حالة الموضة لعام 2024... تشجيع على الرأسمالية وتنديد بالفكر الاستعماري

مؤتمر «Bof Voices» لعام 2023 يفتح ملفات صعبة بحثا عن حلول مستدامة

كيف يمكن أن تبنى الموضة عالماً مستداماً وإنسانياً من المواضيع التي ركز عليها المؤتمر (بي أو إف)
كيف يمكن أن تبنى الموضة عالماً مستداماً وإنسانياً من المواضيع التي ركز عليها المؤتمر (بي أو إف)
TT

حالة الموضة لعام 2024... تشجيع على الرأسمالية وتنديد بالفكر الاستعماري

كيف يمكن أن تبنى الموضة عالماً مستداماً وإنسانياً من المواضيع التي ركز عليها المؤتمر (بي أو إف)
كيف يمكن أن تبنى الموضة عالماً مستداماً وإنسانياً من المواضيع التي ركز عليها المؤتمر (بي أو إف)

هل الإبداع في أزمة؟ وهل مفهوم الاستدامة يعاني من فكر استعماري هو المسؤول عن عرقلة تنفيذه بشكل جيد؟ وهل يُشكِل الذكاء الاصطناعي خطراً على الحرفية واليد العاملة؟ وكيف يمكن تحويل الشدائد إلى انتصارات، والسلبيات إلى إيجابيات؟ هذه ومواضيع أخرى كثيرة كانت جزءاً من نقاشات ملهمة جرت مع مُبدعين ومؤثرين في مجالاتهم خلال مؤتمر «بي أو إف فويسز 2023» BoF VOICES 2023. ثلاثة أيام و40 شخصية من كل أنحاء العالم، اجتمعوا كعادتهم كل سنة في «سوهو هاوس» بأكسفوردشاير لشحذ طاقتهم الإبداعية والبحث عن حلول لمشاكل العالم.

عمران أميد يفتتح حصة عن حالة الموضة حالياً ومستقبلاً (بي أو إف)

ما تجدر الإشارة إليه أن المؤتمر ليس عن الموضة كأزياء وإكسسوارات فحسب، بل يشمل كل جوانب الحياة، لأن الموضة بحسب المؤسس عمران أميد لا تعيش في بُرج عاجي بعيد عن الأحداث العالمية، بل هي جزء منها ومرآة تعكس كل جوانبها. وهذا تحديداً ما يجذب صناع الموضة وأصحاب قرارات، من رؤساء تنفيذيين ومصممين وعلماء ونشطاء سياسيين واجتماعيين من كل صوب وحدب.

من ضمن ضيوف هذا العام، نذكر برونيلو كوتيشينيللي وماثيو بلايزي، مصمم دار «بوتيغا فينيتا» والمصمم جوناثان أندرسون ودايان فون فورتنسبورع والفنانة ريتا أورا وبيلي بورتر والمصور ميسان هاريمان ولينا ناير الرئيس التنفيذي لدار «شانيل» وريتشارد ديكسون، رئيس مجموعة «غاب» التنفيذي، إضافة إلى نشطاء في مجالات البيئة وخبراء في الذكاء الاصطناعي أدلوا بدلوهم في تحليل الأسباب والبحث عن حلول. كلهم يُمسكون بأياديهم خيوط التغيير الإيجابي ويريدون أن ينسجوا منها مستقبلاً أفضل.

عمران أميد ولقطة طريفة تجمعه ببرونيللو كوتشينيللي (بي أو إف)

في اليوم الأول تحدَث المخضرم برونيللو كوتشينيللي، عن الحرفية والمبادئ الإنسانية التي يتبعها وكانت وراء نجاحه التجاري، الذي تحسده عليه العديد من الشركات. فرغم اجتياح مفهوم الربح معظم بيوت الأزياء العالمية، ظل في المقابل وفياً لاستراتيجيات إنسانية عضوية. في حديثه مع عمران أميد، مؤسس موقع BOF، أشار كوتشينيللي أنه لا يمكن أن يستغني عن الحرفية كقيمة إنسانية وفنية، كما لا يمكن أن يُنكر أنه كأي دار أزياء، يحتاج إلى تحقيق نتائج سنوية مهمة حتى يستمر. أطلق على مفهومه هذا «الرأسمالية الجديدة»، وهي رأسمالية قائمة وفق قوله «على تحقيق التوازن بين الربح ورد المعروف للمجتمع. فهذا من شأنه أن يرفع المعنويات ويعيد الأمور إلى نصابها». وحتى يضمن استمرار هذه الثقافة التي أرساها، كشف أنه وضع ملكية شركته في صندوق ائتمان عائلي، وعيَن مديرين تنفيذيين لدعم أعماله «حتى تستمر شركتي لمائة عام أخرى، في يد أشخاص يؤمنون بهذا النوع من الرأسمالية المعاصرة».

