نهر الفرات... متنفس السوريين من ضغوط الحياة ولهيب الحر

TT

نهر الفرات... متنفس السوريين من ضغوط الحياة ولهيب الحر

زحمة على ضفة الفرات (الشرق الأوسط)
زحمة على ضفة الفرات (الشرق الأوسط)

يقصد سكان مدينة الرقة شمالي سوريا ضفتي نهر الفرات لتبريد أجسامهم والترفيه عن أنفسهم وممارسة هواية صيد الأسماك وتدريباتهم الرياضية، وسط ارتفاع درجات الحرارة لأكثر من 40 درجة مئوية وانقطاع التيار الكهربائي، ليعود هذا النهر بعد سنوات من سيطرة تنظيم «داعش» الإرهابي مقصداً للكثير من الزوار والباحثين عن متنفس يخلصهم من درجات الحرارة غير المسبوقة هذا العام، مع توقف العمليات القتالية وعودة الحياة إلى طبيعتها.

تقول ساجدة ذات الـ45 عاماً التي كانت جالسة بجانب زوجها على ضفة النهر يحتسيان الشاي المغلي على أعواد الحطب، إن الفرات بالنسبة لعائلتهما ولكثير من أبناء المدينة شيء عظيم.

جسر الرقة القديم (الشرق الأوسط)

وأوضحت لـ«الشرق الأوسط» أن «الفرات هو كل شيء، إذا ما في فرات ما في حياة، نأتي يومياً إلى هنا بالصيف للاستمتاع بقضاء وقت مريح بجانب مياه النهر». وأضافت أن الكهرباء تبقى مقطوعة طوال ساعات النهار مع ارتفاع درجات الحرارة لمعدلات قياسية، وأكدت أنها «عندما يأتي الصيف أتعقد من التكيف مع درجات الحرارة المرتفعة، لذلك نأتي يومياً لقضاء فسحة من الوقت بجانب برودة هذه المياه».

فوق جسر الرقة القديم الذي يوصل شمالي المدينة بجنوبها، يتسلّق فتية وشبان السلالم للصعود إلى أعلى نقطة مرتفعة ثم يلقون بأنفسهم إلى النهر للتمتع برياضة السباحة، وتحت الجسر يلتقط الزائرون صوراً تذكارية قرب مياه النهر، بينما تكتظ ضفاف الفرات الرملية بالرواد والزائرين من داخل المدينة وخارجها.

وقرر عبد الجليل القادم من بلدة الحزيمة التابعة لريف الرقة اصطحاب ضيوفه القادمين من مدينة حلب شمالي سوريا، بجولة على نهر الفرات وإعداد الطعام بعيداً عن ازدحام المدينة ودرجاتها المرتفعة. وقال: «الفرات معلم سياحي لمدينة الرقة، نأتي لقضاء وقت ممتع هنا حتى ترتاح نفسيتنا من ضغوط الحياة ولهيب شدة الحر». ولم يخف هذا الشاب فرحته بعودة الحياة لمدينته بعد سنوات من الحروب الدائرة في مسقط رأسه والمناطق المحيطة، وأشار إلى أن الجسر القديم تعرض للدمار خلال سنوات سيطرة «داعش» وبعد ترميمه بجهود «الإدارة الذاتية» ومنظمات إنسانية: «عندما عاد الجسر للعمل شعرنا أن الحياة عادت للرقة، وعند مشاهدة الناس وهم يتنقلون بين ضفتيه تغيرت الحياة 180 درجة نحو الأفضل».

نزهة نهرية عصراً (الشرق الأوسط)

ولطالما حظي الريفيون وسكان القرى المجاورة لضفاف هذا النهر بسقاية زراعتهم والتمتع بالصيد الوفير من الأسماك النهرية. وشدد الصياد محمود (55 سنة) على أن نهر الفرات «لا نبدله بكل دول العالم ومدنه الحديثة وأنهاره وبحيراته، نقضي أوقاتا هنا للتنفس والاستمتاع ببرودة مياهه لأنها مريحة نفسياً وجسدياً». وعلى الرغم من تدهور الأوضاع المعيشية وتدهور الليرة السورية أمام الدولار بعدما سجلت 14 ألفاً، «يبقى الفرات كريماً على صياديه، فمنذ كان عمري 17 عاماً وأنا صياد هاو لأكلنا اليومي»، على حد تعبيره.

