هل تتخلى أميركا عن بازوم وتعترف بالسلطة الانقلابية الجديدة؟

خيارات واشنطن الصعبة في أزمة النيجر

وزير الخارجية الأميركي أنتوني بلينكن والرئيس بازوم خلال لقائهما في العاصمة نيامي مارس 2023 (أ.ب)
وزير الخارجية الأميركي أنتوني بلينكن والرئيس بازوم خلال لقائهما في العاصمة نيامي مارس 2023 (أ.ب)
TT

هل تتخلى أميركا عن بازوم وتعترف بالسلطة الانقلابية الجديدة؟

وزير الخارجية الأميركي أنتوني بلينكن والرئيس بازوم خلال لقائهما في العاصمة نيامي مارس 2023 (أ.ب)
وزير الخارجية الأميركي أنتوني بلينكن والرئيس بازوم خلال لقائهما في العاصمة نيامي مارس 2023 (أ.ب)

تراجع واشنطن خياراتها في التعامل مع أزمة النيجر والانقلاب العسكري، وسط سيناريوهات ما بين دعم التدخل العسكري وفرض مزيد من العقوبات والعزلة الدولية، والتداعيات لتلك الخيارات من مخاطر اندلاع حرب أهلية وتقويض الأمن، وتصاعد نفوذ الجماعات الإرهابية وخسارة القواعد الأميركية في النيجر، وما يتعلق بموارد اليورانيوم وتصاعد نفوذ روسيا في غرب القارة الأفريقية.

وقد ألقت واشنطن برهاناتها على مجموعة غرب أفريقيا الاقتصادية (إيكواس) للتعامل مع انقلاب النيجر وما أعلنته المجموعة في أبوجا يوم الخميس الماضي بضرورة إعادة الرئيس محمد بازوم إلى السلطة، بعد أن أطاح به الانقلاب العسكري في 26 يوليو (تموز) الماضي. واتخذت المجموعة في اجتماعها برئاسة رئيس نيجيريا بولا أحمد تينوبو قرارات بإغلاق الحدود بين «إيكواس» والنيجر ووقف الرحلات الجوية التجارية، ووقف المعاملات التجارية والمالية، وتجميد أصول النيجر في البنوك المركزية لـ«إيكواس»، إضافة إلى تعليق المساعدات المالية.

وكرر وزير الخارجية الأميركي دعمه لكل القرارات التي تتبناها قمة قادة «إيكواس»، مفضلاً الخيارات الدبلوماسية من أجل حل سلمي للأزمة. وأبدت المجموعة تفضيل المسار الدبلوماسي، لكنها لوَّحت بخيار التدخل العسكري، إلا أن تأجيل اجتماع رؤساء الأركان لدول المجموعة الذي كان مقرراً في غينيا دون تحديد موعد جديد كشف عن انقسامات عميقة بشأن خيار التدخل العسكري، خاصة أن كلاً من تشاد والجزائر اعترضت على التدخل العسكري في النيجر، وحذرت أن ذلك يمثل تهديداً لمصالح الأمن القومي للبلدين.

ولا يبدو أن المسارات الدبلوماسية تتقدم بعد أكثر من أسبوعين على الانقلاب، بينما يتعزز نفوذ روسيا في مقابل مشاعر العداء ضد الغرب بصفة عامة داخل النيجر، وهو ما يضع واشنطن أمام خيارات صعبة ومحدودة.

 

خيارات واشنطن

الخيار المثالي للولايات المتحدة هو مواصلة الجهود الدبلوماسية والعمل مع مجموعة «إيكواس» لفرض مزيد من الضغوط على قادة المجلس العسكري، لكن مهلة «إيكواس»، التي منحتها للمجلس العسكري لإعادة بازوم إلى السلطة انتهت دون خطوات فعلية، ورغم إعلان المجموعة نشر قوة احتياطية تصل إلى خمسة آلاف جندي من دول منها نيجيريا وبنين وساحل العاج والسنغال لاستعادة الديمقراطية في النيجر، إلا أن الغموض يحيط بهذا القرار، فمن غير الواضح متى وأين سيتم نشر هذه القوة، وليس واضحاً نطاق هذه القوة أو الجدول الزمني للتدخل العسكري المحتمل. ومن الناحية اللوجستية أيضاً فقد تستغرق هذه الخطوة أسابيع أو شهور حتى يقرر «إيكواس» الخطوات التي يتعين القيام بها.

