هذا الهاتف الذكي الذي في يدك... يغير طريقة مشيتك

يؤثر على حالتك المزاجية ووضعيتك ويعوق قدرتك على الانتقال من دون مشكلات

هذا الهاتف الذكي الذي في يدك... يغير طريقة مشيتك
TT

هذا الهاتف الذكي الذي في يدك... يغير طريقة مشيتك

هذا الهاتف الذكي الذي في يدك... يغير طريقة مشيتك

إن أمضيتَ مساءً بعض الوقت على أي رصيف مزدحم فإنك سترى الرؤوس منحنية والعيون متجهة إلى الأسفل... الجميع ينظرون إلى شاشات هواتفهم.

أخطار هواتف الشارع

وجدت إحدى الدراسات الحديثة التي أجريت على طلاب الجامعات أن ربع الأشخاص الذين يعبرون تقاطعات الطرقات «كانوا ملتصقين بجهاز ما». وقال واين جيانغ، أستاذ مساعد في الهندسة بجامعة فلوريدا، والذي شارك في الدراسة: «لا أعتقد أن الناس يدركون مدى تشتّت انتباههم ومدى تغير وعيهم الظرفي عندما يمشون ويستخدمون الهاتف»، لدى تعليقه على العلاقة بين استخدام الهاتف وإصابات المشي.

«عمى غير متقصّد»

وفي الواقع، يمكن لأجهزتنا أن تسبب ما يسميه بعض الخبراء «العمى غير المتقصّد». ووجدت إحدى الدراسات أن المشاركين كانوا أقل عرضة لملاحظة وجود مهرج يسير بصفاقة على دراجة أحادية العجلة ويتحدث في الهاتف.

والمشكلة ليست فقط في تلك الشاشة التي بين يديك التي تصرف انتباهك، بل في أن الهاتف يغير حالتك المزاجية، وطريقة مشيتك، ووضعيتك، ويعوق قدرتك على الانتقال من النقطة «أ» إلى النقطة «ب» دون التعرض للمشكلات.

كيف «يكسر» الهاتف خطوتك

وقال جيانغ إنه عندما نسير ونستخدم الهاتف في الوقت نفسه، فإننا نعدل بشكل انعكاسي كيفية تحركنا. وأظهرت لقطات فيديو للمشاة أن الأشخاص الذين يستخدمون الهواتف يمشون أبطأ بنسبة 10٪ تقريباً من نظرائهم غير المشتتين. من جهته يقول باتريك كراولي، مدير المشروع في الجامعة التقنية في الدنمارك، الذي درس الميكانيكا الحيوية للمشي أثناء استخدام الهاتف: «إنك ترى عدداً من التغييرات في المشية التي تعكس التباطؤ... يتخذ الناس خطوات أقصر ويمضون وقتاً أطول وكلتا القدمين على الأرض».

يمكن أن تؤدي هذه التغييرات إلى إعاقة حركة المرور على الرصيف. إلروي أغيار، الأستاذ المساعد في علوم التمارين الرياضية في جامعة ألاباما، يقول إنه إذا كان المشي يشكل جزءا كبيرا من نشاطك البدني اليومي، فإن المشي بالهاتف قد يكون له تداعيات على لياقتك البدنية.

حمل على الرقبة وعضلات الظهر

إن النظر إلى الهاتف الذكي أثناء المشي - بدلاً من الوقوف بشكل مستقيم - يمكن أن يزيد أيضاً مقدار الحمل أو القوة الواقعة على الرقبة وعضلات الظهر العلوية، ما قد يساهم في ظهور أعراض «رقبة المراسلات النصّية» “text neck.” . ويشير البحث في مجلة Gait & Posture إلى أن كل هذا يمكن أن يقلل التوازن ويزيد خطر التعثر أو السقوط.

الهاتف والحالة المزاجية

كيف يؤثر ذلك على حالتك المزاجية؟ عندما يرغب العلماء في دراسة التوتر، فإنهم غالباً ما يطلبون من الأشخاص أداء عدة مهام في وقت واحد. وذلك لأن تعدد المهام هو وسيلة موثوقة لتوتر الناس.

