انتقادات لمِنَح «الحشد الشعبي» الدراسية في جامعة طهران

دوافع «آيديولوجية وسياسية» وراء استقطاب الأجانب للجامعات الإيرانية

قوات «الحشد الشعبي» في الحدود الإيرانية - العراقية (ميزان)
قوات «الحشد الشعبي» في الحدود الإيرانية - العراقية (ميزان)
TT

انتقادات لمِنَح «الحشد الشعبي» الدراسية في جامعة طهران

قوات «الحشد الشعبي» في الحدود الإيرانية - العراقية (ميزان)
قوات «الحشد الشعبي» في الحدود الإيرانية - العراقية (ميزان)

بعد أسبوعين من إزاحة الستار عن اتفاق بين جامعة طهران، و«الحشد الشعبي العراقي» على «التعاون العلمي» في صالة تحمل اسم قاسم سليماني، مسؤول العلميات الخارجية السابق لـ«الحرس الثوري»، تواجه أقدم جامعة إيرانية انتقادات حادة من الأوساط العلمية والثقافية بسبب انخراطها في «برامج آيديولوجية وسياسية».

وأصبحت تفاصيل الاتفاق محل اهتمام الأوساط والناشطين المعنيين بمصير الجامعات الإيرانية من جهة، ومن جهة أخرى، وسائل الإعلام التابعة لـ«الحرس الثوري» التي تتابع برنامجاً مكثفاً للتأثير على الرأي العام العربي، خصوصاً في مناطق «نفوذ» إيران، الخاضعة لجماعات مسلحة تتلقى تمويلاً من طهران، وتدين بالولاء الآيديولوجي لـ«ولاية الفقيه».

وذكرت وكالة «تسنيم» التابعة لـ«الحرس الثوري» في 9 يوليو (تموز) الماضي، أن جامعة طهران وافقت على طلب «الحشد الشعبي» العراقي لمنح منتسبيه فرصاً دراسية في الجامعة التي تعدّ الدراسة فيها حلماً لغالبية الشباب الإيراني.

وقالت الجامعة في بيان: «سنطبق المعايير العلمية على أصدقائنا في (الحشد الشعبي) أكثر من الطلاب الأجانب الآخرين؛ لأن هدفنا تحسين الكفاءة المهنية للمجاهدين».

رئيس جامعة طهران ومسؤول قسم التعليم في «الحشد الشعبي» العراقي أثناء الإعلان عن اتفاق «علمي» (تسنيم)

جاء الإعلان على هامش اجتماع حضره مصطفى رستمي، ممثل المرشد الإيراني في الجامعات، وناقش توسع التعاون العلمي والثقافي بين البلدين، بما في ذلك قبول المزيد من الطلاب العراقيين، خصوصاً منتسبي ميليشيا «الحشد الشعبي» الذي يضم فصائل تدين بالولاء الآيديولوجي لإيران.

وينظر إلى ««الحشد الشعبي» العراقي في إيران على أنه نسخة مماثلة لـ«الحرس الثوري» الإيراني، الذي يملك وحدات وأجهزة موازية للجيش الإيراني والاستخبارات والقطاعات الاقتصادية والإعلامية. ويقدّر نشاطه الاقتصادي بنحو 40 في المائة من اقتصاد البلاد.

مسار آيديولوجي

وقال محمد مقيمي، رئيس جامعة طهران، أمام مجموعة من الطلاب العراقيين إن «مسار حركة الأجزاء المختلفة من منظومة العلم والتكنولوجيا بما في ذلك مسار جامعة طهران، مسار واضح يرسمه المرشد الإيراني (علي خامنئي)».

وأشار مقيمي أيضاً إلى دوافع آيديولوجية لهذا البرنامج «العلمي»، قائلاً: «هدفنا النهائي جميعاً خلق حضارة إسلامية جديدة، والتمهيد لحضور المهدي المنتظر، من أجل هذا سنواصل طريق قاسم سليماني وأبو مهدي المهندس». وتحدث عن «أعداء مشتركين» لإيران والعراق، موجهاً كلامه على وجه التحديد إلى الولايات المتحدة وإسرائيل.