وعما إذا كان الذكاء الاصطناعي سيؤثر على الحرفية اليدوية وحياة الحرفيين وسبل عيشهم، ردّ كوتشينيللي بكل ثقة أنه لا مفر من استعمال التكنولوجيا «فهي ضرورية ومفيدة. والمطمئن في الذكاء الاصطناعي تحديداً أنه ولحد الآن يفتقد للعواطف، وهذا بحد ذاته أمر سيساعد على إعادة اكتشاف قيمة البشر وقيمة الحرفية اليدوية وبالتالي بحثنا عن عقول بشرية خلاقة تتمتع بفكر ومشاعر».

محرر الموضة تيم بلانكس في حديثه مع ماثيو بلايزي، مصمم دار «بوتيغا فينيتا» (بي أو إف)

مصمم دار «بوتيغا فينيتا» ماثيو بلايزي، كانت له أيضاً حصة مشوقة تحدث فيها عن تجربته في دار تحترم الحرف اليدوية ورغبته في الدفع بالماكينة الإبداعية إلى الأمام، بدمج تقنيات جديدة في تصاميمه. لا يختلف اثنان على أن بلايزي، ورغم أنه لم تمر سوى سنتين فقط على التحاقه بالدار الإيطالية مديراً فنياً، نجح في وضع لمساته عليها من دون إلغاء ماضيها، أو بالأحرى ما أرساه مصمموها من قبله. وصفة نجاحه بسيطة لكن فعالة، أخذ فيها قطعاً أساسية وعادية مثل الجينز والقميص الكلاسيكي وأدخل عليها خامات جديدة نقلتها إلى مرحلة غير مسبوقة من الأناقة والابتكار. استدل على هذا بقميص «أوكسفورد» الكلاسيكي، وكيف صنعه من الجلد الناعم الأمر الذي ارتقى بها إلى مستوى راق. يعترف للصحافي تيم بلانكس أنه مهووس بفكرة تحويل قطع عادية، وربما مملة، إلى مترفة ومرغوب فيها بتوظيف تقنيات جديدة وإضافة التفاصيل قائلاً: «عندما تضيف طبقات متعددة، فإنك تُضيف مفردات تساهم في التعبير عن قصص مشوقة وعواطف تُلهب الخيال».

ريتشارد ديكسون وحديث عن مسيرته المهنية كرئيس تنفيذي واستراتيجيته لإنعاش «غاب» (غيتي لـ«بي أو إف»)

وفيما تحدَثت المصممة البلجيكية الأصل دايان فورنتسبورغ عن البدايات وكيف حوَلت السلبيات إلى إيجابيات والشدائد إلى إنجازات، تحدّث الرئيس التنفيذي لشركة «غاب» الأميركية، ريتشارد ديكسون عن استراتيجيته لإعادة المجموعة إلى الصدارة. كان للحديث معه نكهة مختلفة. شرح فيه كيف ينوي إنعاش صورة اسم «غاب»، الذي فقد بريقه وشريحة كبيرة من زبائنه في السنوات الأخيرة، بالعودة إلى الجذور عندما كانت الشركة الوجهة المفضلة لبنطلونات الجينز. كانت مفعمة بالديناميكية وروح الشباب، وهو ما تشهد عليه حملاتها الإعلانية في التسعينات. الخطأ الذي وقعت فيها أنها استكانت إلى نجاحها ولم تتجدد أو تواكب التغيرات الثقافية، مما جعلها تفقد نصيبها ومكانتها في السوق. الأمر لا يبدو صعباً على ريتشارد ديكسون، لأنه له سوابق في مجال إنعاش الماركات الخاملة. فهو الذي نفض الغبار عن صورة «باربي» مثلاً بعد أن فقدت أهميتها الثقافية بسبب حملات الـ«مي-تو» وغيرها.

بعد أن نفض الغبار عن «باربي» يشرح ريتشارد ديكسون رئيس «غاب» التنفيذي كيف ينوي إعادة البريق إليها (بي أو إف)

يقول ديكسون: «ليس من الضروري أن نلبي أذواق الجميع لكن ما نحتاجه كأي علامة تجارية أن تكون لنا هوية قوية ووجهة نظر فنية واضحة». الأمر بالنسبة لديكسون لا يزال في أوله. فهو لم يتسلم زمام الأمور سوى من مدة قصيرة، لكن كان واضحاً أن خلق جدل ثقافي وفكري في حملات الشركة لاستقطاب شريحة الشباب من أولوياته.

