اقتراب لحظة الحسم في النيجر وسط انسداد سياسي وارتفاع حدة الخطاب العسكري

فشل وساطة وفد «إيكواس» والمجلس العسكري «يرفض الاستسلام لأي تهديد»

متظاهرون يقفون على قمة مدخل الجمعية الوطنية خلال مسيرة بنيامي عاصمة النيجر في 3 أغسطس 2023 (إ.ب.أ)
متظاهرون يقفون على قمة مدخل الجمعية الوطنية خلال مسيرة بنيامي عاصمة النيجر في 3 أغسطس 2023 (إ.ب.أ)
TT

اقتراب لحظة الحسم في النيجر وسط انسداد سياسي وارتفاع حدة الخطاب العسكري

متظاهرون يقفون على قمة مدخل الجمعية الوطنية خلال مسيرة بنيامي عاصمة النيجر في 3 أغسطس 2023 (إ.ب.أ)
متظاهرون يقفون على قمة مدخل الجمعية الوطنية خلال مسيرة بنيامي عاصمة النيجر في 3 أغسطس 2023 (إ.ب.أ)

يتجه الوضع في النيجر إلى مزيد من التصعيد داخلياً وخارجياً بما ينذر بخروجه عن السيطرة. ففي الداخل، عمد الانقلابيون، في الساعات الأخيرة، إلى التضييق على الرئيس المخلوع محمد بازوم الذي رغم حجزه في أحد أجنحة القصر الرئاسي، كان قادراً على التواصل مع القادة الغربيين، ومنهم الرئيس الفرنسي الذي تحادث معه أكثر من مرة. كذلك استقبل رئيس تشاد الكولونيل محمد إدريس ديبي الذي حاول القيام بوساطة لم يكتب لها النجاح.

وبازوم محتجز في جناح من القصر الرئاسي مع زوجته وابنه. ووفق معلومات واردة من نيامي، فإن الكهرباء قطعت عن الجناح الذي يشغله. ويبدو أن تمكنه من إيصال مقال إلى صحيفة «واشنطن بوست» الأميركية دعا فيه إلى الإسراع في مساعدته، سيكون آخر اتصال له بالعالم الخارجي. كذلك، فإن الوفد الذي أرسلته «المجموعة الاقتصادية لغرب أفريقيا» (إيكواس)، إلى نيامي للقاء قادة الانقلاب وأيضاً الرئيس المخلوع، عاد إلى أبوجا بخفي حنين، إذ لم ينجح لا في الاجتماع بزعيم الانقلاب ولا بالرئيس بازوم، الأمر الذي يعني أن البحث عن «حل ودي»، وفق تصريح الرئيس النيجيري بولا تينوبو، وصل إلى طريق مسدود.

وكان الوفد برئاسة الرئيس النيجيري الأسبق عبد السلام أبو بكر ومسؤولين كبار من «إيكواس» مكلفاً إقناع الانقلابيين بالتراجع عن حركتهم وإعادة الانتظام الدستوري إلى البلاد والبحث في شروطه، وربما الضمانات التي تستطيع المنظمة الأفريقية تقديمها لقادة الانقلاب والمهل الزمنية.

 

أنصار انقلاب النيجر يرفعون العلم الروسي

اعتقال الوزراء

لم يكتفِ الانقلابيون بذلك؛ بل عمدوا، بعد تردد دام عدة أيام، إلى القبض على مجموعة من الوزراء والمسؤولين الأمنيين والسياسيين (وزراء الداخلية والنقل والتعدين والنفط والطاقة الذي هو ابن الرئيس النيجري السابق محمدو يوسفي، كذلك وزير التعليم المهني وأحد قادة الحرس الوطني الكبار ورئيس حزب الديمقراطية والاشتراكية الرئاسي ومستشار الرئيس بازوم السياسي)، وجمع كل هؤلاء ووضعوا في مبنى فرضت عليه الحراسة المشددة قريباً من القصر الجمهوري. وفي السياق عينه، قرر المجلس العسكري إنهاء مهمات سفراء النيجر لدى فرنسا والولايات المتحدة ونيجيريا وتوغو.

