النيجر: شكوك فرنسية إزاء نوايا واشنطن وتساهلها مع المجلس العسكري

ألمانيا بعد إيطاليا لا ترى حلاً عسكرياً وتقترح مخرجاً سياسياً لا ينص على رحيل الانقلابيين

سيارات محروقة أمام مقر حزب الرئيس المخلوع في نيامي (إ.ب.أ)
سيارات محروقة أمام مقر حزب الرئيس المخلوع في نيامي (إ.ب.أ)
TT

 النيجر: شكوك فرنسية إزاء نوايا واشنطن وتساهلها مع المجلس العسكري

سيارات محروقة أمام مقر حزب الرئيس المخلوع في نيامي (إ.ب.أ)
سيارات محروقة أمام مقر حزب الرئيس المخلوع في نيامي (إ.ب.أ)

من بين الدول الأربع الغربية التي لها حضور عسكري في النيجر: فرنسا والولايات المتحدة الأميركية وألمانيا وإيطاليا، تجد الأولى نفسها معزولة إلى حد بعيد لجهة تمسكها بالسياسة الأكثر تشدداً إزاء المجلس العسكري الانقلابي، ووقوفها الصارم وراء المجموعة الاقتصادية لغرب أفريقيا (إيكواس)، وعدم ممانعتها «الحل العسكري» الذي تلوّح به الأخيرة من أجل تحرير الرئيس محمد بازوم، وإعادة الانتظام الدستوري إلى النيجر.

وتجد باريس نفسها في وضع لا تحسد عليه؛ إذ إن التطورات الجارية في مستعمرتها السابقة تعد «انتكاسة استراتيجية». وإذا اضطرتها التطورات إلى سحب قواتها من النيجر، فإن ذلك سيعني تقليص حضورها العسكري بعد أن أجبرت على الخروج في 2022 و2023 من مالي وبوركينا فاسو.

آخر «طعنة» تعرضت لها باريس جاءت (الاثنين) من ألمانيا، وتحديداً من وزيرة التنمية سيفينيا شولتسه التي استبقت جولتها في غرب أفريقيا بتصريحات تشدد فيها على ضرورة البحث عن «حل سلمي» للأزمة الحالية.

صورة أرشيفية أخرى للرئيس المخلوع محمد بازوم في أبريل 2022 (د.ب.أ)

وقالت الوزيرة الألمانية لصحيفة «نويه أوسنابروكر تسايتونغ»، إن «الاحتجاج على الانقلاب في النيجر يجب ألا يعني إعلان حرب». والأهم من ذلك أن سيفينيا شولتسه تقترح حلاً يقوم على الاعتراف بسلطة الأمر الواقع العسكرية، ولكن مع الحصول منها على ضمانات بخصوص إجراء انتخابات جديدة ونزيهة، والإفراج عن الرئيس المنتخب ديمقراطياً محمد بازوم، وضمان عدم تعرضه للأذى.

وخففت الوزيرة الألمانية من خطورة الانقلاب، عادّة إياه «انقلاباً غير عادي إلى حد ما»، مضيفة أن هناك طرقاً عديدة للتعامل مع الأمر بشكل مختلف، مثل ضمان إجراء انتخابات جديدة على نحو سليم قريباً، أو التوقف عن احتجاز الرئيس المنتخب ديمقراطياً محمد بازوم، وضمان عدم تعرضه للأذى.

وتسبب الانقلاب العسكري الذي وقع في النيجر قبل أسبوعين ونصف في أزمة إقليمية. وقالت شولتسه: «لم يمت أحد جراءه حتى الآن. وهذا يجعل من السهل العثور على طرق دبلوماسية، وهو أمر ممكن بالتأكيد».