وعلى ضفاف النهر، ينفث شبان دخان نارجيلتهم وتفترش عائلات رمال النهر واضعة أطعمة وفواكه وعصائر، ويلهو أطفال قربها بالسباحة واللعب بالمياه الباردة بينما تصدح أصوات الموسيقى في الأرجاء من فرقة موسيقية متنقلة، ويعقد الزائرون مجموعات من الدبكات المحلية على أصوات أغانٍ شعبية متداولة بين أهالي الرقة.

وفي الطرف الثاني من النهر، تنافس فتيان على القفز من أعلى صخرة إلى المياه للسباحة، ويذكر سليمان البالغ من العمر 22 عاماً كيف يعيش بالقرب من نهر الفرات أباً عن جد، حيث تمتلك عائلته أرضاً زراعية بالقرب من ضفافه. وقال: «نقصد الفرات أنا وأصدقائي للتسلية والشعور بالبرود وأعود أحياناً لمنزلنا بعد منتصف الليل، فلا كهرباء عندنا لذلك أبقى هنا حتى نتنفس ونستريح من ضغوط الحياة». وفي كل صيف تتكرر معاناة هذا الشاب كحال غالبية المناطق السورية حيث يصل انقطاع التيار الكهرباء اليومي إلى أكثر من 12 ساعة، وترافق هذا العام مع ارتفاع درجات الحرارة متجاوزة 40 درجة، ليضيف: «لولا نهر الفرات لكنا متنا من لهيب حرارة الصيف، وجوده نعمة كبيرة في حياتنا».

ومن مدينة منبج الواقعة أقصى شرقي محافظة حلب، قصد عماد برفقة زوجته وأطفاله النهر في رحلة استغرقت أكثر من 3 ساعات بالسيارة، تجاوباً مع رغبة العائلة في تمضية ساعات غروب الشمس والليل على سرير نهر الفرات. وقال لـ«الشرق الأوسط»: «أتينا من منبج إلى النهر للسباحة والترفيه وتمضية ساعات الليل هنا، نشكر الله لهذه السعادة ورؤية الناس بالعودة لحياتهم الطبيعة».


مقالات ذات صلة

مقتل سبعة بهجوم مسلّحين مرتبطين بـ«داعش» في الكونغو الديموقراطية

أفريقيا سكان في بيني يحملون جثث مدنيين أعدمهم مقاتلو تحالف القوى الديموقراطية في الكونغو (أ.ف.ب)

مقتل سبعة بهجوم مسلّحين مرتبطين بـ«داعش» في الكونغو الديموقراطية

اندلعت اشتباكات الأحد في شمال شرق جمهورية الكونغو الديموقراطية بعد مقتل سبعة أشخاص على الأقل في هجوم شنه مسلّحون مرتبطون بتنظيم «داعش».

«الشرق الأوسط» (بيني)
أوروبا ركاب يمرون بسيارة شرطة متوقفة أمام محطة القطار المركزية حيث قام رجل بإصابة ثلاثة أشخاص بسلاح أبيض في وينترتور بالقرب من زيوريخ يوم 28 مايو 2026 (أ.ف.ب)

سويسرا: عملية الطعن في محطة القطارات «هجوم إرهابي»

وصفت السلطات السويسرية عملية الطعن التي أسفرت عن إصابة ثلاثة أشخاص، الخميس، في محطة قطارات وينترتور بالقرب من زيوريخ بأنها «هجوم إرهابي».

«الشرق الأوسط» (زيوريخ)
العالم امرأتان وطفلة من عوائل «داعش» بعد وصولهن إلى مطار ملبورن من سوريا (أ.ب)

أستراليا توجه اتهامات بالإرهاب لامرأة على صلة بتنظيم «داعش»

تصل إلى السجن 10 سنوات العقوبةُ القصوى لتهمتَي «الانتماء إلى جماعة إرهابية» و«دخول منطقة نزاع محظورة»...

«الشرق الأوسط» (سيدني)
العالم امرأة وطفل مرتبطان بتنظيم «داعش» لدى وصولهما إلى مطار ملبورن في أستراليا (أ.ب)

أستراليا توجِّه اتهامات بالإرهاب لامرأة على صلة بتنظيم «داعش»

وجَّهت الشرطة الأسترالية، اليوم (الخميس)، اتهامات إلى امرأة يُشتبه بارتباطها بتنظيم «داعش»، تشمل الانتماء إلى جماعة إرهابية، والدخول إلى منطقة نزاع معروفة.

