الاعتداءات على العرب في تركيا... عنصرية متجذّرة أم حوادث فردية؟

«الشرق الأوسط» ترصد تصاعد حملات التحريض على الكراهية وجهود مكافحتها

مهاجرة تطلّ من سياج حدودي مع سوريا في شانلي أورفا، مايو 2023 (غيتي)
مهاجرة تطلّ من سياج حدودي مع سوريا في شانلي أورفا، مايو 2023 (غيتي)
TT

الاعتداءات على العرب في تركيا... عنصرية متجذّرة أم حوادث فردية؟

مهاجرة تطلّ من سياج حدودي مع سوريا في شانلي أورفا، مايو 2023 (غيتي)
مهاجرة تطلّ من سياج حدودي مع سوريا في شانلي أورفا، مايو 2023 (غيتي)

كشفت سلسلة من الاعتداءات وقعت في الفترة الأخيرة في تركيا عن تبلور نزعة عنصرية ضد العرب على وجه التحديد، وإن بدت في ظاهرها حوادث فردية وشجارات عادية، ربما يقع مثلها الآلاف في أنحاء العالم يومياً، إلا أن تواليها وحجم انتشارها على منصات التواصل الاجتماعي فجّرا تساؤلات عما إذا كان القوميون المتطرفون في تركيا نجحوا في تعبئة الشارع التركي ضد كل ما هو عربي، وعن المدى الذي يمكن أن تصل إليه هذه الاعتداءات، وما الذي ستفعله حكومة الرئيس رجب طيب إردوغان لمواجهة هذا التيار الذي يشكل تحدياً كبيراً لها.

بل إن السؤال الأكثر إلحاحاً في ظل هذه الموجة غير المسبوقة من التحريض على كراهية العرب، هو: هل اضطرت الحكومة لغض الطرف عن تلك الحوادث لترفع عن كاهلها ضغوط المعارضة وقطاع عريض من الشعب التركي؟ خاصة أن الحملات ضد الأجانب تفاقمت خلال موسم الانتخابات البرلمانية والرئاسية في مايو (أيار) الماضي، مع استغلال المعارضة ملف اللاجئين السوريين والعرب الحاصلين على الجنسية التركية ورقة ضغط ضد الحكومة.

فبعدما أصبح الخطاب المعادي لبقاء اللاجئين السوريين في تركيا معتاداً ويجري التعامل معه على صعيد تصريحات التهدئة والطمأنة إلى جهود إعادتهم بشكل آمن إلى بلادهم، اتسع الخطاب ليشمل المقيمين والسياح العرب، لدرجة الخوف من الحديث باللغة العربية في أي مكان، خاصة في المواصلات العامة، بعد تفشي تيار العنصرية وتأثر الشارع التركي، بمن في ذلك قسم لا بأس به من المحافظين، الذين يعانون أيضاً لوناً آخر من العنصرية داخل بلادهم.

في التحقيق التالي محاولة للإجابة عن التساؤلات حول صعود التيار العنصري الرافض لوجود الأجانب، ولا سيما العرب في تركيا، وكيف تتعامل حكومة إردوغان مع الضغوط التي تتعرض لها في هذا الملف.

نقطة فارقة

شكّلت جولة الإعادة في الانتخابات الرئاسية في مايو (أيار) النقطة الفارقة في ملف «العنصرية الجديدة» بتركيا، وانتشرت سريعاً عبر منصات التواصل الاجتماعي مشاهد الاعتداءات والإهانات للعرب وحوادث الاعتداء التي تبدو فردية، لكنّها ناتجة عن التعرض لسيل من التحريض على كراهية العرب، ووصل الأمر بعد الانتخابات إلى حد قتل السياح أحياناً.

مشاة في إحدى مناطق أضنة حيث يقيم عدد كبير من اللاجئين السوريين، مايو 2023 (غيتي)

ونجحت المعارضة العلمانية، ومعها القوميون المتشددون، في تطوير استخدام ورقة اللاجئين والأجانب، التي لم يفلحوا من خلالها في الفوز بالانتخابات، إلى أداة لشحن المجتمع التركي مستغلين الأزمة الاقتصادية الضاغطة على الأتراك.

وبعد أن كان الحزب الحاكم يكرس جهده لنزع هذه الورقة من يد المعارضة عبر سلسلة إجراءات اتخذتها حكومة إردوغان عقب الانتخابات، تمثّلت في حملات لترحيل المهاجرين غير الشرعيين ومخالفي شروط الإقامة، أصبحت تواجه أسئلة أخرى تتعلق بقدرتها على توفير الأمن للأجانب والسياح العرب، وعن سبب تقاعسها في إصدار قانون لمكافحة العنصرية.

فخلال السنوات الثلاث الماضية، وبالتزامن مع ازدياد الضغوط الاقتصادية، أطلقت أحزاب المعارضة التركية حملات إعلامية وعبر عشرات الحسابات على منصات التواصل الاجتماعي للتحريض ضد اللاجئين السوريين بشكل خاص، ثم العرب بوجه عام.

وتصاعدت هذه الحملات خلال جولة الإعادة من الانتخابات الرئاسية، عندما وعد مرشح المعارضة كمال كليتشدار أوغلو بترحيل السوريين فوراً، حال فوزه بالانتخابات لتخليص المجتمع التركي.

وسعت المعارضة بعد خسارتها الانتخابات إلى توظيف قضية اللاجئين السوريين والأجانب في تركيا ورقة للضغط على إردوغان وحزب العدالة والتنمية الحاكم الذي تسبب، من وجهة نظرهم، في فتح الأبواب أمام المهاجرين والعرب لـ«استعمار تركيا»، وإبقاء هذه الضغوط حتى إجراء الانتخابات المحلية المقررة في 31 مارس (آذار) 2024.

وفي الأيام الأخيرة، سيطرت حادثة الاعتداء على السائح الكويتي محمد راشد العجمي في مدينة طرابزون بمنطقة البحر الأسود في شمال تركيا على مواقع التواصل الاجتماعي في تركيا والعالم العربي، وأخذت حيزاً واضحاً من الاهتمام السياسي بين الكويت وتركيا، بعد أن جرى التعامل معها على أنها دليل جديد على العنصرية تجاه العرب في تركيا. وسبق هذه الحادثة مقتل مواطن مغربي في إسطنبول بسبب خلاف مع سائق سيارة أجرة، ما أدى إلى إطلاق حملات في المغرب ودول خليجية تدعو لمقاطعة السياحة إلى تركيا.

وقبلها أيضاً تعرض طفلان يمنيان للضرب المبرح على أيدي أتراك في أحد المجمعات السكنية بسبب شجار مع طفل تركي، كما وقعت مشادات بين سياح خليجيين وعمال أتراك، وصلت إلى حد الاعتداء بالضرب في أحد المراكز التجارية في إسطنبول.

وخلال الأسبوع الأخير وحده، تعرض مصريون للاعتداء في أحد المطاعم في منطقة تقسيم في إسطنبول بسبب اعتراضهم على أسعار الطعام، وقُتل 3 سوريين في كونيا (وسط) وإزمير (غرب) في مشاجرات، لأسباب ربما توصف بـ«التافهة» لكنها تنم عن تأثر بحملة الكراهية التي يقودها منذ أكثر من عامين رئيس حزب «النصر» القومي المتطرف أوميت أوزداغ، المعروف بعدائه للسوريين والعرب والأفغان، ومناهضته لوجود الأجانب بشكل عام.

حملات كراهية

ولعبت المعارضة خلال الانتخابات على ورقة اللاجئين والأجانب، ووضعها مرشح المعارضة للرئاسة رئيس حزب الشعب الجمهوري كمال كليتشدار أوغلو على رأس حملته الانتخابية، وكذلك حزب «الجيد» الذي تترأسه ميرال أكشنار، لا سيما في جولة الإعادة للانتخابات الرئاسية.

كمال كليتشدار أوغلو دعا إلى ترحيل ملايين اللاجئين خلال تجمّعات حملته الانتخابية، مايو 2023 (غيتي)

كما جاهر أوزداغ بالعداء الصريح وخطاب العنصرية، الذي بدأه قبل عامين، وشن حملات تدعو إلى طرد السوريين والأفغان وغيرهم من البلاد، زاعماً أنهم سبب المشاكل الاقتصادية التي تعانيها تركيا.

وبعد حادثة السائح الكويتي، تحوّل الأمر إلى سجال بين الحكومة والمعارضة التي تحملها المسؤولية عن الوضع الراهن. وأعلن المستشار السابق لرئيس الجمهورية العضو البارز في الحزب الحاكم، ياسين أقطاي، أن الحملات ضد العرب في تركيا كلفتها خسارة 5 مليارات دولار من عائدات السياحة، بسبب تصوير بعض الحوادث العادية على أنها عنصرية ضد العرب. كما أشارت وسائل إعلام قريبة من الحكومة إلى انسحاب مليار دولار من رؤوس الأموال الخليجية من تركيا بسبب هذه الحملات في تركيا وصداها في العالم العربي.

