مقاهي الأرجيلة تحمل روح الوطن للشباب الأميركي ذوي الأصول العربية في ميشيغان

مقاهي الأرجيلة في مدينة ديربون الأميركية تحمل أهمية خاصة بالنسبة إلى المهاجرين واللاجئين البعيدين عن أوطانهم (نيويورك تايمز)
مقاهي الأرجيلة في مدينة ديربون الأميركية تحمل أهمية خاصة بالنسبة إلى المهاجرين واللاجئين البعيدين عن أوطانهم (نيويورك تايمز)
TT

مقاهي الأرجيلة تحمل روح الوطن للشباب الأميركي ذوي الأصول العربية في ميشيغان

مقاهي الأرجيلة في مدينة ديربون الأميركية تحمل أهمية خاصة بالنسبة إلى المهاجرين واللاجئين البعيدين عن أوطانهم (نيويورك تايمز)
مقاهي الأرجيلة في مدينة ديربون الأميركية تحمل أهمية خاصة بالنسبة إلى المهاجرين واللاجئين البعيدين عن أوطانهم (نيويورك تايمز)

إن سن البلوغ مليء بالأمور التي يتم فعلها للمرة الأولى، مثل أول وظيفة، وأول قبلة. وسوف يضيف كثير من الذين بلغوا في مدينة ديربورن بولاية ميشيغان إلى تلك القائمة أول مرة يدخنون فيها الأرجيلة. وتُعد ديربورن، التي تقع على أطراف وسط مدينة ديترويت، سكناً لإحدى أكبر الجاليات الأميركية ذوات الأصول العربية في الولايات الأميركية المتحدة، حيث يذكر نحو 50 في المائة من السكان أنهم يتحدرون من أصول عربية، بحسب الإحصاء السكاني الأميركي. تنتشر في شوارع المنطقة متاجر شرق أوسطية، حيث يمكنك العثور على أكواب الأرجيلة المحمولة. كذلك هناك المتحف العربي الأميركي الوطني، الذي يبيع جوارب عليها رسوم للأرجيلة، والمركز الإسلامي في أميركا، الذي يُعدّ واحداً من أقدم وأكبر المساجد في الدولة.

كذلك هناك قائمة طويلة من مقاهي الأرجيلة التي يقضي فيها السكان المحليون ساعات يدخنون بأريحية التبغ بنهكات مختلفة عبر أنابيب الأرجيلة وهم يتحدثون، أو يشاهدون مباريات كرة القدم، أو يستمتعون بعروض حية للموسيقى العربية. تقول مريم أكاشي ساني، إيرانية - عراقية تبلغ من العمر 25 عاماً: «يبدو مكان مثل مقهى الأرجيلة ذا أهمية خاصة» خصوصاً بالنسبة إلى المهاجرين واللاجئين البعيدين عن أوطانهم. وتوضح قائلة: «إنه شيء عليك صنعه لنفسك عندما تكون نازحاً مهجراً، وقد لا تتمكن أبداً من العودة إلى الوطن لأنك لم تعد تعرف حقاً ما هو معنى الوطن».

يحمل مقهى الأرجيلة ذكريات جوهرية بالنسبة إلى كثير من الشباب في ديربورن، مثل أعياد ميلاد وحفلات تخرج وأوقات بكى فيها المرء بسبب حبيب لم يبادله الحب أو ربما أوقات تباهى فيها المرء بمهاراته في التدخين أمام أصدقائه. وأضافت مريم قائلة: «يبدو الأمر مثل طقس عبور عندما تبدأ في تدخين الأرجيلة».

يظل تدخين الأرجيلة ملمحاً ثقافياً بالنسبة إلى كثير من الأميركيين ذوي الأصول العربية رغم كل الأخطار الموثقة للتبغ على الصحة (نيويورك تايمز)

محمد فيراك باكستاني يبلغ من العمر 28 عاماً، التحق بما يصفه بأنه مدرسة «جميع من فيها عرب»، وأشار إلى أن تكوين صداقات مع عرب، والانغماس في طقس تدخين الأرجيلة، كان أمراً حتمياً. وأضاف قائلاً: «لطالما مثَّلت الثقافة».