«الشرق الأوسط» (كانبرا)
أوروبا شموع وزهور موضوعة في موقع الحادث الذي أودى بحياة فتى يبلغ من العمر 14 عاماً وأسفر عن إصابة آخرين بجروح في هجوم طعن في مدينة فيلاخ النمساوية يوم 16 فبراير 2025 (رويترز)

النمسا تحكم على «داعشي» بالسجن مدى الحياة لارتكابه هجوم طعن

قضت محكمة نمساوية، الأربعاء، على لاجئ سوري كردي عمره 24 عاماً بالسجن مدى الحياة لارتكابه هجوماً بسكين ​أسفر عن مقتل شخص في مدينة جنوبية العام الماضي.

«الشرق الأوسط» (فيينا)

غوتيريش يقترح 3 خيارات لإنشاء قوة مراقبة بين لبنان وإسرائيل

الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش خلال زيارة تفقدية للخط الأزرق على الحدود بين لبنان وإسرائيل (الأمم المتحدة)
الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش خلال زيارة تفقدية للخط الأزرق على الحدود بين لبنان وإسرائيل (الأمم المتحدة)
TT

غوتيريش يقترح 3 خيارات لإنشاء قوة مراقبة بين لبنان وإسرائيل

الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش خلال زيارة تفقدية للخط الأزرق على الحدود بين لبنان وإسرائيل (الأمم المتحدة)
الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش خلال زيارة تفقدية للخط الأزرق على الحدود بين لبنان وإسرائيل (الأمم المتحدة)

اقترح الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش إنشاء قوة مراقبة معززة من آلاف الأفراد لتولي مهمات ما بعد القوة المؤقتة للأمم المتحدة في لبنان (اليونيفيل) التي ستنسحب بشكل كامل في نهاية العام الجاري، في خطوة يمكن أن تلقى معارضة من كل من الولايات المتحدة وإسرائيل.

ووجه غوتيريش رسالة إلى رئيسة مجلس الأمن للشهر الجاري المندوبة الكولومبية الدائمة لدى الأمم المتحدة ليونيور زالاباتا توريس ضمنها ما سماه «خيارات مستقبل تنفيذ القرار 1701 بعد انسحاب القوة المؤقتة للأمم المتحدة في لبنان (اليونيفيل)، بما في ذلك خيارات المساعدة فيما يتعلق بأمن الخط الأزرق ومراقبته، وسبل تعزيز دعم إعادة انتشار القوات المسلحة اللبنانية جنوب نهر الليطاني من خلال أدوات الأمم المتحدة»، طبقاً لما يتطلبه قرار مجلس الأمن رقم 2790.

غير أن الرسالة التي أصدرها غوتيريش تأتي أيضاً في ظل محادثات السلام التي ترعاها إدارة الرئيس دونالد ترمب بين الجانبين اللبناني والإسرائيلي، والتي تشمل العمل على ترتيبات أمنية على جانبي الحدود تشمل ضمانات من الولايات المتحدة.

وعرض غوتيريش للوقائع الميدانية ومفاوضات السلام هذه، عقب اجتماع استضافته الولايات المتحدة، مجادلاً بأنه بعد انتهاء ولاية «اليونيفيل» مع نهاية العام الجاري «سيكون من الضروري وجود قوة نظامية تابعة للأمم المتحدة تعمل على تيسير خفض التصعيد والحوار والتنسيق والاتصال، ودعم القوات المسلحة اللبنانية، استكمالاً لمكتب منسق الأمم المتحدة الخاص المعني بلبنان المعزز، بغية تحقيق الهدف الأسمى المتمثل في التوصل إلى حل طويل الأمد للنزاع.

وبشكل أكثر تحديداً، ستواصل الأمم المتحدة، بصفتها الجهة المؤقتة المسؤولة عن الخط الأزرق، القيام بدور حيوي في مراقبة الخط الأزرق والحفاظ عليه بشكل محايد، بما في ذلك من خلال المراقبة والإبلاغ ورسم الخرائط والمسح ووضع العلامات وجهود منع الاشتباك الفنية».