وقال الصحافي المخرج السينمائي التركي القريب من الحكومة، إرم شنتورك، إن هجمات «العصابات المعادية للأجانب» والعنصرية في تركيا، أضرّت بالسياحة وزادت العداء ضد العرب. ولفت إلى أن رئيس حزب «النصر»، وحزب الشعب الجمهوري، مع حزب العمال الكردستاني (مصنف تنظيماً إرهابياً)، حققوا أهدافهم، وبدأت التساؤلات الموجهة لتركيا: «هل أنتم أعداء للعرب؟ هل أنتم أعداء للمسلمين؟».

وكتب شنتورك في حسابه على «إكس» أن كراهية الأجانب هي في الواقع عداء تجاه الأتراك، قائلاً: «ستتم مناقشة قانون الأسرة مرة أخرى، ولن تبقى تركيا دون رد على العداء للإسلام».

استغلال الأزمة الاقتصادية

واستغلت الحملات المناهضة للسوريين والعرب والأجانب الوضع الاقتصادي في تركيا عبر تحميلهم المسؤولية عن البطالة في العديد من القطاعات لقبولهم العمل بأجور متدنية ومن دون تأمينات صحية أو اجتماعية، فضلاً عن استفادة اللاجئين السوريين من الدعم المالي وخدمات صحية «لا يحصل عليها الأتراك إلا بمقابل كبير»، وزيادة إيجارات المساكن وغلاء الأسعار والتضخم.

لاجئون سوريون مقيمون في كهرمان مرعش وهاتاي يعودون إلى سوريا في إطار مشروع «العودة الطوعية»، يونيو 2023 (غيتي)

وبدأت حملات الكراهية والتحريض باستهداف السوريين أولاً، وباتت واضحة بشكل كبير بعد إطلاق تركيا عملياتها العسكرية في شمال سوريا عام 2016، لينالوا النصيب الأكبر من الاعتداءات اللفظية والجسدية، قبل أن تتطور الحملة لتشمل مختلف الجنسيات العربية، حتى السائحين.

وجاء السوريون أولاً لأنهم يشكلون الكتلة الكبرى من اللاجئين العرب في تركيا، التي استقبلتهم قبل لاجئين فلسطينيين وعراقيين، ثم يمنيين وتونسيين وليبيين ومصريين بعد انتفاضات ما يسمى «الربيع العربي»، لكن الحملات الانتخابية للمعارضة أولتهم النصيب الأكبر من الخطابات العدائية، وحملتهم المسؤولية عن ارتفاع معدلات الجريمة والبطالة، بينما توضح إحصائيات وزارة الداخلية أن نسبة المتورطين في الجرائم من السوريين لم تتجاوز 1.3 في المائة.

ويوجد في تركيا، بحسب الإحصاءات الرسمية الأخيرة، نحو 3.4 مليون سوري حاصلين على بطاقات الحماية المؤقتة (كيمليك)، كما حصل نحو 230 ألفاً على جنسيات استثنائية، وإن كانت المعارضة تقول إن الرقم أعلى بكثير.

ودفعت تلك الحملات قطاعاً عريضاً من الشعب التركي إلى الاعتقاد بأن الأزمة الاقتصادية في بلادهم هي نتيجة مترتبة على الأعداد الكبيرة للاجئين السوريين والعرب والأفغان وغيرهم من الأجانب المقيمين في البلاد. واللافت أن الاعتداءات لم توجه إلى غير العرب، كما أنه يسود اعتقاد لدى كثيرين بأن كل من يتحدث العربية هو سوري، ولذلك فإن أي عربي في تركيا الآن بات هدفاً محتملاً إن لم يكن للاعتداء الجسدي، فللاعتداء اللفظي.

مهاجر سوري يطلّ من سياج حدودي مع سوريا في شانلي أورفا، مايو 2023 (غيتي)

وتقول نوران أوزدمير، مواطنة تركية في العقد الخامس من عمرها، لـ«الشرق الأوسط»، «إنهم (العرب) يأتون إلى هنا يأخذون الوظائف التي لا يحصل عليها شبابنا، ويحظون برعاية صحية ربما لا تتوفر لنا.؟. العرب لم يكونوا يوماً عوناً لنا... يجب أن يرحلوا... لا نريدهم في بلادنا... لدينا ما يكفينا... لقد كنا في وضع أفضل كثيراً قبل مجيئهم إلى هنا». وأضافت: «شبابنا يقتل في الحرب في سوريا، بينما السوريون هنا يتجولون في الشوارع وعلى الشواطئ ويعيشون أفضل منا ويحصلون على مختلف أنواع الدعم».

العربي بات هدفاً

لفت مضر أحمد، وهو لاجئ سوري يقيم في إسطنبول منذ اندلاع الحرب الداخلية في بلاده، إلى أن الوضع أصبح صعباً جداً، «أصبحنا نخشى الخروج من بيوتنا، فقد أصبح العرب عموماً، والسوريون خصوصاً، هدفاً للعنصرية إلى حد أنهم يعجزون الآن عن استئجار منزل ليسكنوا فيه لرفض الأتراك تأجير البيوت لهم». وأضاف أن «العنصرية ضدنا، نحن السوريين، ليست وليدة الانتخابات. فمنذ سنوات ونحن نتعرض للتهديدات وتشويه السمعة، فضلاً عن اتهامات السياسيين لنا بالمسؤولية عن ارتفاع معدلات الجريمة، وعن الأزمة الاقتصادية. والأسوأ أن غالبية الأتراك باتوا يصدقون ذلك، وبات جميع العرب الآن عرضة للاعتداءات الجسدية واللفظية، ما ينذر بالأسوأ».

جانب من إعلان وزير الداخلية التركي السابق سليمان صويلو إطلاق مشروع «العودة الطوعية» في جرابلس، مايو 2023 (غيتي)

لم يختلف الأمر بالنسبة للطالب الجامعي العراقي الذي يدرس بجامعة إسطنبول، علي هاشم، الذي قال إنه نصح زملاءه العرب بعدم التحدث بالعربية في الأماكن العامة، خصوصاً في وسائل النقل العام، مؤكداً أن الوضع بات صعباً وأنه أصبح يشعر بالعداء تجاهه إذا تحدث العربية فضلاً عن أنه لا يشبه الأتراك. وكشف عن أنه تعرض للاعتداء الجسدي داخل أحد محال البقالة، حيث رفض البائع أن يعطيه احتياجاته عندما اكتشف أنه عربي، قائلاً إنه لا يبيع للسوريين، ورفض الاستماع إليه عندما قال له إنه ليس سورياً وليس لاجئاً، وهدده بأن يطلب له الشرطة لترحيله إلى سوريا. وأضاف أن مجموعة من الشباب كانوا خارج المحل وعندما سمعوا نقاشه مع البائع دخلوا إلى المحل وبدأوا الاعتداء عليه بالضرب، ولم ينقذه سوى صراخ امرأة كانت تشتري بعض احتياجاتها وتعاطفت معه. وأكد أنه بات يخشى الخروج من المنزل، أو الذهاب إلى الجامعة أو دعوة أصدقائه لزيارته حتى لا يتعرضوا للاعتداء مثله.

«عمل ممنهج»

أكّد رئيس تجمع المحامين السوريين الأحرار في تركيا، غزوان قرنفل، لـ«الشرق الأوسط»، أنه لم يعد هناك أمان للاجئين السوريين في تركيا، الذين بدأ بهم التيار العنصري، ثمّ اتجه إلى العرب بعد ذلك، موضحاً أن الخطاب العنصري ضد اللاجئين الذي سبق العملية الانتخابية هو جزء من خطاب قطاع عريض من الشعب التركي، أدى بالنهاية إلى سقوط قتلى وجرحى. وأكد أن ما يحدث الآن لا يمكن أن يكون صدفة، كما لا يمكن وضعه في إطار الحوادث الفردية، «فهذا عمل منظم وممنهج يكشف عنه حجم العمل على منصات التواصل الاجتماعي، خاصة (إكس) ضد السوريين والعرب». وتابع أن «الاحتكاكات والجرائم التي وصلت إلى القتل لا يمكن أن نقول إنها عمل غير ممنهج، فلولا التعبئة والخطاب التحريضي عبر وسائل التواصل الاجتماعي ما شهدنا الجرائم التي بدأت تتزايد خلال الفترة الأخيرة، ويكفي القول إنه خلال الأسبوع الأخير فقط قُتل 3 سوريين في كونيا وإزمير من دون سبب».