لا تقدم كثير من تلك المقاهي المشروبات الكحولية، ويتم اعتبارها بديلاً للحانات التي يمتنع زبائن عن ارتيادها لأسباب دينية. وقالت مريم إن بعضاً من تلك المقاهي راقية وتحمل طاقة «الملهى الحلال»، لكن تحمل أكثرها سمات مشتركة، مثل شاشات التلفزيون المعلقة على الجدران، والمقاعد الجلدية، وصوراً لرموز إسلامية. ربما يجد المرء في ليلة نهاية الأسبوع مجموعة صاخبة مكونة من 20 شخصاً يجلسون على طاولة واحدة، ورجلين أكبر سناً منخرطين في محادثة خافتة جادة على الطاولة المجاورة. وقال محمد: «الذهاب إلى المقهى بالنسبة إلى أكثر الناس في ديربورن من الأمور التي يتم التطلع إليها».

ويُقال إن أصول الأرجيلة، التي تُعرف أيضاً باسم الشيشة أو النارجيلة، ترجع إلى الهند أو فارس. وقد انتشرت في هذا الزمن بشكل خاص في الشرق الأوسط، لكن بدأت المزيد من مقاهي الأرجيلة تظهر وتنتشر أيضاً في مدن مثل باريس وطوكيو ونيويورك. لذا ليس من المستغرب أن تنتشر مثل تلك المقاهي في مدينة ديربورن حيث «يشعر المرء بأنه في جزء ممتد للعالم العربي»، على حد قول فرح القاسمي التي التقطت صوراً فوتوغرافية لهذا الموضوع.

يظل تدخين الأرجيلة ملمحاً ثقافياً بالنسبة إلى كثير من الأميركيين ذوي الأصول العربية، رغم كل الأخطار الموثقة للتبغ على الصحة.

قالت ماري رزق حنا، أستاذة مساعدة في كلية التمريض بجامعة كاليفورنيا في لوس أنجليس: «هناك معتقَد شعبي سائد بأن تدخين الأرجيلة بديل أقل خطورة من أشكال التدخين الأخرى». وتبحث ماري في آثار تناول منتجات التبغ على الأوعية الدموية. وتوضح ماري أنه في الواقع المواد الكيميائية الموجودة في دخان الأرجيلة تشبه تلك الموجودة في دخان السجائر.

يقدم مقهى الأرجيلة ما يطلق عليه علماء الاجتماع «مكاناً ثالثاً» وهو مكان يستطيع فيها الناس التواصل خارج منازلهم أو أماكن عملهم (نيويورك تايمز)

كذلك أشارت ماري إلى أن كثيراً من مقاهي الأرجيلة في الولايات المتحدة الأميركية تقع في نطاق ثلاثة أميال من حرم الكليات وهو ما قد يكون من الأسباب التي ساعدت في انتشارها بين الشباب. كذلك أوضحت الأبحاث أن منتجات التبغ ذات النكهات مثل الأرجيلة تسهل عملية الانتقال إلى مرحلة الشباب، لا سيما بين المستخدمين اليافعين. وبدأت مريم، مثل كثير من الشباب في ديربورن، تدخين الأرجيلة خلال المرحلة الثانوية، ورغم الرسائل الصحية العامة التي كانت تنهال عليها خلال مرحلة الطفولة، تقول إنها لم تكن قلقة بشكل كبير من المخاطر الصحية للتبغ. مع ذلك تشعر بالذنب والعار والخوف لأن والدتها اعتادت إخبارها بأن التدخين «حرام» و«عيب» بالنسبة للنساء. وتقول مريم إنه لو كانت والدتها قد حذرتها من المخاطر الصحية «لكنا قد أصغينا إليها على الأرجح».

مع ذلك، شعرت مريم بشعور قوي بالتحرر والانتماء لجماعة، حيث تتذكر أنها في الثالثة عشرة من العمر كانت تدخّن الأرجيلة سراً من زجاجات مياه مع ابن عمها. وأوضحت قائلة: «إنها السن التي تريد أن يكون لديك فيها أسرار، وتريد أن تتمرد قليلاً». وكان هناك مقهى خاص وحجيرة خاصة «شهدت فعاليات ومناسبات كبرى مهمة» خاصة بمريم، وقالت إن كل ذكرياتها خلال مرحلة المراهقة كانت متمركزة في تلك المساحة.

