هل تجاوز شركاء «فاغنر» الأفارقة أزمة مقتل بريغوجين؟

عقب ترجيحات بانتقال قيادة المجموعة للجيش الروسي

يفغيني بريغوجين (أرشيفية رويترز)
يفغيني بريغوجين (أرشيفية رويترز)
TT

هل تجاوز شركاء «فاغنر» الأفارقة أزمة مقتل بريغوجين؟

يفغيني بريغوجين (أرشيفية رويترز)
يفغيني بريغوجين (أرشيفية رويترز)

بعد أن أثار مقتل مؤسس مجموعة «فاغنر» يفغيني بريغوجين تساؤلات حول مستقبل التعاون الأمني الأفريقي-الروسي، رأى خبراء أن الشراكات العسكرية بين دول أفريقية وموسكو تجاوزت أزمة عدم اليقين بشأن «فاغنر»، مرجحين انتقال المسؤولية عن ذلك التعاون إلى وزارة الدفاع الروسية في الوقت الحالي.

وتزداد المؤشرات على استمرار التعاون الأمني والعسكري بين موسكو وحلفائها دون تأثر. وتأتي دولة أفريقيا الوسطى، التي تمثل مركزاً مهماً لنفوذ «فاغنر» في أفريقيا نموذجاً في هذا السياق. ووفق فيديليه غواندجيكا، وهو أحد مستشاري الرئاسة في بانغي، فإن «التمرد الفاشل لـ(فاغنر) في روسيا ومقتل قائد المجموعة، لم يتبعه أي تغيير في العلاقة بين بانغي وموسكو». وأوضح في تصريحات لـ«سي إن إن»، سابقا هذا الأسبوع، أن بلاده «تلقت مؤخراً تأكيدات من الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أن كل شيء سيظل كما كان في السابق... وسيكون الغد أفضل». تقرير «سي إن إن» خلص إلى أن الكرملين «يسعى للسيطرة بشكل كامل على أذرع (فاغنر) وشبكتها التجارية في القارة».

وكان رئيس جمهورية أفريقيا الوسطى فوستين آركانج تواديرا أكد سابقاً في تصريحات لـ«واشنطن بوست» أن تعاون بلاده مع موسكو لا يزال قائماً، وأنه «تعاقد مع الحكومة الروسية لا مع المجموعة». ووفق الصحيفة، أخطر مسؤولون روس تواديرا أن «الوجود الروسي سيستمر، ولكن تحت سيطرة وزارة الدفاع».

وسبق لنائب وزير الدفاع الروسي، يونس بك يفكوروف، والجنرال أندريه أفيريانوف من الاستخبارات العسكرية الروسية، أن زارا بانغي بعد مقتل بريغوجين، ليضعا الرئيس بصورة التطورات المقبلة، وفق «واشنطن بوست». كما زار يفكوروف وأفيريانوف باماكو للقاء قادة سياسيين من مالي وبوركينا فاسو، وفقا لما نقله موقع «فرنس 24» عن وسائل إعلام محلية ومصادر مختلفة على تطبيق «تلغرام».

تعاون مستمر

يرى محمد الأمين ولد الداه، الخبير الموريتاني في الشؤون الأفريقية، في تصريحات لـ«الشرق الأوسط» أن التعاون بين القيادات في مالي وبوركينا فاسو وروسيا لم يتأثر بتمرد «فاغنر» وموت بريغوجين. وقال إن ذلك يتضح من خلال «المواجهة العسكرية القائمة حالياً في مواجهة حركات التطرف والحركات المتمردة في البلدين التي تشهد انخراطاً وحضوراً روسياً مكثفاً، وربما بوتيرة أكبر مما سبق». ويعتقد الأمين ولد الداه أن «قوات (فاغنر) بقيت في تلك الدول، لكن قيادتها انتقلت إلى وزارة الدفاع الروسية لضمان الالتزام بالأولويات الأمنية والجيوسياسية الروسية».