هناك أدلة على أن المشي أثناء استخدام الهاتف يقوم بهذا الأمر أيضاً، حتى لو لم نكن على علم بذلك في الوقت الحالي. إذ وجدت إحدى التجارب أنه كلما زاد عدد الأشخاص الذين يستخدمون الهاتف أثناء المشي على جهاز المشي، زادت مستويات الكورتيزول، وهو ما يسمى هرمون التوتر، في الارتفاع.

بحثت دراسة أجريت عام 2023 في الآثار النفسية للمشي في حديقة خارجية أثناء النظر إلى الهاتف - أو عدم فعل ذلك. وقالت إليزابيث برودبنت، وهي من مؤلفي الدراسة وأستاذة علم نفس الصحة في جامعة أوكلاند في نيوزيلندا: «بشكل عام، عندما يذهب الناس للنزهة، فإنهم يشعرون بتحسن بعد ذلك، وهذا ما رأيناه في مجموعة المشي دون استخدام الهاتف». وأضافت: «في مجموعات المشي مع استخدام الهاتف، تم عكس هذه التأثيرات... فبدلاً من الشعور بمزيد من الإيجابية بعد المشي، شعر الناس بمقدار أقل من الإيجابية - أقل حماسة، وأقل سعادة، وأقل استرخاءً».

انقطاع مستخدم الهاتف عن الطبيعة

وأرجعت هي والمؤلفون المشاركون في دراستها هذه الآثار السلبية إلى افتقار مستخدم الهاتف إلى الاتصال بالبيئة المحيطة. من المقبول الآن على نطاق واسع أن تمضية الوقت في المشي في الأماكن الطبيعية مفيد لمزاجك وصحتك العقلية. وقالت: «يبدو أنه للحصول على هذه الفوائد، من المهم أن ينصب اهتمامك على البيئة، وليس على هاتفك».

أخطار تشتّت الانتباه

يدرك معظمنا أن المشي مع استخدام الهاتف يمكن أن يكون محفوفا بالمخاطر، حتى إن بعض المدن، مثل هونولولو، أصدرت قوانين لكبح جماح المشاة المشتتين. لكن الأبحاث حول تلك المخاطر كشفت بعض المفاجآت.

وقد دقق بحث جيانغ في العلاقة بين «المشي المشتت المرتبط بالهاتف» وزيارات قسم الطوارئ. وباستخدام البيانات الحكومية الممتدة من عام 2011 إلى عام 2019، اكتشف هو وزملاؤه ما يقرب من 30 ألف إصابة أثناء المشي ناجمة عن الهواتف. وفي حين أن الكثير من هذه الحوادث وقعت في الشوارع والأرصفة، فإن ربعها تقريباً وقع في المنزل. وقال جيانغ إن التعثر بشيء ما أو السقوط على الدرج يمثل خطراً حقيقياً.

ووجدت دراسته أن العمر كان أحد عوامل الخطر الرئيسية لإصابات المشي المرتبطة بالهاتف. وقال إن الشباب الذين تتراوح أعمارهم بين 11 و20 عاما لديهم أعلى نسبة من الإصابات، يليهم البالغون في العشرينات والثلاثينات والأربعينات من العمر، ربما لأن الشباب يستخدمون هواتفهم أكثر من كبار السن.

البقاء آمناً مع الهاتف

إذن كيف يمكنك البقاء آمناً؟ إذا كنت تريد التحقق من هاتفك، أوصى جيانغ بالتوقف للحظة - ويفضل أن يكون ذلك بعيداً عن مسار المشاة الآخرين. إذا كنت تمشي وتستخدم جهازك في الوقت نفسه، فمن الأفضل الامتناع عن المشي عندما تكون بالقرب من السلالم ومعابر المشاة والتضاريس المزدحمة أو غير المستوية، وهي جميع الأماكن التي من المرجح أن تحدث فيها حوادث، وفقاً لبحثه.

وأضاف: «حتى الأشخاص اليقظون والواعون يصابون أثناء المشي». إذا كنت مشتتاً بالهاتف، فأنت بالتأكيد تعرض نفسك لبعض المخاطر.

