سير ذاتية عربية من خمسينات القرن الـ20 حتى الألفية الجديدة

تحية عبد الناصر تردها إلى أصولها في التراث العربي واختلاطها بأجناس أخرى

طه حسين
طه حسين
TT

سير ذاتية عربية من خمسينات القرن الـ20 حتى الألفية الجديدة

طه حسين
طه حسين

طه حسين، لطيفة الزيات، إدوارد سعيد، آسيا جبار، صنع الله إبراهيم، محمود درويش، عالية ممدوح، مريد البرغوثي، نجلاء سعيد، رضوى عاشور، منى برنس... أدباء وأديبات من مصر والجزائر وفلسطين والعراق كتبوا جميعاً سيَرهم الذاتية على نحو يراوح بين التسجيل الوثائقي والثوب القصصي. وهم في ذلك امتداد لأعمال من الماضي القريب ومن التراث العربي سجلت، عبر القرون، خبرات مؤلفيها والتحامهم بعصرهم وعلاقاتهم برجاله ونسائه.

الأدباء المذكورون أعلاه موضوع كتاب باللغة الإنجليزية عنوانه «السيرة الذاتية الأدبية والنضال القومي العربي» من تأليف الدكتورة تحية عبد الناصر، حفيدة الرئيس المصري الراحل جمال عبد الناصر، وأستاذ مساعد الأدب الإنجليزي والمقارن بالجامعة الأميركية في القاهرة، ومؤلفة كتاب «الأدب العربي وأدب أميركا اللاتينية» الذي استعرضناه في هذه الصفحة في 6 فبراير(شباط) 2023.

مريد البرغوثي

ترد المؤلفة فن السيرة الذاتية إلى أصوله في التراث العربي واختلاطه بأجناس أدبية أخرى كالسير وكتب الرحلات وكتب الدين والأخبار والسجلات ومعاجم الأدباء (ترد هنا على الذاكرة أسماء الغزالي، وأسامة بن منقذ، وابن جبير، والمقدسي، وغيرهم). ويغطي كتابها الفترة ما بين النصف الثاني من القرن العشرين والألفية الجديدة في 3 لغات هي العربية والإنجليزية والفرنسية. ومسارح السير التي تعالجها متعددة: قرى الريف، وصحن الأزهر، والسجن، والجبال التي كان يعتصم بها ثوار الجزائر، وشقة في فلسطين، وشقة محاصرة في بيروت، والقاهرة في عهد الاحتلال البريطاني، ونيويورك، وغرفة مستشفى، وميدان.

أشهر هذه السير الذاتية بلا جدال كتاب «الأيام» بأجزائه الثلاثة للدكتور طه حسين (1889 - 1973) وهو، كما يقول بيير كاكيا، أول كتاب في الأدب العربي الحديث يكتسب اعترافاً دولياً، ويترجم إلى لغات عدة. ونشر الكتاب أولاً مسلسلاً على صفحات مجلة «الهلال»، وفيه يتحدث المؤلف عن نفسه بضمير الغائب. في الجزء الأول نشهد طرفاً من طفولة الصبي الكفيف في صعيد مصر واختلافه إلى كُتّاب القرية وإرساله إلى القاهرة كي يتلقى تعليمه في الأزهر. وفي الجزء الثاني نرى سنوات دراسته في الأزهر وشعوره الحاد بالعزلة وهو يعيش في القاهرة. أما الجزء الثالث (وقد نُشر قبل رحيل المؤلف في أكتوبر 1973 بستة أشهر) فيسجل ارتباطه بالجامعة المصرية وانفتاحه على ثقافة الغرب حين سافر في بعثة دراسية إلى فرنسا ليعد رسالته للدكتوراه في جامعة السوربون ثم يعود إلى مصر أستاذاً للتاريخ القديم، ويثير عواصف في الحياة العقلية بأفكاره ومحاضراته وكتبه مثل «في الشعر الجاهلي» و«مستقبل الثقافة في مصر» وغيرهما.

لطيفة الزيات

ويتكامل ما تقوله تحية عبد الناصر هنا مع كتابات سابقة عن طه حسين، منها الكتاب الرائد (1956) لبيير كاكيا عن الأستاذ العميد وموقعه من النهضة الأدبية المصرية، وكتاب سوزان طه حسين «معك»، وكتاب «العمى والسيرة الذاتية» (1988) للباحثة فدوى ملطى – دوجلاس. وتجتمع هذه الكتابات على رسم صورة متكاملة للفتى النابغ الضرير الذي كان، على حد تعبير لويس عوض، «إمام الثائرين والراشدين معاً».