عندما كانت مريم تتجه نحو مرحلة المراهقة كانت السن القانونية للتدخين 18 عاماً، وتم رفع السن المسموح فيها بالتدخين خلال العام الماضي لتصبح 21 عاماً لتكون متوافقة مع أحدث تشريع فيدرالي. وفي الوقت الذي لا يتم السماح فيه للمراهقين اليوم بتدخين الأرجيلة في السن التي قامت فيه مريم بذلك، تعتقد أنهم سوف يجدون طريقة للتدخين. وأضافت قائلة: «يخرق الأطفال القواعد، هكذا تسير الأمور. كلنا كنا صغاراً، وجربناها للمرة الأولى. ربما يكون من الأفضل القيام بذلك في أجواء مقهى آمنة».

ويعد تدخين الأرجيلة نشاطاً جماعياً بطبيعته، وبشكل أصيل، حيث يضع كل شخص الأنبوب في فمه لبضع دقائق قبل أن يمرره إلى الشخص الجالس إلى جواره. ويعد ذلك التفاعل الاجتماعي جزءاً رئيسياً من ثقافة الشرق الأوسط كما أوضحت مروة العمري البالغة من العمر 23 عاماً وصديقة عراقية - لبنانية لمريم. عملت مروة مرشدةً سياحيةً في المتحف العربي الأميركي الوطني، وقالت إنه كثيراً ما كان يتم التطرق إلى تقليد تدخين الأرجيلة في المناقشات الخاصة بكرم الضيافة الذي يتمتع به العرب وقيمة الجماعة المشتركة. وقالت مروة: «لقد تم تعليمنا في مرحلة مبكرة من العمر ألا نأكل وحدنا، بل وسط مجموعة، وألا نشرب الشاي وحدنا، بل وسط مجموعة أيضاً. إن المرء يدخن الأرجيلة في جماعة، هكذا نشأنا وترعرعنا».

انتقلت عبير بيضون، البالغة من العمر 35 عاماً، من وندسور بولاية أونتاريو إلى ديربورن وهي في السابعة عشرة من العمر، وقضت جزءاً كبيراً من سنوات مراهقتها وبدايات العشرينات في تلك المقاهي. وتعتقد مثل مروة أن تلك الأماكن مهمة لنسيج الجماعة والمجتمع. وأوضحت قائلة: «لأن مدينتنا مبنية حول وسائل النقل الآلية، لا توجد أماكن خروج مفتوحة كثيرة يمكن التنزه فيها والالتقاء بالناس». يقدم مقهى الأرجيلة ما يطلق عليه علماء الاجتماع «مكاناً ثالثاً»، وهو مكان يستطيع فيها الناس التواصل خارج منازلهم أو أماكن عملهم.

تعزز مقاهي الأرجيلة في ديربورن التواصل، ليس فقط بين الجيران والشباب وكبار السن، بل أيضاً مع الجالية العربية الأكبر. ويأتي أصدقاء الطفولة لعبير حتى هذه اللحظة من كندا لزيارتها والالتقاء في أحد مقاهي ديربورن. تقول عبير اللبنانية: «يشعر الجميع بأنهم بين رفاقهم من العرب. أشعر أنني وسط جماعتي».

* خدمة «نيويورك تايمز»


مقالات ذات صلة

كيف تؤثر الصحة النفسية على مرضى السكري؟

صحتك يسبب الاكتئاب إرهاقاً وقلة دافع للرعاية الذاتية (أرشيفية - رويترز)

كيف تؤثر الصحة النفسية على مرضى السكري؟

تؤثر الصحة النفسية بشكل مباشر ومتبادل على مرضى السكري، حيث تسبب الضغوط النفسية، مثل القلق والاكتئاب، ارتفاع مستويات سكر الدم.

«الشرق الأوسط» (لندن)
صحتك السجائر الإلكترونية الحديثة لم تُخترع إلا في أوائل العقد الأول من الألفية الثانية (أرشيفية - أ.ب)

دراسة تربط بين السجائر الإلكترونية والإصابة بسرطان الرئة والفم

خلص باحثون أستراليون في مراجعة جديدة للأدلة إلى أن السجائر الإلكترونية قد تسبب سرطان الرئة والفم.