استغلت الحملات المناهضة للسوريين والعرب والأجانب الوضع الاقتصادي في تركيا عبر تحميلهم المسؤولية عن البطالة (أ.ب)

ولفت قرنفل إلى غياب إحصاءات دقيقة عن عدد الحالات التي تتعرض للجرائم العنصرية، لكن على مدى ما يقرب من 10 سنوات، قُتل ما بين 20 و30 سورياً في جرائم عنصرية، وغالبية السوريين وغيرهم ممن يتعرضون لهذه الحوادث لا يبلغون الشرطة، إما بسبب أنهم يخشون أن يلقوا معاملة سيئة أو لأنه لن يعتد بشكاواهم، مضيفاً: «لذلك أنصح السوريين وكل من يتعرض لهذه الاعتداءات بالتوجه إلى النيابة العامة، وليس لمراكز الشرطة».

ونبّه إلى أن المسألة تجاوزت الحدود، ولا يمكن وضعها في إطار التصرفات الفردية، لافتاً إلى أن هذا نذير خطر ليس على السوريين ولا العرب والأجانب فقط ولكن على شريحة من الأتراك المحافظين. ورأى قرنفل أن «الدولة نفسها انتبهت إلى ذلك، وحذر الرئيس التركي مَن يروجون للخطابات العنصرية ضد اللاجئين والمهاجرين وضد المحافظين، خاصة النساء اللاتي يرتدين الحجاب، بأنه لن يتم السكوت عن أي تصرف وسيواجه بالقانون». وشدد قرنفل على أنه يجب على الدولة أن تقوم بدورها الآن على الفور، لأن وظيفتها توفير الأمن والأمان للناس سواء من المواطنين أو المقيمين أو اللاجئين ويتعين مساءلتها على التقصير في هذا الواجب.

ونبه المحامي إلى أن هناك تياراً عنصرياً «متأصلاً وله جذوره في المجتمع التركي». وقال إنه يختلف مع مَن يقولون إن السياسي القومي المتعصب، أوميت أوزداغ، هو من زرع شجرة العنصرية في تركيا، ورأى أن «جذور هذه الشجرة كانت موجودة وهو من قام بريها حتى تترعرع من جديد».

غياب الإحصاءات الدقيقة

بحسب مصدر أمني، تحدث لـ«الشرق الأوسط» شريطة عدم الإفصاح عن اسمه، تأخذ غالبية الحوادث طابع الشجار بين الجيران أو في المطاعم أو المراكز التجارية أو الاحتكاك اللفظي في وسائل النقل والمواصلات العامة، وتنتهي غالباً قبل الوصول إلى مراكز الشرطة، أو بتنازل أطرافها عن الشكاوى. وقال إن ما تم رصده من شجار أو اعتداءات كان اللاجئون السوريون أو العرب بشكل عام طرفاً فيها منذ عام 2020 لا تزيد على 100 حادثة، لافتاً إلى أن الأشهر الأخيرة شهدت تسليطاً للضوء على هذه الحوادث عبر وسائل التواصل الاجتماعي داخل تركيا وخارجها بشكل مثير للقلق، «ومبالغ فيه في كثير من الأحيان»، على حد قوله.

وشدد على أن أجهزة الأمن التركية تتدخل في أي حادثة، سواء ما يقع في الشوارع من مشاجرات أو التي يتم الإبلاغ عنها أو التي تتداول عبر وسائل التواصل الاجتماعي، أو بأي طريقة للنشر، فضلاً عن تتبع الحسابات التي تحرض على الكراهية ضد الأجانب أو بعض فئات الشعب التركي وتوقيف المسؤولين عنها وحظر تلك الحسابات بالطرق القانونية.

إجراءات عاجلة

وعلى الرغم من أن الحوادث، التي توصف بالعنصرية، ترتبط بأسباب سياسية واجتماعية واقتصادية، تواجه الحكومة انتقادات حادة بسبب «عدم الحزم والصرامة» تجاه العنصرية، وأن الأمر لا يخرج عن إطار التصريحات.

وفي مواجهة تلك الانتقادات وبعد تعدد سلسلة الحوادث التي استهدفت السياح العرب، أصدر مكتب المدعي العام في العاصمة أنقرة أمراً بتوقيف 27 مشتبهاً بهم في 14 ولاية تركية، بتهم تحريض الجمهور علناً على الكراهية والعداء، ونشر معلومات مضللة من خلال «خطاب كراهية» يستخدم عبر وسائل التواصل الاجتماعي. وأطلقت النيابة العامة تحقيقاً ضد المشتبه بهم في الجرائم المنصوص عليها بموجب المادة 5237 من قانون العقوبات التركي.

وفي إطار التحقيقات، صدرت أوامر بتوقيف 27 مشتبهاً في ولايات أنقرة، وهطاي، وأنطاليا، وسامسون، وكهرمان ماراش، وسكاريا، وإزمير، وشانلي أورفا، وتوكات، وسيرت، وأدرنه، وبورصة، وكونيا وإسطنبول. كما أوقفت السلطات التركية الصحافي باطوهان تشولاك رئيس تحرير موقع «آيكيري» المعروف بمناهضته لوجود اللاجئين السوريين والأجانب في تركيا.

وهاجم رئيس حزب «النصر» القومي المعارض، أوميت أوزداغ، المعروف بعدائه وعنصريته تجاه اللاجئين السوريين والأجانب في تركيا، قرار القبض على الصحافي.

وجاء القبض على تشولاك بعد يومين من توقيف رؤوف كوسا، مؤسس حساب «حركة الدفاع» القومية العنصرية، التي أعلنت أنها ستستهدف الأجانب في جميع أنحاء تركيا ابتداءً من أكتوبر (تشرين الأول) المقبل، ما لم تتحرك الحكومة لإنهاء «احتلالهم للبلاد».

وقادت «حركة الدفاع»، مسيرة مضادة لتجمع مناهض للعنصرية نظمته جمعية «أوزغور دار» (الحرية) في إسطنبول السبت الماضي. ونظم كوسا حملة ضد اللاجئين السوريين والمهاجرين الذين يدخلون تركيا بطريقة غير شرعية. وحجبت السلطات التركية حسابات الحركة على منصات التواصل الاجتماعي.

تضخيم «متعمد»؟

يعتقد رئيس المنظمة الدولية للتعاون العربي - التركي، مستشار الرئيس التركي السابق لشؤون الشرق الأوسط أرشد هورموزلو، أن الحوادث الأخيرة، ولا سيما الاعتداء على السائح الكويتي، أخذت حيزاً أكبر بكثير في العالم العربي، وتم تصويرها على أنها جريمة عنصرية على الرغم من طبيعتها الفردية، حيث يقع آلاف الحوادث المماثلة في العالم يومياً. وتابع أن هذه الحوادث لا تشكل نسبة تذكر في بلد عدد سكانه 86 مليون نسمة، ويزوره أكثر من 50 مليون سائح سنوياً.

الرئيس التركي رجب طيب إردوغان لدى إلقائه خطاباً في أنقرة (د.ب.أ)

وقال هورموزلو إن «نحو 200 ألف سائح كويتي يزورون تركيا سنوياً، وعلى مدى 10 سنوات لم نسمع إلا عن 3 حوادث فقط تعرض لها السياح الكويتيون، ما يعني أنها نسبة لا تذكر بالمقارنة بمليوني سائح حلّوا ضيوفاً على تركيا في تلك السنوات». وتابع هورموزلو، في حديث لـ«الشرق الأوسط»: «أتصور أنه قد يكون هناك من يستغل هذا الوضع في الوقت الراهن بالذات، الذي يحدث فيه تقارب تركي-عربي، لأن مثل هذه المشاجرات تقع كل يوم تقريباً وتتم تسويتها بالاعتذار أو محاسبة المتورطين». وأضاف أنه لا ينفي أن هناك تياراً عنصرياً في تركيا، لكنه تساءل: «ماذا ربح هؤلاء في الانتخابات الأخيرة؟ لم تتجاوز نسبة الأصوات التي حصلوا عليها مجتمعين نسبة 1 في المائة».

ودعا هورموزلو وسائل الإعلام التركية والعربية إلى التحلي بالمنطق والحكمة والعقلانية في التعامل مع مثل هذه الحوادث، والابتعاد عن وصفها بالعنصرية وإثارة النعرات العرقية أو تحميل بعض الحوادث «أكثر مما لا تحتمل وإهدار الجهود التي تبذل لتعزيز العلاقات بين الجانبين العربي والتركي».