في السياق، كان تقرير لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، قال الشهر الماضي، إن موسكو ترى أن مصلحتها تقتضي مواصلة «فاغنر» أنشطتها في أفريقيا وإنها لا تفكر في وضع حد لهذه الأنشطة. ونقل التقرير عن خبراء أن «استبدال عناصر (فاغنر) في أفريقيا غير مرجح لأنه سيتطلب إيجاد عناصر جدد لديهم شبكات الاتصال والخبرة اللازمة لمواصلة العمليات».

توحيد الصفوف

والشهر الماضي، دعا الرئيس الروسي فلاديمير بوتين جميع عناصر «فاغنر» وغيرهم من المتعاقدين العسكريين الروس إلى أداء قسم الولاء للدولة الروسية. وتضمنت صياغة القسم جملة يعد فيها أولئك الذين يؤدونه بـ«اتباع أوامر القادة وكبار القادة بدقة، كخطوة لصياغة الأسس الروحية والأخلاقية للدفاع عن روسيا»، بحسب ما أوردته «هيئة الإذاعة البريطانية».

وقبل أسابيع قليلة من تمرد بريغوجين الفاشل في يونيو (حزيران) الماضي، كانت وزارة الدفاع الروسية منحت مقاتلي «فاغنر» مهلة حتى 1 يوليو (تموز) لتوقيع عقود مع الجيش. ورفض بريغوجين التوقيع، وقال إنه لا يريد أن تعمل المجموعة التابعة له تحت إشراف الوزارة. وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف كان بدوره قد صرح بعيد تمرد بريغوجين أن «مجموعة (فاغنر) ستواصل عملياتها في مالي وجمهورية أفريقيا الوسطى». لافروف أكد أن قوات «فاغنر» تعمل وفق طلب حكومات البلاد الأفريقية وأن أنشطتهم التدريبية ستستمر.

من جانبه، قال محمود سيسي المحلل السياسي البوركينابي إن «موسكو ما زالت تتعاون بشكل مكثف مع حلفائها الأفارقة في النواحي الأمنية والعسكرية». وأضاف لـ«الشرق الأوسط» أن «قوات (فاغنر) لا تزال حاضرة، لكنها تنفذ ما تمليه القيادة العسكرية الروسية الرسمية».

ورأى سيسي أن «هدف وزارة الدفاع الروسية هو استيعاب (فاغنر) ضمن قواتها الرسمية لكن خوفا من اتهام النظام الروسي بقتل بريغوجين وقادة (فاغنر)، فلن تتسرع الوزارة في ذلك وسيتم الأمر بشكل تدريجي». وتوقع سيسي أنه «لدى اكتمال عملية دمج (فاغنر) في الجيش الروسي، ستعمل موسكو على إعداد قوات خاصة رسمية نظامية بمواصفات خاصة والتخلي عن نموذج التعاقد مع شركات عسكرية مرتزقة لتحافظ على المصالح الروسية في أفريقيا بشكل مستدام».


مقالات ذات صلة

موريتانيا: مطالب للحكومة بالتحرك بعد إعدام مواطنين في مالي

شمال افريقيا الرئيس الموريتاني محمد ولد الشيخ الغزواني (الرئاسة)

موريتانيا: مطالب للحكومة بالتحرك بعد إعدام مواطنين في مالي

حمل حزب «التجمع الوطني للإصلاح والتنمية» (تواصل)، أكبر أحزاب المعارضة في موريتانيا، اليوم السبت، حكومة بلاده مسؤولياتها الكاملة في حماية المواطنين.

«الشرق الأوسط» (نواكشوط)
أوروبا قال مراسل للتلفزيون الرسمي الروسي في تقرير بُثَّ الأحد: «ينشط ضباط وجنود من وحدة القوات المسلحة الروسية في 6 دول أفريقية» (رويترز)

التلفزيون الروسي: جيشنا ينشط في 6 دول أفريقية

ينشط الجيش الروسي في 6 دول أفريقية، وفق تقرير للتلفزيون الرسمي، في اعتراف قلما يحدث بمدى الوجود العسكري الرسمي لموسكو في هذه القارة.