أما على الصعيد الخارجي، فقد عمدت السلطات العسكرية إلى قطع بث وسيلتين إعلاميتين فرنسيتين مرتبطتين بالحكومة؛ هما تلفزيون «فرانس 24» و«إذاعة فرنسا الدولية»، ما استدعى رداً عنيفاً من هيئة البث الخارجي المسماة «فرنسا ميديا العالم»، ومن الحكومة الفرنسية.

وأكدت الخارجية الفرنسية «التزامها وتصميمها الدائمين على المحافظة على حرية الصحافة والتعبير وحماية الصحافيين». واعتبرت باريس أن «الإجراءات المناهضة للصحافة أتت على خلفية قمع استبدادي ينفذه الانقلابيون». وبذلك تكون النيجر قد سارت على الدرب الذي سبقتها إليه مالي وبوركينا فاسو اللتان يحكمهما مجلسان عسكريان قاما بعد انقلابين.

وضع فرنسا مختلف

وتبدو فرنسا، يوماً بعد يوم، وبعكس الولايات المتحدة أو بريطانيا أو الدول الغربية الأخرى؛ كألمانيا وإيطاليا اللتين لهما حضور سياسي واقتصادي وعسكري في النيجر، في مرمى السلطات المحلية. فعسكر النيجر «لا يفقهون» الأسباب التي دفعت باريس إلى ترحيل رعاياها بحجة الحالة الأمنية. وبحسب زعيم الانقلاب، فإن أي مواطن فرنسي لم يتعرض للتهديد أو الاعتداء. ولتكذيب باريس، تميزت المظاهرات التي حصلت، بمناسبة العيد الوطني، بالهدوء، إذ لم يقترب المتظاهرون الذين نزلوا إلى الساحات والشوارع للتعبير عن دعمهم للانقلابيين، من السفارة الفرنسية التي وفرت لها القوى الأمنية حماية مشددة. وعجل قرار باريس دفع دول أخرى (إيطاليا، وألمانيا، والولايات المتحدة، وبريطانيا...) لإجلاء رعاياها كلياً أو جزئياً.

آخر ما صدر عن المجلس العسكري إلغاء عدة اتفاقيات عسكرية مبرمة بين نيامي وباريس؛ أهمها الاتفاق الدفاعي الذي وقع قبل 10 سنوات. وقال أحد أعضاء المجلس العسكري في بيان تلاه عبر التلفزيون الرسمي، إنه «في مواجهة موقف فرنسا اللامبالي»، ورد فعلها تجاه الوضع في النيجر، «قرر المجلس الوطني لحماية الوطن إبطال اتفاقيات التعاون مع هذه الدولة (فرنسا) في مجال الأمن والدفاع».

وتجدر الإشارة إلى أن الرئيس بازوم قبِل أن تنشر فرنسا قسماً من قوة «برخان» التي سحبتها من مالي في قواعد نيجرية. كذلك قبِل استضافة قوة الكوماندوس التي انسحبت لاحقاً من بوركينا فاسو، الأمر الذي جعل من النيجر، بالنسبة لفرنسا، القاعدة العسكرية الرئيسية التي تستخدمها باريس في جهودها لمحاربة التنظيمات المتطرفة والإرهابية في منطقة الساحل. وكان قرار المجلس العسكري مرتقباً.

 

متظاهرون يهتفون لجيش النيجر أمام السفارة الفرنسية في نيامي (أ.ف.ب)

رفض باريس

وردت باريس على قرار السلطات الانقلابية بتأكيد أن وحدها السلطات الشرعية النيجرية التي تعترف بها فرنسا، كما بقية الأسرة الدولية، مؤهلة للتراجع عن هذه الاتفاقيات.

لكن المراقبين رأوا في ذلك خطوة منتظرة، حيث تقتدي نيامي بما حصل سابقاً في باماكو وواغادوغو. إلا أن انسحاب القوة الفرنسية، في حال قيامه، لا يمكن أن يحصل بين ليلة وضحاها، بل سيتطلب مفاوضات مع المجلس العسكري واتفاقاً على البرنامج الزمني.