من جانب آخر قد يقف مجلس السلم والأمن التابع للاتحاد الأفريقي ضد أي قرار بتحرك عسكري، إذا شعر أن السلام والأمن مهدد في القارة الأفريقية. وقد تحمل خطوة التدخل العسكري مخاطر جر النيجر إلى حرب أهلية ومخاطر اندلاع مزيد من الانقلابات في المنطقة وتفشي ظاهرة النزوح الجماعي لدول الجوار.

ويقول بعض الخبراء إن التلويح بالتدخل العسكري هو نوع من حفظ ماء الوجه لمجموعة «إيكواس» بعد قراراتها بالتهديد دون خطط واضحة لكيفية تنفيذ التدخل العسكري. وبافتراض أن مجموعة «إيكواس» مضت في خطط التدخل العسكري فإن الجيوش الأكثر خبرة وأفضل تجهيزاً في غرب أفريقيا مثل القوات في مالي وبوركينا فاسو، فهي دول تتعاطف مع النيجر وتعارض التدخل العسكري، بل ولديها استعداد لتنسيق جهود دفاع مشتركة مع القادة العسكريين في النيجر وأعلنت أن أي تدخل عسكري سيتم النظر إليه على أنه إعلان حرب.

ومخاطر تشجيع سيناريو الخيار العسكري ستكون له عواقبه وتداعياته خاصة في ظل الانقسامات داخل قادة المجموعة الاقتصادية لدول غرب أفريقيا الذين يريدون كبح جماح الانقلابات المتكررة في القارة السمراء، وما يتطلبه التدخل العسكري من استعدادات وميزانيات وعتاد عسكري وخطط عسكرية محكمة تحقق الأهداف دون خسائر في الأرواح، وهو أمر يواجه الكثير من العراقيل والمخاوف.

وقد حذرت الخارجية الروسية من محاولات التدخل عسكرياً في النيجر، وقالت إن ذلك لن يؤدي سوى إلى إطالة الصراع وزعزعة استقرار منطقة الصحراء والساحل.

وخيار آخر هو أن تعلن الولايات المتحدة أن استيلاء القادة العسكريين على السلطة في النيجر هو انقلاب عسكري، وبالتالي قطع المساعدات الأميركية عن البلد الفقير، لكن في الوقت نفسه المخاطرة بصعود الجماعات الإرهابية في غرب أفريقيا وخاصة «القاعدة» و«داعش» و«بوكو حرام» بعض سنوات وجهود أميركية مضنية لمكافحة الإرهاب في تلك المنطقة، وأموال طائلة أنفقت في إقامة قاعدتين أميركيتين في النيجر تنطلق منها عمليات مكافحة الإرهاب وعمليات جمع المعلومات الاستخباراتية.

وفي الوقت نفسه، سيبدو الأمر انهزاماً أميركياً أمام نفوذ روسيا ومجموعة «فاغنر»، التي يتصاعد نفوذها وتساند المجلس العسكري الانقلابي في وجه الإمبريالية والهيمنة الأميركية في أفريقيا، ووقف الاستغلال الاقتصادي للغرب لموارد الدول الأفريقية.

قد تلجأ الولايات المتحدة إلى المجتمع الدولي لفرض بعض الضغوط وربما فرض العقوبات وحشد المجتمع الدولي لفرض عزلة دبلوماسية على قادة الانقلاب العسكري في النيجر، لكن ذلك سيعني سقوط الدولة الفقيرة في غياهب الانهيار الاقتصادي الكامل واحتمالات المزيد من الاضطرابات الاجتماعية داخل النيجر وفي الدول المجاورة.