«الشرق الأوسط» (موسكو)
أفريقيا تنظيم «القاعدة» يعلن مقتل 4 جنود في هجوم ضد الجيش المالي والفيلق الروسي (تواصل اجتماعي)

«القاعدة»: مقتل 4 جنود في هجوم ضد جيش مالي والفيلق الروسي

أعلن تنظيم «القاعدة»، الثلاثاء، مقتل 4 جنود على الأقل، خلال هجوم استهدف رتلاً من الجيش المالي، كان برفقته جنود من «الفيلق الروسي».

الشيخ محمد (نواكشوط)
أفريقيا الجيش المالي أكد مضيّه قدماً في الحرب على الإرهاب (إعلام محلي)

مالي: مقتل 15 إرهابياً بقصف للجيش

أعلن الجيش المالي أنه شن ضربات جوية على معاقل تابعة لجماعات إرهابية، وقتل ما لا يقل عن 15 إرهابياً، في محافظة سيغو، وسط البلاد.

الشيخ محمد (نواكشوط )
أفريقيا صورة نشرتها وزارة الدفاع البيلاروسية يوم الخميس 20 يوليو 2023 لمقاتلين من «فاغنر» وسط مناورات بميدان إطلاق نار بالقرب من مدينة بريست الحدودية (أ.ب)

ما بعد بريغوجين: تراجع النفوذ الروسي في أفريقيا يفتح الباب أمام عودة الغرب

يقول مسؤول عسكري أميركي رفيع إن بعض هذه الحكومات باتت تبحث من جديد عن قنوات تعاون مع واشنطن، حسب تقرير «وول ستريت جورنال»

إيلي يوسف (واشنطن)

«المنتدى الشامل للحوار» في إثيوبيا... تحرك جديد نحو المصالحة

رئيس مفوضية الحوار الوطني الإثيوبي مسفن أرايا (وكالة الأنباء الإثيوبية)
رئيس مفوضية الحوار الوطني الإثيوبي مسفن أرايا (وكالة الأنباء الإثيوبية)
TT

«المنتدى الشامل للحوار» في إثيوبيا... تحرك جديد نحو المصالحة

رئيس مفوضية الحوار الوطني الإثيوبي مسفن أرايا (وكالة الأنباء الإثيوبية)
رئيس مفوضية الحوار الوطني الإثيوبي مسفن أرايا (وكالة الأنباء الإثيوبية)

مرحلة سياسية جديدة تنتظرها إثيوبيا مع الإعلان عن عقد «المنتدى الشامل للحوار» في منتصف يوليو (تموز) المقبل، وسط تحديات أمنية مع إقليمي تيغراي وأمهرة وانتقادات من المعارضة.

المنتدى الذي يستمر 3 أسابيع، بمشاركة ممثلين عن الأقاليم الفيدرالية، يرى خبير في الشأن الإثيوبي تحدث لـ«الشرق الأوسط»، أنه سيدفع للتحرك نحو مصالحة وطنية وخفض النزاعات، مشدداً على أن عدم مشاركة بعض القوى والجماعات المسلحة في هذا الحوار قد يخلق تحديات، «لكن الحل الأمثل هو الانخراط في الحوار الأول من نوعه في تاريخ البلاد».

و«الحوار الوطني» هو عملية أطلقتها الحكومة الإثيوبية عام 2021 وتديرها لجنة وطنية، تم تدشينها في فبراير (شباط) 2022، مكونة من 11 مفوضاً، بهدف معالجة جذور النزاعات، وتعزيز السلام والمصالحة المستدامة بعد الحروب والاضطرابات، خاصة في إقليم تيغراي، وفي 29 مايو (أيار) 2024، بدأت إثيوبيا رسمياً المرحلة الأولى من الحوار الوطني.

وشهدت إثيوبيا، التي تتجه لإعلان فوز الحزب الحاكم بالأغلبية في الانتخابات العامة التي أجريت في 1 يونيو (حزيران) الحالي، أزمات عديدة، بينها اندلاع حرب بين «جبهة تحرير شعب تيغراي» والقوات الفيدرالية بين عامَي 2020 و2022 في إقليم تيغراي، وأودت بحياة مئات الآلاف من الأشخاص، بخلاف نحو مليون نازح.