والصعوبة بالنسبة لباريس ستكون في إيجاد بلد أفريقي يستقبل القوة المنسحبة، علماً بأن لباريس قواعد عسكرية في تشاد وساحل العاج والسنغال. وبالمقابل، لم يصدر أي بلاغ عن المجلس العسكري بخصوص القاعدتين العسكريتين الأميركيتين أو الجنود الألمان والإيطاليين والبلجيكيين الموجودين في النيجر في أطر مختلفة. وهذا الواقع يبين بوضوح أكبر أن القطيعة هي بالتحديد مع البلد المستعمر السابق وليس مع الغرب بشكل عام.

إزاء انسداد الوضع في الداخل، واقتراب نهاية المهلة التي أعطتها «إيكواس» للانقلابيين للرجوع عن انقلابهم وإعادة محمد بازوم إلى موقعه الرئاسي، يبدو أن السير نحو تدخل عسكري يتم بخطى حثيثة. فاجتماعات رؤساء أركان 11 دولة منضوية في إطار المنظمة الأفريقية انتهت في أبوجا، كما انتهت زيارة الرجل الثاني في المجلس العسكري النيجري إلى باماكو وواغادوغو من أجل البحث في إنشاء جبهة مقابلة لجبهة «إيكواس» الداعية لاستخدام القوة العسكرية.

 

مسؤولون عسكريون في مجموعة «إيكواس» يبحثون أزمة النيجر في أبوجا الأربعاء (إ.ب.أ)

رفض الاستسلام لأي تهديد

وفي هذا السياق، قال الجنرال عبد الرحمن تشياني، رئيس الحرس الرئاسي سابقاً ورئيس المجلس العسكري والقائد الفعلي اليوم، إنه «يرفض الاستسلام لأي تهديد»، و«يرفض أي تدخل في الشؤون الداخلية للنيجر»، وإن قواته «مستعدة للقتال والرد» على أي عمل عسكري يستهدفها. وجاء في بيان للمجلس أن «أي عدوان - أو محاولة عدوان - ضد دولة النيجر سيشهد رداً فورياً ودون إنذار من جانب قوات الدفاع والأمن النيجرية على أي عضو من أعضاء المنظمة باستثناء الدول الصديقة المعلقة عضويتها»، وهما بوركينا فاسو ومالي. وسبق لهذين البلدين أن حذرا من أن أي استهداف للنيجر سيعد «إعلاناً للحرب» عليهما، ما يستتبع تدخلهما العسكري.

لم تتأخر إيساتا تال سال، وزيرة خارجية السنغال، في إعلان استعداد بلادها في المشاركة بعملية عسكرية في النيجر وإرسال جنود إلى النيجر، إذا قررت «إيكواس» التدخل العسكري. وتفيد معلومات متداولة في باريس بأن ساحل العاج وبنين مستعدتان أيضاً للمشاركة، فيما ستكون القوات النيجرية العصب الرئيسي للقوة العسكرية، رغم تأكيد الرئيس النيجيري تمسكه بالسعي لـ«حل ودي».

لكن في غياب مثل هذا الحل، فإن أبوجا التي تتخوف من عدوى الانقلابات وتريد أن تفرض نفسها قوة مؤثرة تحافظ على الاستقرار في غرب أفريقيا وتدعم الأنظمة الديمقراطية وترفض خيار الانقلابات متسلحة بحجمها السياسي والاقتصادي والبشري وقواها العسكرية، تتخوف من أن التراجع عن التدخل سيفقد «إيكواس» أي مصداقية، وسينعكس ذلك على رئيسها بولا تينوبو الذي وصل إلى السلطة حديثاً، وهو من أشد الداعين لرفض التغيير السياسي الذي يتم بطرق غير ديمقراطية كما يريد وضع حد لقيام جبهة عريضة تضم الانقلابيين في منطقة الساحل وغرب أفريقيا.

 

أشخاص تم إجلاؤهم من النيجر يتحدثون إلى وسائل الإعلام بمطار شارل ديغول في باريس (أ.ب)