وتتحدث تحية عبد الناصر عن كتاب «حملة تفتيش: أوراق شخصية» (1992) للروائية وأستاذة الأدب الإنجليزي الدكتورة لطيفة الزيات (1923 - 1996). يسجل القسم الأول من الكتاب ذكريات الزيات مناضلة ضد الاحتلال البريطاني في أربعينات القرن الماضي (وقد سُجنت آنذاك في الإسكندرية عام 1949) ومشاركتها في الحركة الطلابية بجامعة فؤاد الأول (جامعة القاهرة الآن) عام 1942. أما القسم الثاني فيسجل تجربة سجنها في سجن القناطر عام 1981. ومن الأحداث الأخرى التي يسجلها الكتاب زواجها ثم طلاقها من الدكتور رشاد رشدي الناقد الأدبي والكاتب المسرحي وأستاذ الأدب الإنجليزي، وحرب 1973 مع إسرائيل، ووفاة طه حسين.

ولا نكران لأهمية الدور الذي لعبته لطيفة الزيات في الحياة العامة والجامعية والأدبية، فقد كانت روايتها «الباب المفتوح» (1960) من أهم نماذج أدب المرأة الجديدة الطامحة إلى المشاركة في الحياة العامة والنضال القومي، والخروج من نطاق الاهتمامات النسائية التقليدية. وكانت كتاباتها النقدية بالإنجليزية والعربية (ومنها كتاب جيد عن نجيب محفوظ) ومحاضراتها في الجامعة مؤثراً قوياً في عدد من الكتاب والكاتبات مثل الدكتورة رضوى عاشور الروائية والأستاذة الجامعية أبرز السائرات على دربها. ولكن من المبالغة الغليظة والإسراف أن نقول، كما يقول الدكتور صبري حافظ في الجزء الثاني من كتابه «سرادقات من ورق»، إن كتاب «أوراق شخصية»: «إضافة جديدة لا لعالم لطيفة الزيات وحده وإنما لجنس السيرة الذاتية في الأدب العربي كله لأنه كتاب يغير مفهوم هذا الجنس الأدبي ويبدل بنيته حتى تتواءم مع تاريخ المرأة وتجربتها في عالمنا العربي، وهي تجربة تعاني من التمزق والتفتت وغياب الاستمرارية السببية أو المنطقية».

رواية «حبات النفتالين» (1986) للروائية العراقية عالية ممدوح من الأعمال التي تفردها تحية عبد الناصر بالذكر، وقد ترجمت إلى لغات غربية عدة. وكانت الروائية قد غادرت العراق في 1982 وعاشت متنقلة بين المغرب ولبنان وإنجلترا قبل أن يستقر بها المقام في باريس، و«حبات النفتالين» رواية عن بغداد، بطلتها شابة تدعى هدى، أبوها مأمور سجن في كربلاء، وأمها سورية تعاني من ذات الصدر. وزمن الأحداث هو أربعينات القرن الماضي وخمسيناته في حي الأدهمية ببغداد. إنها رواية أوتوبيوغرافية من نوع روايات تكوين الشخصية وتتبع نموها، فهدى تسجل انطباعاتها عن أسرتها وعن الحياة في مدينتها في منتصف القرن العشرين. والرواية في الوقت ذاته، كما تقول الدكتورة فريال غزول، رواية عن حالة العراق عشية ثورة 1958 التي كانت ثورة على النظام الملكي وعلى سيطرة بريطانيا على مقدرات الوطن. والرواية من هذه الناحية تشبه رواية لطيفة الزيات «الباب المفتوح»، ورواية آسيا جبار «أبناء العالم الجديد»، إذ تشترك الروايات الثلاث في تصوير عالم المرأة في غمرة نضال قومي.

وتتحدث تحية عبد الناصر عن الروائي المصري صنع الله إبراهيم (1937- ) في روايتيه « تلك الرائحة» (1966) و«التلصص» (2007). و«تلك الرائحة» رواية قصيرة (نوفيلا) شبه أوتوبيوغرافية تستخدم تيار الشعور الذي أشاعه الروائي الآيرلندي جيمس جويس. أما «التلصص» فهي رواية عن طفولة المؤلف، تروي قصة صبي وأبيه المسمى خليل بك، وهو ضابط جيش متقاعد. وتستمد الرواية عنوانها من كون الصبي يتلصص على الكبار من حوله مسترقاً السمع أو مختلساً النظر إليهم. إنه يصحب أباه في زيارات للأقارب وإلى المقهى وإلى دكان البقالة. على أن عقل الصغير لا يستطيع أن يفهم كثيراً من الأمور: كيف كانت العلاقة بين أبويه، لماذا أصيبت الأم بانهيار عصبي... إلخ.