ورغم تنظيم الانتخابات في عموم البلاد، استُثني إقليم تيغراي في الشمال، في ضوء استمرار التوتر بين السلطات الإقليمية هناك والسلطات الفيدرالية في العاصمة. وفي إقليم أمهرة الذي يضم نحو 20 مليون نسمة، هدَّدت ميليشيات «فانو» القومية بتعطيل العملية الانتخابية، وألغت هيئة الانتخابات التصويت في ثماني دوائر فقط من أصل 137.

محطة «مفصلية»

وتستعد إثيوبيا لـ«بلوغ محطة مفصلية في مسار الحوار الوطني الشامل، مع الإعلان عن انعقاد المنتدى الوطني الرئيسي للحوار في 15 يوليو المقبل»، بحسب ما نقلته وكالة الأنباء الإثيوبية، السبت.

وأعلن رئيس مفوضية الحوار الوطني الإثيوبي، البروفسور مسفن أرايا، بحسب الوكالة، أن جميع الاستعدادات اللازمة لانطلاق المنتدى الوطني قد اكتملت بنجاح، وذلك عقب عملية مشاورات واسعة النطاق شملت مختلف أنحاء البلاد.

ومن المقرر أن يستمر المنتدى الوطني الرئيسي، الذي سيُعقد في العاصمة أديس أبابا، لمدة ثلاثة أسابيع متتالية، بـ«مشاركة ممثلين عن طيف واسع من القوى السياسية والاجتماعية والدينية والمجتمعية من مختلف أنحاء إثيوبيا»، دون توضيح هل سيكون هناك تمثيل للمعارضة والمناهضين لرئيس الوزراء آبي أحمد أم لا.

مؤتمر صحافي لمفوضية الحوار الوطني الإثيوبي برئاسة مسفن أرايا (وكالة الأنباء الإثيوبية)

بدوره، يعتقد المحلل السياسي الإثيوبي زاهد زيدان، أن المنتدى الذي سيشارك فيه مغتربون إثيوبيون بالخارج في أكثر من 9 دول حول العالم، سيدفع إلى التحرك نحو المصالحة الوطنية وترك النزاعات. وأكد أن «جزءاً كبيراً ممن يحرصون على اللحمة الوطنية في إثيوبيا ومن ينشدون الصالح العام يرون أن الحوار الوطني هو الحل الأسمى والأكبر للأزمات الراهنة مهما كانت الخلافات».

فرصة لإنهاء التهديدات

وتراهن أديس أبابا على أن يمثل هذا المنتدى فرصة لإنهاء للخلافات بدلاً من الصراعات، وأفادت وكالة الأنباء الإثيوبية بأن المنتدى الوطني المقبل يمثل «إحدى أكثر عمليات التشاور السياسي أهمية في التاريخ الإثيوبي الحديث، خاصة في ظل التحديات التي تشهدها العديد من الدول حول العالم نتيجة تصاعد الاستقطاب والانقسامات المجتمعية، ومحاولة جادة لمعالجة الخلافات الوطنية عبر الحوار الشامل وبناء التوافق، بدلاً من اللجوء إلى الصراع أو الإقصاء السياسي».

وهذا يتماشى مع ما أعلنه مكتب رئيس الوزراء الإثيوبي في بيان صادر في السادس من يونيو الحالي بشأن الانتخابات؛ إذ أكد أن «معالجة الخلافات السياسية يجب أن تتم عبر الأطر الدستورية ومؤسسات الدولة والحوار الوطني».

والجمعة، نشرت وكالة الأنباء الإثيوبية، مقال رأي لمسؤولين بالبلاد أحدهما رضوان حسين، المدير العام لجهاز الاستخبارات والأمن الوطني الإثيوبي، حذرا فيه من اندلاع مواجهة جديدة مع تيغراي، داعياً إلى ضغط دولي «حازم يواجه أولئك الذين يسعون إلى تقويض اتفاق السلام في بريتوريا الموقع عام 2022 لمنع العودة إلى دوامة الصراع».