عدم الرغبة في التدخل

يبقى سؤال أخير مزدوج وجهه الأول يتناول الموقفين الفرنسي والأميركي. بالطبع تشجع باريس وواشنطن «إيكواس»، لكنهما قطعاً لا ترغبان بالتدخل مباشرة وتسعيان للعمل بمبدأ «القيادة من الخلف»، لكنهما قادرتان على تغيير مسار الأحداث. والوجه الثاني يتناول «الغطاء القانوني» الذي يبيح التدخل العسكري. ومن الناحية المبدئية، ثمة طريقان لا ثالثة لهما: الأولى، الحصول على قرار من مجلس الأمن الدولي، وهو مستبعد بسبب «الفيتو» المرجح لروسيا والصين أو لكلتيهما معاً. والثانية، حصول طلب رسمي من الرئيس بازوم الذي تعدّه الأسرة الدولية رئيساً شرعياً وحيداً للنيجر. فهل ستعد الرسالة التي نشرها الأخير مساء الخميس في صحيفة «واشنطن بوست» وفيها عد نفسه «رهينة» ودعا «الحكومة الأميركية ومجمل الأسرة الدولية للمساعدة في إعادة الانتظام الدستوري» بمثابة دعوة رسمية للتدخل العسكري في بلاده؟ السؤال مطروح والإجابة في المقبل من الأيام.


مقالات ذات صلة

رفعت الأسد... رحل مخلفاً تركة ثقيلة من الانتهاكات

تحليل إخباري صورة بشار وعائلته مع عمّه رفعت الأسد في أبريل 2024 بعد عودته من فرنسا (مواقع تواصل)

رفعت الأسد... رحل مخلفاً تركة ثقيلة من الانتهاكات

رحل رفعت الأسد، عمُّ الرئيس المخلوع بشار الأسد، عن عمر ناهز 88 عاماً، وظلت صحائف أعماله مفتوحة في ذاكرة السوريين المثقلة بانتهاكات جسيمة اتُّهم بالمسؤولية عنها.

سعاد جرَوس (دمشق)
أفريقيا الرئيس الانتقالي في غينيا بيساو الجنرال هورتا نتام خلال مؤتمر صحافي في بيساو (رويترز) p-circle

الرئيس الانتقالي لغينيا بيساو: نفذنا انقلاباً «لتفادي إراقة الدماء»

قال العسكريون الذين استولوا على الحكم قبل شهر في غينيا بيساو إنهم نفذوا انقلابهم «لتفادي إراقة الدماء»، فيما كانت البلاد تنتظر نتائج الانتخابات.

«الشرق الأوسط» (بيساو)
أفريقيا المركبات المدرعة العسكرية تظهر أمام مقر محطة الإذاعة والتلفزيون في بنين وذلك بعد يوم من إحباط القوات المسلحة لمحاولة انقلاب (رويترز) p-circle

بنين: فرنسا تنشر قوات خاصة إثر محاولة انقلابية فاشلة

أعلنت السلطات في بنين أن فرنسا نشرت قوات خاصة في البلد الواقع في غرب أفريقيا، إثر محاولة انقلابية فاشلة الأحد الماضي، لعب الفرنسيون دوراً في إحباطها.

الشيخ محمد (نواكشوط)
أفريقيا المركبات المدرعة العسكرية تظهر أمام مقر محطة الإذاعة والتلفزيون في بنين وذلك بعد يوم من إحباط القوات المسلحة لمحاولة انقلاب (رويترز)

بنين: فرنسا نشرت قوات خاصة في البلاد للتصدي لمحاولة الانقلاب

كشف قائد الحرس الجمهوري في بنين ديودونيه دجيمون تيفودجري اليوم الأربعاء أن فرنسا نشرت قوات خاصة لدعم الجيش في صد محاولة الانقلاب.

«الشرق الأوسط» (باريس - بورتو نوفو)
أفريقيا رئيس بنين باتريس تالون خلال زيارة لقصر الإليزيه في باريس يوم 26 أبريل 2016 (رويترز) p-circle

قوات من «إيكواس» تنتشر في بنين بعد محاولة انقلاب فاشلة

وصل رئيس بنين باتريس تالون إلى مقر التلفزيون الرسمي، مساء اليوم (الأحد)، في بث مباشر، حيث من المتوقع أن يلقي بياناً عقب محاولة انقلاب فاشلة.