الخيارات الثلاثة

أعضاء من لجنة مراقبة وقف النار بين لبنان وإسرائيل وبينهم قائد القوة المؤقتة للأمم المتحدة في لبنان (اليونيفيل) الميجر جنرال أرولدو لازارو ساينز والميجر جنرال الأميركي جاسبر جيفرز والجنرال الفرنسي غيوم بونشامب خلال اجتماع في بيروت (أ.ب)

وبناء عليه، عرض غوتيريش «ثلاثة خيارات» لوجود عسكري نظامي للأمم المتحدة في لبنان مستقبلاً، موضحاً أن الخيار الأول يتمثل بـ«وجود مراقبين عسكريين غير مسلحين من الأمم المتحدة، قوامهم 350 فرداً نظامياً، إلى جانب وجود مسلح من الأمم المتحدة لحماية القوة، يشمل أربع كتائب مشاة قوام كل منها 750 جندياً مسلحاً، وقوات احتياط قوامها 700 جندي مسلح، من شأنه أن يُمكنهم من رصد التطورات على امتداد الخط الأزرق وصولاً إلى نهر الليطاني بأكثر الطرق صدقية».

وإذا اعتمد مجلس الأمن هذا الخيار، ستتألف القوة من نحو 5525 فرداً نظامياً، بينهم المراقبون غير المسلحين، ووحدات الأمم المتحدة المسلحة، ووحدات الدعم الأخرى وأفرادها.

ويحدد الخيار الثاني «وجود مراقبين عسكريين غير مسلحين من الأمم المتحدة، قوامهم 285 فرداً نظامياً، إلى جانب وجود مسلح من الأمم المتحدة لحماية القوات، يشمل كتيبتي مشاة قوام كل منهما 750 جندياً مسلحاً، وقوات احتياطية قوامها 450 جندياً مسلحاً، مع التركيز على المنطقة الواقعة بين نهر الليطاني والخط الأزرق، سيكون لديه القدرة على مراقبة جزء من الخط الأزرق بشكل مباشر من خلال وجوده المادي، بما في ذلك من نقاط مراقبة ثابتة وعبر الدوريات».

ويشمل الخيار نحو 3370 فرداً نظامياً.

أما الخيار الثالث فيتطلب «وجود مراقبين عسكريين غير مسلحين من الأمم المتحدة قوامهم 215 فرداً، بالإضافة إلى كتيبتين من المشاة الخفيفة قوام كل منهما 450 جندياً مسلحاً، وقوة رد فعل سريع قوامها 350 جندياً مسلحاً لحماية القوات، ولمراقبة التطورات على طول الخط الأزرق وحتى عدة كيلومترات شماله، بما في ذلك من مواقع ثابتة في مواقع حيوية وعبر عمليات مراقبة متنقلة». واستدرك أنه «لا يمكن مراقبة الخط الأزرق بأكمله بشكل مستمر دون توفر القدرات التكنولوجية اللازمة. سيكون لدى وجود الأمم المتحدة بعض القدرة على التحقق والتحقيق في انتهاكات القرار 1701 حتى نهر الليطاني».

ويتألف الخيار الثالث من نحو 1980 فرداً نظامياً.

وقال غوتيريش إنه بعد انتهاء مهمة «اليونيفيل»، ينبغي مراعاة «ضمان توفير الحماية اللازمة والترتيبات اللوجستية للمراقبين العسكريين غير المسلحين التابعين لهيئة الأمم المتحدة لمراقبة الهدنة، (أونتسو)، في مجموعة المراقبين في لبنان».

وقدم عرضاً إضافياً حول حظر الأسلحة المفروض على لبنان وقوة المهمات البحرية الأممية لدعم البحرية اللبنانية في مراقبة مياهها الإقليمية، وتأمين السواحل اللبنانية، ومنع دخول الأسلحة أو المعدات ذات الصلة إلى لبنان عن طريق البحر من دون ترخيص.


«حماس» تكثف لقاء الوسطاء... وملادينوف يربط مشاركته بـ«تقدم إيجابي»

فلسطينيون ينتظرون لتلقي الطعام من مطبخ خيري في مدينة غزة يوم الثلاثاء (رويترز)
فلسطينيون ينتظرون لتلقي الطعام من مطبخ خيري في مدينة غزة يوم الثلاثاء (رويترز)
TT

«حماس» تكثف لقاء الوسطاء... وملادينوف يربط مشاركته بـ«تقدم إيجابي»

فلسطينيون ينتظرون لتلقي الطعام من مطبخ خيري في مدينة غزة يوم الثلاثاء (رويترز)
فلسطينيون ينتظرون لتلقي الطعام من مطبخ خيري في مدينة غزة يوم الثلاثاء (رويترز)

في الوقت الذي تكثف فيه حركة «حماس» اللقاءات مع وسطاء اتفاق وقف إطلاق النار في غزة من مصر وقطر وتركيا، لإيجاد مقاربات بشأن القضايا العالقة باتفاق وقف إطلاق النار، ينتظر «مجلس السلام» والإدارة الأميركية ما ستؤول إليه محادثات القاهرة المرتقبة بين الوسطاء ووفد الحركة والفصائل الفلسطينية.