 

إخفاق أميركي

ولا يبدو أن واشنطن تملك استراتيجية واضحة المعالم للتعامل مع الأزمة التي تتحول بسرعة إلى أزمة كبيرة في قلب أفريقيا. وقد أعلن وزير الخارجية أنتوني بلينكن إجراء عدة محادثات هاتفية مع الرئيس المخلوع وبعض قادة دول المنطقة. فيما باءت زيارة فيكتوريا نولاند السريعة إلى النيجر بالفشل، ولم تحقق أي نتائج في المفاوضات مع الجنرال عبد الرحمن تشياني الذي رفض مقابلتها كما رفض الطلب الأميركي لزيارة الرئيس بازوم في محبسه والاطمئنان على صحته. واكتفت واشنطن بتعليق المساعدات المالية للنيجر واتخذت كل من فرنسا والاتحاد الأوربي الموقف نفسه.

ويزيد من تعقيد الوضع، قيام قادة المجلس العسكري بتقنين الأوضاع لإجبار المجتمع الدولي على قبول الأمر الواقع، ورفض تدخلات مجموعة «إيكواس» وضغوطها الدبلوماسية والاقتصادية، وفي المقابل عملت على اتخاذ خطوات مدنية منها تعيين وزير المالية السابق لمنصب رئيس الوزراء والإعلان عن عملية سياسية انتقالية تتضمن إجراء انتخابات ديمقراطية والتعهد بمكافحة الإرهاب وإرساء العدالة والديمقراطية. ويسود الهدوء شوارع العاصمة نيامي مع مظاهرات مؤيدة للمجلس العسكري. وبالتزامن مع تلك الخطوات تشجيع وإذكاء المشاعر المعادية لفرنسا والغرب بشكل عام، واستخدام ورقة احتجاز الرئيس بازوم كورقة تفاوض للتوصل إلى صفقة يتم بمقتضاها إطلاق سراحه مقابل القبول بالمجلس العسكري الجديد. ونقلت وكالة «أسوشييتد برس» أن المجلس العسكري في النيجر أبلغ دبلوماسياً أميركياً كبيراً أنهم سيقتلون الرئيس المخلوع إذا حاولت الدول المجاورة التدخل عسكرية.

وقد نقلت الوكالة عن إنسا جاربا سعيدو أحد المدافعين عن حقوق الإنسان، الذي يساند المجلس العسكري أنه من الأفضل الاعتراف بالنظام الجديد، وأن الحوار يدور مع دول المنطقة للاعتراف بالقادة العسكريين كقادة جدد للنيجر مع تعهدهم بمكافحة التنظيمات الإرهابية.

 

الخيار المر

وفي ظل هذه الخيارات الصعبة يقول الخبراء إن الخيار المر أمام الولايات المتحدة وأوروبا ربما سيكون الاعتراف بالمجلس العسكري من اجل مواصلة التعاون الأمني في المنطقة وتجنب التداعيات الأمنية لهذا الانقلاب ومواجهة فرصة روسيا لترسيخ سيطرتها على المنطقة حيث تنشط مجموعة فاغنر في منطقة الساحل وأفريقيا الوسطي والسودان وأيضا في بوركينا فاسو. ويعد أكبر المخاوف الأميركية هو الاحتفاظ بالقواعد الجوية الأميركية في النيجر ومنع سيطرة روسيا على موارد النيجر خاصة اليورانيوم.

وتدور أطروحات أن الرئيس بازوم ليس الشريك المثالي للولايات المتحدة والغرب، لكن النيجر تحت قيادته أفضل من أنظمة عسكرية مدعومة من مجموعة «فاغنر» الروسية.

ونصح محللون إدارة الرئيس بايدن بالقيام بخطوات جادة لاستعادة الحكومة المنتخبة ديمقراطياً باستخدام مزيد من الدبلوماسية وتوفير الموارد المالية والأسلحة والمعلومات الاستخباراتية. وقد يكون عامل الوقت في صالح إدارة بايدن في انتظار أن تؤتي العقوبات المالية والعزلة الدبلوماسية ثمارها في الضغط على المجلس العسكري في النيجر، لكنه مسار لن يثمر إلا عن مزيد من المعاناة لشعب النيجر الفقير.