«الشرق الأوسط» (كوتونو)

«شرق الكونغو»... تفاهمات إنسانية في سويسرا تواجه تحديات التنفيذ

كونغوليون يحملون أمتعتهم أثناء فرارهم من قراهم في أعقاب اشتباكات بين متمردي «حركة 23 مارس» والجيش الكونغولي قرب غوما (رويترز)
كونغوليون يحملون أمتعتهم أثناء فرارهم من قراهم في أعقاب اشتباكات بين متمردي «حركة 23 مارس» والجيش الكونغولي قرب غوما (رويترز)
TT

«شرق الكونغو»... تفاهمات إنسانية في سويسرا تواجه تحديات التنفيذ

كونغوليون يحملون أمتعتهم أثناء فرارهم من قراهم في أعقاب اشتباكات بين متمردي «حركة 23 مارس» والجيش الكونغولي قرب غوما (رويترز)
كونغوليون يحملون أمتعتهم أثناء فرارهم من قراهم في أعقاب اشتباكات بين متمردي «حركة 23 مارس» والجيش الكونغولي قرب غوما (رويترز)

انتهت اجتماعات سويسرا إلى تعهدات بشأن جوانب إنسانية وأمنية في شرق الكونغو، مع تصاعد أعمال العنف منذ بداية العام ومخاوف من انهيار اتفاقات سلام عقدت على مدار 2025.

تلك التعهدات التي أعلنت عنها الخارجية الأميركية، يراها خبير في الشؤون الأفريقية تحدث لـ«الشرق الأوسط»، تخفف معاناة المدنيين في شرق الكونغو، لكنها غالباً ما تظل محدودة الأثر إذا لم تُدعَّم بآليات تنفيذ صارمة وإرادة سياسية حقيقية لدى جميع الأطراف.

«تقدم إنساني»

وقالت وزارة الخارجية الأميركية، إن ممثلين لحكومة جمهورية الكونغو الديمقراطية وتحالف المتمردين (تحالف نهر الكونغو ويشمل حركة 23 مارس) أحرزوا ‌تقدماً ‌بشأن بروتوكول ‌يتعلق بوصول قوافل المساعدات الإنسانية والحماية القضائية ومراقبة وقف إطلاق النار وإطلاق سراح الأسرى.

وأفادت في ‌بيان مشترك مساء السبت، ‌مع حكومة ‌جمهورية الكونغو الديمقراطية، وتحالف المتمردين، بأنه خلال اجتماع ‌عقد في سويسرا خلال الأيام القليلة الماضية، «اتفق الطرفان في الكونغو الديمقراطية على عدم مهاجمة المدنيين وعلى تسهيل تنقل العاملين في المجال الإنساني والقافلات الإنسانية».

وبحسب بيان مشترك صادر عن قطر، والولايات المتحدة، وجمهورية توغو (بصفتها وسيط الاتحاد الأفريقي)، وسويسرا، إلى جانب حكومة جمهورية الكونغو الديمقراطية و«حركة 23 مارس»، فإن المحادثات شهدت تقدماً وُصف بـ«الملموس» في مسار تنفيذ «اتفاق الدوحة» الإطاري بشأن السلام في شرق الكونغو.

وجاء البيان المشترك، في ختام اجتماعات انعقدت في مدينة مونترو السويسرية خلال الفترة من 13 إلى 17 أبريل (نيسان) الحالي، مؤكداً أن الطرفين «اتفقا على الأهمية الحاسمة لضمان إيصال المساعدات الإنسانية المنقذة للحياة إلى السكان المدنيين في شرق البلاد، والالتزام باحترام القواعد المنظمة للنزاعات المسلحة وحماية المدنيين دون استثناء».

ويرى المحلل السياسي التشادي، المختص بالشؤون الأفريقية، صالح إسحاق عيسى، إمكانية أن تنجح «التفاهمات الإنسانية التي أُعلن عنها في سويسرا من حيث المبدأ في تخفيف معاناة المدنيين في شرق الكونغو، لكنها غالباً ما تظل محدودة الأثر إذا لم تُدعَّم بآليات تنفيذ صارمة وإرادة سياسية حقيقية لدى جميع الأطراف».

ويعدد عيسى أبرز التحديات قائلاً إنها تكمن في تعدد الجماعات المسلحة وتشتت مراكز القرار على الأرض، ما يجعل الالتزام بالاتفاقات غير مضمون، بخلاف ضعف آليات الرقابة الدولية وصعوبة فرض العقوبات على المخالفين ما يحدّ أيضاً من فاعلية هذه التفاهمات.

