوة بعد عدم اكتمال نصاب البرلمان، الاثنين؛ ما أدى إلى تعطيل جلساته، وهو ما أثار انتقادات من المراقبين السياسيين على شبكات التواصل الاجتماعي.

وقال محمد مهاجري: «طيلة أربع سنوات من البرلمان الحالي، كانت الجلسة المفيدة والمثمرة، هي جلسة اليوم التي عطلها قاليباف بسبب غياب عدد كبير من النواب».

وكتب المحلل سعيد شريعتي على منصة «إكس»: «جلسة اليوم لم يكتمل نصابها، ولم تُعقد، على ما يبدو أكثر النواب الغائبين من لم يحصلوا على أصوات في يوم الجمعة، منذ الآن عطّلوا العمل لكي يتفرغوا لأعمالهم الأخرى، إلى هذا الحد تم إذلال بيت الشعب».


مقالات ذات صلة

الاتحاد الأوروبي يقرر توسيع عقوبات إيران لتشمل مسؤولي إغلاق «هرمز»

أوروبا الممثلة العليا للاتحاد الأوروبي للشؤون الخارجية والسياسة الأمنية كايا كالاس ووزير الخارجية الهولندي توم بيريندسن خلال اجتماع مجلس الشؤون الخارجية في مدينة لوكسمبورغ... 21 أبريل 2026 (إ.ب.أ)

الاتحاد الأوروبي يقرر توسيع عقوبات إيران لتشمل مسؤولي إغلاق «هرمز»

قالت مسؤولة السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي إن دول التكتل اتفقت على توسيع نطاق العقوبات المفروضة على إيران لتشمل المسؤولين عن إغلاق مضيق هرمز.

«الشرق الأوسط» (لوكسمبورغ)
العالم عناصر يقفون حراساً عند نقطة تفتيش بالقرب من فندق بالمنطقة الحمراء في إسلام آباد وسط إجراءات أمنية مشددة قبل محادثات أميركية - إيرانية (أ.ف.ب) p-circle

باكستان تحث أميركا وإيران على تمديد وقف إطلاق النار

كشفت ​وزارة الخارجية الباكستانية، في بيان، أن باكستان حثت الولايات المتحدة وإيران ‌على تمديد وقف ‌إطلاق ​النار ‌بينهما ⁠المحدد ​بأسبوعين.

«الشرق الأوسط» (إسلام آباد)
المشرق العربي وزير الداخلية السوري أنس خطاب استقبل وفداً دبلوماسياً من الاتحاد الأوروبي برئاسة ميخائيل أونماخت القائم بأعمال البعثة (الداخلية السورية)

وفد أوروبي يلتقي وزير الداخلية السوري لبحث تعزيز التعاون الأمني

استقبل وزير الداخلية السوري وفداً دبلوماسياً من الاتحاد الأوروبي لبحث تعزيز التعاون الثنائي وتطوير آليات التنسيق المشترك في القضايا الأمنية ذات الأولوية.

«الشرق الأوسط» (دمشق)
شؤون إقليمية رجل يحمل طرداً على كتفه يمر أمام لوحة إعلانية كبيرة تصور المرشد مجتبى خامنئي في أحد شوارع طهران الاثنين (أ.ف.ب)

إيران تعدم متهميْن بالتجسس… والمعارضة تندد

أعدمت إيران رجلين قالت السلطات إنهما أدينا بالتجسس لصالح جهاز المخابرات الإسرائيلي، بينما قالت منظمة «مجاهدي خلق» المعارضة إنهما من أعضائها، ونفت الاتهامات.

«الشرق الأوسط» (لندن - باريس)
شؤون إقليمية مروحية أميركية تهبط على متن سفينة الشحن الإيرانية «توسكا» في بحر العرب (سنتكوم)

ترجيح وجود معدات لاستخدام مزدوج على سفينة إيرانية احتجزتها أميركا

رجّحت مصادر في قطاع الأمن البحري أن سفينة الحاويات «توسكا» التي ترفع العلم الإيراني، والتي اعتلتها القوات الأميركية واحتجزتها تحمل مواد للاستخدام المشترك.