صحتك علبة سجائر (أرشيفية - رويترز)

انخفاض قياسي في تدخين السجائر بين البالغين

أظهرت دراسة جديدة أن نسبة البالغين الذين يدخنون السجائر في الولايات المتحدة انخفضت إلى أدنى مستوى يُسجَّل على الإطلاق.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
صحتك يُسبب التدخين مباشرةً بعد الإفطار مخاطر صحية جسيمة نتيجةً لزيادة حساسية الجسم (بكسباي)

تأثير التدخين على صحتك بعد الإفطار في رمضان

يُسبب التدخين مباشرةً بعد الإفطار مخاطر صحية جسيمة نتيجةً لزيادة حساسية الجسم بعد ساعات طويلة من الصيام.

«الشرق الأوسط» (لندن)
صحتك التدخين يؤدي إلى الوفاة (أ.ف.ب)

كيف يؤثر الصيام على صحة المدخنين؟

يُعد التدخين من العادات السيئة المُضرة بالصحة التي تضر المدخن والأشخاص المحيطين به.

«الشرق الأوسط» (لندن )

رحيل حياة الفهد سيدة الشاشة الخليجية

تدهورت الحالة الصحية للفهد في الفترة الأخيرة بشكل كبير (مؤسسة الفهد للإنتاج الفني)
تدهورت الحالة الصحية للفهد في الفترة الأخيرة بشكل كبير (مؤسسة الفهد للإنتاج الفني)
TT

رحيل حياة الفهد سيدة الشاشة الخليجية

تدهورت الحالة الصحية للفهد في الفترة الأخيرة بشكل كبير (مؤسسة الفهد للإنتاج الفني)
تدهورت الحالة الصحية للفهد في الفترة الأخيرة بشكل كبير (مؤسسة الفهد للإنتاج الفني)

غيّب الموت سيدة الشاشة الخليجية، الفنانة الكويتية حياة الفهد، عن عمر ناهز الـ78 عاماً.

عاشت الراحلة منذ بداياتها الأولى في ستينات القرن الماضي حتى رحيلها أمس، عبر الشاشة في بيوت الخليجيين، وتركت خلفها تاريخاً فنياً عصياً على النسيان.

بدأت الفهد رحلتها الفنية في وقت كان فيه حضور المرأة الخليجية في مجال التمثيل محدوداً ومحاطاً بحساسيات اجتماعية، ورغم ذلك دخلت المجال بخطوات مترددة لكنها حاسمة، وشقّت طريقها في بيئة لم تكن مهيأةً بالكامل لتقبّل هذا الحضور النسائي، وهو ما جعل تجربتها الأولى تتجاوز فكرة «الدور» إلى معنى أوسع في كسر الحاجز، وفتح الباب.


مركبة متنقلة لـ«ناسا» تكتشف المزيد من لبنات الحياة على المريخ

صورة ذاتية من زاوية منخفضة لمركبة «كيريوسيتي» التابعة لـ«ناسا» والمخصصة لاستكشاف المريخ (أ.ف.ب)
صورة ذاتية من زاوية منخفضة لمركبة «كيريوسيتي» التابعة لـ«ناسا» والمخصصة لاستكشاف المريخ (أ.ف.ب)
TT

مركبة متنقلة لـ«ناسا» تكتشف المزيد من لبنات الحياة على المريخ

صورة ذاتية من زاوية منخفضة لمركبة «كيريوسيتي» التابعة لـ«ناسا» والمخصصة لاستكشاف المريخ (أ.ف.ب)
صورة ذاتية من زاوية منخفضة لمركبة «كيريوسيتي» التابعة لـ«ناسا» والمخصصة لاستكشاف المريخ (أ.ف.ب)

أعلن علماء، الثلاثاء، أن مركبة «كيوريوسيتي» المتنقلة التابعة لوكالة «ناسا» اكتشفت المزيد من «لبنات الحياة» على سطح المريخ، وذلك بعد إجراء تجربة كيميائية لم يسبق لها مثيل على أي كوكب آخر، وفقاً لـ«وكالة الصحافة الفرنسية».

وأكد الفريق الذي تقوده وكالة «ناسا» أن الجزيئات العضوية ليست دليلاً قاطعاً على وجود حياة سابقة؛ إذ يحتمل أنها تشكلت على سطح المريخ أو سقطت نتيجة اصطدامها بالنيازك.