يضاف إلى ذلك، غياب الثقة بين الأطراف المتنازعة، واستمرار تدخلات المصالح الإقليمية التي تعقّد المشهد وتغذي الصراع بشكل مباشر أو غير مباشر، بحسب عيسي، مضيفاً: «لذلك تبقى هذه التفاهمات خطوة إنسانية مهمة، لكنها غير كافية وحدها ما لم تُدمج ضمن تسوية سياسية وأمنية أشمل تضمن استقراراً طويل الأمد في الكونغو الديمقراطية».

جنود من جيش الكونغو الديمقراطية يتمركزون خارج غوما في مقاطعة شمال كيفو (رويترز)

وكان الرئيس الأميركي دونالد ترمب ورئيسا رواندا بول كاغامي والكونغو الديمقراطية وقّعوا في واشنطن نهاية العام الماضي، اتفاقاً يعزز فرص السلام والتعاون الاقتصادي بينهما، بعد سلسلة تفاهمات أُبرمت في يونيو (حزيران) 2025، إضافة إلى إطار عمل الدوحة لاتفاقية سلام شاملة، الذي وقّعته كينشاسا وحركة «23 مارس» في 15 نوفمبر (تشرين الثاني) في قطر، استكمالاً لاتفاق في 19 يوليو (تموز) الماضي.

وبخلاف سيطرة حركة «23 مارس» المتمردة على أكثر من موقع استراتيجي بالبلاد منذ 2025، برز نشاط «قوات التحالف الديمقراطية»، وهي حركة مسلحة متمردة كانت تسعى في السابق إلى السيطرة على الحكم في الكونغو الديمقراطية، لكنها بايعت منذ 2019 تنظيم «داعش»، وأصبحت تسعى إلى إقامة ما تسميه «ولاية وسط أفريقيا».

ويرى عيسى، أن ضمان عدم تكرار انتكاسة الاتفاقات التي شهدها عام 2025 خصوصاً في مناطق النزاع، «لا يقوم على توقيع الاتفاق نفسه، بقدر ما يقوم على ما يُرافقه من ترتيبات تنفيذية ملزمة».

وأكد أن التجربة تُظهر «أن الاتفاقات الإنسانية أو السياسية غالباً ما تتعرض للانهيار عندما تُترك دون رقابة ميدانية مستقلة، وآلية تحقق سريعة وشفافة، لذلك فإن وجود بعثات مراقبة فعالة قادرة على التوثيق الفوري لأي خرق يُعد عنصراً أساسياً، وربط الالتزامات بعقوبات أو إجراءات ضغط واضحة على الأطراف المخالفة، يمنع تحول الاتفاق إلى مجرد إعلان سياسي غير مُلزم».

ومن العوامل الحاسمة أيضاً بحسب عيسى، لضمان استمرار التعهدات، «إشراك الفاعلين الحقيقيين على الأرض، لا الاقتصار على التمثيل السياسي فقط، باعتبار أن غياب السيطرة المركزية لدى بعض الجماعات يجعل أي اتفاق هشاً من البداية».

ورغم ذلك، يرى عيسى أن الأطراف المتصارعة في شرق الكونغو «لا تبدو مهيّأة لسلام مستدام في المدى القريب، برغم ما يظهر أحياناً من تهدئة أو تفاهمات مؤقتة».


نيجيريا: مقتل قائد عسكري يشعل الجدل بشأن خطر الإرهاب

جنود يحملون نعشاً خلال جنازة الجنرال أوسيني برايما في مايدوغوري بشمال نيجيريا يوم 15 أبريل 2026 بعد مقتله مع ضباط آخرين في عملية إرهابية (أ.ف.ب)
جنود يحملون نعشاً خلال جنازة الجنرال أوسيني برايما في مايدوغوري بشمال نيجيريا يوم 15 أبريل 2026 بعد مقتله مع ضباط آخرين في عملية إرهابية (أ.ف.ب)
TT

نيجيريا: مقتل قائد عسكري يشعل الجدل بشأن خطر الإرهاب

جنود يحملون نعشاً خلال جنازة الجنرال أوسيني برايما في مايدوغوري بشمال نيجيريا يوم 15 أبريل 2026 بعد مقتله مع ضباط آخرين في عملية إرهابية (أ.ف.ب)
جنود يحملون نعشاً خلال جنازة الجنرال أوسيني برايما في مايدوغوري بشمال نيجيريا يوم 15 أبريل 2026 بعد مقتله مع ضباط آخرين في عملية إرهابية (أ.ف.ب)