وسيكون التركيز على «الحشد الشعبي» العراقي «الخطوة الأولى» للهدف الإيراني، على حد تعبير مقيمي. وقال: «نتابع تمهيدات قبول طلاب من دول محور المقاومة بجدية من هذا المنطلق» في إشارة إلى الدافع الآيديولوجي.

وخلال السنوات الأخيرة، استخدم قادة «الحرس الثوري» شعار «إقامة حضارة جديدة» للدفاع عن الدور الإقليمي الإيراني في المنطقة. وهي التسمية الجديدة التي يطلقها قادة «الحرس» على استراتيجية «تصدير الثورة» منذ إعلان المرشد الإيراني خطة «الخطوة الثانية للثورة الإيرانية» في عامها الأربعين قبل أربع سنوات.

وقال محمد زلفي، وزير العلوم والأبحاث والتكنولوجيا في حكومة إبراهيم رئيسي، الأربعاء الماضي، للصحافيين: إن الوزارة ستعتمد «المعايير العلمية» مع طلاب «الحشد الشعبي».

تمهيدات اللغة الفارسية

شرح مقيمي أيضاً برامج جامعة طهران لتعليم اللغة الفارسية للوافدين العراقيين، عبر المركز الدولي للتعليم اللغة الفارسية، في السفارة الإيرانية لدى بغداد، لافتاً إلى افتتاح مركز لهذا الغرض في ميناء عبادان الواقع جنوب غرب إيران، على الضفة الشرقية من شط العرب، بالقرب من ميناء البصرة.

وكشف مقيمي عن تكليف إلهام أمين زاده، مستشار الرئيس الإيراني السابق، والمستشارة الحالية لوزير الخارجية لمتابعة ملف الطلاب العراقيين، الذين من المقرر أن ترسلهم جامعة طهران بعيداً عن مقرها الرئيسي وسط العاصمة، إلى كلية في شرق العاصمة، بجوار قواعد عسكرية تابعة لـ«الحرس الثوري».

وليست المرة الأولى التي تعلن فيها إيران عن برامج لاستقطاب طلاب أجانب. ومنذ سنوات، توافد طلاب أجانب غالبيتهم من الدول المنطقة للدراسة في الجامعات إيران، وأسست إيران جامعة «المصطفى الدولية» بهدف استقطاب طلاب أجانب، منذ عام 2003.

لكنها المرة الأولى التي تعلن جامعة في إيران إبرام اتفاق مع جماعات مسلحة تدين بالولاء لطهران، بهدف منحها مقاعد دراسية.

وقال المسؤول في «الحشد الشعبي» العراقي، حسين موسوي بخاتي: إن قائد «الحشد الشعبي» السابق، أبو مهدي المهندس أرسل مجموعة من 95 شخصاً من منتسبيه للدراسة في الجامعات الإيرانية.

بدوره، ذكر موقع «رويداد 24» الإيراني أن المؤشرات تشير إلى أن خلفية قبول طلاب أجانب بدوافع سياسية وآيديولوجية تعود إلى عهد الرئيس الإصلاحي محمد خاتمي (1997-2004). وقالت: «خلال هذه السنوات أجهزة مثل (فيلق القدس) ومنظمة الثقافة والعلاقات الإسلامية لعبا دوراً مهماً في قبول الطلاب الأجانب».

وإستناداً إلى تقارير وزارة العلوم الإيرانية، أفاد موقع «رويداد 24» الإيراني، بأن «الملحقة الثقافية الإيرانية في الخارج الخاضعة لمنظمة الثقافة والعلاقات الإسلامية، وجامعة المصطفى العالمية، و(حزب الله) اللبناني و(حركة أمل)، تلعب دوراً في اختيار الطلاب الأجانب في إيران».

عدد من الطلاب الأجانب في قاعة للبرلمان الإيراني (مهر)

وقال أيضاً: إن «دور هذه الجامعات لا ينتهي بعد دخول الطلاب إلى الجامعات الإيرانية»، وأشارت إلى مجموعة عمل ثقافية تابعة لمكتب المرشد الإيراني علي خامنئي، تحمل على عاتقها تنظيم مراسم وبرامج ورحلات سياحية مخصصة للطلاب الأجانب.

في ديسمبر (كانون الأول) 2020، صنفت الولايات المتحدة جامعة «المصطفى» على قائمة المنظمات الإرهابية، لارتباطها الوثيق بـ«فيلق القدس» ذراع «الحرس الثوري» الإيراني.