هذه إطلالة على عالم الكبار تذكرني (وهذا اجتهاد من جانبي) برواية الروائي أميركي المولد، بريطاني الجنسية هنري جيمس «ما كانت تعرفه ميزي». وبطلتها فتاة صغيرة تكتشف، مثل بطل «التلصص»، تعقيدات العلاقات بين الراشدين من رجال ونساء (لرواية جيمس ترجمة عربية للدكتور نظمي لوقا).

وتحت عنوان «أغنية فلسطين» تكتب تحية عبد الناصر عن الشاعر محمود درويش (1942 - 2008) والشاعر مريد البرغوثي (1944-2021) الأول في كتابه «ذاكرة للنسيان» (1986)، والثاني في كتابيه «رأيت رام الله» (1996) و«ولدت هناك، ولدت هنا» (2009). (أول وثاني هذه الأعمال مترجم إلى الإنجليزية).

أغلق درويش بابه على نفسه في شقته بمدينة باريس لمدة 3 أشهر كي يؤلف كتابه عن بيروت في أغسطس (آب) 1982 وهو تاريخ غزو إسرائيل للعاصمة اللبنانية. كتاب درويش يفتتح درباً جديداً للسيرة الذاتية العربية، إذ هو إطلالة على المشهد التاريخي والسياسي والثقافي، ومزج بين الشعر والسيرة الذاتية. وقد ظهر باللغة العربية تحت عنوان «الزمان: بيروت/ المكان: أغسطس». ويعالج آليات الذاكرة ومفارقات الحلم ولواعج الرغبة.

وفي إلماعة تعكس مقولة ت. س. إليوت «أبريل أقسى الشهور» يكتب درويش: «أغسطس أطول الشهور» كما يردد - إذ يواجه الموت - سؤال هملت «نكون أو لا نكون» وقد حول السؤال من صيغة المفرد إلى صيغة الجمع.

وفي كتاب «رأيت رام الله» (نقلته الروائية الدكتورة أهداف سويف إلى الإنجليزية) يسجل مريد البرغوثي زيارته لقريته في فلسطين لمدة اثني عشر يوماً بعد غياب ثلاثين عاماً في المنفى. لقد بدأت غربته بعد حرب 1967 وها هو ذا الآن يعود إلى رام الله في 1996. وكتابه مزيج من المذكرات والشذرات الشعرية والحكايات وأدب الرحلات.

لقد شهدت العقود الأخيرة من القرن العشرين والسنوات الأولى من القرن الحالي ازدهاراً لفن السيرة الذاتية والمذكرات والذكريات. وساهم في هذا الفن (إذا اقتصرنا على مصر وحدها) ساسة ورجال دولة، منهم الدكتور ثروت عكاشة وزير الثقافة المصري في عهد جمال عبد الناصر، وعلماء منهم الدكتور رشدي سعيد أستاذ الجيولوجيا، وأساتذة جامعيون من مختلف التخصصات: «أوراق العمر» لأستاذ الأدب الإنجليزي لويس عوض، و«سيرة حياتي» لأستاذ الفلسفة عبد الرحمن بدوي، و«معي» لأستاذ الأدب العربي شوقي ضيف، و«الليالي» لطه وادي (أستاذ آخر للأدب العربي أصغر سناً من ضيف)، و«مشيناها خطى» لأستاذ التاريخ رءوف عباس، و«واحات العمر» (وما تلاها) لمحمد عناني (أستاذ آخر للأدب الإنجليزي أصغر سناً من عوض) والقائمة تطول. فلعل واحداً من شباب الباحثين الذين يعملون تحت إشراف المؤلفة في الحقل الجامعي يصرف همه إلى دراسة هؤلاء الكتاب سائراً على الدرب الذي شقته، بكفاءة واقتدار، تحية عبد الناصر في هذا الكتاب. شهدت العقود الأخيرة من القرن العشرين والسنوات الأولى من القرن الحالي ازدهاراً لفن السيرة الذاتية والمذكرات والذكريات