والتقى وفد من المجلس القيادي لـ«حماس» مسؤولين أتراك في أنقرة، بينما ينتظر وصول ممثلين عن الحركة، قريباً، إلى القاهرة لعقد لقاءات مع ممثلين عن الفصائل الفلسطينية، ومسؤولين مصريين بشكل أحادي، وآخرين من الدول الوسيطة.

وعلمت «الشرق الأوسط» من مصدرين في «حماس»، أن وفد الحركة سيقدم بعض الأفكار التقريبية التي تهدف إلى حل الخلافات القائمة، مشيراً إلى أن بعضها تم بالتشاور مع الفصائل والوسطاء.

ويخيّم الجمود على المحادثات غير المباشرة بين إسرائيل و«حماس»، وفي حين تتمسك الحركة بتنفيذ استحقاقات المرحلة الأولى المتضمنة الانسحاب الإسرائيلي من الأراضي التي تحتلها، وإدخال المساعدات والبضائع إلى القطاع، تضغط إسرائيل لنزع سلاح الفصائل بوصفه أبرز بنود المرحلة الثانية.

وانتهكت إسرائيل وقف إطلاق النار المعلن في غزة منذ أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، وقتلت أكثر من 930 فلسطينياً بينهم قيادات كبيرة في «كتائب القسام» الذراع العسكرية لـ«حماس»، بينما بلغ إجمالي الضحايا في غزة قرابة 73 ألف قتيل منذ أكتوبر 2023.

فلسطينيون يتفقدون مركبة أُصيبت بغارة جوية إسرائيلية في دير البلح وسط قطاع غزة (أ.ب)

وتوقعت المصادر بحثاً إضافياً ومعمقاً في تلك المقترحات خلال اجتماعات القاهرة، استكمالاً لمناقشات سابقة مع الوسطاء في قطر وتركيا.

ولفت أحد المصادر إلى أن «الوسطاء سيقدمون من طرفهم مقاربات أخرى، لتوحيد الجهود نحو صياغة موحدة يتم نقلها إلى إسرائيل و«مجلس السلام» والإدارة الأميركية، وضمان ألا تقوم الأطراف الثلاثة الأخيرة بأي تحركات أحادية الجانب في الفترة المقبلة».

ولم يوضح المصدران ماهية الأفكار الجديدة التي ستطرح في اللقاءات المرتقبة. بينما اكتفى أحدهما بالقول إنه «من المُبكر الحديث عنها قبل إجراء مناقشات معمقة والوصول إلى صياغة مناسبة».

وأعلنت «حماس» في بيان، الثلاثاء، أن وفداً من مجلسها القيادي برئاسة محمد درويش، وعضوية: خالد مشعل، وخليل الحية، وزاهر جبارين، التقى مع رئيس المخابرات التركية، إبراهيم قالن، في أنقرة.

وبحث اللقاء بحسب البيان «تصاعد الهجمات الإسرائيلية بغزة، وتنكر حكومة (رئيس الوزراء الإسرائيلي) بنيامين نتنياهو للالتزام باتفاق شرم الشيخ، وعدم استكمال تطبيق المرحلة الأولى من الاتفاق»، ونقل أن «الوفد قدم تقييماً لمسار الاتفاق والتطورات المرتبطة به وخاصةً الخروقات الميدانية التي تعوق التقدم في المباحثات بشأن المراحل التالية».

وقال مصدر من «حماس» في تركيا لـ«الشرق الأوسط»، إن «اللقاء كان مهماً، وبحث العديد من الأفكار للمضي قدماً باتفاق وقف إطلاق النار».

محاولات لإشراك ملادينوف

ويسعى الوسطاء إلى إشراك الممثل الأعلى لغزة في «مجلس السلام»، نيكولاي ملادينوف، في لقاءات القاهرة؛ إلا أن مصادر من «حماس» وأخرى مقربة من ملادينوف قالت إن تلك الجهود «لم تنجح بعد» خصوصاً مع استمرار «حماس» في انتقاده علناً، واتهامه بالانحياز لإسرائيل، وتبنّي روايتها.