أثار تصاعد وتيرة الهجمات الإرهابية في مناطق واسعة بشمال شرقي نيجيريا موجة غضب وقلق شعبية واسعة، خصوصاً بعد مقتل قائد في الجيش وعدد من الجنود خلال الأيام الأخيرة بهجمات إرهابية استهدفت مواقع عسكرية. وقالت صحيفة «ديلي بوست» النيجيرية إن حالة من القلق تسود نيجيريا إثر تصاعد وتيرة انعدام الأمن في البلاد، خصوصاً حين أصبح عناصر الجيش النيجيري «أهدافاً مباشرة» للجماعات الإرهابية التي باتت تهاجم المواقع العسكرية دون تردد، وفق تعبير الصحيفة.

وتواجه نيجيريا، البلد الأفريقي الأكبر من ناحية تعداد السكان (أكثر من ربع مليار نسمة) والاقتصاد الأقوى في غرب أفريقيا، منذ أكثر من 17 عاماً تمرداً مسلحاً تقوده جماعة «بوكو حرام» المرتبطة بتنظيم «القاعدة»، ومنذ 10 سنوات دخل على الخط تنظيم «داعش في غرب أفريقيا» الأكبر دموية وخطورة.

استهداف الجيش

وتشير مصادر عسكرية عدة إلى أن الهجمات ضد الجيش تصاعدت بشكل لافت، بعد أقل من أسبوع من هجوم إرهابي استهدف قاعدة عسكرية في ولاية بورنو، أقصى شمال شرقي البلاد، وأسفر عن مقتل العميد أوسيني برايما، قائد «اللواء29 - قوة المهام». وأضافت المصادر أن مزيداً من الضباط العسكريين «وقعوا في قبضة الإرهابيين»، دون إعطاء تفاصيل أكثر.

وسبق أن أكد الجيش، يوم الاثنين الماضي، مقتل قائد ميداني آخر إثر هجوم دامٍ شنه إرهابيون على موقعه في مونغونو بولاية بورنو، وأوضح الجيش في بيان أن 6 جنود قُتلوا أيضاً خلال الهجوم.

وأثارت عمليات قتل عناصر الأمن موجة من الغضب والاستياء، حيث دعا كثير من النيجيريين الحكومة إلى رفع مستوى المواجهة ضد الإرهابيين. كما تزامن ذلك مع برقية صادرة عن وزارة الخارجية الأميركية تحذر فيها من السفر إلى مناطق واسعة من نيجيريا، وتسمحُ بمغادرة طوعية للموظفين غير الأساسيين وعائلاتهم من السفارة في أبوجا؛ بسبب الأوضاع الأمنية الصعبة في البلاد.

مواجهة الإرهاب

وقلّلت الحكومة الفيدرالية من أهمية التحذير الأميركي، وعدّته إجراءً احترازياً روتينياً يستند إلى بروتوكولات داخلية أميركية، وليس انعكاساً للوضع الأمني العام في البلاد، مشيرة إلى أن الجيش يكثف هجماته ضد معاقل الإرهاب ويحقق نتائج إيجابية. وتشير بيانات رسمية إلى أنه في نهاية الأسبوع الماضي، نفذت القوات الجوية النيجيرية غارة في ولاية بورنو استهدفت مواقع إرهابية، لكن إحدى الغارات أسفرت عن مقتل أكثر من 100 مدني خلال استهداف سوق محسوبة على «بوكو حرام» و«داعش». وأثارت الغارة جدلاً واسعاً في البلاد، إلا إن الجيش لم يعترف بسقوط ضحايا مدنيين أو يؤكد صراحة استهداف سوق. في المقابل، دافعت الرئاسة عن العملية، عادّةً أن الموقع أصبح «هدفاً عسكرياً مشروعاً» بعد أن استخدمه الإرهابيون مركزاً لوجيستياً وتجارياً.