وحول مدى قبول المعارضة أو إقليم تيغراي بالمشاركة في هذا الحوار، أوضح المحلل السياسي الإثيوبي زاهد زيدان أن «هناك أعداداً كبيرة من المواطنين في تيغراي، وفي إقليم أمهرة، وفي أوروميا، وفي الأقاليم الأخرى، يشاركون بنشاط في هذا الحوار الوطني الواسع الذي يناقش معظم الملفات الشائكة الحالية في البلاد، ولم ينحز لقضية على حساب أخرى، ولم يفضل ملفاً على آخر، بل فتح باب التحاور في كافة الملفات بلا استثناء».

واعترف أن «هناك جزءاً بسيطاً من المعارضين المسلحين لا سيما في الإقليم لم ينخرط بعد في مثل هذه الحوارات الوطنية الشاملة أو في خطوة الإصلاح هذه، وذلك سعياً وراء مصالح أو نقاط خاصة بهم».

وحذر زيدان من «عدم انخراط كافة العناصر والقوى في المنتدى ما قد يُصعّب بعض الأمور عما هي عليه»، مؤكداً أن الحل الأنسب والسيناريو الأفضل لحل الأزمات الشاملة في البلاد هو هذا الحوار الوطني، خاصة وهو الأول من نوعه تاريخياً في البلاد، ويتناول تسوية النزاعات مثل بعض الحساسيات الدينية، أو الحساسيات العرقية، أو حتى القبلية.


متمردون سابقون في صفوف «بوكو حرام» يسعون إلى «بداية جديدة»

وقف المقاتلون السابقون يرتدون قمصانا بيضاء وتلقوا نسخاً من المصحف أقسموا عليها في حضور ممثلين للسلطات بأنهم لن ينضموا مجدداً إلى الجماعات المتمردة (أ.ف.ب)
وقف المقاتلون السابقون يرتدون قمصانا بيضاء وتلقوا نسخاً من المصحف أقسموا عليها في حضور ممثلين للسلطات بأنهم لن ينضموا مجدداً إلى الجماعات المتمردة (أ.ف.ب)
TT

متمردون سابقون في صفوف «بوكو حرام» يسعون إلى «بداية جديدة»

وقف المقاتلون السابقون يرتدون قمصانا بيضاء وتلقوا نسخاً من المصحف أقسموا عليها في حضور ممثلين للسلطات بأنهم لن ينضموا مجدداً إلى الجماعات المتمردة (أ.ف.ب)
وقف المقاتلون السابقون يرتدون قمصانا بيضاء وتلقوا نسخاً من المصحف أقسموا عليها في حضور ممثلين للسلطات بأنهم لن ينضموا مجدداً إلى الجماعات المتمردة (أ.ف.ب)

أمضى إبراهيم محمد (32 عاماً) سنوات في الغابات بشمال شرقي نيجيريا، حيث كان مقاتلاً في صفوف جماعة «بوكو حرام» الإرهابية المسلحة. لكن في أحد الأيام، تلقى رسالة من والدته غيّرت مسار حياته. وقال محمد لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، الجمعة: «وصلتني رسالة مصورة من والدتي، تتوسّل إليَّ أن أترك الجماعة، وأسلم السلاح، وأعود إلى البيت».

خلال حفل اختتام برنامج لإعادة تأهيل مسلحين عملوا سابقاً في صفوف «بوكو حرام» (أ.ف.ب)

وقال متحدثاً خلال حفل اختتام برنامج لإعادة تأهيل المسلحين السابقين في مايدوغوري، كبرى مدن ولاية بورنو، والتي تعدّ مركزاً للتمرد المسلح المستمر منذ 17 عاماً: «كان لذلك وقع شديد عليَّ، أدركت أن عائلتي لا تزال تهتمّ بي، وتريد عودتي. عندها قررت مغادرة الغابات والتوجه إلى مايدوغوري».