إلا أنها تكشف عن أن هذه المؤشرات حفظت في الصخور لأكثر من ثلاثة مليارات عام، عندما كان يعتقد أن الكوكب يضم مياهاً سائلة، وفق ما نشرت مجلة «نيتشر كوميونيكيشنز».

وحملت «كيوريوسيتي»، وهي بحجم سيارة، أنبوبين من مادة كيميائية تسمى TMAH وتستخدم لتحليل المواد العضوية ومعرفة مكوناتها.

وقالت عالمة الأحياء الفلكية العاملة في مهمة «كيوريوسيتي» إيمي ويليامز لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، إن «هذه التجربة لم تجرَ من قبل على كوكب آخر».

وأكدت ويليامز، وهي المؤلفة الرئيسية لدراسة تصف النتائج، أن الفريق «يرى لبنات الحياة، كيمياء ما قبل حيوية على المريخ، محفوظة في هذه الصخور منذ مليارات السنين».

هبطت مركبة «كيوريوسيتي» التابعة لـ«ناسا» في قاع بحيرة سابقة تسمى فوهة غيل عام 2012، ومنذ ذلك الحين وهي تبحث عن دلائل على وجود حياة سابقة محتملة.

وخلال تجربة أجريت عام 2020 باستخدام مادة TMAH، تم رصد أكثر من 20 جزيئاً عضوياً، بينها مركب «بنزوثيوفين» الموجود أيضاً في النيازك والكويكبات.

وقالت ويليامز إن «المواد نفسها التي هطلت على المريخ من النيازك هي نفسها التي هطلت على الأرض، وربما وفرت اللبنات الأساسية للحياة كما نعرفها على كوكبنا».

وأشارت دراسة جديدة نشرت في مجلة «نيتشر كوميونيكيشنز» إلى أن المهمات المستقبلية قد تستفيد من تجربة «كيوريوسيتي» التي أثبتت نجاح التجارب التي تستخدم مادة TMAH على عوالم أخرى.

وستحمل مركبة «روزاليند فرانكلين» التابعة لوكالة الفضاء الأوروبية، والتي تتميز بحفارة أطول بكثير من «كيوريوسيتي»، هذه المادة الكيميائية إلى المريخ.

وأعلنت «ناسا»، الأسبوع الماضي، أن مركبة الفضاء التابعة لوكالة الفضاء الأوروبية ستنطلق الآن نحو المريخ في أواخر عام 2028. وستكون المادة الكيميائية أيضاً على متن مركبة «دراغون» الدوارة، المقرر إطلاقها عام 2028 في مهمة لاستكشاف قمر تيتان التابع لكوكب زحل.


أسعار المساكن الفاخرة تعمّق «الهوة الطبقية» في مصر

جزء من تصميم مشروع «ذا سباين» لشركة هشام طلعت مصطفى (موقع الشركة)
جزء من تصميم مشروع «ذا سباين» لشركة هشام طلعت مصطفى (موقع الشركة)
TT

أسعار المساكن الفاخرة تعمّق «الهوة الطبقية» في مصر

جزء من تصميم مشروع «ذا سباين» لشركة هشام طلعت مصطفى (موقع الشركة)
جزء من تصميم مشروع «ذا سباين» لشركة هشام طلعت مصطفى (موقع الشركة)

يقطع المهندس المعماري محمد رجب يومياً أكثر من 30 كيلومتراً للذهاب إلى موقع عمله في الامتداد الصحراوي لمحافظة الجيزة (غرب القاهرة) حيث يشارك في بناء «كمبوند سكني فاخر»، وهو على يقين من أنه لا يمكنه أن يسكن فيه أو أي أحد من أولاده يوماً ما: «نبني لطبقات غنية. أما نحن فنسكن في إحدى المناطق الشعبية في الجيزة».

ويذكر أن شعور رجب بالتفاوت الطبقي الكبير يتزايد كلما سمع عن الأرقام التي تباع بها الوحدات التي يشارك في بنائها، ويقارنها براتبه هو وأصدقائه حيث «الفيلا الواحدة تباع بـ50 مليون جنيه» (الدولار الأميركي يعادل نحو 52 جنيهاً)، «وهو مبلغ لن أتحصل عليه طوال حياتي المهنية داخل مصر».