* خدمة «نيويورك تايمز»

حقائق

ما يقرب من 30 ألف إصابة

ناجمة عن استخدام الهواتف أثناء المشي بين عامي 2011 و2019 في الولايات المتحدة


مقالات ذات صلة

تكنولوجيا التحديث يعكس توجهاً أوسع في السوق نحو تقليل الاحتكاك بين الأنظمة البيئية المختلفة (أ.ب)

«سامسونغ» تضيف تَوافق «AirDrop» إلى «Quick Share» لمشاركة الملفات

«سامسونغ» تضيف توافقاً مع «AirDrop» عبر «Quick Share» في خطوة تسهّل تبادل الملفات بين أجهزة «غلاكسي» و«آيفون» تدريجياً.

نسيم رمضان (لندن)
تكنولوجيا رئيس شركة «أبل» تيم كوك خلال أحد المؤتمرات السنوية للشركة (إ.ب.أ)

«أبل» في عامها الخمسين… قصة شركة أعادت تشكيل التكنولوجيا العالمية

مسيرة «أبل» خلال 50 عاماً تعكس قدرة استثنائية على الابتكار وإعادة الابتكار، من مرآب صغير إلى شركة أعادت تشكيل التكنولوجيا العالمية.

نسيم رمضان (لندن)
تكنولوجيا قدرات ذكاء اصطناعي متقدمة بشاشة تحمي الخصوصية

تعرف على مزايا جوال «غالاكسي إس 26 ألترا»: نقلة في الخصوصية والذكاء الاصطناعي للجوالات

تصميم متين وأنيق باستوديو احترافي ذكي و«دائرة بحث» مطورة.

خلدون غسان سعيد (جدة)
تكنولوجيا استطلاع أميركي: المراهقون يتعرّضون لضغوط شديدة لنشر صور جنسية

استطلاع أميركي: المراهقون يتعرّضون لضغوط شديدة لنشر صور جنسية

شيوع تبادل «الرسائل الفاضحة» بينهم

كاثرين بيرسون (نيويورك)

البحث المدعوم بالذكاء الاصطناعي يعاني … «مشكلة ثقة»

البحث المدعوم بالذكاء الاصطناعي يعاني … «مشكلة ثقة»
TT

البحث المدعوم بالذكاء الاصطناعي يعاني … «مشكلة ثقة»

البحث المدعوم بالذكاء الاصطناعي يعاني … «مشكلة ثقة»

استخدم ما يقرب من ثلثي البالغين الأميركيين أداة بحث مدعومة بالذكاء الاصطناعي خلال الأشهر الستة الماضية. ولكن الإحصائية المثيرة لمطوري هذه الأدوات: 15 في المائة فقط يقولون إنهم يثقون بالنتائج «ثقة تامة». وتُمثل هذه الفجوة بين الاستخدام والثقة التحدي الأكبر في المرحلة المقبلة من البحث المدعوم بالذكاء الاصطناعي. فالمستهلكون يُقبلون على هذه التقنية، لكنهم يُشككون في النتائج، كما كتب كريغ سالدانها (*).

وعلى مطوري هذه المنتجات، طرح سؤال مُحرج على أنفسهم: هل إنهم يصممون تجارب تكسب ثقة المستهلكين، وتستحقها؟

«حديقة مسوّرة»

تعاونت شركة Yelp مع Morning Consult لإجراء استطلاع رأي شمل أكثر من 2200 بالغ أميركي حول كيفية استخدامهم البحث المدعوم بالذكاء الاصطناعي ونظرتهم إليه. وتشير النتائج إلى مشكلة واحدة مُتكررة: يشعر المستهلكون بأنهم مُحاصرون.

أكثر من نصف المشاركين في الاستطلاع (51 في المائة) يقولون إن نتائج البحث المدعومة بالذكاء الاصطناعي تبدو وكأنها «حديقة مسوّرة» يصعب معها التحقق مما يقرأونه.

صعوبة التحقق من الإجابات

  • يقول 63 في المائة إنهم يتحققون من نتائج البحث المدعومة بالذكاء الاصطناعي بالرجوع إلى مصادر موثوقة أخرى، مثل مواقع الأخبار ومنصات التقييم.
  • ويشير 57 في المائة إلى أنهم أقل ميلاً لاستخدام البحث المدعوم بالذكاء الاصطناعي تحديداً لافتقاره إلى مصادر موثوقة.

