جمعية الأمم المتحدة للبيئة ترسم مساراً لمستقبل مستدام

تغيُّر المناخ وفقدان التنوُّع البيولوجي والتلوُّث... أهم تحدياتها

جانب من جلسة مجموعة النقاش الأولى (ENB)
جانب من جلسة مجموعة النقاش الأولى (ENB)
TT

جمعية الأمم المتحدة للبيئة ترسم مساراً لمستقبل مستدام

جانب من جلسة مجموعة النقاش الأولى (ENB)
جانب من جلسة مجموعة النقاش الأولى (ENB)

اختتمت الدورة السادسة لجمعية الأمم المتحدة للبيئة (UNEA-6) أول من أمس اجتماعاتها في المقر الرئيسي لبرنامج الأمم المتحدة للبيئة (يونيب) في نيروبي، حيث ضمّت ممثّلين عن مجمل الدول الأعضاء في الأمم المتحدة. وحضر عدد غير مسبوق من المندوبين تجاوز الخمسة آلاف من 193 بلداً. وباعتبارها أعلى هيئة لصنع القرار البيئي في العالم، ركّزت الجمعية على تحقيق التوافق حول إجراءات فعّالة وشاملة ومستدامة، لمعالجة التحدي الثُّلاثي الأبعاد، المتمثل في تغيُّر المناخ وفقدان التنوُّع البيولوجي والتلوُّث. ولحَظت في قراراتها مجموعة من القضايا البيئية الشائكة، بما فيها الحلول القائمة على الطبيعة وتدهور الأراضي والجفاف والعواصف الرملية والغبارية والمبيدات الحشرية الشديدة الخطورة، إلى جانب الإجراءات العملية لتنفيذ تدابير الحدّ من التلوُّث بالبلاستيك. واستقطبت المعاهدات البيئية الدولية نقاشات حادة، خاصة تلك المعنية بتغيُّر المناخ والتصحر والتنوُّع البيولوجي والنفايات الخطرة. فللمرة الأولى يُطرَح موضوع وضع آلية لتعزيز التنسيق بينها، في إطار دور أكبر لجمعية الأمم المتحدة للبيئة. وقد تخوّفت الأمانات العامة لهذه المعاهدات من أن تخسر بعضاً من استقلاليتها إذا تنازلت عن جزء من صلاحياتها. لكن التسوية الوسطية كانت الغالب في النهاية.

رئيسة الدورة السادسة الوزيرة المغربية ليلى بنعلي تُعلن المصادقة على جدول الأعمال (ENB)

تقييم ورؤية استشرافية

لم تكن اجتماعات نيروبي لتقييم التقدم المُنجَز فقط وإنما أيضاً لصياغة مستقبل العمل البيئي. وقد نظر ممثّلو الدول والمنظمات الدولية والمجموعات الرئيسية في التقارير المتعلقة بتنفيذ القرارات السابقة، بما في ذلك متابعة وضع اتفاق مُلزم قانوناً لإنهاء التلوُّث البلاستيكي بموجب القرار الذي اتخذته جمعية الأمم المتحدة للبيئة قبل سنتين. وكان هذا النهج بمثابة شهادة على التزام الجمعية بالبناء على التعهدات السابقة وضمان التقدم المستمر في القضايا البيئية الحاسمة.

وتُعد جمعية الأمم المتحدة للبيئة، التي تنعقد دورياً كل سنتين، بمثابة منصة حيوية لتعزيز التعاون الدولي عبر المناقشات والمداخلات المتعلقة بالسياسات البيئية الدولية الفعالة وهياكل الإدارة. وقد تمّت مراجعة المقترحات الخاصة بهذه السياسات في البداية من قِبل اللجنة المفتوحة العضوية للممثّلين الدائمين للدول، قبل تقديمها إلى الجمعية، بحيث تعكس إجماعاً عالمياً بشأن التوجهات المستقبلية. ومنذ تأسيسه عام 1972 حتى 2014، كانت السلطة العليا لبرنامج الأمم المتحدة للبيئة (يونيب) بيد «المجلس الحاكم»، المؤلف من 58 دولة تنتخبها الجمعية العمومية للأمم المتحدة دورياً. وكان إقرار التحوُّل من «مجلس حاكم» إلى «جمعية البيئة» عام 2014 بمثابة تسوية أعقبت مطالبات بالتحوُّل من «برنامج» إلى منظمة دولية مستقلة. لكن رغم التحوُّل من مجلس حاكم إلى جمعية عامة تضم جميع الدول، ما زال «يونيب» تحت سلطة الأمانة العامة للأمم المتحدة.