الخيام... مدينة الشعراء وقصيدة الجنوب الكبرى

حسن عبد الله
حسن عبد الله
TT

الخيام... مدينة الشعراء وقصيدة الجنوب الكبرى

حسن عبد الله
حسن عبد الله

إذا كان التضافر الخلّاق للتاريخ والجغرافيا مع المعاناة القاسية والهوية القلقة، قد جعل من الجنوب اللبناني خزاناً للشعر يتعذر نضوبه، فإن ثمة بين جنباته حواضر ومدناً وبلدات بدت أكثر من سواها قادرة على رفد هذا الخزان بالقدر الأكبر من الشعراء والكتاب والمبدعين، كما هو حال النبطية ومرجعيون وبنت جبيل وصور وعيناتا وشقراء والخيام، على سبيل المثال لا الحصر. ومع أن كل حاضرة من الحواضر التي ذكرت، تستحق الاحتفاء بكتابها وشعرائها ومبدعيها؛ كل على حدة، فإن اختيار «الخيام» محوراً لهذه المقالة، لم يكن سببه التقليل من شأن المدن والحواضر الأخرى، بل لأنها بحكم موقعها الحساس، تتحمل مع كل حرب تقع، أكثر أشكال المواجهة مع الغزاة قسوةً وعنفاً، ولأنها تشكل على الدوام رأس حربة الدفاع عن الجذور وحراسة الهوية.

ولعل ما ينطبق على لبنان وجنوبه، بشأن التضاد المتعلق بنعمة الجغرافيا ونقمتها، إنما يجد في بلدة الخيام برهانه النموذجي وشاهده الأمثل. ذلك أن الثراء المشهديّ الذي أتاح للبلدة أن تطل على قمم جبل الشيخ ومنحدراته، كما على الجليل الفلسطيني، وعلى السهل الفسيح المسمى باسمها، وعلى جهات مرجعيون وقلعة الشقيف وبلدات الحدود، فضلاً عن وقوعها على هضبة عالية تشبه ظهر الفرَس، هو ما أمدّها بعدد غير قليل من المبدعين، وغذَّى نصوص شعرائها بكل أشكال الاستعارات وضروب التخييل.

حبيب صادق

وإذا كان محرك البحث «ويكيبيديا»، قد عرّف الخيام بأنها البلدة التي «اشتهرت بسهلها وشعرائها ومعتقلها»، فإن أكثر ما يلفت في هذا التعريف، هو تمكّنه عبر مفردات ثلاث من العثور على هوية للبلدة، تجمع بين جماليات المكان، وجمالية التعبير عنه، وتكلفة جماله الباهظة. واللافت أن عدد الشعراء والمبدعين الذين تبرعمت مواهبهم فوق أرض الخيام، لا يقل أبداً عن عدد الينابيع التي تفتحت في كنف سهلها الفسيح، وبين هؤلاء عبد الحسين صادق وعبد الحسين عبد الله وسكنة العبد الله وحبيب صادق وكامل العبد الله ومحمد العبد الله وعصام العبد الله وحسن عبد الله، وكثر غيرهم.

وحيث يجدر التنويه بأن المكان والنشأة المتقاسمين بين الشعراء المذكورين، لم يجعلا منهم نسخاً مكررة، ومتماثلة الأسلوب والرؤية إلى العالم. إلا أن ما جمعهم، على تفاوت المواهب والمستويات، هو وفاؤهم للمكان الأصلي الذي انبثقوا عنه. حتى إذا جذبهم بسحره المغوي بريق المدن، أو أجبرتهم الحروب المتعاقبة على النزوح باتجاه بيروت، ظلوا كما فعل الشريف الرضي، يتلفتون بالقلب نحو مساقط الحياة الأم، ويلأمون بالشعر والحنين المسافة الفاصلة بين مواطئ الجسد ومواطن الروح.

ومع أن التجارب الشعرية، المتباينة لغةً وأسلوباً، لكل من حسن ومحمد وعصام العبد الله، قد شكلت الأضلاع الثلاثة الأكثر تميزاً لمثلث الشعر «الخيامي»، إلا أن مقتضيات الوفاء والإنصاف، توجب التنويه بالتجربة الشعرية المبكرة لحبيب صادق، الذي حالت التزاماته النضالية والاجتماعية والثقافية المتنوعة دون متابعتها إلى نهاية الشوط. وإذا كان صادق قد استعاض عن كتابة الشعر بتأسيس «المجلس الثقافي للبنان الجنوبي»، وتعهُّد الشعراء والكتاب الجنوبيين بالرعاية والحدب والاهتمام، فإن ذلك لم يمنعه من إصدار عديد من المجموعات، التي حرص فيها على المزاوجة بين النسقين الخليلي والتفعيلي، وعلى حقن النصوص «الملتزمة» بشحنات متفاوتة من الغنائية الرومانسية والشجن العاطفي. وهو ما يبدو واضحاً في أبياته المغنّاة:

شدَي عليكِ الجرح وانتصبي عبر الدجى رمحاً من اللهبِ

يا ساحة الأنواء كم عصفتْ فيها خيول الهول والرعُبِ

أهلوكِ لا سورٌ من الكذِبِ أهلوكِ لا قنّاصةُ الرتبِ

صدّوا الرياح السودَ يحْفزهم جرح التراب وأنةُ العشُبِ

أما حسن عبد الله فقد بدت تجربته الشعرية مدينة لموهبة شديدة التوقد، كما لإصغاء عميق إلى كل ما ينمّ عنه تراب الخيام من عبق الروائح وهسيس الأصوات، وتنقّل الكائنات الحية بين باطن الأرض وغلافها الخارجي. لا بل إن ما منح صاحب «أذكر أنني أحببت» مكانته الإبداعية المرموقة، لم تكن ثقافته العالية وسعة اطّلاعه فحسب، بل إمعانه الدؤوب في التنقيب عن مناجم طفولته الغنية، التي أمدَّته بقدر غير قليل من البساطة واالصفاء التعبيري والتبصر الدائم في كنه الأشياء. وإضافة إلى ذكائه الحاد وسخريته اللماحة، امتلك حُسن القدرة على تسييل الحواس الخمس، عبر نصوص رشيقة الجرْس وغنية بالصور والاستعارات والمفارقات المباغتة.

ورغم أن تجربة حسن عبد الله قد ذهبت بعيداً في تنوع أسئلتها وموضوعاتها، فإن معاناة الجنوب اللبناني، والخيام على وجه الخصوص، ظلت شغله الشاغل وحجر الزاوية في عديد من قصائده. وإذا كانت قصيدته «الدردارة»، التي أخذت اسمها من حوضٍ مائي مترع بالخضرة عند أطراف بلدته، قد بدت درة أعماله، فلأنه استطاع أن يحوِّلها إلى معلَّقة حديثة، يختلط فيها الحنين مع الرغبات الأولية، والماضي مع الحاضر، والفراديس الوارفة للماضي مع جهنمات الحاضر وكوابيسه المتجددة. والخيام التي نبت فيها حسن مع أعراس العصافير، وصباحات التين، وزمن الهناءة اللازوردي، هي نفسها التي حوَّلتها الطائرات المعادية ذات الاجتياح الغادر، إلى أثر بعد عين، ليقول في ذلك:

تأتي الطائرات وأرحلُ

الطائراتُ، ويثبتُ الولد اليتيمُ

وطابتي في الجوّ،

إني مائلٌ شرقاً

وقد أخذ الجنوب يصير مقبرةً بعيده

وحين كان حسن عبد الله يغادر بلدته الخيام ليحط رحاله في صيدا، عاصمة الجنوب اللبناني، كان محمد العبد الله، ذو القامة الباسقة والمنكبين العريضين والصوت الأجش، يواصل رحلته باتجاه بيروت، شأنه في ذلك شأن أقرانه الكثر من شعراء الجنوب وكتابه وفنانيه، الذين رأوا في «لؤلؤة المتوسط» كل ما يحلمون بتحقيقه من آمال، وما يجيش في دواخلهم من رغبات. وحيث بدا اصطدام ذلك الجيل الأعزل، إلا من براءته الريفية وطموحه الرومانسي، بإسمنت المدينة الأصم وأبراجها الشاهقة، أمراً لا بد من حدوثه، فقد استطاع محمد العبد الله، بما يملكه من موهبة فطرية وتحصيل ثقافي مبكر، أن يعبّر في قصيدته الفريدة «بيروت» عن مكابدات ذلك الجيل وهواجسه وأسئلته المؤرقة.