مؤيدون للانقلاب في نيامي ومعهم علم روسيا (أ.ف.ب)

تكمن أهمية كلام المسؤولة الألمانية في أنها المرة الأولى التي تعلن عاصمة غربية عن استعدادها للتعايش مع الانقلابيين مقابل ضمانات. وسبق لـ«إيكواس» أن سارت على هذا النهج بمناسبة الانقلابين اللذين حدثا في مالي (2021) وبوركينا فاسو (2022). واكتفت «المجموعة الاقتصادية» بفرض عقوبات عليهما من غير التهديد بالتدخل العسكري مع الحصول على وعود بإجراء انتخابات تشريعية نزيهة وفق أجنده محددة. ولكن في الحالتين، لم يجرِ احترام الوعود، وما زال العسكر ممسكين بالسلطة في باماكو وواغادوغو. والأمر نفسه ينسحب على غينيا. والدول الثلاث شكلت ما يشبه الجبهة للوقوف إلى جانب انقلابيي نيامي في حال نفذت «إيكواس» تهديداتها العسكرية.

لا يختلف موقف روما عن موقف برلين؛ فقد استبق وزير الخارجية الإيطالي أنطونيو تانيان الجميع في التشديد على ضرورة الحل السلمي. وقال قبل أسبوع لصحيفة «لا ستامبا» إنه «يتعين أن نعثر على حل للأزمة... وليس مكتوباً أنه لن يعثر على حل غير عسكري». مضيفاً أنه «لا يتعين على أوروبا أن تسمح بحدوث مواجهة مسلحة، ولا يتعين أن ينظر إلينا على أننا مستعمرون جدد».

رغم أهمية الموقفين الألماني والإيطالي، فإن ما يهم باريس بالدرجة الأولى هو السياسة الأميركية. والحال أن ثمة اختلافاً في المقاربة بين باريس وواشنطن. الأولى تقول إنها «تدعم كافة مقررات (إيكواس)» بما فيها تفعيل القوة الاحتياطية لاستخدامها المحتمل ضد الانقلابيين والتلويح بالتدخل العسكري رغم عدّه «الملاذ الأخير». بينما الثانية تشدد على الحل السياسي. وأبرز تعبير عن ذلك جاء في بيان لوزير الخارجية الأميركي أنطوني بلينكن جاء فيه إن «الولايات المتحدة تقدر إصرار المجموعة الاقتصادية لدول غرب أفريقيا على استكشاف جميع الخيارات من أجل حلّ سلمي للأزمة».

بلينكن يصافح رئيس النيجر محمد بازوم خلال لقائهما في القصر الرئاسي في نيامي في 16 مارس 2023 (أ.ف.ب)

ورأى بلينكن في مناسبة أخرى أنه «ليس هناك من حل عسكري مقبول». وحتى اليوم، امتنعت الإدارة الأميركية عن عَدِّ ما حدث في نيامي «انقلاباً عسكرياً»، لأن أمراً كهذا سيلزمها بوقف مساعداتها لهذا البلد؛ حيث إنها اكتفت بتجميد بعض المساعدات المالية. كذلك، فإنها خضعت للمجلس العسكري عندما امتنع زعيم الانقلاب عبد الرحمن تياني عن مقابلة فيكتوريا نولاند مساعدة وزير الخارجية الأميركي عند زيارتها إلى نيامي. كما منعت من لقاء الرئيس المخلوع محمد بازوم.

ونقلت صحيفة «لو فيغارو» في عددها (الاثنين) عن مصادر دبلوماسية فرنسية قولها، إن الموافقة على تعيين كاثلين فيتزجيبون، سفيرة لبلادها في نيامي في 27 يوليو (تموز) أي في اليوم التالي للانقلاب، بعد عام ونصف على فراغ موقع السفير، «يمكن عَدُّه اعترافاً شبه رسمي» بالسلطات الجديدة. وفي ما يشبه التعبير عن الخيبة من واشنطن، قالت هذه المصادر إن الطرف الأميركي «قام بعكس ما كنا نأمل أن يقوم به».

وترى هذه المصادر أن واشنطن التي كانت تطالب سابقاً بالإفراج الفوري عن الرئيس بازوم وإعادته إلى موقعه الدستوري وتراجع الانقلابيين، خفضت من سقف مطالبها، وراحت تطالب فقط بتحسين شروط اعتقاله، وإطلاق سراحه، الأمر الذي تعده باريس خطوة أولى لقبول أميركي بالأمر الواقع.