وفي هذه السنة، ناقشت الجمعية نحو 20 قضية تخصّ العمل البيئي المشترك عبر خمس مجموعات عمل. وكانت حصّة مجموعة العمل الأولى قضايا المبيدات الحشرية الشديدة الخطورة، والإدارة السليمة للمواد الكيميائية والنفايات، وتعزيز التعاون الإقليمي بشأن تلوُّث الهواء لتحسين نوعيته على مستوى العالم، ومكافحة العواصف الرملية والترابية، وتعديل الإشعاع الشمسي لضمان موثوقية وشفافية مبادرات هندسة تغيُّر المناخ.

وبرزت النقاشات حول قرار يخص تلوُّث الهواء، الذي يتسبب بنحو سبعة ملايين وفاة حول العالم سنوياً، اعتماداً على وثيقة اقترحتها الولايات المتحدة. وتدعو الوثيقة الدول الأعضاء لاتخاذ إجراءات مختلفة لتحسين نوعية الهواء، مثل وضع المعايير الوطنية، وزيادة الوعي، والعمل مع القطاع الخاص، وتبادل الخبرات. وتقترح تشكيل شبكة تعاون عالمية للتعاون الإقليمي في مجال نوعية الهواء مع الدول الأعضاء والشركاء ومنظمات التمويل، وتنفيذ عدة إجراءات لدعم الشبكة.

مظاهرة للمجتمع المدني على أبواب المؤتمر تربط بين وقف الحرب والإبادة في غزة وحماية البيئة (ENB)

واستندت الوثيقة الخاصة بمكافحة العواصف الرملية والترابية، التي قدمتها إيران، إلى قرارات سابقة لجمعية الأمم المتحدة للبيئة عدّت هذا النوع من العواصف تحدياً خطيراً للتنمية المستدامة، ودعت إلى العمل المنسّق والتعاون بين أصحاب المصلحة المعنيين. وتطلب الوثيقة من المدير التنفيذي لبرنامج الأمم المتحدة للبيئة (يونيب) دعم الدول الأعضاء والشركاء الآخرين في التصدي لتحديات العواصف الرملية والترابية من خلال تحديد فجوات البيانات والمعلومات، وأنشطة زيادة الوعي، والسياسات والتدابير الأخرى. كما تدعو الوثيقة الدول الأعضاء إلى تبادل أفضل الممارسات والمعارف، وتعزيز التعاون، وإعداد وتنفيذ البرامج وخطط العمل، ومعالجة العواصف الرملية والترابية من خلال التدخلات المتكاملة.

أما القضايا على جدول أعمال المجموعة الثانية فشملت تعزيز الجهود الدولية لوقف تدهور الأراضي واستصلاح الأراضي المتدهورة وزيادة قدرة النظم الإيكولوجية والمجتمعات المحلية على مواجهة الجفاف، وتطوير المعايير والقواعد والمقاييس والمبادئ التوجيهية لتنفيذ الحلول القائمة على الطبيعة لدعم التنمية المستدامة، وتعزيز إدارة المحيطات والبحار لمعالجة تغيُّر المناخ وفقدان التنوُّع البيولوجي البحري والتلوُّث، وتنفيذ حلول فعالة وشاملة لتعزيز سياسات المياه لتحقيق التنمية المستدامة في سياق تغيُّر المناخ وفقدان التنوُّع البيولوجي والتلوُّث.

وتحثّ الوثيقة الخاصة بمكافحة التصحر وتدهور الأراضي والجفاف، التي بادرت لاقتراحها السعودية، الدول الأعضاء على تنفيذ سياسات وبرامج لمكافحة التصحر، ووقف تدهور الأراضي، واستعادة الأراضي المتدهورة، وتعزيز الإدارة المستدامة للأراضي، والمساهمة في تحييد تدهور الأراضي، وتعزيز القدرة على التكيُّف مع الجفاف. وتطلب الوثيقة من المدير التنفيذي تيسير تبادل المعرفة والبيانات والموارد، وتعزيز التعاون والتآزر في إطار اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة التصحر.

جانب من الجلسة الختامية لجمعية الأمم المتحدة العمومية للبيئة في نيروبي مساء الجمعة (ENB)

ولحظت قضايا المجموعة الثالثة دعم العمل الوطني لمواجهة التحديات البيئية من خلال زيادة التعاون بين جمعية الأمم المتحدة للبيئة وبرنامج الأمم المتحدة للبيئة (يونيب) والاتفاقات البيئية المتعددة الأطراف، وتعزيز دور واستمرارية المنتديات الوزارية البيئية الإقليمية والمكاتب الإقليمية في تحقيق التعاون المتعدد الأطراف في التصدي للتحديات البيئية، وتعزيز النهج التآزري لمعالجة الأزمات العالمية المترابطة المتمثّلة في تغيُّر المناخ وفقدان التنوُّع البيولوجي والتلوُّث، إلى جانب دعم التنمية المستدامة، وإجراءات متعددة الأطراف فعالة وشاملة ومستدامة لتحقيق العدالة المناخية.