بالإضافة إلى جامعة «المصطفى الدولية»، تعد جامعة «الخميني الدولية» في مدينة قزوين المحطة الأولى للطلاب الأجانب الوافدين إلى إيران، حيث يخضعون لدورات تعليمية مكثفة في اللغة الفارسية، قبل غربلتهم وتوزيعهم على الجامعات الإيرانية والفروع الدراسية في مختلف أنحاء البلاد.

ويعد تأهيل كوادر سياسية وإعلامية، ضمن أولويات الجامعات الإيرانية خلال السنوات الأخيرة مع إطلاق مشاريع إعلامية تخاطب العالم العربي، وتحظى برعاية المؤسسات الإيرانية.

زاد عدد الطلاب الأجانب بشكل ملحوظ خلال السنوات ما بعد «ثورات الربيع العربي»، وبحسب إحصائية العام الماضي، فإن عددهم يقدر بـ100 ألف طالب. وفي ديسمبر الماضي، نقلت وكالة «فارس» التابعة لـ«الحرس الثوري» عن نائب وزير العلوم ورئيس الشؤون الطلابية هاشم داداش بور، أن بلاده تلقت مليوناً و489 ألف طلب من أجانب للانضمام إلى الجامعات الإيرانية، مشيراً إلى وجود 94 ألف طالب أجنبي في إيران، من بينهم 27 ألف طالب، ما يعادل 24 في المائة، حاصلون على منح من الحكومة الإيرانية.

احتجاج طلابي

أثار الاتفاق بين جامعة طهران و«الحشد الشعبي» العراقي احتجاجاً بين النقابات الطلابية في جامعات طهران. واصفين الخطوة بـ«حشد العساكر في الجامعات».

وعبّر مجموعة من طلاب جامعة طهران عن رفضهم قبول قوات عسكرية في الجامعة «سواء بملابس العسكر أو ملابس الدراسة»، متوعدين بمواجهة الخطوة التي عدّوها «حرباً جديدة» لـ«خنق الاحتجاج الطلابي». وقال: إنها «آخر محاولة لنظام منهار لإظهار القوة».

وأضافوا أن الجامعة تحولت إلى محل لحضور «الأساتذة المرتبطين وميليشيا الباسيج» وتابع البيان: «لقد أفرغوا الجامعة عبر إقصاء وتعليق وقمع الطلاب والآن يريدون استبدالنا بقوات تمثل الجماعات العسكرية العراقية».

تعليقاً على الانتقادات الحادة، دافع رئيس جامعة طهران محمد مقيمي عن الاتفاق مع «الحشد الشعبي»، وقلل من المخاوف الأمنية واحتمال مشاركة هؤلاء في قمع الحراك الطلابي. وصرح في هذا الصدد بأن الحكومة العراقية خصصت ميزانية لدراسة أعضاء «الحشد الشعبي» وأسرهم، وادّعى أنهم «يدرسون في جامعات أميركية وبريطانية وأوروبية». وأضاف: «نظراً لكون جامعة طهران من الجامعات الرائد في العالم؛ فإن الإخوة العراقيين خصوصاً في (الحشد الشعبي) يفضّلون الدارسة في جامعة طهران على جامعات تركيا وأميركا وبريطانيا، لأسباب علمية وثقافية».

وقال لوكالة «إيلنا» الإصلاحية اليوم (الاثنين): إن قبول أعضاء «الحشد الشعبي» للدراسة يتماشى مع برامج الجامعة لاستقطاب الطلاب الأجانب، متحدثاً عن «فوائد ثقافية واجتماعية»، بالإضافة إلى موارد اقتصادية.

ولفت إلى قبول طلاب أجانب من العراق وأفغانستان وسوريا ولبنان على وجه خاص، مشدداً على أن الطلاب الأجانب يدفعون عشرة أضعاف الطلبة الإيرانيين مقابل كل فصل دراسي، بالعملة الأجنبية، نافياً أي تـأثير على عدد الطلاب الإيرانيين في الجامعة. كما وعد بإنفاق الموارد التي تحصل عليها جامعة طهران على تحسين الخدمات التي تقدم للطلبة الإيرانيين. وأوضح أن زيادة الطلاب الأجانب ينعكس إيجابياً على التصنيف العالمي للجامعات الإيرانيين.