مقالات ذات صلة

النيجر تطرح مخزونها من اليورانيوم للبيع في السوق الدولية

أفريقيا الجنرال عبد الرحمن تياني (الثاني على اليسار) رئيس النظام العسكري في النيجر (أ.ف.ب)

النيجر تطرح مخزونها من اليورانيوم للبيع في السوق الدولية

أعلنت النيجر، الأحد، طرح اليورانيوم الذي تنتجه شركة «سومير» التابعة لشركة «أورانا» الفرنسية العملاقة قبل تأميمها في يونيو (حزيران)، للبيع في السوق الدولية.

«الشرق الأوسط» (نيامي)
أفريقيا الجنرال عبد الرحمن تياني (الثاني على اليسار) رئيس النظام العسكري في النيجر والذي جاء إلى السلطة بانقلاب يُحيّي حشداً من الناس في نيامي في يوليو 2024 (أ.ف.ب) p-circle

تاريخ حافل بالاضطرابات... ما أبرز الانقلابات العسكرية في أفريقيا خلال العقد الأخير؟

تاريخ أفريقيا حافل بها... فيما يلي الانقلابات العسكرية الناجحة في السنوات العشر الأخيرة في القارة السمراء وآخرها انقلاب غينيا بيساو يوم الأربعاء 26 نوفمبر.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
شمال افريقيا سفير النيجر بالجزائر يسلم أوراق اعتماده للرئيس تبون (الرئاسة الجزائرية)

استئناف الحوار بين الجزائر والنيجر بعد تصاعد الأزمة في 2023

يسعى وفد من حكومة النيجر يزور الجزائر حالياً، لطي خلاف حاد نشأ في صيف 2023 بسبب الانقلاب العسكري الذي أطاح بالرئيس محمد بازوم، واشتدت الأزمة باحتجاج نيامي على …

أفريقيا رئيس النيجر المخلوع محمد بازوم (أرشيفية - أ.ف.ب)

النيجر نحو تنظيم «مؤتمر وطني» بشأن ميثاق انتقالي

أعلنت وزارة الداخلية في النيجر أن النظام العسكري الحاكم سينظّم «مؤتمراً وطنياً» من 15 حتى 19 فبراير (شباط)، يهدف خصوصاً لتحديد مدة للفترة الانتقالية.

«الشرق الأوسط» (نيامي)
الولايات المتحدة​ قاعدة أغاديز (أرشيفية - أ.ب)

الجيش الأميركي أنهى سحب قواته من آخر قاعدة في النيجر

أعلن الجيش الأميركي، الاثنين، إنهاء سحب كل قواته من قاعدته الأخيرة في النيجر؛ تلبية لمطلب قادة الانقلاب العسكري في الدولة الأفريقية.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)

«شرق الكونغو»... تفاهمات إنسانية في سويسرا تواجه تحديات التنفيذ

كونغوليون يحملون أمتعتهم أثناء فرارهم من قراهم في أعقاب اشتباكات بين متمردي «حركة 23 مارس» والجيش الكونغولي قرب غوما (رويترز)
كونغوليون يحملون أمتعتهم أثناء فرارهم من قراهم في أعقاب اشتباكات بين متمردي «حركة 23 مارس» والجيش الكونغولي قرب غوما (رويترز)
TT

«شرق الكونغو»... تفاهمات إنسانية في سويسرا تواجه تحديات التنفيذ

كونغوليون يحملون أمتعتهم أثناء فرارهم من قراهم في أعقاب اشتباكات بين متمردي «حركة 23 مارس» والجيش الكونغولي قرب غوما (رويترز)
كونغوليون يحملون أمتعتهم أثناء فرارهم من قراهم في أعقاب اشتباكات بين متمردي «حركة 23 مارس» والجيش الكونغولي قرب غوما (رويترز)

انتهت اجتماعات سويسرا إلى تعهدات بشأن جوانب إنسانية وأمنية في شرق الكونغو، مع تصاعد أعمال العنف منذ بداية العام ومخاوف من انهيار اتفاقات سلام عقدت على مدار 2025.