وشملت قضايا المجموعة الرابعة تكثيف الجهود لتسريع التحوُّل محلياً وإقليمياً وعالمياً إلى الاقتصادات الدائرية، والجوانب البيئية للمعادن والفلزات، والمساعدة البيئية والتعافي في المناطق المتضررة من النزاعات المسلحة، والتغييرات السلوكية نحو أنماط الحياة المستدامة، ودائرية صناعة قصب السكر المرنة والمنخفضة الكربون. فيما ضمّت قضايا المجموعة الخامسة تعديلات على وثيقة إنشاء صندوق البيئة العالمي المُعاد هيكلته، وجدول الأعمال المؤقت وموعد ومكان انعقاد الدورة السابعة لجمعية الأمم المتحدة للبيئة، وإدارة الصناديق الائتمانية والمساهمات المخصصة.

مقاربة متعددة الأوجه

إلى جانب مناقشات السياسات، قامت الدورة السادسة لجمعية الأمم المتحدة للبيئة بتيسير الحوار والمشاركة في مسائل التعاون الأخرى، ما يدل على التزامها بنهج متعدد الأوجه للعمل البيئي. واستعرضت الجمعية خطة عمل برنامج الأمم المتحدة للبيئة (يونيب) وميزانيته، لضمان توافق موارد المنظمة مع التحديات البيئية الأكثر إلحاحاً.

وإدراكاً لأهمية الشمولية والمسؤولية المشتركة لمعالجة الأزمة الكوكبية الثُّلاثية الأوجه، المتمثّلة بتغيُّر المناخ وخسارة الطبيعة والتنوُّع الحيوي والتلوُّث، استضافت الدورة السادسة لجمعية الأمم المتحدة للبيئة حوارات مخصصة تتناول المسائل الحاسمة بهدف عقد محادثات مثمرة واستكشاف الحلول المحتملة لبعض التحديات البيئية الأكثر إلحاحاً في عصرنا. وناقش الخبراء وأصحاب المصلحة فعالية العِلم والبيانات والتحوُّل الرقمي في تسريع عملية الانتقال إلى مستقبل أكثر استدامة.

كما استكشف الخبراء دور النظام المالي العالمي في المعالجة الفعالة لتغيُّر المناخ وفقدان التنوُّع البيولوجي والتلوُّث، مع تسليط الضوء على الحاجة إلى آليات مالية مبتكرة لدعم العمل البيئي. وجرَت هذه الحوارات بأسلوب نقدي لتقييم أثر التشاركية البيئية في معالجة الأزمة الكوكبية الثُلاثية، وذلك بهدف الوصول إلى آلية لتعزيز التعاون الدولي وتسريع التقدم.

وركّز الحوار بين أصحاب المصلحة المختلفين على تعزيز التعددية التي لا تهمل أحداً، مع تسليط الضوء على الدور الحيوي للمجموعات الرئيسية وأصحاب المصلحة، من مجتمع مدني وأكاديمي وقطاع خاص وسكان أصليين، في التوصل إلى حلول فعالة وفي الوقت المناسب. ومن خلال الجمع بين وجهات نظر وخبرات متنوعة، شددت الدورة السادسة لجمعية الأمم المتحدة للبيئة على أهمية العمل التعاوني والمسؤولية المشتركة في التصدي للتحديات العالمية المعقدة.

ويعكس الإعلان الوزاري في ختام الدورة السادسة لجمعية الأمم المتحدة للبيئة اتفاقاً على الخطوط العريضة للقضايا التي جرت مناقشتها، مع الإقرار بأهمية التنمية كأولوية والأخذ بعين الاعتبار منفعة الجميع. ويؤكد الإعلان إقرار إجراءات مشتركة تخصّ تغيُّر المناخ، وفقدان التنوُّع البيولوجي، وتدهور الأراضي، والتصحر والجفاف، وخسارة الغابات، والتحوُّل العادل والمستدام نحو الطاقة النظيفة، والإدارة المستدامة للمعادن والفلزات، والتلوُّث البلاستيكي، وتلوُّث الماء والهواء، وإدارة المواد الكيميائية، وإدارة مخاطر الكوارث، وتمكين الجميع من المشاركة في صنع القرار البيئي.