* المصالح الأميركية

يذهب التشكيك الفرنسي بالنوايا الأميركية بعيداً؛ إذ ترى المصادر المشار إليها «أن هدف واشنطن بسيط، وهو المحافظة على قواعدها العسكرية... إذا كان المقابل لذلك تخلي واشنطن عن المطالبة بالعودة إلى الشرعية الدستورية، فهي لن تتردد في الاستجابة خصوصاً أن عسكر الانقلاب، على الأرجح، لا يرون في ذلك صعوبة؛ لأنهم يعون أنه من غير المساعدة الأميركية الميدانية التي توفرها لهم قدرات المراقبة الأميركية (من خلال القاعدة الجوية التي تنطلق منها المسيرات) فإن قدرتهم على محاربة الجهاديين ستتضاءل».

وتجدر الإشارة إلى أن القوات الأميركية تستفيد من قاعدتين: جوية تقع قريباً من مدينة أغاديس (شمال البلاد) وأخرى أرضية قريبة من نيامي؛ حيث ترابط مجموعات كوماندوس أميركية.

متحدث باسم المجلس العسكري يعلن التوجه لمحاكمة بازوم بجريمة «الخيانة العظمى» (أ.ف.ب)

ويبلغ عدد الجنود الأميركيين في القاعدتين نحو 1300 رجل. ومن المهم الإشارة إلى أن الانقلابيين لم يطالبوا برحيلهم، بعكس إمهالهم القوة الفرنسية المنتشرة خصوصاً في القسم العسكري من مطار نيامي، وفي منطقة المثلث الحدودي (بين النيجر ومالي وبوركينا فاسو) مدة شهر للرحيل عن النيجر، بعد نقض الاتفاقات العسكرية المبرمة بين الطرفين.

وفي الرؤية الأميركية، فإن الخروج من النيجر يعني فتح المجال لتغلغل روسي، ولوصول ميليشيا «فاغنر»، الأمر الذي لا يرغب فيه لا الأوروبيون ولا الأميركيون. يضاف إلى ما سبق، أن الخروج الغربي من النيجر، يعني هزيمة سياسية بالدرجة الأولى، ولكن أيضاً خسارة اقتصادية واستراتيجية نظراً لما يختزنه باطن الأرض من ثروات مهمة مثل اليورانيوم والنفط والمعادن النادرة... وعيون الغربيين من جهة، والصين وروسيا من جهة ثانية على هذه الثروات.

ولكل هذه الأسباب، يرجح الجانب الفرنسي أن تكون واشنطن مستعدة للاعتراف بسلطة الأمر الواقع، وتجنب حرب غير مضمونة النتائج ومن شأنها رمي دول غرب أفريقيا في أتون المواجهات وإحداث انقسامات عميقة داخل «إيكواس»، وتعبيد الطريق للمنافسين، فضلاً على إفقار منطقة تعد أصلاً من الأفقر في العالم.

الرئيس المخلوع محمد بازوم يتحدث في الأمم المتحدة في سبتمبر الماضي (رويترز)

بيد أن هذه الاعتبارات لا تشكل حلاً للأزمة النيجرية التي تفاعلت مع عزم الانقلابيين، كما أعلنوا ليل الأحد ــ الاثنين، على سوق الرئيس المخلوع أمام المحاكم ومحاكمته بتهمة «الخيانة العظمى»، أي السير بعكس ما يطلبه الأفارقة وواشنطن وباريس وبقية الأسرة الدولية التي تصر على الإفراج عنه.

وتحتار الدول المعنية بالشأن النيجري، إزاء كيفية التعامل مع الانقلابيين الذين يمارسون سياسة «هبة باردة، هبة ساخنة»، ويتأرجحون بين الانفتاح والاستعداد للتفاوض، وبين التشدد والانغلاق.


مقالات ذات صلة

النيجر تطرح مخزونها من اليورانيوم للبيع في السوق الدولية

أفريقيا الجنرال عبد الرحمن تياني (الثاني على اليسار) رئيس النظام العسكري في النيجر (أ.ف.ب)

النيجر تطرح مخزونها من اليورانيوم للبيع في السوق الدولية

أعلنت النيجر، الأحد، طرح اليورانيوم الذي تنتجه شركة «سومير» التابعة لشركة «أورانا» الفرنسية العملاقة قبل تأميمها في يونيو (حزيران)، للبيع في السوق الدولية.