«الشرق الأوسط» (لندن)

إسرائيل تتهم «حزب الله» بإطلاق صواريخ باتجاه جيشها في جنوب لبنان

جنود إسرائيليون يقفون فوق دبابة في شمال إسرائيل بالقرب من الحدود مع لبنان 15 أبريل 2026 (رويترز)
جنود إسرائيليون يقفون فوق دبابة في شمال إسرائيل بالقرب من الحدود مع لبنان 15 أبريل 2026 (رويترز)
TT

إسرائيل تتهم «حزب الله» بإطلاق صواريخ باتجاه جيشها في جنوب لبنان

جنود إسرائيليون يقفون فوق دبابة في شمال إسرائيل بالقرب من الحدود مع لبنان 15 أبريل 2026 (رويترز)
جنود إسرائيليون يقفون فوق دبابة في شمال إسرائيل بالقرب من الحدود مع لبنان 15 أبريل 2026 (رويترز)

قال الجيش الإسرائيلي، الثلاثاء، إن جماعة «حزب الله» اللبنانية المدعومة من إيران أطلقت عدة صواريخ باتجاه قواته التي تعمل في جنوب لبنان، فيما وصفه بأنه «انتهاك صارخ» لاتفاق وقف إطلاق النار، وفق وكالة «رويترز» للأنباء.

وأضاف أن صفارات الإنذار التي دَوّت في بلدات بشمال إسرائيل يُرجح أنها انطلقت بسبب اعتراض طائرة مسيّرة أُطلقت من لبنان قبل أن تعبر إلى داخل إسرائيل، وذلك تصحيحاً لتقرير سابق أشار إلى احتمال حدوث خطأ في التقدير.

وأعلن الجيش الإسرائيلي في المقابل أنه قصف موقعاً تابعاً لـ«حزب الله» في جنوب لبنان، رداً على إطلاق الصواريخ ضد جنوده المنتشرين في المنطقة.

وذكر الجيش في بيان: «قبل قليل، أطلق تنظيم (حزب الله) الإرهابي، عدة صواريخ باتجاه جنود الجيش الإسرائيلي المتمركزين جنوب خط الدفاع الأمامي في منطقة رب ثلاثين»، وهي بلدة تقع في جنوب لبنان على بعد أقل من 3 كيلومترات من الحدود الإسرائيلية. وأضاف البيان: «رداً على ذلك، قصف الجيش الإسرائيلي موقع الإطلاق الذي انطلقت منه الصواريخ».

وسيطرت إسرائيل على عدة مناطق في جنوب لبنان، معقل «حزب الله»، منذ اندلاع الحرب بينهما في الثاني من مارس (آذار) إثر إطلاق «حزب الله» صواريخ من جنوب لبنان على إسرائيل، ردّاً على مقتل المرشد الإيراني علي خامنئي في بداية الهجوم الأميركي الإسرائيلي على إيران.

وبينما شاب وقف إطلاق النار العديد من الحوادث، ستُعقد جولة جديدة من المحادثات «المباشرة» بين لبنان وإسرائيل الخميس في واشنطن، بعد نحو عشرة أيام من الجولة الأولى، بحسب ما قال مسؤول في وزارة الخارجية الأميركية لـ«وكالة الصحافة الفرنسية» الاثنين.


التفاوض يختبر توازنات طهران... ومجلس الأمن القومي في الواجهة

قاليباف يشارك في اجتماع مجلس «تشخيص مصلحة النظام» ويبدو أمين مجلس الأمن القومي الجنرال محمد باقر ذو القدر (موقع قاليباف)
قاليباف يشارك في اجتماع مجلس «تشخيص مصلحة النظام» ويبدو أمين مجلس الأمن القومي الجنرال محمد باقر ذو القدر (موقع قاليباف)
TT

التفاوض يختبر توازنات طهران... ومجلس الأمن القومي في الواجهة

قاليباف يشارك في اجتماع مجلس «تشخيص مصلحة النظام» ويبدو أمين مجلس الأمن القومي الجنرال محمد باقر ذو القدر (موقع قاليباف)
قاليباف يشارك في اجتماع مجلس «تشخيص مصلحة النظام» ويبدو أمين مجلس الأمن القومي الجنرال محمد باقر ذو القدر (موقع قاليباف)

بعدما أطاح القصف الأميركي - الإسرائيلي بالمرشد الإيراني علي خامنئي ومعظم قادة الصف الأول، لم تنهَر قيادة الجمهورية الإسلامية، لكن المفاوضات المطروحة لإنهاء الحرب تفتح اختباراً جديداً أمام تماسكها وقدرتها على إدارة المرحلة التالية.