ويؤكد الإعلان على الاستفادة من التحوُّلات الرقمية كأداة تمكينية لدعم الاقتصادات والمجتمعات المستدامة، من خلال سدّ الفجوات الرقمية الحالية، وتحسين البحث والابتكار والمساواة في الوصول إلى المعلومات البيئية وتسخير التقنيات الناشئة ومراقبة كيفية تطورها من أجل الاستدامة، مع ضمان أن تظل الرقمنة شاملة ومنصفة ومستدامة.

وتقدِّم المناقشات والقرارات وأوجه التعاون الرئيسية التي أقرّتها الدورة السادسة خريطة طريق قيّمة لمعالجة التحديات البيئية الملحّة التي تواجه كوكبنا. فنجاح الجمعية لا يكمن في القرارات المتخذة فحسب، بل أيضاً في روح التعاون الدولي المتجددة التي عززتها. ومن خلال تعزيز التعاون الدولي والعمل الجماعي، يمكن بناء مستقبل أفضل يوفّر متطلبات الأجيال القادمة ويضمن سلامة الكوكب.


مقالات ذات صلة

علماء يكتشفون سر مصيدة نبتة «فينوس» التي تفترس الحشرات

بيئة حشرة (بلوس وان)

علماء يكتشفون سر مصيدة نبتة «فينوس» التي تفترس الحشرات

ما أتعس الحشرة ‌التي تختار الوقوف على نبتة «فينوس» صائدة الحشرات؛ لأنها سرعان ما تتحول إلى وليمة شهية تتغذى عليها النبتة لأيام!

«الشرق الأوسط» (لندن)
يوميات الشرق تم إطلاق أكثر من 10 آلاف كائن فطري إلى بيئاتها الطبيعية (المركز الوطني لتنمية الحياة الفطرية)

تشمل الطائف وثادق... تأهيل وجهات سعودية لاكتشاف الحياة الفطرية والتنوع الأحيائي

كشف المركز الوطني لتنمية الحياة الفطرية في السعودية عدداً من الفرص والوجهات السياحية المرتبطة بالحياة الفطرية والتنوع الأحيائي.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
يوميات الشرق تسجيل ولادة أول مُهر للحمار البري الآسيوي على أرض المملكة منذ أكثر من 100 عام (واس)

السعودية تسجل ولادة أحد أندر الحيوانات في العالم

نجحت جهود الحماية الفطرية في تسجيل ولادة أول مهر للحمار البري الآسيوي على أرض المملكة منذ أكثر من 100 عام، في مؤشر لعودة كائن غاب عن صحاري الجزيرة العربية.

«الشرق الأوسط» (تبوك)
يوميات الشرق مستعمرات النحل داخل منحل واحة الرياض (تركي العقيلي) p-circle 02:10

العسل يحلي «واحة الرياض»... تجارب حية تكشف أسرار الشهد الأصفر

نظمت «واحة الرياض» في شارع التحلية فعالية «تعرف على النحل»، وذلك ضمن برامجها الأسبوعية الثابتة التي تهدف إلى تعزيز الوعي البيئي، والتعرف على أهمية النحل.

فاطمة القحطاني (الرياض)
بيئة غابة محترقة جرّاء ارتفاع درجات الحرارة في مدينة قادس الإسبانية (أ.ف.ب)

نباتات مهددة بالانقراض بسبب تغيُّر المناخ

يرى خبراء أن بعض النباتات التي تضفي ‌لمسات مميزة على المناظر الطبيعية المألوفة يحتمل أن تختفي بحلول نهاية القرن.

«الشرق الأوسط» (كاليفورنيا)

علماء يكتشفون سر مصيدة نبتة «فينوس» التي تفترس الحشرات

حشرة (بلوس وان)
حشرة (بلوس وان)
TT

علماء يكتشفون سر مصيدة نبتة «فينوس» التي تفترس الحشرات

حشرة (بلوس وان)
حشرة (بلوس وان)

ما أتعس الحشرة التي تختار الوقوف على نبتة «فينوس» صائدة الحشرات؛ لأنها سرعان ما تتحول إلى وليمة شهية تتغذى عليها النبتة لأيام!

فعندما يدفعها حظها العاثر لملامسة تراكيب شبيهة بالشعيرات على جسم هذا النبات العجيب، سرعان ما يطبق عليها بأوراق تشبه الفك المفترس، ثم يفرز أنزيمات تساعده على الهضم.

وتمكن العلماء الآن من كشف الآلية الفيزيائية الكامنة وراء إطباق النبات أوراقه على الحشرات.