جلسة عن التأثيرات السياسية على صناعة الأزياء المستدامة ومدى تأثيرها على بلدان العالم الثالث تحديداً (بي أو إف)

ولأن المؤتمر ليس عن صناعة الأزياء والإكسسوارات وحدها، ويشمل أيضاً المشاكل التي تنتج عن هذه الصناعة سواء كانت على البيئة أو العاملين فيها، لم يكن غريباً أن تتطرق النقاشات لمفهوم الاستدامة. الجديد في هذه النقاشات أنها تطرقت إليها أنها من وجهات نظر جريئة وغير تقليدية، منها تسليط الضوء على التأثيرات السياسية، ودورها في تعطيل أي خطوات عملية وجادة في هذا المجال. ذهب البعض من المشاركين إلى القول إن «العامل الاستعماري لا يزال المُحرِك في إدارة هذه الصناعة، ومن ثم عرقلة عملية تطبيق قوانين تنص على الحد من أضرارها بشكل فعلي».

وهذا ما أشارت إليه عائشة بارنبلات، الرئيس التنفيذي لمنظمة ريميك للدفاع عن سلسلة التوريد قائلة إن أغلب القوانين تأتي من الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة وليس من المنبع. أي من دون أخذ رأي أصحاب الشأن من المصنعين والعمال في الدول الفقيرة التي يتم فيها إنتاج الموضة. فهؤلاء المصنعون المحليون أكثر من يفهم هذه المشاكل، حسب قول سامي أوتانغ من غانا، الذي استدل على رأيه بمشكلة النفايات أو فائض الملابس التي يتم التخلص منها في البلدان الفقيرة مثل غانا، الأمر الذي يُؤدي إلى اختناق المجاري والسواحل.

أنكا مارولا من مجموعة «إل في إم إتش» تتكلم عن الذكاء الاصطناعي وكيف يمكن توظيفه لتسهيل عمليات الإنتاج (بي أو إف)

لحسن الحظ، أنه ليس كل ما تطرق إليه المؤتمر يستدعي القلق، فهناك ما كان يمنح الأمل ويعد بمستقبل أفضل. الذكاء الاصطناعي مثلاً، رغم كل ما يثيره من استياء ومخاوف لدى العاملين في مجالات الإبداع، يمكن توظيفه لتسهيل عمليات الإنتاج من دون أن يتضارب مع الحرفية والأعمال اليدوية حسب قول أنكا مارولا، التي تعمل في «إل في إم إتش» أكبر مجموعة عالمية. تقول إن حقيبة من «فندي» تتطلب قص وربط عشرات الأجزاء لتنفيذها بشكل دقيق، وبالتالي قد تستنفد الكثير من الجهد والوقت من حرفي أولى به أن يُركِز على الجانب الإبداعي والحرفي. تقرير «ماكنزي» السنوي لعام 2024 هو الآخر مُطمئن من ناحية توصله إلى أن وعي المستهلك وسلوكياته الشرائية تجلى بشكل إيجابي في الشطر الثاني من عام 2023 وسيزيد في العام المقبل، إذ يتوقع أن تنخفض مصاريف مشترياته بنسبة 16في المائة في العام المقبل. أما بالنسبة لصناع الموضة، فإن التقرير يُطمئنهم أن انتعاش السفر يصُب في صالحهم، لأن شهية الشراء تكون مفتوحة خلال السفر، وكذلك الرغبة في التعرف على ماركات جديدة.


مقالات ذات صلة

جولة ميغان ماركل في أستراليا… أناقة أم رسائل استمرارية؟

لمسات الموضة جولة لمستشفى أطفال في اليوم الأول من جولة ميغان والأمير هاري الأسترالية (إ.ب.أ)

جولة ميغان ماركل في أستراليا… أناقة أم رسائل استمرارية؟

خلال ثماني سنوات تغيَرت أمور كثيرة في حياة ميغان ماركل، إلا تعاملها مع إطلالاتها وأزيائها كرسائل مبطنة

جميلة حلفيشي (لندن)
لمسات الموضة من اقتراحات «هوكرتي» للرجل..تفصيل على المقاس من عقر بيتك (هوكرتي)

درجات التراب والرمل تُلوِّن خزانة الرجل هذا الموسم

درجات التراب والرمل والذهب، لها سحر خاص، لأنها ليست لوناً واحداً، بل عشرات الاحتمالات، يتغيَّر كل واحد منها حسب النسيج والكثافة وطريقة الانسدال وانعكاسات الضوء

جميلة حلفيشي (لندن)
ثقافة وفنون جانب من معرض «الملكة إليزابيث الثانية: حياتها من خلال الأناقة»... في معرض الملك بقصر باكنغهام لندن 9 أبريل 2026 (رويترز)

بالصور: بريطانيا تحتفي بالملكة إليزابيث الثانية أيقونةً للموضة بمعرض ضخم في الذكرى المئوية لميلادها

تحتفي بريطانيا بمرور مائة عام على ميلاد الملكة إليزابيث الثانية عبر معرض ضخم في قصر باكنغهام يبرز دور أزيائها أداةً دبلوماسيةً ورمزاً لأناقتها وتأثيرها الثقافي.