وقال مصدر مطلع على تواصل مع فريق ملادينوف لـ«الشرق الأوسط»، إن زيارته إلى القاهرة «مرتبطة بنجاح الاتصالات بشكل جدي بين (حماس) والوسطاء، وأضاف: «من دون إحراز أي تقدم لا معنى لوجوده أو حضوره في القاهرة، وملادينوف على تواصل باستمرار مع الوسطاء، ويتم إطلاعه على المستجدات اللازمة، وفي حال كانت هناك بوادر إيجابية جدية سيحضر فوراً سواء إلى القاهرة أو غيرها من العواصم».

الممثل السامي لغزة في «مجلس السلام» نيكولاي ملادينوف يتحدث أمام مجلس الأمن بنيويورك (الأمم المتحدة)

وأكد المصدر أن موقف ملادينوف بشأن الوضع في غزة، يمثل موقف «مجلس السلام» بشكل كامل، والذي يصر على نزع السلاح بأكمله في قطاع غزة، سواء الفصائلي أو العشائري وحتى الشخصي، بما يضمن تولي لجنة إدارة قطاع غزة مهمة حصر السلاح، وأن يكون لها السيادة الكاملة في ترتيب الوضع الأمني والقانوني داخل القطاع.

ومن دون تسمية إيران، قال المصدر إن على «حماس» ألا تعول على موقف جهات أخرى، وترهن الوضع في غزة بمصير جبهات أخرى. ونفت مصادر في «حماس» في وقت سابق رهنها مفاوضات غزة بمصير الاتفاق الأميركي - الإيرانية المرتقب.

ولفت المصدر إلى أن «المرحلة المقبلة بشأن غزة ستكون حاسمة فيما يتعلق بالخيارات المطروحة داخل (مجلس السلام) والإدارة الأميركية، بالتنسيق مع إسرائيل وأطراف أخرى»، مشيراً إلى أن «من أهم تلك الخطوات المضي قدماً في خطة الرئيس الأميركي دونالد ترمب بشكل أحادي، ومن دون أن تكون (حماس) شريكة فيها عبر إجراءات عملية».

لجنة غزة ولقاء مع «مجلس السلام»

وواصلت «حماس» وفصائل فلسطينية، الثلاثاء، توجيه انتقادات حادة لملادينوف، و«مجلس السلام» على خلفية مواقفهما من الوضع والخروقات الإسرائيلية المتكررة في غزة، وطالت الانتقادات بصورة أقل «لجنة إدارة غزة».

وعلمت «الشرق الأوسط» من مصدرين مقربين من «لجنة إدارة غزة»، أنه تم وضع اجتماعات على جدول أعمالها من المفترض أن تعقد بعد منتصف الشهر الحالي في قبرص، مع مسؤولين في «مجلس السلام»، وذلك بهدف بحث الخطوات المرتقبة التي يجب أن تتخذ بشأن الوضع في غزة، وقد يكون منها «خطوات أحادية الجانب» وفق قول أحد المصدرين.

رئيس لجنة إدارة غزة علي شعث يوقع بيان مهمة اللجنة (إكس)

وأكد حازم قاسم الناطق باسم «حماس»، جاهزية حركته تسليم الحكم للجنة إدارة غزة، متهماً إسرائيل وملادينوف بتعطيل عملها ومنعها من دخول القطاع.

بينما قال بيان باسم «فصائل المقاومة» الفلسطينية في غزة، إن «خريطة ملادينوف لإدارة غزة تمثل ابتزازاً سياسياً وإنسانياً؛ إذ تربط المساعدات والوقود والإعمار بنزع سلاح المقاومة، وتحاول وضع لجنة التكنوقراط في مواجهة شعبنا الفلسطيني، بما يعمق الانقسام، ويهدد بتفجير صراع داخلي يخدم العدو الصهيوني، ويشرعن جرائمه»، وفق نص البيان الذي دعا اللجنة إلى «الانحياز دوماً لمصالح الفلسطينيين، ورفض خطط إسرائيل».