وقال باحثون إن التجارب أظهرت أن انغلاق مصيدة نبتة «فينوس» يبدأ بتليين سريع يحدث في جدران الخلايا في الطبقة الخارجية للمصيدة، وهي عبارة عن ورقة متحورة بدرجة كبيرة وممتدة في شكل فصين يشبهان فكين تبرز منهما أسنان.

وعلى مدى أكثر من قرن، كانت الفرضية السائدة تفيد بأن انغلاق المصيدة يحدث بفعل إعادة توزيع سريعة للماء داخل الورقة؛ إذ ينتقل الماء بين الخلايا مسبباً انتفاخاً في أحد جانبَي الورقة. لكن البحث الجديد يشير إلى آلية بيولوجية مختلفة.

وقال الفيزيائي يوئيل فورتير، من المركز الوطني الفرنسي للبحث العلمي (سي إن آر إس) وجامعة إيكس مارسيليا، وهو المؤلف الرئيسي للدراسة التي نُشرت الخميس في مجلة «ساينس»: «أحد أشهر النباتات في العالم لا يزال قادراً على إدهاشنا. فبعد أكثر من قرن من البحث، ما زلنا نكتشف أشياء جديدة جوهرية حول طريقة عمله». وينمو هذا النبات الصغير المفترس في منطقة محدودة من ولايتَي نورث كارولاينا وساوث كارولاينا في الولايات المتحدة. وكغيره من النباتات المفترسة التي تتغذى على اللحوم، ينمو النبات في بيئات فقيرة محرومة من العناصر الغذائية، ويعوض ذلك باصطياد الحشرات وهضمها.

وفي تجارب أُجريت في مرسيليا، استخدم الباحثون أدوات من بينها تقنية التصوير عالي السرعة وتطبيق القياسات الميكانيكية للطبقة الخارجية للنبات. كما أجروا قياسات لانتقال الماء داخل أنسجة النبات من أجل استبعاد كونه سبباً مؤثراً في عملية انغلاق المصيدة.

وقال فورتير: «تستخدم النبتة شعيرات حساسة متخصصة على السطح الداخلي للمصيدة. عندما تلمس الحشرة هذه الشعيرات مرتين خلال فترة زمنية قصيرة، تحدث عملية الانغلاق. ويمكن أن يحدث الانغلاق في غضون بضعة أجزاء من الثانية».

وأضاف: «تفترض نظريتنا أن المصيدة تكون مشدودة ميكانيكياً مسبقاً، تماماً مثل الملف المعدني (الزنبرك). وعند تحفيز المصيدة، تلين جدران خلايا الطبقة الخارجية بسرعة بنسبة تتراوح بين 30 و40 بالمائة تقريباً، مما يعني أن جدار الخلية يصبح أكثر مرونة. من شأن ذلك أن يحرر الضغوط الداخلية المخزنة في الأنسجة، مما يؤدي إلى انحناء المصيدة وحدوث الانغلاق. ويحدث هذا التليين في غضون ثانية واحدة تقريباً».

وبمجرد أن تنغلق المصيدة، تُحتجز الحشرة في الداخل لتبدأ عملية هضمها. وبعد أن تمتص النبتة السائل الغني بالعناصر الغذائية الناتج عن عملية الهضم، يُعاد فتح المصيدة من جديد.


علماء يفتشون في ذاكرة نهر الفرات بالمسوح الزلزالية ويتعرفون على أصوله القديمة

صورة من الأعلى لمرور نهر الفرات في مدينة النجف جنوب العراق (رويترز)
صورة من الأعلى لمرور نهر الفرات في مدينة النجف جنوب العراق (رويترز)
TT

علماء يفتشون في ذاكرة نهر الفرات بالمسوح الزلزالية ويتعرفون على أصوله القديمة

صورة من الأعلى لمرور نهر الفرات في مدينة النجف جنوب العراق (رويترز)
صورة من الأعلى لمرور نهر الفرات في مدينة النجف جنوب العراق (رويترز)

كانت مياه الفرات تغذي أوروك، أول مدينة كبرى في العالم ومهد اللغة المكتوبة، وكذلك بابل، أعظم مدن بلاد ما بين النهرين القديمة.

وكان السهل الخصب الواقع بين الفرات وجاره ورفيقه في رحلة أبدية، نهر دجلة، مهداً لواحدة من أعرق الحضارات البشرية.

وبالرجوع إلى الزمن السحيق، لأبعد بكثير من عصر هذه المراكز الحضرية العظيمة التي نشأت قبل آلاف السنين، تمكن باحثون من فك الشفرة ومعرفة السر وراء تشكل نهر الفرات لأول مرة.