وعن اللوم الموجه للحكومة التركية بعدم الصرامة في مواجهة العنصرية، أوضح هورموزلو أن الحكومة التركية عليها مسؤوليات بالطبع تجاه توفير الأمن والأمان وحرية الحياة للسياح، معتبراً الحديث عن سنّ قانون لمكافحة العنصرية «أمراً غريباً»، لأن الدستور التركي يلزم السلطات بكفالة الأمن والأمان لكل شخص موجود على الأراضي التركية.

جذور العنصرية

ربما لا يعرف كثيرون خارج تركيا مصطلح «التركي الأبيض والتركي الأسود» الذي يعد أحد جذور العنصرية في البلاد، التي تفوق العنصرية التي ظهرت ضد العرب والأجانب.

وصدرت دراسات كثيرة داخل تركيا وخارجها حول الأتراك البيض والسود، منها دراسة للأكاديمية التركية سيدا دمير ألب أشارت فيها، عام 2012، إلى أن المجتمع التركي المعاصر منشطر منذ تأسيس الجمهورية عام 1923 إلى «أتراك بيض وأتراك سود». وذكرت أن بعضاً من النخب التي تميل للغرب في تركيا، والتي تعرف بـ«الأتراك البيض»، تتمسك بالاستئثار بالسلطة والثروة وتراه أمراً طبيعياً لا يجوز الاعتراض عليه، وتتعامل مع مجتمع الأناضول المحافظ باستعلاء.

مظاهرة في إسطنبول للتضامن مع حركة «حياة السود مهمة» والتنديد بالعنصرية وعنف الشرطة، يونيو 2020 (غيتي)

وبحسب الكاتب التركي، رئيس تحرير وكالة «الأناضول» السابق كمال أوزتورك، يجتهد «الأتراك البيض» في إظهار أنفسهم بمظهر متميز عن مجتمعهم سواء في نمط الحياة والمظهر أو حتى طريقة الحديث، و«كأنهم يعيشون في كانتون سويسري»، ويرتبطون وجدانياً بأوروبا ويعتقدون أنهم طبقة «متحضرة»، وأن أبناء المجتمع المحافظ العريض في الأناضول «همج أو بربر».

ويتركز «الأتراك البيض» في منطقة غرب تركيا وعلى سواحلها، ويدعمون قوة الجيش ويدافعون عن الارتباط بالغرب، بينما يشكّل مجتمع الأناضول في وسط البلاد غالبية الشعب التركي المحافظ.

وتطرق إردوغان لهذه القضية خلال حملة حزبه للانتخابات البرلمانية عام 2015، مخاطباً حشداً من أنصاره بالقول: «الأتراك البيض يصفونكم ويصفوننا بأننا زنوج تركيا. وأنا فخور بأنني زنجي تركي». وأضاف: «في هذا البلد يوجد تمييز بين الأتراك البيض والأتراك السود، أخوكم طيب (إردوغان) ينتمي إلى الأتراك السود... ولا يميز بين الأتراك والعرب أو الأكراد أو اللاز أو أي مواطن على أساس العرق».

أساليب المواجهة

عبّر خبراء وأكاديميون أتراك عن اعتقادهم بأن بعض سياسات الحكومة قد يكون لها دور في تشكيل سياق العنصرية والتمييز ضد اللاجئين والمهاجرين، كونها سياسات نابعة من قلة الخبرة العملية للدولة التركية في التعامل مع اللاجئين مقارنة مع دول أخرى، مثل ألمانيا التي يشكل الأتراك أكبر نسبة من المهاجرين إليها ويفوق عددهم 3 ملايين، أو بريطانيا، وهو ما أدى إلى الخلل في احتواء العدد الكبير من اللاجئين والأجانب الذي وصل إلى 5 ملايين شخص.

دمية «أمل الصغيرة» تتوقف في إزمير في طريقها إلى المملكة المتحدة للتوعية بمعاناة الأطفال اللاجئين، أغسطس 2021 (غيتي)

واستحدثت تركيا إدارة الهجرة التي حلّت محل شعبة الأجانب في مديريات الأمن منذ عام 2015، لكنها بحاجة إلى المزيد من الخبرة في التعامل مع أعباء اللاجئين والمهاجرين وإدماجهم في المجتمع التركي المنقسم إلى طبقة متعاطفة ترحب بالمهاجرين وتنفتح عليهم، وأخرى رافضة لوجودهم بتعصب.

ويبدو التعامل مع تحديات الاقتصاد من العوامل التي تؤثّر في النسق الاجتماعي والسياسي، ما يؤدي إلى تصاعد العنصرية والتمييز ضد اللاجئين والمهاجرين، خاصة العرب، الذين يرفضهم جزء كبير من العلمانيين في تركيا.

وبحسب دراسات أكاديمية حول اللجوء والهجرة في تركيا، تلعب وسائل الإعلام دوراً حاسماً في تشكيل الرأي العام وتوجيه انطباعات الجمهور حول مختلف القضايا، ومنها تعميق العنصرية ضد اللاجئين من خلال تضخيم الحوادث السلبية وبث الخوف والقلق في المجتمع، على الرغم من أن ما يقرب من 50 في المائة من الأتراك ليست لديهم ميول متحيزة.

البحث عن «الخط الأحمر»

ويسود اعتقاد بأن الحكومة التركية لا ترى في الحملات المناهضة للأجانب خطراً كبيراً على الأمن القومي، أو تتساهل معها لأن مَن يقومون بها مواطنون أتراك.

ورأى رئيس اتحاد المحامين السوريين الأحرار، غزوان قرنفل، أن اللاجئين هم من يدفعون ثمن أي تقصير في مكافحة العنصرية، ويتم ترحيلهم نتيجة خطأ بسيط يرتكبونه أو حتى من دون أي خطأ، كما أن تحول مشروع «العودة بشكل طوعي» إلى «عمليات ترحيل قسري»، مؤخراً، ما هو إلا إحدى نتائج حملات التحريض ضد اللاجئين والمهاجرين.

طفل سوري مهاجر يجمع قطعاً من البلاستيك بجوار مبانٍ متضررة من زلزال مدمر في كهرمان مرعش في مايو 2023 (إ.ب.أ)

وأكد مدير مركز دراسات الهجرة بجامعة «كوتش» الدكتور أحمد إيتشدويغو، أن «ردود الفعل والمخاوف في المجتمع كانت مفهومة جزئياً، أما الآن فنحن بحاجة إلى خط أحمر، فلا ينبغي أن يصل رد الفعل إلى مستوى كراهية الأجانب والعنصرية». ولفت إلى أن معظم الأتراك الذين ذهبوا إلى ألمانيا بوصفهم «عمالاً ضيوفاً» في الستينات لم يعودوا إلى تركيا، وعلى الرغم من أن شكل الهجرة كان مختلفاً، فإن الأتراك كانوا أيضاً ضيوفاً في ألمانيا، لكنهم بقوا في ألمانيا وأصبح منهم اليوم نواب بالبرلمان ووزراء في الحكومة، ولم يكن أحد يفكر في هذا قبل 50 عاماً. وأضاف: «بالمنطق ذاته، نحن نرى السوريين الآن ضيوفاً، والحكومة الآن لا تستطيع إدارة الهجرة بشكل جيد، كما أن أحزاب المعارضة، التي تستخدم هذه القضية مادة سياسية، لا يمكنها تقديم استراتيجيات ملموسة للجمهور حول كيفية إدارة المشكلة بشكل أفضل من الحكومة».

وتابع إيتشدويغو أن قضية الهجرة هي قضية مسيّسة في كل بلد يستقبل المهاجرين، وأن السياسيين الشعبويين يصنعون السياسة على أساس اهتمامات المجتمع.

وشدد على أن تعليم الأطفال السوريين المولودين في تركيا واندماجهم مع أسرهم ومجتمعهم، له أهمية كبيرة، وأن هناك 3 خيارات فيما يتعلق بالسوريين، ويجب على صناع السياسات شرحها بوضوح للمجتمع التركي، وكذلك المجتمع الدولي. وأوضح أن هذه الخيارات تتمثل في توضيح أن بعض السوريين الذين يعيشون في تركيا منذ 12 عاماً قد يرغبون في الاستمرار في الإقامة فيها، كما في حالة «العمال الضيوف» الذين توجهوا من تركيا إلى ألمانيا، ولهذا السبب ينبغي التركيز على مسألة الاندماج.

أما الخيار الثاني، بحسب الأكاديمي التركي، فيتمثل في أن ربع السوريين يريدون الذهاب إلى بلدان أخرى. وأضاف أن عودة السوريين إلى بلادهم تعد الخيار الثالث، لكنها تعتمد على شروط معينة. وخلص إلى أنه يجب العمل على تهيئة المجتمع التركي لتقبل فكرة التنوع وعدم الانسياق وراء الحملات التحريضية، وأن يتعود الناس على ألا يكرهوا رؤية العربي مثلما لا يكرهون رؤية الأوروبي أو الأميركي، وتذكيرهم بحالة «العمال الأتراك الضيوف» في ألمانيا.