«الشرق الأوسط» (لندن)
لمسات الموضة هل خضعت أنجلينا لتدخلات تجميلية أم لا؟ هذا هو السؤال (خاص)

أنجلينا جولي وعيناها... هل خضعت النجمة للتجميل؟

تبلغ أنجلينا جولي اليوم 50 عاماً، وبالتالي من الطبيعي أن تتغير ملامحها، إضافة إلى ظروفها الشخصية والضغوط التي رافقت سنوات ما بعد انفصالها عن النجم براد بيت.

«الشرق الأوسط» (لندن)
خاص الفوز بالجائزة ليس مادياً فحسب بل هو مفتاح للتعرف على أسماء كبيرة في مجالات إبداعية شتى (فاشن ترست أرابيا)

خاص جوائز الموضة العربية... بوابة نجاح أم مجرد حافز مؤقت؟

تجربة الراحل إيف سان لوران خير دليل على أن الموهبة تحتاج إلى دعم. فهل كان بإمكانه أن يبلغ ما بلغه من مجد لولا مشاركته في مسابقة الصوف الدولية وتألقه فيها؟

جميلة حلفيشي (لندن)

جولة ميغان ماركل في أستراليا… أناقة أم رسائل استمرارية؟

جولة لمستشفى أطفال في اليوم الأول من جولة ميغان والأمير هاري الأسترالية (إ.ب.أ)
جولة لمستشفى أطفال في اليوم الأول من جولة ميغان والأمير هاري الأسترالية (إ.ب.أ)
TT

جولة ميغان ماركل في أستراليا… أناقة أم رسائل استمرارية؟

جولة لمستشفى أطفال في اليوم الأول من جولة ميغان والأمير هاري الأسترالية (إ.ب.أ)
جولة لمستشفى أطفال في اليوم الأول من جولة ميغان والأمير هاري الأسترالية (إ.ب.أ)

ثماني سنوات مرَت على أوَل زيارة قامت بها دوقة ساسيكس ميغان ماركل وزوجها الأمير هاري إلى أستراليا، وكأن الزمن توقَّف عند تلك اللحظة من ناحية الصورة وليس الأحداث. فهذه حملت تحوَّلات كبيرة غيَّرت وجه المؤسسة الملكية إلى حد ما، لكن الصور الأولى لتلك الزيارة بقيت حاضرة بوصفها مرجعاً يقارن به الماضي بالحاضر. فرغم ما رافق الزيارة الحالية من انتقادات وجدل بعد الإعلان عنها رسمياً قبل نحو شهر تقريباً، فإن الصور المتداولة بمجرد أن حطّت بهما الطائرة، تُخلّف الانطباع أن الثنائي لا يبدو منشغلاً بضجيج التعليقات على السوشيال ميديا. فقد بدت ميغان أكثر تألقاً ببشرة نضرة وماكياج ناجح أضفى عليها ألقاً. وطبعاً، كان من الصعب فصل الحدث عن تفاصيل إطلالاتها.

8 سنوات مرت على الزيارة الأولى تغيَّرت فيها أشياء كثيرة ولم تتغيَّر المصممة (أ.ف.ب + موقع كارين جي)

كانت لافتة عودتها إلى المصممة الأسترالية كارين جي التي سبق أن ظهرت بأحد تصاميمها خلال زيارة عام 2018: فستان أبيض بتصميم مستقيم. أجمل ما كان فيه بساطته وأناقته الهادئة.

هذه المرة ولدى وصولها إلى ملبورن، اختارت فستاناً كحلياً يحمل اسم «بريسيلا». يتميّز بياقة دائرية تحيط بالعنق وحزام رفيع يحدد الخصر، مستوحاة بشكل غير مباشر من روح «النيولوك» لكريستيان ديور لكن بأسلوب معاصر يناسب الأيام العادية. كسّرت المصممة عمق لونه بستة أزرار ذهبية عند الصدر ألغت الحاجة إلى قلادة أو سلاسل. كل ما في الفستان يحمل السمات التي تميل إليها ميغان، وهي اللون الأحادي والخطوط الواضحة والبسيطة التي تناسب مقاييس جسدها المعقّدة. نسّقت الإطلالة بحذاء من «ديور».