«الشرق الأوسط» (نيامي)
أفريقيا الجنرال عبد الرحمن تياني (الثاني على اليسار) رئيس النظام العسكري في النيجر والذي جاء إلى السلطة بانقلاب يُحيّي حشداً من الناس في نيامي في يوليو 2024 (أ.ف.ب) p-circle

تاريخ حافل بالاضطرابات... ما أبرز الانقلابات العسكرية في أفريقيا خلال العقد الأخير؟

تاريخ أفريقيا حافل بها... فيما يلي الانقلابات العسكرية الناجحة في السنوات العشر الأخيرة في القارة السمراء وآخرها انقلاب غينيا بيساو يوم الأربعاء 26 نوفمبر.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
شمال افريقيا سفير النيجر بالجزائر يسلم أوراق اعتماده للرئيس تبون (الرئاسة الجزائرية)

استئناف الحوار بين الجزائر والنيجر بعد تصاعد الأزمة في 2023

يسعى وفد من حكومة النيجر يزور الجزائر حالياً، لطي خلاف حاد نشأ في صيف 2023 بسبب الانقلاب العسكري الذي أطاح بالرئيس محمد بازوم، واشتدت الأزمة باحتجاج نيامي على …

أفريقيا رئيس النيجر المخلوع محمد بازوم (أرشيفية - أ.ف.ب)

النيجر نحو تنظيم «مؤتمر وطني» بشأن ميثاق انتقالي

أعلنت وزارة الداخلية في النيجر أن النظام العسكري الحاكم سينظّم «مؤتمراً وطنياً» من 15 حتى 19 فبراير (شباط)، يهدف خصوصاً لتحديد مدة للفترة الانتقالية.

«الشرق الأوسط» (نيامي)
الولايات المتحدة​ قاعدة أغاديز (أرشيفية - أ.ب)

الجيش الأميركي أنهى سحب قواته من آخر قاعدة في النيجر

أعلن الجيش الأميركي، الاثنين، إنهاء سحب كل قواته من قاعدته الأخيرة في النيجر؛ تلبية لمطلب قادة الانقلاب العسكري في الدولة الأفريقية.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)

واشنطن تعلن اتفاق حكومة الكونغو الديمقراطية والمتمردين على عدم مهاجمة المدنيين 

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يصافح رئيس الكونغو الديمقراطية فيليكس تشيسكيدي (أرشيفية - رويترز)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب يصافح رئيس الكونغو الديمقراطية فيليكس تشيسكيدي (أرشيفية - رويترز)
TT

واشنطن تعلن اتفاق حكومة الكونغو الديمقراطية والمتمردين على عدم مهاجمة المدنيين 

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يصافح رئيس الكونغو الديمقراطية فيليكس تشيسكيدي (أرشيفية - رويترز)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب يصافح رئيس الكونغو الديمقراطية فيليكس تشيسكيدي (أرشيفية - رويترز)

قالت وزارة الخارجية الأميركية، السبت، إن ممثلين لحكومة جمهورية الكونغو الديمقراطية وتحالف المتمردين (تحالف نهر الكونغو) أحرزوا ‌تقدماً ‌بشأن ​بروتوكول ‌يتعلق ⁠بوصول ​قوافل المساعدات ⁠الإنسانية والحماية القضائية ومراقبة وقف إطلاق النار وإطلاق سراح ⁠الأسرى.

وأفادت الخارجية الأميركية ‌في ‌بيان ​مشترك ‌مع حكومة ‌جمهورية الكونغو الديمقراطية وتحالف المتمردين بأنه خلال اجتماع ‌عقد في سويسرا خلال الأيام القليلة ⁠الماضية، ⁠اتفق الطرفان في الكونغو الديمقراطية على عدم مهاجمة المدنيين وعلى تسهيل تنقل العاملين في المجال ​الإنساني ​والقافلات الإنسانية.