واستناداً إلى صور زلزالية لرواسب مدفونة وبيانات أخرى، قالوا إن نهر الفرات ظهر إلى الوجود على ما يبدو منذ ما بين 3.6 مليون و1.6 مليون سنة عندما اندمج نظامان نهريان سابقان بسبب النشاط التكتوني في جبال طوروس بجنوب تركيا حالياً. ونهر الفرات هو أطول نهر في جنوب غربي آسيا ويمتد لنحو 2800 كيلومتر، إذ ينبع من تركيا، ويتدفق عبر سوريا والعراق قبل أن يصب في الخليج. وتشمل المدن الحالية على ضفاف نهر الفرات بيرجيك في تركيا والرقة في سوريا والرمادي والفلوجة والناصرية في العراق. ومن بين المدن القديمة على نهر الفرات أيضاً أور وماري.

غروب الشمس فوق نهر الفرات في الرقة شرقي سوريا، 30 أكتوبر 2013. (رويترز)

ورغم أن نهر الفرات شكل المنطقة جيولوجيا لمدة طويلة، فإن توقيت تشكله وتطور مساره الحالي ظل غامضاً. وقال الباحثون إن فك شفرة تاريخ النهر شيء ملهم لفهم المعالم البارزة في الثقافة البشرية في مجالات الزراعة والكتابة والتنمية الحضرية وغيرها من المجالات التي شهدتها سهوله الفيضية.

صياد يلقي شباكه في نهر الفرات بالفلوجة غربي بغداد، 2 مايو 2008. (رويترز)

واكتشف علماء جيولوجيا باستخدام بيانات المسوح الزلزالية تحت سطح الأرض، خلال محاولتهم تحديد احتياطيات الغاز المحتملة تحت البحر المتوسط، ملامح لتضاريس مدفونة تشبه القنوات، وتعود إلى أكثر من 5 ملايين عام مضت عندما جفت أجزاء كبيرة من البحر، وهو حدث يعرف باسم «أزمة الملوحة الميسينية». وخلصوا إلى أن نهرين منفصلين، وهما سلفا نهري قره صو ومراد الموجودين حالياً في تركيا، كانا يتدفقان عبر منطقة تمتد بين تركيا وسوريا، ويصبان في حوض البحر المتوسط.

قارب صيد على ضفاف أحد فروع نهر الفرات في ضواحي الحلة وسط العراق (أ.ف.ب)

ويعتقد العلماء أن النشاط التكتوني في هذه المنطقة المعرضة للزلازل تسبب في تحويل مسار سلف نهر مراد نحو الخليج، بينما انضم إليه لاحقاً سلف نهر قره صو، وقالوا إن هذا شكّل نظاماً نهرياً واحداً قوياً وهو نهر الفرات.

وكانت إحدى الأدوات الرئيسية التي استخدمها العلماء هي التصوير الزلزالي، وهي تقنية تنشئ خرائط مفصلة ثنائية وثلاثية الأبعاد لباطن الأرض من خلال تسجيل كيفية انتقال الموجات الصوتية عبر طبقات الصخور الجوفية وارتدادها عنها. ومن خلال هذا التصوير الزلزالي، تمكنوا من اكتشاف ملامح قنوات نهرية قديمة تختفي تحت قاع البحر.

وقال سيمون لانج الجيولوجي بجامعة وسترن أستراليا الذي ساعد في الدراسة المنشورة بدورية «نيتشر جيوساينس» برفقة الجيولوجي آندرو مادوف من شيفرون: «هذه التقنية تعادل استخدام الموجات فوق الصوتية لتصوير التفاصيل الدقيقة لجنين في طور النمو، أو لركبة مصابة بالتهاب في المفاصل، لكن في هذه الحالة نستخدمها لتصوير (عناصر) الحصى والرمال والطين والحجر الجيري والملح المدفونة التي تعرضت للضغط، وتحولت إلى صخور».

سكان يسيرون وسط أراضٍ زراعية غمرتها مياه نهر الفرات قرب دير الزور السورية، 29 مايو 2026. (أسوشيتد برس)

وتوصل العلماء، من خلال صنع نماذج للمعالم الجوفية، إلى أن هذين النهرين القديمين كانا يتمتعان بمعدلات تدفق تفوق معدلات تدفق أنهار النيل ودجلة والفرات في العصر الحديث.

وبالرجوع إلى الوراء، تتبع العلماء مسار النهرين القديمين إلى الأراضي التركية. ومن خلال فحص البيانات الجيولوجية من الرواسب في الوديان ورواسب الفحم التي ارتفعت الآن لتشكل جبال طوروس، توصلوا إلى أن نهري قره صو ومراد الحاليين كانا على الأرجح المصدرين الأصليين لتلك القنوات المدفونة.