لكن سوء التفاهم المرير الذي حكم العلاقة بين المدينة ومثقفي الأطراف، سرعان ما أخلى مكانه لعلاقة أقل توتراً، زادها وثوقاً شغف الوافدين بالمغامرة ورغبتهم في تحقيق الذات. على أن الانغماس في العالم الجديد، قد ولّد لدى الشعراء الهابطين من القرى، شعوراً بالذنب منبعه الخشية من تحول الجنوب إلى أضغاث مبهمة ومشرفة على التلاشي. ومرة أخرى كان صاحب «مصرع دون كيشوت» يؤرّخ لغروب العالم الريفي، ويهتف بحرقة بالغة:

الدم الزراعي ينزف عشباً أخيراً

الدم الزراعي ماتْ

انتهى زمن الذكرياتْ

رأيت دماءً بفصلين:

فصل تراجع نحو الحكايه

وفصل يصير إلى لا نهايه

وإذ يصعب أخيراً تناول شعراء الخيام الكثر، كلٍّ على حدة، إلا أنه من غير الجائز إسقاط تجربة عصام العبد الله من المشهد الشعري الخيامي. صحيح أن ما كتبه الشاعر من قصائد ومقطوعات، قد اقتصر على مجموعات ثلاث مكتوبة بالمحكية اللبنانية، إلا أن الشاعر القادم من الفصحى، استطاع بتمكّن لافت، أن يدمغ ببصمته الخاصة وأسلوبه الطريف، مجمل النصوص التي كتبها.

ومع أن صاحب «سطر النمل» كان عاشقاً لبيروت، بشوارعها ومكتباتها وبحرها ومقاهي رصيفها، إلا أنه ظل ملفوحاً كأترابه الكثر، بكل ما تحمله إليه رياح الجنوب من مسرَّات الطفولة، وقلامات الألم، وأزمنة الوداعة المنقضية، حتى إذا التفت كغيره باتجاه الجنوب المثقل بالمكابدات، والذي حوّله النأي والصمود الدامي إلى ما يشبه الأسطورة، كتب عصام عبد الله قائلاً:

كانْ في جبلْ إسمو جبلْ عاملْ

وكانِ الوقتْ قبلِ العصرْ بِشوَيْ

بكّيرْ تيْصلّي

تْمَدّدْ عَ كرسي إسْمها الخْيامْ

كتْفو الشْمالِ ارتاحْ عَ الجولانْ

كتْفو اليمين ارتاحْ عَا نيسانْ

إسْمو جبلْ عاملْ التجارب الشعرية لكل من حسن ومحمد وعصام العبد الله شكَّلت الأضلاع الثلاثة الأكثر تميزاً لمثلث الشعر الخيامي


واجهة قصر الحير الغربي

واجهة قصر الحير الغربي مع تفصيل يكشف عن بعض من عناصره التصويرية
واجهة قصر الحير الغربي مع تفصيل يكشف عن بعض من عناصره التصويرية
TT

واجهة قصر الحير الغربي

واجهة قصر الحير الغربي مع تفصيل يكشف عن بعض من عناصره التصويرية
واجهة قصر الحير الغربي مع تفصيل يكشف عن بعض من عناصره التصويرية

تُزيّن مدخل متحف دمشق الدولي منذ منتصف خمسينات القرن الماضي واجهة معمارية ضخمة يحدّها برجان، وتكسوها شبكات من النقوش الزخرفية المتقنة، تتوزّع على مساحات سطحها، وتبلغ قمّة برجيها. يبلغ طول هذه الواجهة نحو 15 متراً، وتعود إلى الحقبة الأموية، ومصدرها قصر يُعرف باسم قصر الحير الغربي، كشفت عنه بعثة فرنسية قادها عالم الآثار دانيال شلومبرجير بين عام 1936 وعام 1938.

مثل العديد من القصور الأموية التي أنشئت في وسط صحاري بلاد الشام الواسعة، كان قصر الحير الغربي خربة منسية ترتفع أطلالها على تخوم البادية السورية، بين مدينة تدمر ومدينة القريتين، غير أن الجزء الأكبر منه كان مطموراً تحت التراب. مرّ بهذه الخربة عدد من الرحّالة والبحّاثة، وتوقّفوا أمام ما ظهر من أسسها، وبدا لهم أنها تعود إلى الحقبة الرومانية. قصد العالم الألماني ثيودور ويغاند تدمر مراراً لدراسة آثارها بين عام 1902 وعام 1917، وقدّم وصفاً عاماً لهذه الخربة في بحث صدر في 1932. كذلك، جاء الكاهن الفرنسي رافاييل سافينياك برفقة زميله أنطونين جوسين من «مدرسة الكتاب المقدس» في القدس، وتوجّه إلى تدمر لدراسة نقوشها الكتابية في صيف 1914، وتوقّف أمام هذا الموقع، وذكره في دراسة عرض فيها نتائج هذه الرحلة الاستكشافية، نُشرت في مطلع عام 1920.