تلك التعهدات التي أعلنت عنها الخارجية الأميركية، يراها خبير في الشؤون الأفريقية تحدث لـ«الشرق الأوسط»، تخفف معاناة المدنيين في شرق الكونغو، لكنها غالباً ما تظل محدودة الأثر إذا لم تُدعَّم بآليات تنفيذ صارمة وإرادة سياسية حقيقية لدى جميع الأطراف.

«تقدم إنساني»

وقالت وزارة الخارجية الأميركية، إن ممثلين لحكومة جمهورية الكونغو الديمقراطية وتحالف المتمردين (تحالف نهر الكونغو ويشمل حركة 23 مارس) أحرزوا ‌تقدماً ‌بشأن بروتوكول ‌يتعلق بوصول قوافل المساعدات الإنسانية والحماية القضائية ومراقبة وقف إطلاق النار وإطلاق سراح الأسرى.

وأفادت في ‌بيان مشترك مساء السبت، ‌مع حكومة ‌جمهورية الكونغو الديمقراطية، وتحالف المتمردين، بأنه خلال اجتماع ‌عقد في سويسرا خلال الأيام القليلة الماضية، «اتفق الطرفان في الكونغو الديمقراطية على عدم مهاجمة المدنيين وعلى تسهيل تنقل العاملين في المجال الإنساني والقافلات الإنسانية».

وبحسب بيان مشترك صادر عن قطر، والولايات المتحدة، وجمهورية توغو (بصفتها وسيط الاتحاد الأفريقي)، وسويسرا، إلى جانب حكومة جمهورية الكونغو الديمقراطية و«حركة 23 مارس»، فإن المحادثات شهدت تقدماً وُصف بـ«الملموس» في مسار تنفيذ «اتفاق الدوحة» الإطاري بشأن السلام في شرق الكونغو.

وجاء البيان المشترك، في ختام اجتماعات انعقدت في مدينة مونترو السويسرية خلال الفترة من 13 إلى 17 أبريل (نيسان) الحالي، مؤكداً أن الطرفين «اتفقا على الأهمية الحاسمة لضمان إيصال المساعدات الإنسانية المنقذة للحياة إلى السكان المدنيين في شرق البلاد، والالتزام باحترام القواعد المنظمة للنزاعات المسلحة وحماية المدنيين دون استثناء».

ويرى المحلل السياسي التشادي، المختص بالشؤون الأفريقية، صالح إسحاق عيسى، إمكانية أن تنجح «التفاهمات الإنسانية التي أُعلن عنها في سويسرا من حيث المبدأ في تخفيف معاناة المدنيين في شرق الكونغو، لكنها غالباً ما تظل محدودة الأثر إذا لم تُدعَّم بآليات تنفيذ صارمة وإرادة سياسية حقيقية لدى جميع الأطراف».

ويعدد عيسى أبرز التحديات قائلاً إنها تكمن في تعدد الجماعات المسلحة وتشتت مراكز القرار على الأرض، ما يجعل الالتزام بالاتفاقات غير مضمون، بخلاف ضعف آليات الرقابة الدولية وصعوبة فرض العقوبات على المخالفين ما يحدّ أيضاً من فاعلية هذه التفاهمات.

يضاف إلى ذلك، غياب الثقة بين الأطراف المتنازعة، واستمرار تدخلات المصالح الإقليمية التي تعقّد المشهد وتغذي الصراع بشكل مباشر أو غير مباشر، بحسب عيسي، مضيفاً: «لذلك تبقى هذه التفاهمات خطوة إنسانية مهمة، لكنها غير كافية وحدها ما لم تُدمج ضمن تسوية سياسية وأمنية أشمل تضمن استقراراً طويل الأمد في الكونغو الديمقراطية».