وقال لانج: «لكن بطريقة ما انقطعا عن وديانهما الغربية السفلية، واندمجا معاً لتشكيل ما يُعْرف اليوم بنهر الفرات. وتلك الطريقة هي، بالطبع، النشاط التكتوني عبر شرق الأناضول».

وأضاف: «اليوم، تتحد مياه نهري الفرات ودجلة بالقرب من البصرة لتشكل دلتا ضخمة عند مصب الخليج. وغمرت هذه المياه مساحة كبيرة من سهل بلاد ما بين النهرين الذي تطورت فيه الزراعة المبكرة، بما في ذلك المدن المستقلة القديمة، وتطورت الكتابة المسمارية التي كانت حيوية للغاية لتطور البشرية في المراحل المبكرة».

ويمكن أن يتغير مجرى حتى أقوى الأنهار بفعل أحداث جيولوجية قوية. وقال لانج: «كان أكبر نهر على كوكب الأرض، نهر الأمازون، يتدفق غرباً نحو كولومبيا وبيرو حالياً باتجاه ساحل دلتا المحيط الهادي القديم قبل ظهور جبال الأنديز. ومع ارتفاع جبال الأنديز بفعل ارتفاعات ضخمة في القشرة الأرضية، انعكس اتجاه جميع الروافد السابقة على مدى ملايين السنين، والآن يتدفق نهر الأمازون إلى المحيط الأطلسي».


دراسة تقلب المفاهيم: الغذاء الملكي وحده لا يصنع ملكة النحل... تحتاج إلى «قصر»

مستعمرة النحل تبني نوعاً مميزاً من الحجرات مخصصاً للملكات المستقبلية (بكسلز)
مستعمرة النحل تبني نوعاً مميزاً من الحجرات مخصصاً للملكات المستقبلية (بكسلز)
TT

دراسة تقلب المفاهيم: الغذاء الملكي وحده لا يصنع ملكة النحل... تحتاج إلى «قصر»

مستعمرة النحل تبني نوعاً مميزاً من الحجرات مخصصاً للملكات المستقبلية (بكسلز)
مستعمرة النحل تبني نوعاً مميزاً من الحجرات مخصصاً للملكات المستقبلية (بكسلز)

لطالما اعتقد العلماء، على مدى عقود، أن مصير يرقة نحل العسل في أن تصبح ملكة بدلاً من عاملة يتحدد حصراً من خلال تغذيتها على الغذاء الملكي الغني بالعناصر الغذائية، إلا أن دراسة جديدة تُعدّ اختراقاً علمياً تشير إلى أن البيئة الفيزيائية والكيميائية للغرفة التي تنمو فيها اليرقة تؤدي دوراً حاسماً أيضاً في تشكيل الملكة المستقبلية.

«القصر الملكي» لا يقل أهمية عن الغذاء الملكي

أظهرت الدراسة (نُشرت في مجلة «نيتشر» ونقلها موقع «إندي 100») أن الخلية الشمعية الخاصة التي تبنيها العاملات لتربية ملكة جديدة ليست مجرد وعاء سلبي، بل تؤدي وظيفة أساسية في عملية النمو.

وقال كاي وانغ، الباحث في معهد أبحاث تربية النحل التابع للأكاديمية الصينية للعلوم الزراعية أحد قادة الدراسة: «الغذاء الملكي لا يعني شيئاً من دون قصر ملكي».

ويتكوَّن عش نحل العسل عادة من خلايا شمعية سداسية الشكل تفرزها العاملات وتُستخدم لتخزين الغذاء أو تربية الصغار. لكن المستعمرة تبني أيضاً نوعاً ثالثاً مميزاً من الحجرات مخصصاً للملكات المستقبلية. وتُعرف هذه الحجرات لدى مربي النحل بأنها مؤشر على الاستعداد للتطريد أو استبدال الملكة، وتُشبِه في شكلها قشرة الفول السوداني، وتتدلى إلى الأسفل من قرص العسل.

حاضنة ذكية مصممة بعناية

وأوضح وانغ أن هذه الحجرات المتخصصة تمثل «حاضنة ذكية» عالية الهندسة.

وكشفت الدراسة، التي ركزت على نحل العسل الغربي، أن الشمع المستخدَم في بناء الخلايا الملكية يتمتع بخصائص فريدة؛ فهو أكثر ليونة، ويذوب عند درجة حرارة أعلى، كما يطلق «عطراً» كيميائياً مختلفاً.