ومنذ عام 2009، أسفرت أعمال العنف التي تشنّها جماعة «بوكو حرام» ثم تنظيم «داعش» في غرب أفريقيا المنافس لها عن مقتل عشرات الآلاف، وتشريد ملايين الأشخاص في شمال شرقي نيجيريا، أكبر بلدان أفريقيا من حيث التعداد السكاني.

محتجون في شوارع لاغوس يرفعون شعارات تشجب اختطاف الأطفال (أ.ف.ب)

وكان محمد ضمن مجموعة من نحو 720 مسلحاً سابقاً أنجزوا مؤخراً برنامجاً لإعادة الدمج والتأهيل تطبقه حكومة الولاية. ووقف المقاتلون السابقون تحت شمس حارقة يرتدون قمصاناً (تي شيرت) بيضاء، وتلقوا نسخاً من المصحف أقسموا عليها في حضور ممثلين للسلطات بأنهم لن ينضموا مجدداً إلى جماعات متمردة. وكان بينهم قادة سابقون قال أحدهم ويدعى بولاما مختار (36 عاماً) إنه أعطى موافقته على قتل ابنه بعدما رفض المشاركة في هجوم على قرية، كما يهدف البرنامج، الذي يضم نساءً وأطفالاً كانوا محتجزين لدى المجموعات المسلحة، بحسب المسؤولين إلى منحهم الاستقلالية.

أوبا ساني حاكم ولاية كادونا يصافح رعايا كنيسة اختُطفوا سابقاً من قِبل مجموعات مسلحة بعد عودتهم (أ.ب)

وأوضح سابي عبد الله إسحاق المستشار الأمني لحاكم ولاية بورنو أن ما لا يقل عن 9680 شخصاً استفادوا من البرنامج منذ إطلاقه عام 2021 في إطار خطة لاستئصال التطرف.

ويقضي المشاركون عدة أشهر في مخيم في مايدوغوري، حيث يتم تدريبهم على مهن مثل إصلاح السيارات والخياطة.

وقال إسحاق إن «البرنامج مصمم لمنح المشاركين مهارات مهنيّة ودعماً نفسياً والأدوات الضرورية لإعادة بناء حياتهم كمواطنين مسؤولين ومنتجين». وأكد بعض المقاتلين السابقين لـ«وكالة الصحافة الفرنسية» أنهم خُدعوا، وأن العنف المسلح الذي تمارسه جماعة «بوكو حرام» بهدف إقامة دولة خلافة لا يمت بصلة إلى الإسلام.

جندي يقف حارساً في قرية وورو بولاية كوارا بعد الهجوم الإرهابي (أ.ب)

وقال مصطفى كاكا (36 عاماً) الذي وصل إلى مرتبة مساعد قائد في الجماعة: «أدركت أن العنف والمعاناة اللذين نلحقهما بأبرياء لا صلة لهما بالدعوة الحقيقية». كما أشار مقاتلون سابقون إلى صعوبة الحياة في الجبال والغابات بشمال شرقي البلاد، موضحين أنهم كانوا يتنقلون باستمرار، ويقضون أحياناً أياماً كاملة دون أن يناموا.

وبقيت يا فانا عيسى (25 عاماً) 10 سنوات رهينة لدى الجماعة بعد خطفها من قريتها، فتزوجت مقاتلاً، وأنجبت 4 أطفال. وتمكنت في نهاية المطاف من الفرار مصطحبة اثنين من أطفالها، بينما بقي الاثنان الآخران مع والدهما، وقالت: «أريد بداية جديدة، والعيش بسلام»، مضيفة: «آمل أن تتاح لأطفالي فرص لم أحظ بها يوماً».