جنود من جيش الكونغو الديمقراطية يتمركزون خارج غوما في مقاطعة شمال كيفو (رويترز)

وكان الرئيس الأميركي دونالد ترمب ورئيسا رواندا بول كاغامي والكونغو الديمقراطية وقّعوا في واشنطن نهاية العام الماضي، اتفاقاً يعزز فرص السلام والتعاون الاقتصادي بينهما، بعد سلسلة تفاهمات أُبرمت في يونيو (حزيران) 2025، إضافة إلى إطار عمل الدوحة لاتفاقية سلام شاملة، الذي وقّعته كينشاسا وحركة «23 مارس» في 15 نوفمبر (تشرين الثاني) في قطر، استكمالاً لاتفاق في 19 يوليو (تموز) الماضي.

وبخلاف سيطرة حركة «23 مارس» المتمردة على أكثر من موقع استراتيجي بالبلاد منذ 2025، برز نشاط «قوات التحالف الديمقراطية»، وهي حركة مسلحة متمردة كانت تسعى في السابق إلى السيطرة على الحكم في الكونغو الديمقراطية، لكنها بايعت منذ 2019 تنظيم «داعش»، وأصبحت تسعى إلى إقامة ما تسميه «ولاية وسط أفريقيا».

ويرى عيسى، أن ضمان عدم تكرار انتكاسة الاتفاقات التي شهدها عام 2025 خصوصاً في مناطق النزاع، «لا يقوم على توقيع الاتفاق نفسه، بقدر ما يقوم على ما يُرافقه من ترتيبات تنفيذية ملزمة».

وأكد أن التجربة تُظهر «أن الاتفاقات الإنسانية أو السياسية غالباً ما تتعرض للانهيار عندما تُترك دون رقابة ميدانية مستقلة، وآلية تحقق سريعة وشفافة، لذلك فإن وجود بعثات مراقبة فعالة قادرة على التوثيق الفوري لأي خرق يُعد عنصراً أساسياً، وربط الالتزامات بعقوبات أو إجراءات ضغط واضحة على الأطراف المخالفة، يمنع تحول الاتفاق إلى مجرد إعلان سياسي غير مُلزم».

ومن العوامل الحاسمة أيضاً بحسب عيسى، لضمان استمرار التعهدات، «إشراك الفاعلين الحقيقيين على الأرض، لا الاقتصار على التمثيل السياسي فقط، باعتبار أن غياب السيطرة المركزية لدى بعض الجماعات يجعل أي اتفاق هشاً من البداية».

ورغم ذلك، يرى عيسى أن الأطراف المتصارعة في شرق الكونغو «لا تبدو مهيّأة لسلام مستدام في المدى القريب، برغم ما يظهر أحياناً من تهدئة أو تفاهمات مؤقتة».


نيجيريا: مقتل قائد عسكري يشعل الجدل بشأن خطر الإرهاب

جنود يحملون نعشاً خلال جنازة الجنرال أوسيني برايما في مايدوغوري بشمال نيجيريا يوم 15 أبريل 2026 بعد مقتله مع ضباط آخرين في عملية إرهابية (أ.ف.ب)
جنود يحملون نعشاً خلال جنازة الجنرال أوسيني برايما في مايدوغوري بشمال نيجيريا يوم 15 أبريل 2026 بعد مقتله مع ضباط آخرين في عملية إرهابية (أ.ف.ب)
TT

نيجيريا: مقتل قائد عسكري يشعل الجدل بشأن خطر الإرهاب

جنود يحملون نعشاً خلال جنازة الجنرال أوسيني برايما في مايدوغوري بشمال نيجيريا يوم 15 أبريل 2026 بعد مقتله مع ضباط آخرين في عملية إرهابية (أ.ف.ب)
جنود يحملون نعشاً خلال جنازة الجنرال أوسيني برايما في مايدوغوري بشمال نيجيريا يوم 15 أبريل 2026 بعد مقتله مع ضباط آخرين في عملية إرهابية (أ.ف.ب)

أثار تصاعد وتيرة الهجمات الإرهابية في مناطق واسعة بشمال شرقي نيجيريا موجة غضب وقلق شعبية واسعة، خصوصاً بعد مقتل قائد في الجيش وعدد من الجنود خلال الأيام الأخيرة بهجمات إرهابية استهدفت مواقع عسكرية. وقالت صحيفة «ديلي بوست» النيجيرية إن حالة من القلق تسود نيجيريا إثر تصاعد وتيرة انعدام الأمن في البلاد، خصوصاً حين أصبح عناصر الجيش النيجيري «أهدافاً مباشرة» للجماعات الإرهابية التي باتت تهاجم المواقع العسكرية دون تردد، وفق تعبير الصحيفة.