في البدايات، أي في الأيام الأولى لعمليات البحث المدعوم بالذكاء الاصطناعي، اتسمت النتائج بالغموض، حيث كانت النماذج تُلفّق الإجابات بثقة. وتمكنت معظم المنصات الرائدة من حل هذه المشكلة التقنية إلى حد كبير. لكن ما زال هناك شك أعمق: ليس فقط «هل هذه الإجابة صحيحة؟»، بل «كيف لي أن أعرف؟»؛ إذ وعندما تُزيل المنصات المصادر والاقتباسات والروابط إلى المحتوى الواقعي الذي استندت إليه إجاباتها، فإنها تبني جدراناً لا جسوراً. يُعبّر المستهلكون بوضوح عن رغبتهم في الحصول على الروابط والمصادر والقدرة على التحقق بأنفسهم.

«فتح الأبواب» للبيانات الموثقة

يرسم الاستطلاع صورة متسقة بشكل ملحوظ لما يلزم، لسد فجوة الثقة.

يقول ما يقرب من ثلاثة أرباع المشاركين في الاستطلاع (72 في المائة) إن منصات الذكاء الاصطناعي يجب أن تُظهر دائماً مصدر معلوماتها.

  • يرغب ثلثا المشاركين (66 في المائة) في مزيد من الأدلة على المصادر الموثوقة، مثل روابط منصات التقييم ومواقع الأخبار، إلى جانب الإجابات التي يُقدمها الذكاء الاصطناعي.
  • بينما يقول أكثر من نصفهم (52 في المائة) إن الأدلة المرئية، مثل صور الطبق الغذائي، أو صور مصاحبة لطلباتهم، من شأنها أن تزيد من ثقتهم.

والمستهلكون ليسوا ضد الذكاء الاصطناعي، بل ضد الأنظمة المبهمة. إنهم يريدون أن يقوم الذكاء الاصطناعي بالعمل الشاق المتمثل في تحليل كميات هائلة من المعلومات ثم عرض النتائج.

لا يستخدم الشخص العادي الذكاء الاصطناعي لتحليل الشفرات أو غيرها من التطبيقات التقنية، بل يستخدمه في عمليات البحث المحلية اليومية.

استخدام محلّي يومي

  • يستخدم أكثر من نصف المشاركين في الاستطلاع (57 في المائة) أدوات الذكاء الاصطناعي للعثور على الشركات المحلية شهرياً على الأقل. إنهم يريدون نصائح حول مكان اصطحاب عائلاتهم لتناول عشاء عيد ميلاد أو اختيار من يسمحون له بدخول منزلهم لإصلاح أنبوب مياه متفجر؛ ولذا لن يكون ملخص الذكاء الاصطناعي المستقل دون دليل موثوق كافياً.

مصادر المعلومات

وعندما يلجأ المستهلكون إلى الذكاء الاصطناعي للمساعدة في اتخاذ هذه القرارات، تكون توقعاتهم واضحة لا لبس فيها:

  • 76 في المائة منهم يرون أن معرفة مصدر المعلومات أمرٌ بالغ الأهمية،
  • و73 في المائة يؤكدون على أهمية تقييمات وآراء الزبائن الحقيقيين

و76 في المائة يرون أهمية الاطلاع على مصادر موثوقة متعددة.

كما أن الشركات المحلية تتسم بطبيعتها بالديناميكية، حيث قد يرحل العاملون، وتتغير العروض (مثل انتقال الطهاة وتغيّر قوائم الطعام)، وتتغير ساعات العمل. لذا وبدون محتوى بشري أصيل ومُحدّث بانتظام من مصادر موثوقة، يُخاطر الذكاء الاصطناعي بتقديم معلومات قديمة أو غير موثوقة.

أجوبة جيل الإنترنت

وإذا كان أحدٌ يظن أن جيل الإنترنت، سيكون أكثر ثقة، فإن البيانات تُشير إلى عكس ذلك. يتمتع جيل الشباب بأعلى معدل استخدام:

  • استخدم 84 في المائة منهم منصة بحث تعتمد على الذكاء الاصطناعي خلال الأشهر الستة الماضية.
  • لكنهم أيضاً الأكثر تطلباً؛ إذ يقول 72 في المائة منهم إن منصات الذكاء الاصطناعي يجب أن تُقدّم المزيد من الأدلة على المصادر الموثوقة، مقارنةً بـ63 في المائة من جيل الألفية و59 في المائة من «جيل إكس» السابقين له.