ويرى الباحثون أن الجدران الأكثر ليونة توفر مساحة كافية لتمدد اليرقة أثناء نموها، في حين قد تعمل الروائح الخاصة بوصفها محفزات هرمونية مهمة.

وأظهرت النتائج أنه حتى عندما تتغذى اليرقات على الغذاء الملكي، فإن تعرضها لشمع الخلايا العادية الخاصة بالعاملات يؤدي إلى تراجع جودة تطورها كملكات وارتفاع معدلات النفوق بشكل ملحوظ.

ويشير ذلك إلى أن «رائحة وملمس» الشمع الملكي عنصران أساسيان لبقاء اليرقة وتحولها إلى ملكة.

الحجرات المتخصصة لملكات النحل تمثل «حاضنة ذكية» عالية الهندسة (بكسلز)

العاملات يتحولن إلى «أفران حية»

كما أظهرت الدراسة أن العاملات المكلفة بناء الخلايا الملكية تخضع لتغيرات لافتة أثناء أداء هذه المهمة؛ فقد تبين أن درجة حرارة منطقة الصدر لديها ترتفع بشكل غير معتاد، كما تتغير أنماط نشاط بعض الجينات لديها.

وقال وانغ: «لصياغة هذا الشمع الخاص الذي يتمتع بدرجة انصهار مرتفعة، يتعين على هذه العاملات الفتيَّة أن تحوّل أجسامها إلى أفران حية صغيرة؛ إذ ترتفع حرارة صدورها إلى أكثر من 39 درجة مئوية، كما لو أنها تعاني من الحمى».

وأوضح أن هذه النحلات لا تنتمي إلى فئة متخصصة دائمة، بل هي «عاملات عادية ومرنة» تتولى دوراً مؤقتاً وطارئاً.

وخلال هذه الفترة تتغير أنماط التعبير الجيني لديها لمساعدتها على معالجة الشمع، ما يجعلها «متعددة المهام بامتياز»، إذ تبني الخلايا الملكية، وفي الوقت نفسه تواصل مهامها اليومية، مثل توزيع الغذاء وتفقد الخلايا الأخرى.

تحدٍّ لمعتقد علمي راسخ

وأعرب وانغ عن دهشته من أن الفرضية الراسخة التي سادت طويلاً، القائلة إن الغذاء الملكي وحده هو المسؤول عن تحديد مصير الملكة، تبيّن أنها غير مكتملة.

ورغم أن الدراسة لم تحدد بعد العامل الدقيق المسؤول داخل الشمع، فإن الخطوة التالية تتمثل في اكتشاف «المفتاح الجزيئي» الذي يطلق عملية التحول.

وقال وانغ: «نريد معرفة أي رائحة كيميائية أو أي إحساس فيزيائي هو الذي يخبر الحمض النووي ليرقة الملكة: أنتِ الملكة».

آثار تمتد إلى ما وراء النحل

ويرى الباحثون أن نتائج الدراسة قد لا تقتصر على نحل العسل فقط، بل ربما تنطبق أيضاً على حشرات اجتماعية أخرى؛ حيث قد تؤدي الهياكل التي تبنيها، مثل أعشاش النمل الأبيض أو الدبابير، وظائف تتجاوز مجرد توفير المأوى لتؤثر في تطور المستعمرة نفسها.

أهمية كبيرة لمربي النحل والزراعة

ومن الناحية العملية، قد تساعد هذه النتائج مربي النحل على إنتاج ملكات أكثر صحة وكفاءة، وفقاً لبوريس باير، أستاذ صحة الملقحات في جامعة كاليفورنيا - ريفرسايد، أحد قادة الدراسة.

وتُعد الملكات السليمة عنصراً أساسياً للحفاظ على مستعمرات قوية، وهي بدورها ضرورية لتلقيح أكثر من 80 محصولاً زراعياً رئيسياً.

وأشار باير إلى أن الفهم الأعمق للآليات الطبيعية التي تنتج من خلالها المستعمرات ملكات عالية الجودة قد يسهم في دعم تجمعات نحل أكثر قدرة على الصمود؛ خصوصاً في ظل الخسائر الكبيرة التي يبلغ عنها مربو النحل حول العالم.

«المنزل المثالي» يغيّر المصير

وفي ختام الدراسة، رأى وانغ أن هذه الاكتشافات تؤكد أن مستعمرة النحل تمثل «كائناً فائقاً» يعمل فيه الأفراد بصورة جماعية لتحويل يرقة عادية إلى أمهم المستقبلية.

وقال: «التغذية الجيدة مهمة، لكن العيش في المنزل المثالي هو ما يغيّر المصير حقاً».