ووفق خبراء إسكان وعلم اجتماع، فإن بعض المشروعات السكنية في مصر اعتمدت خلال العقود الماضية على تغذية «مشاعر الفصل الطبقي»، بأسلوب المساحات المعزولة والمغلقة. يقول رجب بنبرة يملؤها الشجن: «بعد الانتهاء من عملي، لن يسمح لي الأمن بدخول المكان الذي شاركت في بنائه».

وأطلقت شركة هشام طلعت مصطفى العقارية أخيراً أحدث مشروعاتها العقارية شرق القاهرة «The Spine»، بأسعار مرتفعة جداً، وهو ما عزاه أحد مندوبي المبيعات بالشركة إلى أنها «أول مدينة ذكية استثمارية تقوم بالكامل على الذكاء الاصطناعي في العالم»، وفق ما ذكره لـ«الشرق الأوسط» عند الاستفسار هاتفياً عن طبيعة وأسعار الوحدات بالمشروع.

أحد المشاريع في العاصمة الجديدة (إدارة العاصمة الجديدة)

وكان رئيس الوزراء الدكتور مصطفى مدبولي وعدد من الوزراء قد شاركوا في مؤتمر صحافي للإعلان عن المشروع الضخم، السبت. وأثنى مدبولي عليه قائلاً إن «استثماراته تتجاوز 1.4 تريليون جنيه، ويوفر أكثر من 155 ألف فرصة عمل مباشرة وغير مباشرة كما يحقق عوائد ضريبية تتجاوز 800 مليار جنيه».

ويصل سعر الوحدة الكبرى (3 غرف نوم) في مشروع «The Spine» بمساحة 116 متراً، 50 مليون جنيه، ويضم المشروع 165 برجاً، داخل «مدينتي» المشروع السابق للشركة، على مساحة 5 كيلومترات. بينما تُطرح نفس مساحة الوحدة في مشاريع أخرى لـ«طلعت مصطفى» بـ10 ملايين جنيه.

ويُرجع موظف قسم المبيعات ارتفاع سعر الوحدات في المشروع إلى «المزايا الكبيرة والمختلفة فيه، منها شبكة المواصلات الضخمة تحت الأرض، ما يضع أماناً إضافياً إذا ما رغب السكان في التجول، ويحافظ على البيئة. كما أن ساكنه لن يحتاج إلى إطلاق الأوامر حتى تشتغل الإضاءة أو التكييف أو غيرهما من المهام في المشاريع الذكية، يكفي أن يُدخل البيانات لأول مرة، ليعرف الذكاء الاصطناعي تفضيلاته، ويعمل كل شيء نيابة عنه، يفتح المصعد، وباب الوحدة، ويضبط التكييف والإضاءة، حتى قبل أن تصل إلى شقتك».

أما سعر الوحدة ذات غرفة النوم الواحدة، بمساحة 77 متراً، فتصل إلى 20 مليون جنيه. وتقدم الوحدات بنظام تقسيط، أقل مقدم حجز فيها 160 ألف جنيه للمكتب الإداري، و250 ألف جنيه للوحدة السكنية، مع قسط نحو 50 ألف جنيه شهرياً، إلى جانب دفعات سنوية بمتوسط نصف مليون جنيه.

ووُصفت هذه الأسعار عبر مستخدمي مواقع التواصل بـ«المبالغ فيها وغير المنطقية»، وسط انتقاد الاهتمام اللافت بالمشروعات العقارية والإسكان الفاخر وعدم التركيز على توطين الصناعة والتكنولوجيا.

دار الأوبرا داخل مدينة الفنون في العاصمة الجديدة (إدارة العاصمة الجديدة)

وتتعزز هذه الانتقادات في وقت وصل فيه التضخم في مصر إلى 15.2 في المائة على أساس سنوي في مارس (آذار) الماضي، مرتفعاً نحو 2 في المائة عن فبراير (شباط) الماضي. بالإضافة إلى ارتفاع نسب الفقر إلى 32.5 في المائة، وفق تقرير للبنك الدولي عن مستوى الفقر في مصر عام 2022. مقارنة بـ29.7 في المائة في العام المالي 2019-2020.