مجلس الأمن يشيد بضغوط ترمب ويطالب إسرائيل بالانسحاب من لبنان

صورة التقطت من الجانب الإسرائيلي للحدود وفيها آليات عسكرية إسرائيلية داخل الأراضي اللبنانية (أ.ف.ب)
صورة التقطت من الجانب الإسرائيلي للحدود وفيها آليات عسكرية إسرائيلية داخل الأراضي اللبنانية (أ.ف.ب)
TT

مجلس الأمن يشيد بضغوط ترمب ويطالب إسرائيل بالانسحاب من لبنان

صورة التقطت من الجانب الإسرائيلي للحدود وفيها آليات عسكرية إسرائيلية داخل الأراضي اللبنانية (أ.ف.ب)
صورة التقطت من الجانب الإسرائيلي للحدود وفيها آليات عسكرية إسرائيلية داخل الأراضي اللبنانية (أ.ف.ب)

أظهر أعضاء مجلس الأمن شبه إجماع على تحذير إسرائيل من تكرار تجربة احتلالها في لبنان، مطالبين بسحب قواتها من المناطق التي اجتاحتها خلال الحرب الأخيرة، بالتزامن مع الجهود لبسط سلطة الدولة على كامل أراضيها والشروع في نزع سلاح «حزب الله».

وبطلب من فرنسا، عقد مجلس الأمن جلسة طارئة، مساء الاثنين، للتعامل مع التصعيد الواسع النطاق، في وقت تدخل فيه الرئيس الأميركي دونالد ترمب لمنع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو من الذهاب بعيداً في استهداف بيروت وضاحيتها الجنوبية مقابل وقف استهداف «حزب الله» للقرى والبلدات والمدن الإسرائيلية. وأشاد المندوبون الدائمون للدول الـ15 الأعضاء في المجلس بجهود الرئيس ترمب رغم أنها لم تصل إلى حد المطالبة بانسحاب إسرائيل من لبنان.

غير أن المندوب الأميركي الدائم لدى الأمم المتحدة مايك والتز حرص على الإشارة إلى أن الرئيس ترمب «الذي يهتم شخصياً بلبنان، اقترح تسلسلًا واضحاً لإنهاء الحرب: على (حزب الله)، الذي أشعل فتيل القتال، أن يوقف هجماته في إسرائيل»، مضيفاً أن «هذا من شأنه أن يفسح المجال لخفض التصعيد تدريجاً، وفي نهاية المطاف، لوقف إطلاق النار». وإذ عدّ أن الإسرائيليين «ليست لديهم مطامع في الأراضي اللبنانية»، حمل بشدة على «حزب الله» بوصفه «جماعة إرهابية هاجمت أميركيين، وقتلت قوات حفظ السلام التابعة لـ(اليونيفيل)، واحتجزت مدنيين رهائن لعقود، واغتالت أبناء شعبها الشجعان الذين تدّعي حمايتهم». واتهم مسؤولي النظام الإيراني بأنهم «أمروا» الحزب «بإطالة أمد هذه الحرب، ليتمكنوا من ادعاء إنقاذ الموقف».

المندوب الأميركي الدائم لدى الأمم المتحدة مايك والتز (الأمم المتحدة)

وتطرق والتز إلى محادثات السلام اللبنانية - الإسرائيلية، قائلاً إن «إسرائيل قدمت ضمانات واضحة بعدم وجود أي مطامع إقليمية لها في لبنان»، بينما «أعلن لبنان عزمه على نزع سلاح (حزب الله) نهائياً». وأكد أن «الطريق واضح: يتوقف (حزب الله) عن مهاجمة إسرائيل. وتؤكد القوات المسلحة اللبنانية والحكومة اللبنانية الشرعية السيطرة على الأراضي اللبنانية. وتتوقف إيران عن استخدام لبنان قاعدة عمليات أمامية».

«خطأ استراتيجي فادح»

وفي موازاة هذه المقاربة الأميركية، أصدر ممثلو كل من فرنسا وبريطانيا وروسيا والصين وبقية الأعضاء انتقادات حادة لتصرفات إسرائيل. وأفاد المندوب الفرنسي الدائم لدى الأمم المتحدة جيروم بونافون بأن بلاده طلبت عقد هذا الاجتماع الطارئ رداً على «التصعيد الخطير الجاري حالياً»، مشدداً على أن «(حزب الله)، المدعوم من إيران، يتحمل مسؤولية إشعال فتيل الصراع، كونه جرّ لبنان والشعب اللبناني» إلى الحرب. غير أنه أضاف أيضاً أنه «لا يوجد ما يبرر استمرار العمليات العسكرية الإسرائيلية ونطاقها»، واصفاً تصرفات إسرائيل بأنها «خطأ استراتيجي فادح». وأعلن تأييد فرنسا القوي للمحادثات المباشرة الجارية بين لبنان وإسرائيل بوساطة من الولايات المتحدة، داعياً إلى «تسوية سياسية دائمة، تشمل نزع سلاح (حزب الله)، وانسحاب القوات الإسرائيلية من الأراضي اللبنانية».