مقالات ذات صلة

توتنهام يُطالب الشرطة بالتدخل بشأن العنصرية «البغيضة» ضد دانسو

رياضة عالمية أدان توتنهام هوتسبير «العنصرية البغيضة والمهينة للكرامة الإنسانية» التي تعرض لها المدافع دانسو (إ.ب.أ)

توتنهام يُطالب الشرطة بالتدخل بشأن العنصرية «البغيضة» ضد دانسو

أدان توتنهام هوتسبير، الأحد، «العنصرية البغيضة والمهينة للكرامة الإنسانية» التي تعرض لها المدافع كيفن دانسو على مواقع التواصل الاجتماعي.

«الشرق الأوسط» (لندن)
رياضة عالمية برايان بروبي (رويترز)

سندرلاند يدين تعرض بروبي لإساءة عنصرية عبر الإنترنت

أدان سندرلاند الإساءات العنصرية المزعومة عبر الإنترنت للمهاجم برايان بروبي، عقب الفوز 1-0 على توتنهام هوتسبير، في الدوري الإنجليزي الممتاز لكرة القدم، الأحد.

«الشرق الأوسط» (لندن)
رياضة عالمية البرازيلي فينسيوس مهاجم ريال مدريد الإسباني (إ.ب.أ)

فينسيوس يشيد بلاعب برشلونة لامين جمال بعد موقفه ضد الهتافات المعادية للمسلمين

أشاد البرازيلي فينسيوس جونيور، مهاجم ريال مدريد، بالنجم الإسباني الشاب لامين جمال، لاعب برشلونة، بعد إدانته العلنية هتافات معادية للمسلمين في إحدى المباريات.

«الشرق الأوسط» (مدريد)
رياضة عالمية الهدف من هذا التعاون هو مواصلة تسليط الضوء على الأشكال التمييزية (الاتحاد الألماني)

الاتحاد الألماني يتعاون مع مجموعة «روتس» لمكافحة العنصرية

قرر الاتحاد الألماني لكرة القدم توسيع جهوده لمكافحة جميع أشكال التمييز، وذلك من خلال تعاون مع مجموعة «روتس» لمكافحة العنصرية، التي يقودها أوتو أدو.

«الشرق الأوسط» (ميونيخ)
رياضة عالمية بريستياني نفى نعته لفينيسيوس بالقرد (أ.ف.ب)

بريستياني: عوقبت على تهمة العنصرية "من دون أدلة"

اعتبر لاعب الوسط الارجنتيني لنادي بنفيكا البرتغالي جانلوكا بريستياني الأربعاء أنه عوقب "من دون أدلة" على أمر لم يقم به في اشارة الى إيقافه من الاتحاد الأوروبي…

«الشرق الأوسط» (بوينس آيرس)

الإيرانيون يخشون من تفاقم الضغوط بعد الحرب وحملة القمع

إيرانية تحمل سلاحاً خلال مسيرة في طهران الجمعة (د.ب.أ)
إيرانية تحمل سلاحاً خلال مسيرة في طهران الجمعة (د.ب.أ)
TT

الإيرانيون يخشون من تفاقم الضغوط بعد الحرب وحملة القمع

إيرانية تحمل سلاحاً خلال مسيرة في طهران الجمعة (د.ب.أ)
إيرانية تحمل سلاحاً خلال مسيرة في طهران الجمعة (د.ب.أ)

يسعى الإيرانيون إلى الحفاظ على لمحة من مظاهر الحياة الطبيعية بعد أسابيع شهدت قصفاً أميركياً وإسرائيلياً، وحملة قمع ضد المتظاهرين أسقطت قتلى في يناير (كانون الثاني)، ولا يزالون يشعرون بالقلق إزاء المستقبل في ظل الآثار السلبية الناجمة عن الغارات الجوية وانقطاع خدمة الإنترنت.

وفي ظل الخلافات الدائرة بين إيران والولايات المتحدة حول تمديد وقف إطلاق النار والاتفاق على إنهاء الصراع، فتحت المتاجر والمطاعم والمكاتب الحكومية أبوابها. وفي أيام الربيع المشمسة، تزدحم حدائق المدينة بأسر خرجت للتنزه وشبان يمارسون الرياضة، بينما يتجمع آخرون في المقاهي على جوانب الشوارع.

لكن وراء هذه المشاهد الهادئة، يتداعى الاقتصاد الإيراني، ويخشى الناس من حملة قمع جديدة من الحكومة، ويشعرون بالغضب إزاء الغارات الجوية المدمرة.

ويبدو أن الصعوبات التي أذكت اضطرابات واحتجاجات حاشدة في يناير ستزداد تفاقماً، حسب وكالة «رويترز».

وانتهت المحادثات التي جرت في إسلام آباد هذا الشهر، وهي أول مفاوضات مباشرة بين الولايات المتحدة وإيران منذ سنوات، دون التوصل إلى اتفاق. ولكن مع اقتراب موعد انتهاء وقف إطلاق النار الهش الحالي يوم الأربعاء، قال الرئيس الأميركي دونالد ترمب اليوم الأحد إن مبعوثيه سيتوجهون إلى باكستان وإنهم مستعدون لإجراء مزيد من المحادثات.

إيرانيتان تنظران إلى هاتف ذكي عند البوابة الرئيسية لجامعة طهران الأحد (أ.ب)

خوف من ضغوط مع استمرار نظام الحكم

قالت فريبا (37 عاماً) التي شاركت في مظاهرات يناير لـ«رويترز» عبر الهاتف من إيران: «ستنتهي الحرب، لكن عندها ستبدأ مشاكلنا الحقيقية مع النظام. أخشى جداً من أن يزيد الضغط على الناس العاديين إذا توصل النظام إلى اتفاق مع الولايات المتحدة».

وأضافت: «لم ينس الشعب جرائم النظام في يناير، ولم ينس النظام أن الناس لا يريدونه. إنه يكبح نفسه الآن لأنه لا يريد القتال على الجبهة الداخلية أيضاً».

وتشير الإحصاءات الرسمية إلى أن القصف أودى بحياة الآلاف، منهم عشرات التلميذات في مدرسة للبنات في اليوم الأول من الصراع.

ودمر القصف أيضاً بنى تحتية في أنحاء البلاد، مما زاد من احتمالات حدوث تسريح جماعي للعمال.

ويبدو أن النظام الإيراني راسخ كما كان في الماضي، بعد أن نجا من القصف المكثف على مدى أسابيع وعرقل إمدادات النفط العالمية.

وقال أوميد ميماريان، محلل الشأن الإيراني لدى مركز الأبحاث المستقل «دون» في الولايات المتحدة: «أدرك الإيرانيون أن هذه الحرب لن تؤدي إلى إسقاط النظام، لكنها في الوقت نفسه ستجعل حياتهم أسوأ بكثير من الناحية الاقتصادية».

وأضاف: «لن يضع الجيش أسلحته. سيبقون، وسيكون الوضع دموياً. سيكون مكلفاً من دون أي أمل في مستقبل أفضل».

وفي شمال طهران، أجرت «رويترز» الأسبوع الماضي مقابلات بالفيديو مع شبان إيرانيين تحدثوا عن الحرب ومخاوفهم. وتعمل وسائل الإعلام الأجنبية في إيران بموجب المبادئ التوجيهية التي تضعها وزارة الثقافة والإرشاد، التي تنظم نشاط الصحافة والتراخيص.

الإيرانيون يستمتعون بيوم مشمس في حديقة عامة في خضم وقف إطلاق النار في طهران الأسبوع الماضي (رويترز)

وقالت مهتاب، الموظفة في شركة خاصة، التي طلبت عدم ذكر اسم عائلتها، إن الأمور يمكن أن تكون أسوأ بالنسبة للإيرانيين، بالنظر إلى تأثير الحرب والعقوبات والعزلة على مدى سنوات.

وأضافت: «لا أريد أن أقول إن الوضع طبيعي، لكن كإيرانية عاصرت كل هذا، إذ إنه ليس سيئاً للغاية. يمكننا التعايش معه».

لكن لم يكن لدى الإيرانيين الذين تواصلت معهم «رويترز» عبر الهاتف هذا الرأي، إذ أبدوا قلقاً أكبر بكثير خلال حديثهم، بشرط عدم الكشف عن هوياتهم خوفاً من التعرض للانتقام.

وقالت سارة (27 عاماً)، وهي مدرسة خاصة، طلبت عدم الكشف عن اسم عائلتها أو مكان إقامتها: «نعم، الناس يستمتعون بوقف إطلاق النار في الوقت الحالي... لكن ماذا سيحدث بعد ذلك؟ ماذا يُفترض بنا أن نفعل مع نظام أصبح أكثر قوة؟».