ميغان ماركل والأمير هاري في ظهورهما الثاني في أستراليا (إ.ب.أ)

في الظهور الثاني لها، خلال زيارتها لمتحف الفنون الوطني للمحاربين القدامى في ملبورن، كانت أكثر جُرأة نسبياً، عبر سترة من السويد باللون الكاكي، وتنورة مستقيمة طويلة من نفس خامة ولون السترة من العلامة الأسترالية «سانت أغني» مع كنزة بلون الموكا من علامة «بي جونسون». كانت رسالة تؤكد فيها استمرار استخدام علامات أسترالية ضمن الجولة كنوع من البروتوكول الرمزي.

اختيار كارين جي للمرة الثانية نقطة تستحق التوقف. أوَّل تفسير يتبادر للذهن أن المصممة التي يوجد مقرها في سيدني، لا تُقدّم أزياء موسمية بقدر ما تركّز على ملابس عملية يمكن ارتداؤها في أكثر من مناسبة. إضافة إلى هذا، فإنها بنت سمعتها على أسلوب مضمون «يمكن الاعتماد عليه في كل زمان أو مكان» وفق وصفها، وهي فلسفة ترتكز على الاستدامة أكثر من الصرعات الموسمية العابرة، سواء من ناحية الألوان أو الخطوط البسيطة والهادئة.

صور ميغان ماركل تشير إلى استمرارية رمزية وكأن خروجها من المؤسسة الملكية لم يكن (رويترز)

هذا التوجه نحو المضمون يخدم صورة ميغان التي تزعزت في السنوات الأخيرة. وبينما كان ظهورها بالفستان الأبيض عام 2018 كفيلاً بتسليط الضوء على مصممته كارين جي عالمياً؛ نظراً لمكانتها آنذاك ضمن المنظومة الملكية، فإن عودتها إليها اليوم، يتقاطع مع ما صرّحت به في مقابلة سابقة عن وعيها بتأثير كل ظهور علني لها. قالت إنها تُدرك تماماً أن كل صغيرة وكبيرة تخضع للتمحيص والتحليل؛ الأمر الذي يدفعها لتوجيه هذا التأثير بشكل إيجابي، إما لدعم مصممين صاعدين تُؤمن بمساراتهم، أو تربطها بهم علاقات شخصية.

لا تزال ميغان تتعامل مع جولاتها وكأنها رسمية يجب أن تخضع لبروتوكولات الأناقة (أ.ب)

بيد أن هناك أيضاً عامل الاستمرارية، وكأن دوقة ساسيكس تريد أن تقول إن مكانتها محفوظة، وبأن الحاضر ما هو إلا امتداد للأمس. على الأقل من ناحية تأثيرها الذي تراه لا يزال قوِياً، حتى بعد تمرّدها على المؤسسة الملكية البريطانية وخروجها منها في 2020. حينها كانت دوقة جديدة، تتمتع بشعبية كبيرة، إلى حد أن جولتها فيها، كانت ناجحة بدرجة لافتة مقارنة ببقية أفراد العائلة المالكة، بمن فيهم كاثرين ميدلتون وزوجها الأمير ويليام. حينها كانت إطلالات ميغان تُقرأ ضمن إطار البروتوكول الملكي، واليوم يبدو أنها تعتمد الأسلوب نفسه تقريباً لفرض نفسها، أو على الأقل التذكير بمكانتها.


درجات التراب والرمل تُلوِّن خزانة الرجل هذا الموسم

من اقتراحات «هوكرتي» للرجل..تفصيل على المقاس من عقر بيتك (هوكرتي)
من اقتراحات «هوكرتي» للرجل..تفصيل على المقاس من عقر بيتك (هوكرتي)
TT

درجات التراب والرمل تُلوِّن خزانة الرجل هذا الموسم

من اقتراحات «هوكرتي» للرجل..تفصيل على المقاس من عقر بيتك (هوكرتي)
من اقتراحات «هوكرتي» للرجل..تفصيل على المقاس من عقر بيتك (هوكرتي)

«لوروبيانا»، «زينيا»، «برونيلو كوتشينيلي» و«هوكرتي» وغيرها من بيوت الأزياء، اتجهت هذا الموسم نحو لوحة فنية مستوحاة من التراب والرمل والذهب، في رسالة واضحة: أناقة هادئة تحلّ محل خزانة كانت، حتى عهد قريب، أسيرة ألوان كلاسيكية داكنة.