جدل في نيجيريا بعد ضربة جوية استهدفت سوقاً شعبية

ضحايا الضربة الجوية للسوق المحلية في مدينة جيلي الواقعة بولاية بورنو السبت الماضي (أ.ب)
ضحايا الضربة الجوية للسوق المحلية في مدينة جيلي الواقعة بولاية بورنو السبت الماضي (أ.ب)
TT

جدل في نيجيريا بعد ضربة جوية استهدفت سوقاً شعبية

ضحايا الضربة الجوية للسوق المحلية في مدينة جيلي الواقعة بولاية بورنو السبت الماضي (أ.ب)
ضحايا الضربة الجوية للسوق المحلية في مدينة جيلي الواقعة بولاية بورنو السبت الماضي (أ.ب)

نفت حكومة نيجيريا استهداف المدنيين خلال قصف جوي لإحدى الأسواق شمال شرقي البلاد، مشيرة إلى أن السوق تحولت «قاعدة لوجيستية» للجماعات الإرهابية في المنطقة، وخاصة تنظيم «داعش في غرب أفريقيا» وجماعة «بوكو حرام».

ويحتدم الجدل في نيجيريا منذ استهداف السوق المحلية في مدينة جيلي، الواقعة بولاية بورنو، السبت الماضي، بضربة جوية أسفرت عن مقتل أكثر من 100 شخصٍ، بينهم مدنيون، حسب تقارير غير رسمية، في حين ارتفعت مطالب بفتح تحقيق في سقوط ضحايا أبرياء خلال العملية العسكرية.

مصابون يتلقون العلاج بعد تعرض السوق المحلية في مدينة جيلي الواقعة بولاية بورنو لضربة جوية أسفرت عن مقتل أكثر من 100 شخصٍ (أ.ب)

وفي أول بيان رسمي، قالت الحكومة، الأربعاء، إن الضربة الجوية على سوق جيلي كانت «متعمدة وليست عشوائية»، وأضافت أن الضربة «استهدفت مواقع إرهابية مؤكدة، بناءً على معلومات استخباراتية، وليست هجوماً عشوائياً»، مشيرة إلى أن السوق كانت «أحد أشهر الممرات الإرهابية في البلاد».

وجاء في البيان الموقّع من طرف وزير الإعلام محمد إدريس: «تم تصنيف جيلي منطقةً عالية الخطورة، مع وجود توجيهات أمنية واضحة تقيد وجود المدنيين»، ولكنه أضاف أن «كل حياة نيجيرية مقدسة، وأي خسارة في أرواح المدنيين مؤسفة للغاية».

رجال شرطة ومواطنون بمكان هجوم مسلح في جوس عاصمة ولاية بلاتو النيجيرية (رويترز)

وأوضحت الحكومة أن السوق المستهدفة كانت تعرف محلياً باسم «سوق الإرهابيين»، وظلت لفترة طويلة تحت سيطرة المجموعات الإرهابية، وكانت تخضع منذ فترة لمراقبة استخباراتية دقيقة وعمليات استطلاع مكثفة.

وأكدت الحكومة أن «عناصر من (داعش) و(بوكو حرام) كانوا يستخدمون المنطقة لفرض الإتاوات، وشراء الإمدادات، وتنسيق الهجمات»، وأضافت: «تعزز هذا التقييم في 12 أبريل (نيسان) 2026، عندما ألقت القوات القبض على شخص يبلغ من العمر 15 عاماً تابع لتنظيم (داعش) يُدعى تيجاني في نغامدو، حيث اعترف بنقل الأموال والإمدادات بين جيلي ومواقع أخرى؛ ما يبرز عمق النشاط الإرهابي في المنطقة واستغلال المدنيين، بمن فيهم القُصّر».

الرئيس النيجيري بولا أحمد تينوبو لدى حضوره مهرجاناً للصيد تزامناً مع تدهور الوضع الأمني (إ.ب.أ)

وأعلنت الحكومة فتح «تحقيق مستقل» في العملية العسكرية، مشيرة إلى أنه «سيشمل مراجعة المعلومات الاستخباراتية، وآليات تحديد الأهداف، وتنفيذ العملية، وسنعالج أي ثغرات ونضمن المساءلة عند الحاجة». وخلصت الحكومة النيجيرية إلى التأكيد على أن «حماية أرواح المدنيين تظل التزاماً أساسياً للقوات المسلحة».