بدوره، قام الكاهن اليسوعي أنطوان بوادوبار في مطلع الثلاثينات برحلة جوية فوق البادية السورية بحث خلالها عن آثار روما، وشملت هذه الرحلة خربة قصر الحير الغربي، وكشفت لأوّل مرة عن امتداد مساحتها المطمورة تحت الرمال. جاء هذا الكشف ضمن كتاب نشره بوادوبار في 1934، وتضمّن صوراً جويّة ورسماً تخطيطياً لهذا الموقع شكّلت أساساً للحملة الفرنسية التي انطلقت في عام 1936 تحت قيادة دانيال شلومبرجير، وامتدّت على مدى سنتين. خرجت هذه الحملة بمجموعة هائلة من اللقى تجاوز عددها 50 ألفاً، يعود القسم الأكبر منها إلى حلل زينية ثرية متعدّدة الأنواع والأشكال تعود إلى العصر الأموي، وتمثّل زينة هذا القصر الاستثنائي. نُشر التقرير المطوّل الخاص بهذه الحملة في عام 1939، وجاء في حلقتين مفصّلتين، استعرض فيهما شلومبرجير حصيلة عمله المتأنّي.

تبيّن أنّ الأطلال التي مرّ بها الرحالة خلال العقود الأولى من القرن الماضي تعود فعلاً إلى ما قبل العصر الإسلامي، وأبرزها برج بيزنطي أُعيد استخدامه في بناء قصر أموي الطابع، حيث ثُبّت في الزاوية الشمالية الغربية من هذا القصر. شُيّد هذا البناء على أنقاض دير بناه في القرن السادس للميلاد الحارث بن جبلة، سادس ملوك الغساسنة، واستمدّ حاجته من المياه عن طريق قناة تربطه بخزان يتغذّى من سد أُقيم قبل الإسلام، يُعرف باسم سد خريقة. وكان لهذا السد ثلاث فتحات، منها تجري المياه وتتفرّع إلى القصر والمنشآت المجاورة له، وهي الحمّام الملاصق له في الركن الجنوبي الغربي، والبستان الذي أضحى تراباً في الصحراء، والقصير الذي يبعد عنه مسافة 10 كيلومترات، وقد بقيت منه بوابته الحجرية التي تحمل كتابة بالخط الكوفي جاء فيها: «بسم الله الرحمن الرحيم لا إله إلا الله وحده لا شريك له أمر بصنعة هذا العمل عبد الله هشام أمير المؤمنين أوجب الله أجره عمل على يدي ثابت بن أبي ثابت في رجب سنة تسع ومائة».

اتّضح أن هشام بن عبد الملك أمر ببناء هذا القصر في عام 727، وتأكّدت هذه النسبة حين نجح العلماء في فك جزء من كتابة ثانية نُقشت على حجر رخامي مهشّم رمّمه أهل الاختصاص، وفيه: «بسم الله/ من هشام أمير المؤمنين إلى/ الوليد أبي العباس/ أحمد الله إليك». اشتهر هذا القصر الذي يقع جنوب غرب تدمر باسم قصر الحير، وهو الاسم الذي اشتهر به قصر أموي آخر يتميّز بضخامته، ويقع شمال شرق تدمر. ولهذا، سُمّي الأول باسم قصر الحير الغربي، وسُمّي الآخر باسم قصر الحير الشرقي.

انكبّ شلومبرجير بمعاونة فريقه العلمي على دراسة هذا الموقع، وأنجز دراسة توثيقية معمّقة شملت أصغر تفاصيله، فتمكّن من إعداد خريطة هندسية مفصّلة لبناء القصر ومحيطه. شُيّد أساس القصر على شكل مربّع طول كل ضلع من ضلوعه 70 متراً، وتمّ دعم جدرانه الخارجية بأبراج مستديرة، منها البرج البيزنطي في الزاوية الشمالية الغربية. تميّز الجدار الشرقي ببوابة عظيمة، تنفتح على دهليز يقود إلى فناء يتوسّطه حوض صغير. يحيط بهذه البوابة من كل طرف برج نصف دائري زيّن بالزخارف، أما الجدران الثلاثة الأخرى، فكان كل منها مدعوماً ببرج نصف دائري أقيم في وسطه. شكّلت قاعات القصر 6 بيوت مستقلة، واختلف عدد الحجرات في هذه البيوت من 8 إلى 13.