وخلال السنوات الخمس الماضية، تراجعت قيمة الجنيه أمام الدولار بشكل حادّ، وارتفعت معدلات التضخم لمستويات غير مسبوقة، إذ انخفضت قيمة الجنيه من 15.5 جنيه في 2020 إلى 50 جنيهاً في 2025، ما ترتب عليه انخفاض القوة الشرائية للمواطنين، ما دفع الحكومة المصرية إلى رفع الحد الأدنى للأجور للعاملين في القطاع العام ليصبح 8 آلاف جنيه مصري شهرياً اعتباراً من يوليو (تموز) المقبل.

ويرى الكاتب الاقتصادي والخبير في أسواق المال، محمد مهدي عبد النبي، أن «المشروع الأحدث يعكس توجهاً من الدولة لفتح سوق عقارات دولي في مصر، لجذب عملة صعبة تساعد على تحسين أزمة العملة الأجنبية في مصر، ما سيؤثر إيجابياً على الاقتصاد الكلي، لكن في الوقت نفسه سينعكس سلباً على أسعار العقارات التي تستطيع شراءها الطبقة الوسطى، وسيزيد نسب التضخم في المجال العقاري».

ويتوقع عبد النبي، في حديثه لـ«الشرق الأوسط»: «أن يكون الأجانب، وبعض المواطنين العرب وبعض المصريين في الخارج الذين راكموا ثروات كبيرة، هم القادرين وحدهم على الشراء في مشروعات الإسكان الفاخر بمصر، أي أنه يستهدف ذوي الملاءة المالية الواسعة».

جزء من تصميم مشروع «ذا سباين» لشركة هشام طلعت مصطفى (موقع الشركة)

وهو ما أكّده موظف المبيعات في مجموعة «طلعت مصطفى»: «نستهدف بشكل أساسي الأجانب والعرب، لشراء الوحدات التي سيتم تسليم أول دفعة فيها بعد 5 سنوات».

الباحثة الثلاثينية منى محمد، تابعت الإعلانات التي تروج لمشروعات الإسكان الفاخر بالآونة الأخيرة، وقالت: «عانيت قبل عامين خلال رحلة بحثي عن شراء شقة بمنطقة حدائق الأهرام (غرب القاهرة)، ولأن المبلغ المطلوب كان (مليون جنيه) أكبر من إمكاناتي المادية أنا وزوجي، اضطررت لبيع مصوغاتي الذهبية والاقتراض حتى نتمكن من دفع ثمنها».

وتعلق منى على مشروعات الإسكان الفاخر، وتقول لـ«الشرق الأوسط» إن «هذا النوع من المشاريع يستفز مشاعر أبناء الطبقات الوسطى والدُنيا حتى الطبقة الغنية، التي ستجد نفسها جارة لطبقات أكثر رفاهية، وتتمتع بمزايا ليست لديها، وغالباً سيكونون من غير المصريين».

واعتبر رئيس الوزراء المصري مشروع «The Spine»: «عالمياً بكل المقاييس، ويحقق نقلة حقيقية في شكل التنمية العمرانية والنمو الاقتصادي للدولة المصرية».

ويرى الباحث في الإنثروبولوجيا، وليد محمود، أن «الكومباوندات السكنية أصبحت جزءاً بارزاً من المشهد العمراني في مصر، تعكس طموحاً نحو حياة أكثر تنظيماً ورفاهية، معتمدة على الخصوصية، والخدمات المتكاملة، والمساحات الخضراء، ما يجذب شريحة واسعة من الطبقة المتوسطة العليا والطبقة الميسورة للإقامة فيها».

خبراء يرون أن المساكن المرفهة تعمّق الهوة الاجتماعية في مصر (شركة طلعت مصطفى)

وأضاف محمود لـ«الشرق الأوسط» أنه «بعيداً عن الصورة المثالية التي تروج لها الحملات الإعلانية، يبرز تساؤل مشروع حول التأثيرات الاجتماعية لهذه الظاهرة، التي تعزز فكرة الانفصال الطبقي، وتخلق تصوراً بأن الحياة الأفضل لا تتحقق إلا داخل هذه الأسوار»، مشدداً على أن «الأزمة لا تقتصر على مفهوم الكمبوندات، بل في اتساع الفجوة بين أنماط السكن المختلفة، وما يصاحبها من شعور متزايد بعدم التكافؤ». على حدّ تعبيره.