مواقف متباينة

أثارت الضربة جدلاً في نيجيريا، حيث تباينت منها المواقف، خاصة حين تحدثت تقارير إعلامية عن استهداف سوق مزدحمة بالمدنيين عن طريق الخطأ، وسط مطالب بحماية المدنيين من الإرهاب ولكن أيضاً خلال العمليات العسكرية.

القائد السابق للجيش، الفريق أول المتقاعد توكور بوراتاي، وصف الغارة الجوية على سوق جيلي بأنها ضربة ضرورية لمعقل إرهابي، ورفض أي اتهام للجيش باستهداف المدنيين، وأضاف: «أشيد هُنا بالقوات الجوية والاستخبارات على الشجاعة والاحترافية في هذه العملية».

أرشيفية لمركبة تابعة للصليب الأحمر النيجيري بموقع هجوم مسلح أسفر عن مقتل عدد من الأشخاص في ولاية بلاتو نهاية مارس الماضي (رويترز)

من جانبه، دعا الرئيس السابق لمجلس الشيوخ أحمد لاوان إلى فتح تحقيق فوري ومستقل في الغارة الجوية، وأضاف: «رغم تقديري للتضحيات الكبيرة التي تقدمها قواتنا المسلحة وتعقيدات التمييز بين المقاتلين والمدنيين في مناطق النزاع، فإن حجم هذه المأساة يفرض علينا طرح أسئلة صعبة، لكنها ضرورية». وحذّر من أن «الحرب على الإرهاب لا ينبغي أن تكون على حساب أرواح المدنيين»، داعياً إلى اعتماد استراتيجيات أكثر دقة واعتماداً على الاستخبارات. وقال: «يجب ألا نسمح أبداً للحرب على الإرهاب بأن تُفقدنا الإحساس بحرمة حياة الإنسان البريء».

الرئاسة تدافع

أمام تصاعد وتيرة الهجمات الإرهابية عقد الرئيس بولا أحمد تينوبو، اجتماعاً طارئاً مع وزير الدفاع وقادة الجيش والأمن والاستخبارات، الاثنين الماضي، في حين دافع تينوبو عن العملية، مشيراً إلى أن السوق كانت قد «تم اختراقها» من قِبل الإرهابيين.

ضباط من الشرطة والجيش النيجيريين يصلون لحضور فعالية في مدينة مينا النيجيرية 22 ديسمبر 2025 (أ.ب)

وقال المستشار الخاص لشؤون الإعلام في الرئاسة، توبي أجايي، إن السوق أصبحت «هدفاً عسكرياً مشروعاً» بعد أن حولها مقاتلو «بوكو حرام» و«داعش» مركزاً لوجيستياَ وتجارياً.

ولكن الاجتماع الطارئ ناقش أيضاً، تطورات أمنية عدة، من أهمها تحذير سفر أصدرته وزارة الخارجية الأميركية، أجازت فيه المغادرة الطوعية للموظفين الحكوميين غير الأساسيين وعائلاتهم من سفارتها في أبوجا.

وتحدث التحذير عن «تدهور الوضع الأمني»، حيث وضع 23 ولاية من أصل 36 في نيجيريا ضمن التصنيف «المستوى الرابع: لا تسافر»، وهو أعلى مستوى للمخاطر، وبررت السلطات الأميركية تحذيرها بالتمرد في الشمال الشرقي وقطع الطرق في الشمال الغربي والوسط، إضافة إلى استمرار العنف في أجزاء من الجنوب والجنوب الشرقي، بما في ذلك المناطق النفطية.

وحدة من قوات الشرطة تجوب شوارع مينا في نيجيريا (أ.ب)

وفي ردها على التحذير الأميركي، وصفته الحكومة النيجيرية بأنه إجراء احترازي روتيني يستند إلى بروتوكولات داخلية أميركية، مؤكدة أنه لا يعكس الواقع الأمني العام في البلاد.

وقال وزير الإعلام والتوجيه الوطني محمد إدريس إنه رغم استمرار حوادث متفرقة، «لا يوجد انهيار عام في القانون والنظام، ومعظم أنحاء البلاد لا تزال مستقرة».