أزمة تيغراي... مسار قلق إثيوبي بانتظار مقاربة دولية

مسلحون في تيغراي يقومون بتسليم الأسلحة الخفيفة إلى قوات الدفاع الإثيوبية (وكالة الأنباء الإثيوبية)
مسلحون في تيغراي يقومون بتسليم الأسلحة الخفيفة إلى قوات الدفاع الإثيوبية (وكالة الأنباء الإثيوبية)
TT

أزمة تيغراي... مسار قلق إثيوبي بانتظار مقاربة دولية

مسلحون في تيغراي يقومون بتسليم الأسلحة الخفيفة إلى قوات الدفاع الإثيوبية (وكالة الأنباء الإثيوبية)
مسلحون في تيغراي يقومون بتسليم الأسلحة الخفيفة إلى قوات الدفاع الإثيوبية (وكالة الأنباء الإثيوبية)

رغم أن الانتخابات الإثيوبية العامة التي تمت مطلع يونيو (حزيران) الحالي، تُظهر نتائجها الأولية حالة من الاستقرار مع فوز كبير لحزب «الازدهار» الحاكم، فإن إقليم تيغراي، الذي تتوتر علاقاته مع رئيس الوزراء آبي أحمد، لا يزال نقطة تشغل حيزاً من تفكير أديس أبابا مع عدم تنظيم اقتراعات في الإقليم ومخاوف من تجدد الصراع.

تلك المخاوف التي ترجمتها تحذيرات نشرتها «وكالة الأنباء الإثيوبية»، الجمعة، تشي بأن الإقليم الذي خاض حرباً ذات تكلفة عالية مع الحكومة الفيدرالية قبل سنوات لا يزال مسار قلق إثيوبي، وأن التدخل الدولي لوقف اندلاع حرب جديدة يحمل أولوية، وفق ما يراه برلماني إثيوبي تحدث لـ«الشرق الأوسط».

تحذيرات إثيوبية

التحذيرات الإثيوبية من اندلاع مواجهة جديدة مع تيغراي، كانت لافتة، الجمعة، في مقال رأي نشرته وكالة الأنباء الرسمية للبلاد، تحت عنوان «يجب ألا تُدفع إثيوبيا مجدداً إلى أتون الحرب»، ومدون باسم غيتاتشو ردا، مستشار الوزير لشؤون شرق أفريقيا في الحكومة الإثيوبية، والرئيس السابق للإدارة الإقليمية المؤقتة لإقليم تيغراي، ورضوان حسين، المدير العام لجهاز الاستخبارات والأمن الوطني الإثيوبي، وكبير المفاوضين عن الحكومة الفيدرالية خلال محادثات السلام في بريتوريا عام 2022.

وحسب المسؤولين الإثيوبيين، فإن «(اتفاق بريتوريا) في 2022 شكل بارقة أمل ومنعطفاً حاسماً لمنطقة أنهكتها الحرب والدمار. واليوم، ينبغي أن يواجه أولئك الذين يسعون إلى تقويض هذا الاتفاق ضغطاً دولياً حازماً لمنع العودة إلى دوامة الصراع».

وتحدثا عن أن «جهات مرتبطة بإريتريا أسهمت في تنسيق تحالف بين القوى المعارضة للاتفاق، ضمن إطار أُطلق عليه اسم (سيمدو)؛ بهدف الحفاظ على حالة التوتر والصراع»، في حين «تشير المؤشرات اليوم إلى أن هذا التحالف، الذي تشكل عبر اجتماعات عقدت في أسمرة ومقلي الإثيوبية والسودان، يستعد للدفع نحو جولة جديدة من المواجهات المسلحة».

مخاوف من تجدد الصراع في إقليم تيغراي في إثيوبيا (وكالة الأنباء الإثيوبية)

وحسب الوقائع التي يتحدث عنها المسؤولان الإثيوبيان، فهناك «جناح متشدد داخل (الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي) أقدم على تفكيك الإدارة الإقليمية المؤقتة وإنشاء إدارة بديلة بصورة أحادية، كما واصل عمليات التجنيد والتدريب والتسليح بدعم مباشر من الحكومة الإريترية، إلى جانب إقصاء الأصوات الداعية إلى السلام والالتزام باتفاق بريتوريا».

وخلص المسؤولان إلى أن «منع العودة إلى الصراع يتطلب من جميع الأطراف الدولية والإقليمية التي تمتلك نفوذاً أو تأثيراً على (الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي) وداعميها ممارسة أقصى درجات الضغط للحيلولة دون انهيار عملية السلام»، مؤكدين أن «استئناف الأعمال العدائية لن يشكل خطراً على إثيوبيا وحدها، بل ستكون له تداعيات خطيرة على استقرار المنطقة بأكملها».