على مدى عقود، نجح المرشد في إدارة عدة فصائل قوية، حيث أخضع من تحدوا سلطته، بينما استمع في الوقت نفسه إلى آراء متنافسة. ولم يعد واضحاً الآن من يمارس هذا النوع من السلطة على مجموعة من الشخصيات المدنية والجنرالات البارزين في «الحرس الثوري» الذين يبدو أنهم يديرون المشهد.

وقد توصلت هذه الأطراف إلى قدر من التماسك، في الوقت الراهن، عبر تبنّي موقف متشدد وفقاً لتحليل نشرته وكالة «أسوشييتد برس»، لكن الخلافات بشأن حجم التنازلات الممكنة في المفاوضات مع الولايات المتحدة قد تكشف عن خطوط تصدع، في وقت يكافح الوسطاء الباكستانيون لاستضافة جولة جديدة من المحادثات.

من يدير المشهد؟

كان المرشد علي خامنئي قادراً على فرض إرادته على مراكز القوة المتباينة داخل الجمهورية الإسلامية. وبعد مقتله في الضربات الإسرائيلية في اليوم الأول من الحرب، خلفه نجله مجتبى خامنئي.

لكن الشكوك لا تزال تحيط بدور خامنئي الابن بعد تقارير عن إصابته في الغارات. ولا يزال متوارياً عن الأنظار، ولم يظهر علناً منذ توليه المنصب، كما أن طريقة إصداره التعليمات إلى كبار القادة لا تزال غير واضحة.

ويقع مركز السلطة الآن في يد هيئة شبيهة بالمكتب السياسي تُعرف باسم «المجلس الأعلى للأمن القومي»، وتضم كبار المسؤولين المدنيين والعسكريين. وقد برز محمد باقر قاليباف، رئيس البرلمان، باعتباره واجهة لهذا المجلس وكبير المفاوضين مع الولايات المتحدة.

إيرانيون يتابعون عبر شاشة تلفاز جانباً من المناظرة بين الرئيس مسعود بزشكيان والمتشدد سعيد جليلي يوليو 2024 (أرشيفية - د.ب.أ)

وكان المرشد السابق قد بدأ بمنح المجلس صلاحيات أوسع قبل وفاته، لكن الحرب عززت نفوذ المجلس بشكل أكبر.

ويضم المجلس طيفاً من التوجهات السياسية، وغالباً ما يشهد منافسات حادة. ويمثل سعيد جليلي، المنافس السياسي لقاليباف والمعارض المتشدد للولايات المتحدة، المرشد داخل المجلس، فيما يتولى الرئيس الإصلاحي مسعود بزشكيان رئاسته الاسمية.

ومن بين الأعضاء المتشددين القائد الجديد لـ«الحرس الثوري» أحمد وحيدي، والأمين العام الجديد للمجلس محمد باقر ذو القدر، وهو أيضاً من قادة «الحرس».

لكن استراتيجية إسرائيل القائمة على تصفية القيادات العليا تشير إلى سوء تقدير لطبيعة عمل النظام الإيراني، بحسب تقديرات خبراء.

ومنذ اندلاع الحرب، أدى النفوذ المتزايد لـ«الحرس الثوري» داخل المجلس إلى تغذية تكهنات بشأن احتمال حدوث تحول جوهري في بنية السلطة.

اختبار تفاوضي حاسم

تواجه القيادة الآن اختباراً صعباً في المفاوضات مع الولايات المتحدة، مع بروز أسئلة قد تكون مثيرة للانقسام حول مدى الاستعداد لتقديم تنازلات. وتطالب واشنطن إيران بتقديم تنازلات كبيرة لضمان عدم قدرتها على تطوير سلاح نووي، فيما تؤكد طهران أن برنامجها سلمي وتصر على حقها في تخصيب اليورانيوم.