خيارات قليلة

قُتل الآلاف عندما قمعت السلطات احتجاجات استمرت أسابيع في يناير، وقال حينها ترمب إنه سيأتي لمساعدة الإيرانيين.

ولم ترد بعثة إيران الدائمة لدى الأمم المتحدة في جنيف بعد على طلبات للتعليق على هذه القصة. وكانت قد ألقت سابقاً باللوم في أعمال العنف التي وقعت في يناير على «إرهابيين مسلحين» مرتبطين بإسرائيل والولايات المتحدة.

وقال ترمب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في بداية الحرب إنهما يريدان الإطاحة بالحكام، لكن هذا الهدف تلاشى مع استمرار القصف.

وقال ميماريان إن الغضب من القمع جعل كثيراً من الإيرانيين يأملون في تولي حكام جدد السلطة، لكن سرعان ما تحولت مشاعر الغضب إلى الحرب ضد بلادهم.

وأضاف: «أعتقد أنه أصبح أكثر وضوحاً لكثير من الإيرانيين أن هذه الحرب ليست مصممة، أو لا تهدف، إلى مساعدة الشعب الإيراني».

إيرانيات يمررن بجانب ضابط شرطة يقف حراسة في ساحة تجريش شمال طهران الأربعاء الماضي (رويترز)

ولم تكن مهتاب ولا النساء الأخريات الجالسات في مقهى شمال طهران يرتدين الحجاب الإلزامي المفروض منذ عقود في إيران. وصارت قواعد الزي العامة أكثر مرونة عقب الاحتجاجات الشعبية في عام 2022، ومنها مظاهرات رفعت مطالب تتعلق بحقوق المرأة، التي قمعتها السلطات، وخففت بعدها ضمنياً تطبيق بعض قواعد الزي.

وقال المحلل السياسي الإيراني المستقل المقيم في بريطانيا حسين رسام إنه أصبح واضحاً في يناير أن السلطات لن تتراجع بسهولة مجدداً، وأنها لن تنهار في مواجهة الهجوم العسكري.

وجعلت الحرب الإيرانيين أكثر انقساماً من ذي قبل، لكن مع خيارات قليلة. وقال رسام: «هذه لحظة حاسمة للإيرانيين لأنهم في النهاية، وخاصة الإيرانيين داخل البلاد، يدركون أنهم بحاجة إلى العيش معاً. لا مكان يذهبون إليه».

نار تحت الرماد

يخشى كثيرون من تفاقم القمع الآن. وقال أرجانج، وهو أب لطفلين يبلغ من العمر 43 عاماً، لـ«رويترز» عبر الهاتف من شمال طهران: «في الشوارع، تتجول النساء دون حجاب، لكن ليس واضحاً ما إذا كانت هذه الحريات ستستمر بعد التوصل إلى اتفاق مع الولايات المتحدة. سيزداد الضغط 100 في المائة، لأنه بمجرد التوصل إلى سلام مع واشنطن، لن يواجه النظام الضغط الخارجي نفسه».

ولم تحدث احتجاجات بداية العام أي تغيير ملموس في حياة الناس، بل دفعت السلطات إلى فرض قيود صارمة على استخدام الإنترنت؛ وهو ما أثر كثيراً على الشركات والمواطنين العاديين الذين كانوا في حاجة ماسة إلى المعلومات أثناء الحرب.

إيرانيات يستقللن مركبة عسكرية أثناء مشاركتهن في مسيرة مناهضة للولايات المتحدة وإسرائيل في طهران الجمعة (إ.ب.أ)

وقالت فائزة (47 عاماً)، وهي تلعب الكرة الطائرة مع أصدقائها في حديقة شمال طهران: «حتى أصغر الأمور، مثل التواصل مع أفراد عائلتنا الذين يعيشون خارج البلاد، باتت مستحيلة».

وقال ميماريان إن الاستياء الشعبي قد يتصاعد بعد انتهاء الحرب، وإن الناس أصبحوا أقل خوفاً حيال اتهامهم بالخيانة.

وأضاف: «هناك الكثير من النار تحت الرماد».


المخابرات العسكرية الإسرائيلية تشير إلى تصدع كبير في القيادة الإيرانية

أحد أفراد الأمن الإيراني بجوار لافتة تُظهر المرشد الراحل علي خامنئي في طهران يوم 31 مارس (أ.ف.ب)
أحد أفراد الأمن الإيراني بجوار لافتة تُظهر المرشد الراحل علي خامنئي في طهران يوم 31 مارس (أ.ف.ب)
TT

المخابرات العسكرية الإسرائيلية تشير إلى تصدع كبير في القيادة الإيرانية

أحد أفراد الأمن الإيراني بجوار لافتة تُظهر المرشد الراحل علي خامنئي في طهران يوم 31 مارس (أ.ف.ب)
أحد أفراد الأمن الإيراني بجوار لافتة تُظهر المرشد الراحل علي خامنئي في طهران يوم 31 مارس (أ.ف.ب)

في تقرير صادر عن شعبة الاستخبارات العسكرية في الجيش الإسرائيلي «أمان»، أكدت تل أبيب أن هناك تصدعاً كبيراً في القيادة الإيرانية، مضيفة أن هذا التصدع بات مبشراً بانهيار جزئي على الأقل للنظام في طهران.

وقالت «أمان» إن غياب المرشد علي خامنئي، ترك فراغاً هائلاً ولم يعد هناك من يتمتع مثله بسطوة القائد الذي يُجمَع حوله الباقون وتكون له الكلمة الأخيرة. فابنه مجتبى، الذي انتخب للمنصب بعد وفاة والده، لا يتمتع بشخصية كارزماتية مثل والده، ويُنظر إليه بوصفه شخصية ناقصة دينياً وسياسياً، فضلاً عن كونه جريحاً، ويُعتقد أنه لا يقوى على الحسم.

لذلك فإن وراثة خامنئي الأب ما زالت مفتوحة، خصوصاً أن الشارع الإيراني يذكر القيادة الحالية بأن أحد عيوب نظام الشاه في الحكم أنه كان عائلياً يرث فيه الابن أباه. والآن يتصرف النظام الحالي بالطريقة نفسها التي هاجمها في الماضي.

قادة إيران الجدد

صورة نشرتها الخارجية الإيرانية تظهر رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف وإلى جانبه كاظم غريب آبادي نائب وزير الخارجية وخلفهما يقف المتحدث إسماعيل بقائي والنائب أبو الفضل عمويي عضو لجنة الأمن القومي والسياسة الخارجية في البرلمان

ونشر تقرير «أمان»، الذي ظهر في موقع «واللا» يوم الأحد، قائمة القادة الحاليين في إيران «الذين بقوا في الحكم بعد أن تمت تصفية 55 شخصية قيادية أساسية في الهجمات الأميركية والإسرائيلية على إيران». وتضم قائمة القادة الحاليين، بالإضافة إلى مجتبى خامنئي، حسين طائب الرئيس السابق لجهاز استخبارات «الحرس الثوري»، وهو مستشار كبير لدى مجتبى خامنئي وأمين سره، ويُعرف عنه أنه يقود الاتجاه المتطرف، وقد سُمع وهو يقول إن الاتفاق مع الغرب والتنازل له خيانة تُشكل تهديداً وجودياً للنظام.

وتضم القائمة أيضاً محمد عبد اللهي رئيس مكتب المرشد العام وهو حامل مفاتيح باب الوصول إلى خامنئي، ويعد مدير التوازنات الحساسة بين التيارات المتصارعة على القيادة. كذلك أحمد وحيدي القائد العام لـ«الحرس الثوري»، وكان وزيراً للداخلية والدفاع، وكان أيضاً أول قائد لـ«فيلق القدس»، وهو متطرف جداً في مواقفه، ويمثل التيار الأمني والتنفيذي لـ«الحرس الثوري»، ويتمسك بالأذرع الإيرانية في المنطقة.

محمد باقر قاليباف: رئيس البرلمان ومن كبار المفاوضين مع الولايات المتحدة. يعد محافظاً ولكنه مهتم بتحسين الاقتصاد، ويسعى إلى منع الانهيار الداخلي السياسي والاجتماعي، الذي من شأنه أن يؤدي إلى موجة احتجاجات شعبية جديدة ضد النظام، ومع ذلك يحرص على قناة تواصل مع التيار الراديكالي.

وفي مجموعة الإصلاحيين: الرئيس مسعود بزشكيان، وهو الذي يحاول قيادة الخط الأكثر اعتدالاً لغرض إزالة العقوبات الاقتصادية عن إيران، لكنه محدود التأثير بسبب القيود التي يفرضها عليه «الحرس الثوري». كما أنه يتعرض لحملة تحريض تتهمه بـ«خيانة قيم الثورة».