أما نظيره الروسي فاسيلي نيبينزيا، فوصف وقف النار الذي جرى التوصل إليه يوم 17 أبريل (نيسان) الماضي بأنه «للأسف ستار من الدخان لعدوان زاحف ضد لبنان». وإذ ندد بقوة «بالأعمال العدوانية الإسرائيلية»، طالب بـ«الانسحاب الفوري للقوات الإسرائيلية من الأرض اللبنانية»، محذراً من أنه «دون ذلك سيكون من المستحيل التوصل إلى وقف لإطلاق النار». ورأى أن تدهور الوضع في لبنان هو نتيجة مباشرة لـ«العدوان غير المبرر» من الولايات المتحدة وإسرائيل ضد إيران.

وندد القائم بأعمال المندوب البريطاني جيمس كاريوكي بتصرفات إسرائيل، قائلاً إن «هذا التصعيد المتهور وغير المتناسب للعمل العسكري الإسرائيلي يُفاقم الوضع الكارثي أصلاً الذي يعيشه المدنيون اللبنانيون، ويضع الحكومة اللبنانية تحت ضغط إضافي». وطالب بانسحاب إسرائيل فوراً من كل الأراضي اللبنانية وعدم تكرار تجربة الاحتلال.

ودعا دبلوماسيون يمثلون باكستان والبحرين وجمهورية الكونغو الديمقراطية والدنمارك وليبيريا، بالإضافة إلى كولومبيا التي تتولى الرئاسة الدورية لمجلس الأمن في يونيو (حزيران) الحالي، إلى خفض التصعيد، مطالبين إسرائيل بالانسحاب من الأراضي اللبنانية.

وكان أعضاء المجلس استمعوا إلى إحاطة من مساعدة الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش للشؤون السياسية وبناء السلام مارثا بوبي التي أشارت إلى خط الترسيم الذي يفصل إسرائيل عن لبنان وهضبة الجولان، قائلة إن «وجود إسرائيل شمال الخط الأزرق يُعد انتهاكاً صارخاً لسيادة لبنان ووحدة أراضيه. وتتردد أصداء هذه الأعمال العدائية في كل أنحاء المنطقة». وشددت على أن «القوات المسلحة اللبنانية هي القوة المسلحة الشرعية الوحيدة في لبنان». ودعت إسرائيل إلى سحب قواتها من الأراضي اللبنانية.

لبنان وإسرائيل

المندوب اللبناني الدائم لدى الأمم المتحدة أحمد عرفة (الأمم المتحدة)

وعرض المندوب اللبناني أحمد عرفة جهود الحكومة اللبنانية، متهماً إسرائيل بمواصلة «عملية تدمير ممنهج للقرى والبلدات والأحياء السكنية، واستهداف الطواقم الطبية والمستشفيات والإعلاميين والمدارس والبنى التحتية والأجهزة الأمنية وقوات اليونيفيل ودور العبادة والمواقع الأثرية المصنفة بوصفها تراثاً عالمياً للإنسانية». وحذّر من أن «استحداث إسرائيل مناطق أمنية ورسم خطوط جغرافية هو احتلال مباشر وانتهاك صارخ لسيادة لبنان ووحدة وسلامة أراضيه».

من جهته، قال المندوب الإسرائيلي داني دانون: «نحن لا نسعى إلى التصعيد، ولا نطمع في الأراضي اللبنانية، كما أن إسرائيل لا تريد الدخول في صراع مع الشعب اللبناني. المشكلة هي (حزب الله)»، الذي ينفذ على أرض الواقع ما تريده منه إيران، بحيث «يُبقي جذوة الصراع مشتعلة. ويُبقي لبنان رهينة في قبضته، ويُبقي شمال إسرائيل تحت وطأة الهجمات». وأضاف أن «الطريق إلى السلام ليس معقداً. نحن نعرفه جيداً، ونعرف ما يتطلبه الأمر: نزع سلاح (حزب الله) بالكامل، ووجود دولة لبنانية قوية، وقوات مسلحة لبنانية قوية، وحكومة واحدة، وجيش واحد، وسلطة سيادية واحدة».