إن هذا جيلٌ مُتشبّعٌ بمحتوى الذكاء الاصطناعي الرديء، وقد طوّر أفراده حساً أقوى في التمييز بين المعلومات الأصلية والمُصطنعة. لذا؛ تُخاطر المنصات التي تُبقي هذه الفئة من الجمهور داخل بيئة مغلقة، بفقدان الجيل الأكثر إلماماً بالذكاء الاصطناعي أولاً.

قصور الحُجّة المضادة

قد يجادل البعض بأن إضافة الاقتباسات والروابط ومؤشرات المصادر تخلق عوائق، وأن جوهر البحث المدعوم بالذكاء الاصطناعي يكمن في تقديم إجابة سلسة ومتكاملة. فلماذا إذن ندفع المستخدمين بعيداً عن منصتنا؟ لكن هذا الطرح يخلط بين القيود وقيمة ما يقدم.

لا يرفض المستهلكون الملخصات التي يُنشئها الذكاء الاصطناعي، بل يرفضون الإجابات التي لا يمكنهم التحقق منها.

  • غالبية المستهلكين (69 في المائة) يرغبون في خيار مغادرة منصات الذكاء الاصطناعي وزيارة مواقع موثوقة لإجراء بحوثهم الخاصة. وعندما اختبرنا ذلك عملياً، وعرضنا على المستهلكين نسختين من نتائج بحث الذكاء الاصطناعي، إحداهما بمصادر شفافة والأخرى من دونها، فضّل 80 في المائة النسخة التي تضمنت محتوى بشرياً أصيلاً ومصادر موثوقة وروابط قابلة للتنفيذ. إن إزالة القيود لا تُنفّر المستخدمين، بل تُعزز ثقتهم.

ربط الذكاء الاصطناعي بتجارب الواقع

يقف قطاع الذكاء الاصطناعي على مفترق طرق. ولن تكون المنصات الفائزة هي تلك التي تُنتج إجابات اصطناعية أكثر إقناعاً. بل ستكون هذه المنصات تلك التي تربط المستخدمين بسلاسة بتجارب حقيقية من العالم الواقعي، مستخدمةً الذكاء الاصطناعي جسراً إلى محتوى بشري موثوق.

مع نضوج منظومة الذكاء الاصطناعي، لن تقتصر المنصات التي تُحقق التوازن الأمثل بين الملخصات المُولّدة بالذكاء الاصطناعي والمحتوى البشري الشفاف والأصيل على سدّ فجوة الثقة فحسب، بل ستضع معياراً لما يتوقعه المستهلكون.

الشفافية تسهل اتخاذ القرارات

والخبر السار هو أن زيادة الروابط الشفافة والسخية تُعدّ مدًّا متصاعداً يُفيد الجميع: إذ يحصل المستهلكون على القدرة على إجراء أبحاثهم الخاصة واتخاذ قراراتهم بثقة، ويحصل مُنشئو المحتوى والناشرون على الزيارات التي تُحافظ على منظومة محتوى صحية، وتستفيد منصات الذكاء الاصطناعي نفسها من علاقات أقوى مع المصادر الموثوقة التي تجعل إجاباتها جديرة بالثقة في المقام الأول.

الشفافية ليست خياراً ثانوياً، بل هي أساس النجاح.

* مجلة «فاست كومباني»


ما السبب الحقيقي لفشل مبادرات الذكاء الاصطناعي في المؤسسات؟

ما السبب الحقيقي لفشل مبادرات الذكاء الاصطناعي في المؤسسات؟
TT

ما السبب الحقيقي لفشل مبادرات الذكاء الاصطناعي في المؤسسات؟

ما السبب الحقيقي لفشل مبادرات الذكاء الاصطناعي في المؤسسات؟

عندما طرح «تشات جي بي تي» في نوفمبر (تشرين الثاني) 2022، كان رد الفعل فورياً وقوياً: إنه يعمل! ولأول مرة، اختبر ملايين الأشخاص الذكاء الاصطناعي ليس بوصفه وعداً بعيد المنال، بل بوصفه شيئاً مفيداً وبديهياً. وحتى مع عيوبه، فقد ظهر أنه يتمتع بقدرات مذهلة.