وتواجه نيجيريا، البلد الأفريقي الأكبر من ناحية تعداد السكان (أكثر من ربع مليار نسمة) والاقتصاد الأقوى في غرب أفريقيا، منذ أكثر من 17 عاماً تمرداً مسلحاً تقوده جماعة «بوكو حرام» المرتبطة بتنظيم «القاعدة»، ومنذ 10 سنوات دخل على الخط تنظيم «داعش في غرب أفريقيا» الأكبر دموية وخطورة.

استهداف الجيش

وتشير مصادر عسكرية عدة إلى أن الهجمات ضد الجيش تصاعدت بشكل لافت، بعد أقل من أسبوع من هجوم إرهابي استهدف قاعدة عسكرية في ولاية بورنو، أقصى شمال شرقي البلاد، وأسفر عن مقتل العميد أوسيني برايما، قائد «اللواء29 - قوة المهام». وأضافت المصادر أن مزيداً من الضباط العسكريين «وقعوا في قبضة الإرهابيين»، دون إعطاء تفاصيل أكثر.

وسبق أن أكد الجيش، يوم الاثنين الماضي، مقتل قائد ميداني آخر إثر هجوم دامٍ شنه إرهابيون على موقعه في مونغونو بولاية بورنو، وأوضح الجيش في بيان أن 6 جنود قُتلوا أيضاً خلال الهجوم.

وأثارت عمليات قتل عناصر الأمن موجة من الغضب والاستياء، حيث دعا كثير من النيجيريين الحكومة إلى رفع مستوى المواجهة ضد الإرهابيين. كما تزامن ذلك مع برقية صادرة عن وزارة الخارجية الأميركية تحذر فيها من السفر إلى مناطق واسعة من نيجيريا، وتسمحُ بمغادرة طوعية للموظفين غير الأساسيين وعائلاتهم من السفارة في أبوجا؛ بسبب الأوضاع الأمنية الصعبة في البلاد.

مواجهة الإرهاب

وقلّلت الحكومة الفيدرالية من أهمية التحذير الأميركي، وعدّته إجراءً احترازياً روتينياً يستند إلى بروتوكولات داخلية أميركية، وليس انعكاساً للوضع الأمني العام في البلاد، مشيرة إلى أن الجيش يكثف هجماته ضد معاقل الإرهاب ويحقق نتائج إيجابية. وتشير بيانات رسمية إلى أنه في نهاية الأسبوع الماضي، نفذت القوات الجوية النيجيرية غارة في ولاية بورنو استهدفت مواقع إرهابية، لكن إحدى الغارات أسفرت عن مقتل أكثر من 100 مدني خلال استهداف سوق محسوبة على «بوكو حرام» و«داعش». وأثارت الغارة جدلاً واسعاً في البلاد، إلا إن الجيش لم يعترف بسقوط ضحايا مدنيين أو يؤكد صراحة استهداف سوق. في المقابل، دافعت الرئاسة عن العملية، عادّةً أن الموقع أصبح «هدفاً عسكرياً مشروعاً» بعد أن استخدمه الإرهابيون مركزاً لوجيستياً وتجارياً.