عباس عراقجي، وزير الخارجية الذي كان مفاوضاً في الاتفاق النووي الأول سنة 2015، مع دول الغرب. ويقول ضابط كبير في «أمان» إن عراقجي دبلوماسي لديه خبرة ويبحث عن صيغ للتنازلات بطريقة لا تظهر إيران مستسلمة للإرادة الأميركية.

كما يقول تقرير «أمان» إنه بالإضافة إلى هؤلاء، توجد مجموعة اسمها «الممسكون بالخيوط»، وأبرز هؤلاء: علي إفتخاري وهو شخصية مؤثرة في المخابرات وبين صفوف النخبة الدينية التي انتخبت مجتبى مرشداً، تعد هذه المجموعة العقيدة الدينية للثورة ركناً أساسياً للنظام.

علي رائدين، هو رجل أمن رفيع ذو علاقات وطيدة بدوائر اتخاذ القرارات الحساسة، ويصفه جنرال إسرائيلي بأنه «أقوى خلية في السلسلة»، ومكلف بحماية النظام وثباته في مواجهة الأخطار الداخلية والخارجية. وقد كُلف بإعادة بناء قوة «الباسيج» بعدما تلقت ضربات كبيرة من إسرائيل.

حلقة الضعف

أحد أفراد الأمن الإيراني بجوار لافتة تُظهر المرشد الراحل علي خامنئي في طهران يوم 31 مارس (أ.ف.ب)

ويقول جنرال إسرائيلي في «أمان» إن حلقة الضعف في هذه القيادة أنه لا يوجد شخص يملك الكلمة الفصل، لذلك فإن كل قرار يصدر حالياً تنشأ له فوراً معارضة وشكوك، بحيث بدأت الثقة تتزعزع لدى الكثيرين بأنفسهم، وكذلك في بعضهم بعضاً. كما يسود التوتر بين هذه القيادات حتى في ظل وقف النار.

ويضيف أن وقائع الحرب والاغتيالات، وغياب علي خامنئي، والدمار وفقدان التواصل، كلها عوامل أدت إلى تصدع حقيقي داخل سلطة الحكم الإيرانية، وعقّدت قدرتها على اتخاذ القرارات.

ومع وجود قادة جدد في مواقع المسؤولية نشأت فوضى، وتعمقت أزمة الحكم والسلطة. ويُلاحظ أنه يوجد لدى المفاوضين الإيرانيين قدر محدود من المعرفة بما يمكن أن تقدمه حكومتهم من تنازلات أو حتى بمن يتعين عليهم سؤاله على وجه الدقة. وفضلاً عن ذلك، فإن المتشددين داخل «الحرس الثوري» باتوا أكثر نفوذاً ويمارسون سلطة أكبر من القيادة الدينية التي تتولى الحكم اسمياً.

ولا تستبعد «أمان» أن التيار المتشدد يخرب على أولئك الذين يتوصلون إلى اتفاقيات وتفاهمات مع واشنطن.

تقويض النظام

احتجاجات مناهضة للحكومة الإيرانية في مدينة مشهد 10 يناير (رويترز)

من جهة أخرى، قال موقع «واللا» الإسرائيلي إنه خلال عملية «زئير الأسد» تم استهداف مئات الأهداف التابعة لقوات «الباسيج»، وتم اغتيال مسؤولين كبار. ومع ذلك، يوضح الجيش الإسرائيلي أنه لم تُصدر أي تعليمات لإسقاط النظام، وأن الضربات الجوية وحدها ليست كافية لتحقيق ذلك.

في الوقت نفسه، كُشف أن المستوى السياسي منع استهداف بنى تحتية وطنية، وأنه رغم الأضرار، لم يخرج الشعب الإيراني إلى الشوارع. وتشير التقديرات داخل المؤسسة الأمنية إلى أن الهدف من العملية كان زعزعة استقرار النظام الإيراني وإضعاف قبضته، من خلال ضرب أذرعه الأمنية الداخلية، وعلى رأسها قوات «الباسيج»، التي تُعد أداة رئيسية في قمع الاحتجاجات الشعبية.

وقد شملت الهجمات مئات المواقع المرتبطة بهذه القوات، إضافة إلى استهداف شخصيات قيادية بارزة. وعُد ذلك جزءاً من محاولة إحداث تأثير داخلي في إيران، وليس فقط توجيه ضربة عسكرية تقليدية.

مع ذلك، شدّد مسؤولون في الجيش الإسرائيلي على أن إسقاط النظام لم يكن هدفاً رسمياً للعملية، وأن مثل هذا الهدف يتطلب أدوات أوسع بكثير من مجرد الضربات الجوية، بما في ذلك تحركات سياسية وشعبية داخلية.

كما تبين أن القيادة السياسية فرضت قيوداً على نطاق الهجمات، إذ منعت استهداف بنى تحتية وطنية حيوية داخل إيران، وهو ما حدّ من مستوى التصعيد، ومن حجم الضرر الممكن إحداثه.

ورغم الضربات التي وُجهت، تشير التقديرات إلى أن الشارع الإيراني لم يشهد تحركاً واسعاً أو احتجاجات كبيرة نتيجة هذه الهجمات، وهو ما عُد عاملاً مهماً في عدم تحقيق تأثير استراتيجي أعمق على استقرار النظام.

في المحصلة، ترى التقييمات أن الضربات الجوية، حتى وإن كانت واسعة، لا تكفي وحدها لإحداث تغيير سياسي جوهري داخل إيران، خصوصاً في ظل غياب تحرك داخلي من قبل الإيرانيين أنفسهم.


أوروبا تتحسب لاتفاق «متعجل» بين واشنطن وطهران

إيرانية تمر أمام لافتة تظهر عليها صورتا المرشدين الأول والثاني الخميني (يسار) وعلي خامنئي (وسط) بجانب المرشد الجديد مجتبى خامنئي في طهران الأحد (أ.ف.ب)
إيرانية تمر أمام لافتة تظهر عليها صورتا المرشدين الأول والثاني الخميني (يسار) وعلي خامنئي (وسط) بجانب المرشد الجديد مجتبى خامنئي في طهران الأحد (أ.ف.ب)
TT

أوروبا تتحسب لاتفاق «متعجل» بين واشنطن وطهران

إيرانية تمر أمام لافتة تظهر عليها صورتا المرشدين الأول والثاني الخميني (يسار) وعلي خامنئي (وسط) بجانب المرشد الجديد مجتبى خامنئي في طهران الأحد (أ.ف.ب)
إيرانية تمر أمام لافتة تظهر عليها صورتا المرشدين الأول والثاني الخميني (يسار) وعلي خامنئي (وسط) بجانب المرشد الجديد مجتبى خامنئي في طهران الأحد (أ.ف.ب)

قال دبلوماسيون مطلعون على الملف الإيراني إن حلفاء واشنطن في أوروبا يخشون أن يدفع فريق التفاوض الأميركي، الذي يرونه محدود الخبرة في هذا المسار، نحو اتفاق إطار سريع مع طهران، قد يحقق مكسباً سياسياً آنياً، لكنه يرسّخ مشكلات معقدة بدلاً من حلها.

وأعرب هؤلاء عن قلقهم من أن تسعى واشنطن، في إطار سعيها لتحقيق إنجاز دبلوماسي للرئيس دونالد ترمب، إلى إبرام اتفاق سريع بشأن البرنامج النووي الإيراني ورفع العقوبات، من دون معالجة جميع القضايا الرئيسية، ما قد يفتح الباب لاحقاً أمام مفاوضات تقنية طويلة ومعقدة تستمر لأشهر حتى لسنوات.

وقال دبلوماسي أوروبي كبير، وهو أحد 8 دبلوماسيين تحدثوا إلى «رويترز» ممن عملوا سابقاً أو حالياً على الملف النووي الإيراني: «القلق ليس من عدم التوصل إلى اتفاق، بل من التوصل إلى اتفاق مبدئي سيئ قد يجلب مشكلات لا حصر لها في المستقبل».

وفي رد على استفسارات بشأن أسلوب التفاوض والفريق الأميركي والأهداف والمخاطر المحتملة لاتفاق سريع، رفض البيت الأبيض هذه الانتقادات. وقالت المتحدثة آنا كيلي إن «الرئيس ترمب يمتلك سجلاً حافلاً في إبرام اتفاقات جيدة لصالح الولايات المتحدة والشعب الأميركي، ولن يقبل سوى باتفاق يضع أميركا أولاً».