حدس صحيح واستنتاج خاطئ

كان هذا الحدس صحيحاً. أما الاستنتاج الذي تلاه فكان خاطئاً. لأن ما ينجح ببراعة مع فرد أمام لوحة المفاتيح، أثبت عدم فاعليته بشكل مفاجئ داخل المؤسسة.

الشركات لا تُدار باللغة

بعد عامين، وبعد مليارات الدولارات من الاستثمارات، وعدد لا يحصى من التجارب، وتدفق مستمر من «المساعدين» الأذكياء، يتبلور واقع مختلف: الذكاء الاصطناعي التوليدي استثنائي في إنتاج اللغة... لكن الشركات لا تُدار باللغة: بل تُدار بالذاكرة والسياق والتغذية الراجعة والقيود.

وهذه هي الفجوة. ولهذا السبب تفشل الكثير من مبادرات الذكاء الاصطناعي في المؤسسات بهدوء. إذ حتى مع الانتشار الواسع، هناك تأثير محدود... وشعور متزايد بالتكرار.

فشل 95 % من المشاريع التجريبية

ليست هذه قصة عن تقنية فشلت في اكتساب زخم، بل على العكس تماماً.

وأظهر تحليل مدعوم من معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا، والذي حظي باهتمام واسع، أن نحو 95 في المائة من المشاريع التجريبية للذكاء الاصطناعي التوليدي في المؤسسات تفشل في تحقيق نتائج ملموسة، حيث لا يصل سوى 5 في المائة منها إلى مرحلة الإنتاج المستدام. وتشير تغطيات أخرى للنتائج نفسها إلى النمط نفسه: تجارب مكثفة، وتحول محدود.

والتفسير واضح: المشكلة ليست في الحماس، ولا حتى في القدرة، بل في أن توظيف الأدوات لا يُترجم إلى تغيير عملي حقيقي... ليست هذه مشكلة للتبني، بل مشكلة هيكلية.

المفارقة المزعجة: ذكاء اصطناعي... لكن لا شيء يتغير

داخل معظم الشركات اليوم، يتعايش واقعان: من جهة، يستخدم الموظفون أدوات مثل «تشات جي بي تي» باستمرار. فهم يصيغون ويلخصون ويبتكرون ويسرّعون عملهم بطرق تبدو طبيعية وفعالة.

من جهة أخرى، تكافح مبادرات الذكاء الاصطناعي الرسمية في المؤسسات للتوسع خارج نطاق المشاريع التجريبية الخاضعة لرقابة دقيقة. يصف التحليل نفسه المتعلق بمعهد ماساتشوستس للتكنولوجيا فجوةً متزايدةً في «التعلم»: يجد الأفراد فائدة وقيمةً بسرعة، لكن المؤسسات تفشل في دمج هذه القيمة في سير العمل ذي الأهمية. والنتيجة هي ما يشبه «الذكاء الاصطناعي الخفي»: يستخدم الأفراد ما يُجدي نفعاً، بينما تستثمر الشركات فيما لا يُجدي.

الخطأ الأساسي: التعامل مع نموذج اللغة كنظام تشغيل

تركز معظم تفسيرات هذا الفشل على التنفيذ: بيانات غير دقيقة، حالات استخدام غير واضحة، نقص في التدريب. كل هذا صحيح، لكنه ثانوي.

المشكلة الحقيقية أبسط وأكثر جوهرية: نماذج اللغة الكبيرة مصممة للتنبؤ بالنصوص. هذا كل شيء. كل شيء آخر، من الاستدلال إلى التلخيص والمحادثة، إلخ، هو خاصية ناشئة عن هذه القدرة.

الأدوات الذكية التوليدية لا تعمل ضمن الواقع

لكن الشركات لا تعمل كسلاسل من النصوص. إنها تعمل كأنظمة متطورة ذات حالة وذاكرة وتوابع وحوافز وقيود... هذا هو التناقض. كما ذكرتُ سابقاً، هذا هو العيب البنيوي الأساسي للذكاء الاصطناعي: نماذج اللغة لا «ترى» العالم. فهي لا تحتفظ بحالة مستمرة. ولا تتعلم من ردود الفعل الواقعية إلا إذا صُممت خصيصاً لذلك... إنها تُنتج لغة مقنعة عن الواقع، لكنها لا تعمل ضمنه.