وتأتي تلك التحذيرات بعد أقل من أسبوعين من إجراء الانتخابات العامة السابعة التي شهدتها البلاد، التي تنافس فيها أكثر من 10438 مرشحاً من 42 حزباً سياسياً على مقاعد مجلس نواب الشعب والمجالس الإقليمية.

تقريب وجهات النظر

ويرى البرلماني الإثيوبي، محمد نور أحمد، أن «نجاح الانتخابات من دون أي مشاكل تذكر هو الإنجاز الأول، باستثناء بعض الأماكن المحدودة رغم التوقعات السلبية التي كانت تروّج لها بعض الجهات، والتي ادّعت غياب الاستقرار واحتمالية حدوث اضطرابات تحول دون إجراء الانتخابات، ولقد تخطينا تلك العقبات وأنجزنا الانتخابات بنجاح، معرباً عن ثقته في تجاوز هذه المرحلة الصعبة في تيغراي عبر تقريب وجهات النظر والوصول إلى حلول سلمية.

ورغم إبرام اتفاق سلام عام 2022 لإنهاء الحرب الأهلية في تيغراي، التي تتحدث إحصائيات رسمية أنها تسببت في مقتل مئات الآلاف، فإن خطوة اتخذها الحزب السياسي الرئيسي هناك الشهر الماضي لإعادة فرض سيطرته على الإدارة السياسية للمنطقة دفعت إلى استثناء إقليم تيغراي في الشمال، في ضوء استمرار التوتر بين السلطات الإقليمية هناك والسلطات الفيدرالية في العاصمة.

وفي إقليم أمهرة الذي يضم نحو 20 مليون نسمة، هدَّدت ميليشيات «فانو» القومية بتعطيل العملية الانتخابية؛ ما تسبب في إلغاء هيئة الانتخابات التصويت في ثماني دوائر فقط من أصل 137.

ووسط تلك التوترات، أعلن مكتب رئيس الوزراء الإثيوبي في بيان صادر في السادس من يونيو (حزيران) الحالي بشأن الانتخابات، أن «معالجة الخلافات السياسية يجب أن تتم عبر الأطر الدستورية ومؤسسات الدولة والحوار الوطني».

مسلحون سابقون في تيغراي خلال إعادة تأهيلهم ودمجهم (وكالة الأنباء الإثيوبية)

وجاء هذا الحديث مع ترجيحات بأن «حزب (الازدهار) سيهيمن على الانتخابات في مواجهة معارضة متشرذمة أضعفتها الخصومات الداخلية»، وفق ما ذكرت «رويترز» في تقرير سابق.

ويتوقع البرلماني الإثيوبي، محمد نور أحمد أن «تتدخل الجهات الإقليمية والدولية وتسهِم في حل هذه المشكلة كما فعلت سابقاً في (اتفاق بريتوريا)، فنحن شعب واحد وبلد واحد، ولا يوجد عائق لا يمكن تجاوزه إذا توفرت الإرادة القوية، وهذه الأزمة ستحل قريباً».

ودعا المنظمات الدولية والإقليمية للمشاركة الفعالة في دعم التقارب وحل المشكلات العالقة، مشدداً على أن هذا المسار هو ما تتطلع إليه الدولة في المرحلة المقبلة.

وشدد البرلماني الإثيوبي على رفض العودة إلى مربع الصراع المسلح، مضيفاً: «أملنا ألا تتكرر الحرب مرة ثانية، فقد تعلمنا درساً قاسياً من الحروب السابقة التي ألحقت أضراراً جسيمة بالجميع، والحرب ليست في مصلحة أحد».

وأكد أن «الحل بات قريباً، سواء عبر التدخل الدبلوماسي الدولي أو الإقليمي، لضمان استقرار البلاد وتجنب أي مواجهات عسكرية مستقبلية».