الدعم الخارجي

ويحتدم النقاش في نيجيريا بشأن السياسات الحكومية لمواجهة الإرهاب، حيث ارتفعت أصوات تدعو إلى الاستعانة بالخارج في هذه الحرب. وقال المحامي جيمس أغباجي في تصريح أثار الجدل: «في البداية، كان الإرهابيون يواجهون الشرطة فقط، لكنهم تدريجياً أصبحوا أكبر جرأة حتى باتوا يهاجمون الجيش نفسه». وأضاف المحامي: «لم يعودوا ينتظرون أن يهاجمهم الجيش، بل أصبحوا يبادرون بمهاجمة القواعد العسكرية؛ مما أدى إلى خسائر كبيرة في صفوف الضباط. لقد حان الوقت للتوقف عن الخطابات السياسية ولمراجعة جادة: ماذا حدث؟ ما الذي يجري داخل جيشنا؟ كيف تجرأت جماعة إرهابية ضعيفة على مهاجمة قواعدنا مراراً؟ وكيف نعيد هيبة الجيش؟». وتابع المحامي قائلاً: «أعتقد أن الوقت حان لطلب مساعدة عسكرية أجنبية، وإلا فقد يتمكن هؤلاء الإرهابيون من السيطرة على البلاد».

اختراق استخباراتي

من جهة أخرى، ذهب نيجيريون إلى تحميل مسؤولية التصعيد الإرهابي للحكومة التي تبنت سياسة العفو والدمج تجاه «الإرهابيين التائبين»، حيث وصف الخبير الأمني، غيلبرت أولوغبينغا، مقتل القائد العسكري بأنه «ذروة الإهانة»، ودليل على «اختراق خطير للمؤسسة العسكرية». وأوضح أولوغبينغا، في منشور على منصة «إكس»: «عندما مُنح من يطلَق عليهم (المسلحون التائبون) العفو وأدمجوا في القوات المسلحة، حذرنا من ذلك، لكن لم يُستمع إلينا. اليوم نرى النتيجة: هناك مخبرون داخل الجيش يسربون معلومات حساسة إلى الإرهابيين، بعضهم من هؤلاء (التائبين)، وآخرون متعاطفون مع قضيتهم». وأضاف: «المشكلة ليست أن الإرهابيين أقوى من الجيش، بل إن هذه حرب غير متكافئة تعتمد على المعلومات الاستخباراتية. إذا لم يُكشف عن هؤلاء الخونة ولم يجر التعامل معهم، فإن الحرب ستطول، وقد يتمكن الإرهابيون من فرض سيطرتهم. لذلك أؤيد دعوات طلب دعم عسكري أجنبي لإنهاء هذه الأزمة».


واشنطن تعلن اتفاق حكومة الكونغو الديمقراطية والمتمردين على عدم مهاجمة المدنيين 

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يصافح رئيس الكونغو الديمقراطية فيليكس تشيسكيدي (أرشيفية - رويترز)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب يصافح رئيس الكونغو الديمقراطية فيليكس تشيسكيدي (أرشيفية - رويترز)
TT

واشنطن تعلن اتفاق حكومة الكونغو الديمقراطية والمتمردين على عدم مهاجمة المدنيين 

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يصافح رئيس الكونغو الديمقراطية فيليكس تشيسكيدي (أرشيفية - رويترز)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب يصافح رئيس الكونغو الديمقراطية فيليكس تشيسكيدي (أرشيفية - رويترز)

قالت وزارة الخارجية الأميركية، السبت، إن ممثلين لحكومة جمهورية الكونغو الديمقراطية وتحالف المتمردين (تحالف نهر الكونغو) أحرزوا ‌تقدماً ‌بشأن ​بروتوكول ‌يتعلق ⁠بوصول ​قوافل المساعدات ⁠الإنسانية والحماية القضائية ومراقبة وقف إطلاق النار وإطلاق سراح ⁠الأسرى.

وأفادت الخارجية الأميركية ‌في ‌بيان ​مشترك ‌مع حكومة ‌جمهورية الكونغو الديمقراطية وتحالف المتمردين بأنه خلال اجتماع ‌عقد في سويسرا خلال الأيام القليلة ⁠الماضية، ⁠اتفق الطرفان في الكونغو الديمقراطية على عدم مهاجمة المدنيين وعلى تسهيل تنقل العاملين في المجال ​الإنساني ​والقافلات الإنسانية.