وفي مقابلة مع التلفزيون الرسمي الإيراني، الأحد، قال قاليباف إن إيران تسعى إلى اتفاق شامل يحقق «سلاماً دائماً» يمنع تكرار الهجمات الأميركية.

وأضاف: «يجب قطع هذه الحلقة الخطيرة»؛ في إشارة إلى الضربات الأميركية التي استهدفت إيران خلال فترات التفاوض، مرة خلال حرب الأيام الـ12 في يونيو (حزيران)، ومرة أخرى خلال النزاع الحالي.

وأعرب أعضاء المجلس عن ثقتهم بأن إيران تمسك بزمام المبادرة حالياً، خصوصاً في ظل سيطرتها على مضيق هرمز، ما يمنحها القدرة على التأثير في أسعار الطاقة وفرض ضغوط سياسية.

وأكد مسؤولون أنهم قادرون على الصمود للحصول على ضمانات بعدم التعرض لهجمات جديدة، حتى مع خطر استئناف الحرب، معتبرين أن إيران قادرة على تحمّل الضغوط لفترة أطول من الولايات المتحدة وحلفائها.

صورة نشرتها الخارجية الإيرانية تظهر رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف وإلى جانبه كاظم غريب آبادي نائب وزير الخارجية وخلفهما يقف المتحدث إسماعيل بقائي والنائب أبو الفضل عمويي عضو لجنة الأمن القومي والسياسة الخارجية في البرلمان

لكن في نهاية المطاف، تبقى أولوية القيادة هي البقاء. فالحرب والحصار الأميركي، الذي يهدد تجارة النفط الإيرانية، يضغطان على اقتصاد البلاد المتدهور.

وقد أسهمت الأوضاع الاقتصادية الصعبة في اندلاع موجات من الاحتجاجات خلال العقدين الماضيين، بما في ذلك احتجاجات دعت إلى إسقاط النظام. وقد يساعد التوصل إلى اتفاق مع الغرب ورفع العقوبات في الحفاظ على الاستقرار الداخلي.

مؤشرات على الخلاف

وأشارت تطورات عطلة نهاية الأسبوع في مضيق هرمز إلى وجود خلافات بشأن حجم التنازلات في المفاوضات. فقد ظل الانخراط مع واشنطن محل انقسام داخل النخبة الإيرانية، رغم انعدام الثقة العميق تجاه الولايات المتحدة.

وفي يوم الجمعة، أعلن وزير الخارجية عباس عراقجي أن إيران ستفتح المضيق أمام الملاحة التجارية في إطار وقف إطلاق النار. وبعد ساعات، أكد ترمب أن الولايات المتحدة ستواصل الحصار للضغط على طهران.

وفي صباح السبت، أعلن الجيش الإيراني إعادة إغلاق المضيق رداً على الحصار.

وانتقدت بعض وسائل الإعلام الإيرانية تصريحات عراقجي، معتبرة أنها أعطت انطباعاً بالضعف، وكشفت عن تباين المواقف داخل النظام. وذكر تقرير لوكالة «تسنيم» التابعة لـ«الحرس الثوري» أن الموقف بشأن المضيق كان ينبغي أن يصدر عن المجلس الأعلى للأمن القومي.

ورد مكتب عراقجي بأن وزارة الخارجية «لا تتخذ أي إجراء دون التنسيق مع الجهات العليا». في مقابلة لاحقة، شدد قاليباف على أن جميع مكونات القيادة متفقة على استراتيجية التفاوض مع الولايات المتحدة.

وسيط محتمل

ويُنظر إلى قاليباف على أنه يمتلك موقعاً يسمح له بجسر الفجوات بين الأجنحة المختلفة داخل النظام. فهو جنرال سابق في «الحرس الثوري» وقائد سابق للشرطة، وحافظ على علاقات وثيقة مع المؤسسة العسكرية طوال مسيرته السياسية.