في مجموعة «لورو بيانا» لربيع - صيف 2026، مثلاً يبرز اللون كخيطٍ يربطها بقصر تشيتيريو في ميلانو، المكان الذي اختير لتصويرها وتقديمها. لم يكن اختيار الدار الإيطالية عشوائياً؛ فإلى جانب ما يزخر به من أعمال فنية، شكَّل خلفية مناسبة للتدرجات اللونية التي سادت مجموعة مستلهَمة من بساطة فنون «المينيماليزم» و«آرت بوفيري»، وكل ما يحتفي بما هو طبيعي كقيمة جمالية. وهكذا جاءت التوليفات اللونية غنية بالدرجات الترابية والرملية الذهبية المشرقة، إلى جانب درجات باستيلية أخرى.

فدرجات التراب والرمل والذهب، كما تؤكد عروض الأزياء، لها سحر خاص، لأنها ليست لوناً واحداً، بل عشرات الاحتمالات، يتغيَّر كل واحد منها حسب النسيج والكثافة وطريقة الانسدال على الجسد، مما يُدخلها خانة السهل الممتنع. فتنسيقها مع ألوان أخرى، حتى وإن كانت صارخة، لا ينتقص من جمالها، كما يمكن اعتماد تدرّجاتها ضمن إطلالة موحدة من الرأس إلى أخمص القدم.

من اقتراحات دار «لورو بيانا» لربيع وصيف 2026 (لورو بيانا)

«برونيلو كوتشينيلي» و«زينيا» و«سان لوران» و«هوكرتي» هي الأخرى تفننت هذا الموسم في توظيف هذه الدرجات، مستهدفةً رجلاً أنيقاً يسعى للانطلاق والتحرُّر من أي قيود قد تحدّ من خياراته؛ فهدوء الألوان لم يقتصر على اللوحة البصرية فحسب، بل امتدّ إلى التصاميم أيضاً، حيث تم تنعيم الأكتاف والتخفيف من سماكة ووزن السترات، بالاستغناء أحياناً عن التبطين. وهكذا تكتسب في الصيف خفة تتنفس عبر خيوط الكتان والقطن، وفي الشتاء عمقاً ودفئاً، حين تُنسج بالصوف والكشمير.

بداية التسلل

من الصعب تحديد الموسم الذي اقتحمت فيه الألوان الترابية والحيادية خزانة الرجل، لأن الأمر لم يكن انقلاباً مفاجئاً، بقدر ما كان تسللاً تدريجياً. لكن يمكن تعقُبه إلى السبعينات، وتحديداً بعد فيلم «ذي أميركان جيغولو» الذي تألق فيه النجم ريتشارد غير بتصاميم الراحل من جيورجيو أرماني. كان هذا بداية التغيُّر الواضح. ولا يزال أرماني يُعدّ أكثر مصمم منح هذه الدرجات شعبيتها، وأدخلها خزانة الرجل لتُصبح مع الوقت منافساً قوياً للألوان التقليدية، مثل الكُحلي والرمادي والأسود والأزرق. هذا لا يعني أن هذه الدرجات اختفت تماماً؛ فقد كانت ولا تزال بالنسبة لدار «جيورجيو أرماني»، كما لشريحة كبيرة من الرجال، عنواناً للأناقة الجدية وترمز للانضباط في أماكن العمل والمناسبات المهمة.

من اقتراحات دار «سان لوران» لربيع وصيف 2026 (سان لوران)

كل ما في الأمر أن العالم الذي روَّج لتلك الألوان لم يعد قائماً بالكامل؛ فمنذ جائحة «كورونا»، تلاشت الحدود بين العمل والحياة، وبين الرسمي واليومي، وبدأت علاقة جديدة بين الرجل ومظهره تراجعت فيها الألوان القاتمة لصالح درجات الرملي والزيتوني والوردي المطفي والأصفر المستردي وما شابه من ألوان باستيلية وجدت صدى طيباً في أوساط الشباب من متابعي الموضة، لا سيما أن بيوت أزياء مهمة، مثل «سان لوران» و«جيورجيو أرماني» قدمتها بأشكال أنيقة وجذابة.

الألوان ترابية والقصات إيطالية

بيد أنها لدى بعض بيوت الأزياء تبدو أقوى من ناحية الاستمرارية والكثافة. مجموعات «لورو بيانا» أكبر دليل على هذا؛ إذ تبدو فيها هذه الدرجات أكثر حضوراً ومصداقية، كونها جزءاً من هوية الدار الإيطالية، تعود إليها في كل موسم على أساس أنها امتداد للطبيعة، كونها غالباً ما تكون مستمَدّة من الصوف غير المدبوغ، ومن الحجر والجدران والصنوبر والضوء.