الدعم الخارجي

ويحتدم النقاش في نيجيريا بشأن السياسات الحكومية لمواجهة الإرهاب، حيث ارتفعت أصوات تدعو إلى الاستعانة بالخارج في هذه الحرب. وقال المحامي جيمس أغباجي في تصريح أثار الجدل: «في البداية، كان الإرهابيون يواجهون الشرطة فقط، لكنهم تدريجياً أصبحوا أكبر جرأة حتى باتوا يهاجمون الجيش نفسه». وأضاف المحامي: «لم يعودوا ينتظرون أن يهاجمهم الجيش، بل أصبحوا يبادرون بمهاجمة القواعد العسكرية؛ مما أدى إلى خسائر كبيرة في صفوف الضباط. لقد حان الوقت للتوقف عن الخطابات السياسية ولمراجعة جادة: ماذا حدث؟ ما الذي يجري داخل جيشنا؟ كيف تجرأت جماعة إرهابية ضعيفة على مهاجمة قواعدنا مراراً؟ وكيف نعيد هيبة الجيش؟». وتابع المحامي قائلاً: «أعتقد أن الوقت حان لطلب مساعدة عسكرية أجنبية، وإلا فقد يتمكن هؤلاء الإرهابيون من السيطرة على البلاد».

اختراق استخباراتي

من جهة أخرى، ذهب نيجيريون إلى تحميل مسؤولية التصعيد الإرهابي للحكومة التي تبنت سياسة العفو والدمج تجاه «الإرهابيين التائبين»، حيث وصف الخبير الأمني، غيلبرت أولوغبينغا، مقتل القائد العسكري بأنه «ذروة الإهانة»، ودليل على «اختراق خطير للمؤسسة العسكرية». وأوضح أولوغبينغا، في منشور على منصة «إكس»: «عندما مُنح من يطلَق عليهم (المسلحون التائبون) العفو وأدمجوا في القوات المسلحة، حذرنا من ذلك، لكن لم يُستمع إلينا. اليوم نرى النتيجة: هناك مخبرون داخل الجيش يسربون معلومات حساسة إلى الإرهابيين، بعضهم من هؤلاء (التائبين)، وآخرون متعاطفون مع قضيتهم». وأضاف: «المشكلة ليست أن الإرهابيين أقوى من الجيش، بل إن هذه حرب غير متكافئة تعتمد على المعلومات الاستخباراتية. إذا لم يُكشف عن هؤلاء الخونة ولم يجر التعامل معهم، فإن الحرب ستطول، وقد يتمكن الإرهابيون من فرض سيطرتهم. لذلك أؤيد دعوات طلب دعم عسكري أجنبي لإنهاء هذه الأزمة».


واشنطن تعلن اتفاق حكومة الكونغو الديمقراطية والمتمردين على عدم مهاجمة المدنيين 

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يصافح رئيس الكونغو الديمقراطية فيليكس تشيسكيدي (أرشيفية - رويترز)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب يصافح رئيس الكونغو الديمقراطية فيليكس تشيسكيدي (أرشيفية - رويترز)
TT

واشنطن تعلن اتفاق حكومة الكونغو الديمقراطية والمتمردين على عدم مهاجمة المدنيين 

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يصافح رئيس الكونغو الديمقراطية فيليكس تشيسكيدي (أرشيفية - رويترز)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب يصافح رئيس الكونغو الديمقراطية فيليكس تشيسكيدي (أرشيفية - رويترز)

قالت وزارة الخارجية الأميركية، السبت، إن ممثلين لحكومة جمهورية الكونغو الديمقراطية وتحالف المتمردين (تحالف نهر الكونغو) أحرزوا ‌تقدماً ‌بشأن ​بروتوكول ‌يتعلق ⁠بوصول ​قوافل المساعدات ⁠الإنسانية والحماية القضائية ومراقبة وقف إطلاق النار وإطلاق سراح ⁠الأسرى.

وأفادت الخارجية الأميركية ‌في ‌بيان ​مشترك ‌مع حكومة ‌جمهورية الكونغو الديمقراطية وتحالف المتمردين بأنه خلال اجتماع ‌عقد في سويسرا خلال الأيام القليلة ⁠الماضية، ⁠اتفق الطرفان في الكونغو الديمقراطية على عدم مهاجمة المدنيين وعلى تسهيل تنقل العاملين في المجال ​الإنساني ​والقافلات الإنسانية.