إجابات متميزة منفصلة عن النظام الفعلي

لا يمكنك إدارة شركة بناءً على تنبؤات الكلمات.اطلب من نموذج اللغة ما يلي:

-«زيادة مبيعاتي»

-«تصميم استراتيجية دخول السوق»

- «تحسين أداء الفريق»

وستحصل على إجابة. غالباً ما تكون جيدة جداً. إجابة منظمة، بليغة، ومقنعة. ولكنها منفصلة تماماً تقريباً عن النظام الفعلي الذي من المفترض أن تؤثر فيه.

وذلك لأن نموذج اللغة لا يستطيع تتبع مسار المبيعات، أو إدارة الحوافز، أو دمج بيانات إدارة علاقات العملاء، أو التكيف بناءً على النتائج. إذ يمكنه وصف استراتيجية، لكنه لا يستطيع تنفيذها.

وتؤكد نتائج معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا هذه النقطة: أدوات الذكاء الاصطناعي التوليدي فعّالة في المهام الفردية المرنة، لكنها تعجز عن العمل في بيئات المؤسسات التي تتطلب التكيف والتعلم والتكامل. وبعبارة أخرى: يمكن للأداة الذكية كتابة المذكرة، لكنها لا تستطيع إدارة الشركة.

زيادة قدرات الحوسبة لن تحل المشكلة

كان ردّ فعل القطاع حتى الآن متوقعاً: بناء نماذج أكبر، ونشر بنية تحتية أوسع، وتوسيع نطاق كل شيء. لكن التوسع لا يُصلح خللاً في التصميم. إذا كان النظام يفتقر إلى أساس واقعي، فلن تُوفّر له المزيد من المعايير هذا الأساس. وإذا كان يفتقر إلى الذاكرة، فلن تُوفّر له المزيد من الرموز الذاكرة. وإذا كان يفتقر إلى حلقات التغذية الراجعة، فلن تُنشئها المزيد من مراكز البيانات.

يُضخّم التوسع ما هو موجود، لكنه لا يُنشئ ما هو مفقود. وما هو مفقود هنا ليس المزيد من اللغة، بل المزيد من العالم.

المرحلة المقبلة... نظم ذكية ضمن بيئات حقيقية

لن تُحدّد المرحلة التالية من الذكاء الاصطناعي المؤسسي بواجهات دردشة أفضل أو نماذج لغوية أكثر قوة، بل ستُحدّد بشيء آخر تماماً: أنظمة قادرة على الحفاظ على الحالة، والاندماج في سير العمل، والتعلم من النتائج، والعمل ضمن قيود.

أنظمة لا تُولّد نصوصاً فحسب، بل تعمل ضمن بيئات حقيقية. لهذا السبب؛ لن يُبنى مستقبل الذكاء الاصطناعي في الشركات على نماذج اللغة وحدها، بل على بنى تُدمجها ضمن نماذج أكثر ثراءً للواقع.

أقول ما يعرفه الكثيرون بالفعل... ولكن نادراً ما يقولونه: هناك زخم كبير، واستثمارات ضخمة، وسرديات كثيرة مبنية على فكرة أن توسيع نطاق نماذج اللغة سيحل كل شيء في النهاية. هذا لن يحدث.

فرصة حقيقية

هذه ليست نهاية الذكاء الاصطناعي المؤسسي، بل هي نهاية مفهوم خاطئ. فنماذج اللغة ليست بنية مؤسسية، بل هي طبقة واجهة. طبقة قوية، لكنها غير كافية بمفردها. الشركات التي تُدرك هذا أولاً لن تُحسّن فقط من استخدام الذكاء الاصطناعي، بل ستُنشئ شيئاً مختلفاً جذرياً.