أسلوب الطبقات والأقمشة المبتكرة كان لها حضور قوي في هذه التشكيلة إلى جانب الألوان الترابية والرملية(زينيا)

بيد أن سحر هذه الألوان مسّ معظم بيوت الأزياء التي تُعتبر وجهة الرجل الذي يتوخى أناقة تشي بالوجاهة والتفرد، مثل «زينيا». مجموعتها الأخيرة لربيع وصيف 2026 تتمتع ببُعد حيوي استُخدِمت فيه هذه الألوان كخيار جمالي وسردي لتحكي قصتها التاريخية مع الفخامة الهادئة من جهة، ومع تقنيات تطوير الأقمشة التي لا تتوقف عن البحث من جهة أخرى. في سعيها لمنح الرجل حرية وخفة، اعتمدت على تفكيك كل قطعة من تفاصيلها الكلاسيكية وإعادة صياغتها بأسلوب يجمع الكاجوال بالكلاسيكي؛ إذ خفّف مديرها الإبداعي، أليساندرو سارتوري، من سُمك ووزن الأقمشة، وجعل الخطوط أكثر انسيابية، كما جعل الأكتاف أقل صرامة تنسدل قليلاً عن الخط المرسوم لها تقليدياً، والجيوب واضحة وكبيرة. الجلود أيضاً اكتسبت خفة غير مسبوقة توازي خفة الحرير. أما الحرير فتجسَّد في بدلة متكاملة بوزن لا يتجاوز 300 غرام.

في دبي حيث عُرِضت هذه المجموعة، أكّد المصمم سارتوري أن هذه الألوان ليست جديدة على الدار أو وليدة موسم بعينه «بل شكَلت دائماً جزءاً أصيلاً من هويتها»، مستشهداً بتشكيلات سابقة. وأضاف أن الجديد في هذه المجموعة يكمن في التصاميم والتفاصيل التي أضفت عليها بُعداً أكثر تحرراً وانطلاقاً.

من مجموعة «برونيلو كوتشنيللي» ربيع وصيف 2026 (برونيلو كوتشينلي)

منتعشة صيفاً... دافئة شتاء

هذه الخفة، إلى جانب الخطوط الانسيابية والابتعاد عن التكلُّف، كانت أيضاً سمة من سمات مجموعة «برونيلو كوتشينلي»، كما يشير عنوانها: «ملامح الضوء». ركَّزت في تصاميمها على التباين والانسجام بين القطع، حيث جاءت سترات «بلايزر» بقصات أطول بقليل من المعتاد، والسراويل منسدلة بنعومة بفضل طيات خفيفة تحت منطقة الحزام. للمساء، اقترحت سترات بياقات تأخذ شكل شال، نسقتها مع كنزات دُمج فيها الحرير بالقطن. غني عن القول إن الألوان جاءت بدرجات ترابية تنبض بصمت. حتى درجات البرتقالي والمشمشي والأزرق الملكي والمرجاني اكتسبت هدوءاً مهيباً، في حضرة الأبيض والدرجات الحيادية الأخرى.

من تصاميم «هوكرتي»..يختار الرجل كل التفاصيل بنفسه من ألوان القماش إلى نوعية الأزرار وشكل الجيوب والياقات (هوكرتي)

لم تخرج علامة «هوكرتي» عن السرب، واعتمدت بدورها على الألوان الهادئة، مؤكدة أن ألوان الطبيعة لا تتعارض مع حياة الرجل في المدن الصاخبة. في مجموعتها الأخيرة، اختارت لها «إيرث أند باستيل» أي الأرض والباستيل، عنواناً، للدلالة على تلك العلاقة الحميمة بين الرجل عموماً والأرض.

ما تجدر الإشارة إليه أن «هوكرتي» ليست كباقي بيوت الأزياء التي تقترح في كل موسم ملابس جاهزة؛ فهي أقرب إلى خياطي «سافيل رو» اللندني، لكن بروح وأدوات عصرية وأسعار مقدور عليها؛ فكل قطعة تقترحها يمكن تفصيلها على المقاس، ولا يحتاج صاحبها سوى إلى إدخال معلومات بسيطة على موقعها الإلكتروني، واتباع تعليمات سهلة وبسيطة، تبدأ باختيار القماش ونوعية الأزرار وألوان الخيوط وعدد الجيوب وشكل الياقة وما شابه من تفاصيل، قبل إدخال مقاساته. وهكذا يتحكم صاحبها في كل غرزة وتفصيلة من دون أن يخرج من بيته. بعد أسبوعين أو ثلاثة، تصل إليه القطعة وقد فُصِّلت خصيصاً له على يد خياط بمهارة خياط من خياطي شارع النخبة، «سافيل رو».