توغو تريد من الأمم المتحدة اعتماد خريطة تظهر حجم أفريقيا الحقيقي

خريطة للعالم تبرز الحجم الحقيقي لقارة أفريقيا بشكل أكثر دقة
خريطة للعالم تبرز الحجم الحقيقي لقارة أفريقيا بشكل أكثر دقة
TT

توغو تريد من الأمم المتحدة اعتماد خريطة تظهر حجم أفريقيا الحقيقي

خريطة للعالم تبرز الحجم الحقيقي لقارة أفريقيا بشكل أكثر دقة
خريطة للعالم تبرز الحجم الحقيقي لقارة أفريقيا بشكل أكثر دقة

قال وزير خارجية توغو إن بلاده ستطلب من الدول الأعضاء في الأمم المتحدة اعتماد خريطة للعالم تبرز الحجم الحقيقي لقارة أفريقيا بشكل أكثر دقة، والتخلي عن «إسقاط مركاتور» الذي يعود إلى القرن السادس عشر.

ويقول المنتقدون إن «إسقاط مركاتور»، الذي يجعل غرينلاند تبدو في حجم أفريقيا في حين أن القارة في الواقع أكبر منها بنحو 14 مرة، يعزز التصورات السائدة حول هامشية أفريقيا رغم مساحتها الشاسعة وعدد سكانها الكبير، بما يؤثر في السرديات السائدة في الإعلام والتعليم والسياسات.

وكلف الاتحاد الأفريقي توغو بتعزيز حملة «صححوا الخريطة» لإنهاء استخدام خريطة مركاتور من قبل الحكومات والمنظمات الدولية. وتدعو الحملة، التي تقودها مجموعتا (أفريقيا بلا فلتر) و(تكلموا من أجل أفريقيا)، إلى اعتماد إسقاط «إيكوال إيرث» لعام 2018، الذي يهدف إلى إظهار الأحجام الحقيقية للبلدان.

ولا يظهر «إسقاط مركاتور»، الذي صممه رسام الخرائط جيراردوس مركاتور لأغراض الملاحة، الحجم الحقيقي للقارات، حيث يضخم المناطق القريبة من القطبين مثل أميركا الشمالية وغرينلاند بينما يقلص حجم أفريقيا وأميركا الجنوبية.

وقال وزير خارجية توغو روبرت دوسي في مقابلة مع رويترز أمس الاثنين «الحجم الذي نراه للقارة الأفريقية على الكرة الأرضية... غير دقيق جغرافيا»، ودعا إلى اعتماد «الحقيقة العلمية». ولا يزال «إسقاط مركاتور» مستخدما على نطاق واسع، بما في ذلك في المدارس وشركات التكنولوجيا في جميع أنحاء العالم.

وقالت موكي ماكورا، المديرة التنفيذية لمنظمة (أفريقيا بلا فلتر) إن «التمثيل الدقيق لا يقتصر على الخرائط فحسب، بل يتعلق أيضا بالقدرة على الفعل، والتقدم، وضمان أن يرى العالم أفريقيا على حقيقتها».

إعداد مشروع قرار للأمم المتحدة

وفي وقت سابق من هذا العام، اعتمد الاتحاد الأفريقي مشروع قرار يحث على اعتماد إسقاط (إيكوال إيرث) ويشجع دوله الأعضاء البالغ عددها 55 دولة على التخلي عن إسقاط مركاتور.

وقال دوسي «يتمثل التحدي المؤسسي في استصدار قرار من الجمعية العامة للأمم المتحدة لاعتماد هذه الخريطة... ومن البديهي أن البلدان الأفريقية متجاوبة فعليا مع هذه المبادرة». وقال دوسي إن مشروع قرار يجري إعداده، ومن المرجح أن يُطرح للتصويت في الدورة المقبلة للجمعية العامة للأمم المتحدة في سبتمبر أيلول. وأضاف أن طريقة تصويت الدول ستكشف عن «حقيقتها».

واعتمدت الأمم المتحدة الشهر الماضي قرارا قادته دول أفريقية يوصف الرق على أنه «أفظع جريمة ضد الإنسانية» ويدعو إلى دفع تعويضات. وامتنعت جميع دول الاتحاد الأوروبي وبريطانيا عن التصويت، بينما صوتت الولايات المتحدة وإسرائيل والأرجنتين ضد القرار.