وخلال توليه رئاسة بلدية طهران بين 2005 و2017، اكتسب سمعة كونه مسؤولاً عملياً قادراً على تنفيذ المشاريع، رغم اتهامات بالفساد وانتهاكات حقوقية.

وكتب علي ربيعي، وهو إصلاحي بارز ومساعد للرئيس، في مقال صحافي أن قاليباف يمثل «الدولة والنظام».

وفي الوقت نفسه، يتمتع قاليباف بعلاقات وثيقة مع عائلة خامنئي، إذ يتحدر الطرفان من مدينة مشهد. وقال محسن سازغارا، أحد مؤسسي «الحرس الثوري» سابقاً والمعارض الحالي، إن مجتبى خامنئي دعم محاولات قاليباف المتكررة غير الناجحة للوصول إلى الرئاسة خلال فترة حكم والده.

كما يحتفظ قاليباف بعلاقات قوية مع القيادات الجديدة في «الحرس الثوري» التي خلفت القادة الذين قُتلوا، والتي يُنظر إليها على أنها تمسك بمفاتيح أي اتفاق مستقبلي مع الولايات المتحدة. وقد يتيح له هذا الدعم العابر للتيارات ضمان تأييد داخلي لأي اتفاق، في مواجهة معارضة محتملة من المتشددين الرافضين لتقديم تنازلات.


إسرائيل «تفضل» استئناف القتال على اتفاق إيراني - أميركي

إيرانيان يمران أمام لوحة جدارية مناهضة للولايات المتحدة وإسرائيل في طهران (أ.ف.ب)
إيرانيان يمران أمام لوحة جدارية مناهضة للولايات المتحدة وإسرائيل في طهران (أ.ف.ب)
TT

إسرائيل «تفضل» استئناف القتال على اتفاق إيراني - أميركي

إيرانيان يمران أمام لوحة جدارية مناهضة للولايات المتحدة وإسرائيل في طهران (أ.ف.ب)
إيرانيان يمران أمام لوحة جدارية مناهضة للولايات المتحدة وإسرائيل في طهران (أ.ف.ب)

في الوقت الذي أعلن فيه رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، الثلاثاء، أن الحرب على إيران جاءت لمنعها من تنفيذ مخططها لإبادة إسرائيل، قال كبير مستشاريه السابق، مئير بن شبات، إن «استئناف القتال، أو تفجر المحادثات، أفضل من أي اتفاق».

وعمل بن شبات مستشاراً للأمن القومي في الحكومة الإسرائيلية، وكان يوصف بـ«رجل المهام الخاصة» عند نتنياهو، كما تولى دور مبعوثه إلى الدول العربية والغربية.

وجاءت تصريحات بن شبات، التي نقلتها صحيفة «هآرتس»، في ظل انطباع يسود لدى مراقبين بأن الحكومة الإسرائيلية لا ترى أن إيران جادة في المفاوضات مع الولايات المتحدة، وأنها تبذل ما في وسعها لكسب الوقت والتوصل إلى اتفاق سيئ، ولذا؛ فإنه «من الأفضل استئناف الحرب».

كيف سينتهي الصراع؟

وقال بن شبات، الذي ما زال يحافظ على علاقات وثيقة بنتنياهو، إنه «من الصعب تخمين كيف ستنتهي هذه المرحلة من الصراع، وقبل نهاية الهدنة. لكن ثمة احتمالات متباينة: الوصول إلى اتفاق، أو تمديد وقف النار، أو استئناف القتال».

وأشار بن شبات إلى أن «تصعيد الخطاب، وتعزيز القوات العسكرية، وحتى خطوات استخدام القوة في مضيق هرمز، لا تؤشر بالضرورة إلى الاتجاه المتوقع؛ لأن الرغبة الأساسية لدى الطرفين هي تسوية تنهي الحرب، وهذه الخطوات يمكنها أن تكون جزءاً من الضغوط للتأثير على شكل النهاية وسرديتها».

لكن بن شبات حث إسرائيل على الاستعداد لإمكانية استئناف القتال، خصوصاً بعد التصريحات الإيرانية بشأن «قدرات إطلاق الصواريخ التي تبقت لدى النظام». وأضاف أنه «إذا ما نفذ الرئيس (الأميركي) دونالد ترمب تهديداته، فإن الهجوم على إيران لن يكون بهدف توسيع بنك الأهداف، بل لتغيير غاية الحرب، بالانتقال من ضرب القدرات العسكرية والأهداف السلطوية إلى ضرب قدرة أداء الدولة وظائفها».