سوق الجمال في الشرق الأوسط... تبتسم في وجه التحديات الاقتصادية والسياسية

لم تعد السوق السعودية تكتفي بدور المستهلك والمتفرج بل دخلت إلى العالمية على يد مؤسسات لعلامات تجميل مهمة (أستيري)
لم تعد السوق السعودية تكتفي بدور المستهلك والمتفرج بل دخلت إلى العالمية على يد مؤسسات لعلامات تجميل مهمة (أستيري)
TT

سوق الجمال في الشرق الأوسط... تبتسم في وجه التحديات الاقتصادية والسياسية

لم تعد السوق السعودية تكتفي بدور المستهلك والمتفرج بل دخلت إلى العالمية على يد مؤسسات لعلامات تجميل مهمة (أستيري)
لم تعد السوق السعودية تكتفي بدور المستهلك والمتفرج بل دخلت إلى العالمية على يد مؤسسات لعلامات تجميل مهمة (أستيري)

اختُتمت فعاليات معرض كوزموبروف وورلدوايد بولونيا 2026، مؤكدة أن صناعة الجمال ستظل صامدة ومُشرقة حتى في أكلح أيام الركود. فالحاجة إلى طمأنة النفس والرفع من معنوياتها، تُصبح أكثر إلحاحاً في أوقات الانكماش الاقتصادي وعدم اليقين السياسي، بحيث قد لا تحتاج سوى لأحمر شفاه أو قصة شعر مختلفة. المصمم الراحل إيف سان لوران كان له أيضاً رأي في هذا الصدد حين قال: «أجمل ماكياج للمرأة هو الحب، لكن الحصول على مستحضرات تجميل أسهل بكثير».

حضور مكثف هذا العام في المعرض (كوزموبروف)

نسخة هذا العام من المعرض اجتهدت في ترسيخ هذا الأمر بوصفه حقيقة، بالأرقام والدلائل، التي أثبتت أن قطاع الجمال والتجميل، واحد من أكثر القطاعات ديناميكية في صناعة الترف. كل التوقعات تشير إلى أنه يشهد نمواً يُثلج الصدر على المستوى العالمي، من 635.2 مليار دولار في 2025 إلى 678.3 مليار دولار في 2026، على أن يصل إلى 826.1 مليار دولار بحلول 2029.

دور الشرق الأوسط

قطاع الجمال والتجميل أثبت صموده في وجه الأزمات (أستيري)

ولم تنس الفعالية أن تُبرز مكانة الشرق الأوسط باعتباره قوة دخلت هذه الصناعة بكل قوتها، وكيف أنه تجاوز دوره كونه سوقاً استهلاكية إلى منتج فعال. فهو يبرز حالياً بوصفه مركزاً يسهم في توجيه استراتيجيات التوزيع وتطوير المنتجات وصياغة توجهات المستهلكين على المستوى العالمي. هذا عدا عن ظهور علامات ناجحة لمؤسسات سعوديات مثل سارة الراشد، مؤسسة علامة «أستيري» ويارا النملة مؤسسة علامة «مون غلايز»، إضافة إلى مبدعات وسيدات أعمال أخريات مثل هدى قطان وشقيقتها منى قطان وغيرها من العلامات التي تخطت الحدود العربية للعالمية.

علامات سعودية مثل «أستيري» لمؤسستها سارة الراشد تُطوِر نفسها ومنتجاتها دون توقف (أستيري)

من هذا المنظور، ليس غريباً أن يُسجل المعرض هذا العام ارتفاعاً بنسبة 23 في المائة في مستويات الاهتمام من المنطقة، تجسّدت في مشاركة 33 جناحاً وطنياً، من بينها مشاركات جديدة تقودها المملكة العربية السعودية، في مؤشر يعكس مكانتها المتصاعدة ضمن مشهد الجمال العالمي.

هذا التنامي، جعل النقاشات في هذه الدورة، تُخصص حيِزاً كبيراً للأسواق الإقليمية عموماً، والشرق الأوسط خصوصاً، لتسليط الضوء على دورها في التأثير، وكيف ساهمت في تطوير علامات تجارية وتموضعها وتوسعها عالمياً.

هناك تزايد وإقبال كبير على مستحضرات العناية بالبشرة (أستيري)

منتجات العناية بالبشرة تتصدر المشهد العالمي باعتبارها أكبر فئة، مع توقعات بتجاوز 198 مليار دولار بحلول 2028، فيما تُعد العطور من أسرع الفئات نمواً بنسبة 9.2 في المائة بين 2025 و2026، تليها مستحضرات الماكياج بنسبة 6.8 في المائة، ومنتجات الوقاية من الشمس بنسبة 7.8 في المائة. كذلك يتوقع أن تتجاوز سوق العناية بالشعر 116 مليار دولار بحلول 2028 بمعدل نمو 6.6 في المائة، فيما ينمو قطاع العناية الرجالية بنسبة 7.1 في المائة.