مجلة «فاست كومباني»


الموظفون الأميركيون يستخدمون الذكاء الاصطناعي للتعلّم أثناء العمل

الموظفون الأميركيون يستخدمون الذكاء الاصطناعي للتعلّم أثناء العمل
TT

الموظفون الأميركيون يستخدمون الذكاء الاصطناعي للتعلّم أثناء العمل

الموظفون الأميركيون يستخدمون الذكاء الاصطناعي للتعلّم أثناء العمل

يتنافس الموظفون على تطوير مهاراتهم في الذكاء الاصطناعي. ووفقاً لتقرير جديد، فإنهم يستخدمونه أيضاً لتعزيز تعلمهم، سواءً كان ذلك لطلب مساعدة إضافية منه لتوضيح المفاهيم وحل المشكلات، أو لاكتساب مهارات جديدة، كما كتبت سارة بريغل (*).

تحسين المهارات

يستند التقرير إلى نتائج استطلاع أجرته شركة «فراكتل» لصالح الكلية الأميركية للتعليم (ACE)، شمل أكثر من 1000 موظف أميركي يستخدمون أدوات الذكاء الاصطناعي في عملهم اليومي.

وكما هو متوقع، تستخدم نسبة كبيرة من الموظفين الذكاء الاصطناعي لتحسين مهاراتهم. فقد أفاد 63 في المائة منهم بأنهم استخدموا الذكاء الاصطناعي لتعلم مهارات لم يتلقوا تدريباً رسمياً عليها من مؤسساتهم.

القلق من دقة المعلومات

ومع ذلك، أعرب 65 في المائة منهم عن قلقهم بشأن دقة الذكاء الاصطناعي. إلا أن 23 في المائة من الموظفين لا يزالون يعدّون الذكاء الاصطناعي خيارهم الأول عندما يحتاجون إلى تعلم شيء جديد.

فوائد سرعة الإجابات

قد يعود جزء من ذلك إلى سرعة توفير الذكاء الاصطناعي للإجابات: إذ قال ما يقرب من نصف الموظفين (46 في المائة) إنهم يستخدمون الذكاء الاصطناعي للبحث عن الإجابات لأنه أسرع من طلب المساعدة.

التعلّم سراً لتفادي الاتهامات بالجهل

وربما الأهم من ذلك، أن استخدام هذه التقنية يعني أيضاً أن الموظفين لا يضطرون إلى الاعتراف بجهلهم بشيء ما. فقد قال ما يقرب من ثلثهم (29في المائة) إنهم يستخدمون الذكاء الاصطناعي لتعلم مهارات جديدة دون الإفصاح عن ذلك. ويُعدّ المديرون أكثر عرضةً لهذا الأمر: إذ اعترف 32 في المائة منهم بأنهم يتعلمون سراً.

وبشكل عام، قال 69 في المائة من الموظفين إن استخدام الذكاء الاصطناعي حسّن إنتاجيتهم، وقال أكثر من 55 في المائة إنه ساعدهم على الشعور بمزيد من الثقة في وظائفهم.

الذكاء الاصطناعي نقطة انطلاق

ومع ذلك، فبينما يستخدم الموظفون الذكاء الاصطناعي بوضوح لسدّ فجوة ما، فإنهم ليسوا راضين تماماً عن قدراته التعليمية. فقد قال 7 في المائة فقط من الموظفين إنهم يشعرون بأن تعلم المهارات من الذكاء الاصطناعي كافٍ، وقال 39 في المائة إنهم يعدّون التدريب الذي يحصلون عليه من الذكاء الاصطناعي نقطة انطلاق لمزيد من التعلم.

الذكاء الاصطناعي يحفّز للانخراط في دورات تدريبية

أفاد ما يقارب نصف المشاركين (48 في المائة) بأنهم التحقوا بدورات تدريبية بعد أن عرّفهم الذكاء الاصطناعي على مواضيع معينة رغبوا في استكشافها بتعمق. والأكثر إثارة للإعجاب، أن 80 في المائة من العاملين أكدوا استمرارهم في التعلم بشكل أو بآخر بعد تعلمهم شيئاً ما باستخدام الذكاء الاصطناعي.

مع أن الذكاء الاصطناعي قد لا يحل محل التدريب العملي تماماً، فإنه يمثل حالياً نقطة انطلاق لغالبية العاملين الساعين لاكتساب مهارات جديدة.

* مجلة «فاست كومباني»