وبهذا يشير بن شبات إلى «ضرب شبكة الكهرباء، والبنى التحتية للطاقة، والجسور المركزية ومحاور حركة السير الحرجة؛ مما سيؤدي إلى شلل إيران بوصفها منظومة دولة؛ لفترة ما على الأقل».

رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو خلال مؤتمر صحافي في القدس يوم 19 مارس 2026 (أ.ف.ب)

الغضب الداخلي

وبشأن الوضع الداخلي الذي سينشأ في إيران، افترض بن شبات أنه في المدى الفوري ستؤدي مثل هذه الخطوة أيضاً إلى آثار سلبية، «مثل توجيه غضب جزء من المواطنين الإيرانيين إلى الولايات المتحدة. لكن في الميزان العام وفي الأيام التالية بعد ذلك ستشهد إيران تراجعاً عميقاً في الشرعية الداخلية للنظام، وتصدعات في وحدتها، ومصاعب في أدائها. كل هذا سيعطي معارضيه الضوء الأخضر للخروج إلى الشوارع».

مع ذلك، ثمة «سيناريوهات أخرى سيئة»، من بينها، وفق بن شبات، أن «تمديد وقف النار سيخدم إيران التي تدرك جيداً حساسية إدارة ترمب تجاه عامل الزمن، وترى في ذلك رافعة ضغط لتحسين الإنجازات في المفاوضات».

كما أن الوصول إلى اتفاق «يحمل في طياته أخطاراً؛ بسبب الملف النووي ونظام الصواريخ والرقابة عليهما، وأكثر من ذلك؛ تحريرَ الأموال الإيرانية التي جمدتها العقوبات».

وتكشف تقارير صحافية عن أن الولايات المتحدة عرضت في إطار المفاوضات إقامة صندوق مساعدة لإيران بمبلغ 250 مليار دولار، لكن التقدير الإسرائيلي يشير إلى أن «هذه الطريقة لن تغير طموحات النظام، بل فقط تعزز لديه فهم أنه ملزم بالحصول على سلاح نووي كي يضمن وجوده».

صورة نشرها التلفزيون الرسمي من اجتماع الوفد الإيراني على هامش محادثات باكستان

أدوار مجتبى خامنئي

يختتم بن شبات قائلاً: «من زاوية نظر إسرائيل - إذا ما سارت الأمور بهذا الاتجاه - فمن الأفضل أن ينتهي الفصل الحالي (دون اتفاق ودون حرب)». لكن المحرر العسكري في صحيفة «هآرتس»، عاموس هرئيل، يرى أن «نتنياهو يتنبأ بأن المحادثات الأميركية - الإيرانية ستفشل، وأن الطرفين سيعودان إلى الحرب. وهذا ما يعدّه النتيجة المفضلة».

ولمح هرئيل إلى أن نتنياهو يستند في موقفه إلى الارتباك داخل القيادة الإيرانية، مع ظهور علامات على نزاعات متصاعدة بين مختلف المعسكرات في القيادة الإيرانية.

ويبدو أن المرشد الإيراني الجديد، مجتبى خامنئي، ما زال يمارس بعض مهامه بعد إصابته خلال العملية الإسرائيلية التي أسفرت عن مقتل والده علي خامنئي في 28 فبراير (شباط) الماضي، وهو اليوم الذي بدأت فيه الحرب، فيما ترجح تقارير صحافية أن علاقاته بأعضاء القيادة الآخرين ضعيفة؛ ربما بسبب اختفائه، وهذا يؤثر على عملية اتخاذ القرارات.

ويميل مراقبون إلى الاعتقاد أن قيادة «الحرس الثوري» مترددة في استئناف المفاوضات مع الولايات المتحدة، «في حين يرغب السياسيون المدنيون في إيران استمرارَها؛ ولو من أجل تأجيل هجوم أميركي - إسرائيلي جديد».