ويتكوف يترجل من سيارة قبل مشاركته في محادثات مع وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي في جنيف فبراير الماضي (أ.ف.ب)

تهميش أوروبي

وقال دبلوماسيون من فرنسا وبريطانيا وألمانيا — وهي الدول التي بدأت التفاوض مع إيران عام 2003 — إن دورهم تراجع في المرحلة الحالية. وكانت هذه الدول قد شاركت، إلى جانب الولايات المتحدة، في التوصل إلى الاتفاق النووي لعام 2015، المعروف باسم «خطة العمل الشاملة المشتركة»، الذي نص على تقييد البرنامج النووي الإيراني مقابل رفع العقوبات.

لكن ترمب انسحب من الاتفاق عام 2018 خلال ولايته الأولى، واصفاً إياه بأنه «أحادي الجانب بشكل رهيب».

وبعد حملة عسكرية استمرت 40 يوماً، استأنف المفاوضون الأميركيون والإيرانيون محادثات في إسلام آباد في وقت سابق من هذا الشهر، ركزت مرة أخرى على المقايضة المعهودة: قيود نووية مقابل تخفيف الضغوط الاقتصادية. وتظهر مؤشرات في العاصمة الباكستانية استعدادات لاستئناف المحادثات المباشرة.

ويرى دبلوماسيون أن انعدام الثقة العميق بين الطرفين، إلى جانب التباين الحاد في أساليب التفاوض، يزيد من خطر التوصل إلى إطار هش قد يصعب الحفاظ عليه سياسياً.

مسؤولة السياسة الخارجية بالاتحاد الأوروبي السابقة فيديريكا موغريني خلال مؤتمر في مدينة مكسيكو بالمكسيك 11 سبتمبر 2019 (رويترز)

وقالت المسؤولة السابقة للسياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي، فيديريكا موغريني، التي نسقت المحادثات بين عامي 2013 و2015: «استغرق الأمر منا 12 عاماً وعملاً تقنياً هائلاً. هل يعتقد أحد فعلاً أن هذا يمكن تحقيقه في 21 ساعة؟».

اتفاق سياسي بلا تفاصيل

وأشار دبلوماسيون إلى أن التوصل إلى اتفاق إطار قد يكون ممكناً، يقوم على حزمتين: نووية واقتصادية. إلا أنهم حذروا من أن الملف النووي يظل الأكثر إثارة للخلاف.

وقال دبلوماسي أوروبي: «يعتقد الأميركيون أنهم يستطيعون الاتفاق على 3 أو 4 نقاط في وثيقة من 5 صفحات، لكن في الملف النووي كل بند يفتح الباب أمام عشرات الخلافات الأخرى».

وتتركز المحادثات على مخزون إيران البالغ نحو 440 كيلوغراماً من اليورانيوم المخصب بنسبة 60 في المائة، وهو مستوى قريب من الاستخدام العسكري في حال رفع نسبة التخصيب.

ويُطرح خيار «تخفيف التركيز» داخل إيران تحت إشراف الوكالة الدولية للطاقة الذرية كأحد الحلول المفضلة، إلى جانب خيار هجين يقضي بنقل جزء من المخزون إلى الخارج. وجرى طرح تركيا وفرنسا كوجهتين محتملتين، في حين يرى دبلوماسيون أن نقل المواد إلى الولايات المتحدة سيكون صعب القبول سياسياً بالنسبة لطهران، كما أن واشنطن لا تفضل إرسالها إلى روسيا.

لكن هذه الخيارات، بحسب الدبلوماسيين، ستتطلب مفاوضات تقنية معقدة تشمل التحقق من الكميات، واستعادة المواد التي قد تكون دُفنت بفعل الضربات الجوية، وضمان نقلها بشكل آمن. كما طرحت إيران فكرة تخزين المواد في الخارج لفترة زمنية محددة.

وقال دبلوماسي غربي شارك سابقاً في المفاوضات: «ما يحدث الآن هو مجرد نقطة انطلاق. لهذا السبب بلغ حجم اتفاق 2015 نحو 160 صفحة».

وإلى جانب المخزون، يتمثل الخلاف الأعمق في حق إيران في تخصيب اليورانيوم. فقد دعا ترمب إلى وقف كامل للتخصيب، بينما تؤكد طهران حقها في التخصيب لأغراض مدنية وتنفي سعيها لامتلاك سلاح نووي.

ويُطرح حل وسط محتمل يقوم على وقف مؤقت للتخصيب، يعقبه استئناف عند مستويات منخفضة جداً ضمن شروط صارمة.

وشدد الأوروبيون على ضرورة الحفاظ على الدور المركزي للوكالة الدولية للطاقة الذرية، بما يشمل عمليات تحقق دقيقة وإمكانية وصول غير مقيدة.

وقال جيرار آرو، كبير المفاوضين الفرنسيين بين 2006 و2009: «المفاوضات مع إيران شديدة التعقيد والدقة، وكل كلمة فيها مهمة. هذا ليس ملفاً يمكن التعامل معه بسرعة».

مسار العقوبات

في المسار الاقتصادي، تتركز المحادثات على رفع العقوبات وتحرير الأصول الإيرانية المجمدة.

وتسعى طهران على المدى القريب إلى الوصول إلى جزء من أموالها المجمدة في الخارج، بينما يتوقع دبلوماسيون أن يتطلب رفع أوسع للعقوبات مشاركة أوروبية، نظراً لأهمية التجارة مع أوروبا بالنسبة لإيران على المدى الطويل.

ويرى مسؤولون أن واشنطن تفصل مجدداً بين الاتفاق من حيث المبدأ والعمل اللاحق على التفاصيل، وهو نهج يعتبرونه غير منسجم مع طبيعة النظام السياسي الإيراني.

وقال دبلوماسي إقليمي مطلع على الموقف الإيراني: «هذه المحادثات ليست صفقة عقارية تُبرم بالمصافحة»، في إشارة لخلفيات مفاوضي ترمب الرئيسيين ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر، مضيفاً أن العملية تتطلب تدرجاً في رفع العقوبات مقابل خطوات نووية مقابلة.

وأشار دبلوماسيون إلى أن الحرب الأخيرة عززت موقف طهران، التي ترى أنها قادرة على تحمل الضغوط، حتى في ظل سعيها لتخفيف القيود الاقتصادية.

ويتمثل المطلب الرئيسي لإيران في الحصول على ضمانات بعدم تعرضها لهجمات جديدة، بعد أن شهدت ضربات أميركية وإسرائيلية خلال فترات تفاوض سابقة.

ترمب يَعرض مذكرة وقّعها للانسحاب من الاتفاق النووي الإيراني في 8 مايو 2018 (أرشيفية _ أ.ب)

ضغوط إقليمية

في الوقت ذاته، تواجه واشنطن ضغوطاً من حلفائها، إذ هي مطالبة إقليمياً بإدراج ملفات الصواريخ الباليستية الإيرانية ونشاط الجماعات المسلحة المتحالفة مع طهران ضمن أي اتفاق، وتضغط إسرائيل باتجاه فرض أقصى قيود ممكنة على إيران.

على خلاف ذلك، ترى طهران أن قدراتها الصاروخية تمثل رادعاً أساسياً، خاصة بعد تراجع قدراتها التقليدية نتيجة الحرب.

ويرى دبلوماسيون أن المطالبة بتفكيك هذه القدرات بشكل كامل تبدو غير واقعية من دون تقديم ضمانات أمنية أوسع.

وقال مسؤول كبير في إدارة ترمب إن الخطوط الحمراء لواشنطن تشمل وقف تخصيب اليورانيوم، وتفكيك منشآت التخصيب الكبرى، والحصول على مخزون اليورانيوم عالي التخصيب، إلى جانب اتفاق أوسع للتهدئة يشمل أطرافاً إقليمية.

خبرة تفاوضية محدودة

وأقر مسؤولون أوروبيون بأنهم ساهموا جزئياً في تهميش دورهم، من خلال دعم إعادة فرض عقوبات أممية على طهران العام الماضي، وإدراج «الحرس الثوري» ضمن قوائم الإرهاب. لكنهم أشاروا إلى أن إيران تقدر في المقابل بقاءهم خارج دائرة المواجهة العسكرية.

وقال مسؤول أوروبي: «ببساطة، لا توجد خبرة كافية داخل هذا الفريق الأميركي. لقد عملنا على هذا الملف لعقدين»، مشيراً إلى أن نحو 200 دبلوماسي وخبير نووي ومالي شاركوا في مفاوضات اتفاق 2015.

في المقابل، أكد مسؤول في البيت الأبيض أن ممثلين عن مجلس الأمن القومي ووزارتي الخارجية والدفاع شاركوا في محادثات إسلام آباد، ولا يزالون منخرطين في الجهود الرامية إلى التوصل إلى اتفاق.