ارتفعت واجهة مدخل القصر وبلغت نحو 15 متراً، وكانت هذه الواجهة أنقاضاً حين تعرّف إليها فريق التنقيب الفرنسي في مكانها الأصلي، فجمع قطعها المبعثرة، وأعاد تركيبها بجهد جهيد. في منتصف الخمسينات، اختيرت هذه الواجهة لتكون مدخلاً لمتحف دمشق الدولي، فباتت منذ ذلك التاريخ معلماً من أشهر معالمه. تغطّي هذه الواجهة مجموعة متناغمة من الزخارف المنجزة بتقنية الجص المنقوش، تجمع بين الأشكال الهندسية التجريدية والأشكال التصويرية المحوّرة، في تناسق مثالي يشهد لرهافة التزيين المعماري الأموي المدني. تمثل هذه الأشكال منجماً مفتوحاً يصعب تحديد عناصره بشكل كامل، وتحوي نقوشاً تصويرية تقارب في نتوئها البارز النحت الثلاثي الأبعاد، منها منحوتات آدمية وحيوانية، تتجلّى قيمتها الفنية من خلال قراءة تحليلية متأنية لها.

ضمّ القصر كذلك واجهة داخلية زيّنت الجدار الداخلي الذي يقع خلف الرواق الشرقي، وبقيت منها أنقاض تمّ جمعها ونقلها إلى المتحف، حيث أعيد تركيبها على هيكل من الأسمنت المسلّح طوله 16 متراً. تشكّل هذه الزينة الداخلية امتداداً للزينة الخارجية، وتشهد لحرفية عالية تجمع بين الحجر والطوب والآجر، إضافة إلى العوارض الخشبية. تتبنّى هذه الزينة تقليداً فنياً محلياً اتُّبع في زمن الأمويين، ذلك أننا نجد رديفاً لها في مواقع أخرى، أهمّها موقع قريب من مدينة أريحا في فلسطين، يُعرف بخربة المجفر، وفيه قصر آخر أنشأه كذلك هشام بن عبد الملك، عاشر خلفاء بني أمية.


رحلة شعرية إلى بغداد

رحلة شعرية إلى بغداد
TT

رحلة شعرية إلى بغداد

رحلة شعرية إلى بغداد

صدر أخيراً عن دار «أكورا» المغربية كتاب «سنة أخرى من الاشتياق» للشاعر والناقد الفني فاروق يوسف.

وهو عبارة عن رحلة شعرية إلى بغداد، المدينة التي لم يرها الشاعر منذ نحو ثلاثين سنة.

يبدأ الكتاب بمفتتح:

«سنة واحدة وأعود» قلت لأمي. بعد عشرين سنة قالت لي من خلال الهاتف «ألم تنتهِ تلك السنة؟» صمتُ. كنت خجلاً لأني أخلفت وعدي. سمعتها تقول «لا بأس سأضيف عليها سنة أخرى، ربما تساعدني الملائكة على تحملها»، لا تدري أمي أنها وضعت في رقبتي جرساً فيما ذهبت بالبقرة إلى مكان خفي».

ومن الكتاب: «يوم كانت بغداد هي المدينة كنت أنعم برؤية مدن العالم. أما حين اختفت بغداد وانفصلت عن جنتها، فلم أعد أثق بالمدن. صرت أمرّ بالمدن كما لو أنها هي التي تمرّ بي. القطار السريع الذي يقلني يحملها هي الأخرى. سنضحك ونبكي حين نلتقي في محطات مهجورة، ولكن أصابعي لا تزال ممسكة بأزقة ضيقة على الخريطة، التي فرشتها على الطاولة. لن أسمح لمطابخ العالم بأن تزيح المطبخ العباسي من البيت. ذلك ما قررته وأنا أعرف أن لا بيت لي. فأنا في الطريق. تلك طريق تقيم على جانبيها مدن تيرنر، وإليوت، وفرجينيا وولف، وجيمس جويس، وكلود مونيه، وشارل بودلير وبروست، وروفائيل، وباخ، وغوته، وفيلاسكز وفليني، ولكن رائحة الباقلاء بالدهن تشد أعصابي. ما أزال طفلاً. المراهق يلعب بأصابعي والشاب هو الذي يعنى بخزانة ثيابي. المشرد الذي صرته لا يزال يقوى على أن يقف في منتصف الطريقة ويعود أدراجه. هناك مسافة للركض في الغابة لن يتمكن الكلب فيها من اللحاق بي ونحن نلعب. لا رغبة لديّ في العودة إلى حطام البيت لأتناول فطوري مثل طفل صحا من النوم، ليكتشف أن الطائرات أبقته حياً من أجل أن يغطي بكاؤه على ضجيجها. لقد سلمت حياتي للفوضى. وحياتي لا ثمن لها».