مقالات ذات صلة

الإيرانيون يخشون من تفاقم الضغوط بعد الحرب وحملة القمع

شؤون إقليمية إيرانية تحمل سلاحاً خلال مسيرة في طهران الجمعة (د.ب.أ)

الإيرانيون يخشون من تفاقم الضغوط بعد الحرب وحملة القمع

يسعى الإيرانيون إلى الحفاظ على لمحة من مظاهر الحياة الطبيعية بعد أسابيع شهدت قصفاً أميركياً وإسرائيلياً، وحملة قمع ضد المتظاهرين أسقطت قتلى في يناير (كانون…

شؤون إقليمية أحد أفراد الأمن الإيراني بجوار لافتة تُظهر المرشد الراحل علي خامنئي في طهران يوم 31 مارس (أ.ف.ب)

المخابرات العسكرية الإسرائيلية تشير إلى تصدع كبير في القيادة الإيرانية

في تقرير صادر عن شعبة الاستخبارات العسكرية بالجيش الإسرائيلي «أمان» أكدت تل أبيب أن هناك تصدعاً كبيراً بالقيادة الإيرانية

نظير مجلي (تل أبيب)
شؤون إقليمية جندي من مشاة البحرية الأميركية على متن السفينة البرمائية «يو إس إس نيو أورلينز» يراقب حركة الملاحة خلال عمليات الحصار البحري قبالة الموانئ الإيرانية السبت (سنتكوم) p-circle

ترمب يعلن جولة تفاوض ثانية ويتهم إيران بـ«خرق» الهدنة

قال الرئيس الأميركي دونالد ترمب إن واشنطن تمضي في جولة جديدة من المفاوضات مع إيران، معلناً أن مسؤولين أميركيين سيتوجهون إلى إسلام آباد، مساء الاثنين.

«الشرق الأوسط» (لندن - طهران)
شؤون إقليمية سفن وناقلات في مضيق هرمز (رويترز) p-circle

إيران تمنع ناقلتين من عبور «هرمز» وتعيد تزويد منصات الإطلاق بالصواريخ

أفادت وكالة «تسنيم» بأن القوات المسلحة الإيرانية أعادت ناقلتين حاولتا عبور مضيق هرمز، الأحد، بعد توجيه تحذيرات، نتيجة للحصار البحري الأميركي.

«الشرق الأوسط» (لندن)
شؤون إقليمية رئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف (أ.ف.ب) p-circle

قاليباف: المفاوضات أحرزت تقدماً... لكن الاتفاق النهائي لا يزال «بعيداً»

قال رئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف، السبت، إنَّ محادثات السلام بين إيران والولايات المتحدة «أحرزت تقدماً»، لكنها لم تصل إلى حدِّ التوصّل لاتفاق نهائي.

«الشرق الأوسط» (طهران)

إيران تتهم أميركا بانتهاك وقف إطلاق النار وتتوعد بالرد على مهاجمة سفينة

جندي من مشاة البحرية الأميركية يراقب حركة الملاحة خلال حصار بحري قبالة الموانئ الإيرانية (القيادة المركزية الأميركية)
جندي من مشاة البحرية الأميركية يراقب حركة الملاحة خلال حصار بحري قبالة الموانئ الإيرانية (القيادة المركزية الأميركية)
TT

إيران تتهم أميركا بانتهاك وقف إطلاق النار وتتوعد بالرد على مهاجمة سفينة

جندي من مشاة البحرية الأميركية يراقب حركة الملاحة خلال حصار بحري قبالة الموانئ الإيرانية (القيادة المركزية الأميركية)
جندي من مشاة البحرية الأميركية يراقب حركة الملاحة خلال حصار بحري قبالة الموانئ الإيرانية (القيادة المركزية الأميركية)

اتهمت القيادة الموحدة للقوات المسلحة ​الإيرانية، المعروفة باسم «مقر خاتم الأنبياء»، الولايات المتحدة بانتهاك وقف إطلاق ‌النار من ‌خلال ​مهاجمة ‌إحدى ⁠السفن التجارية ​الإيرانية في ⁠خليج عمان، وتوعدت بالرد.

ونقلت وسائل إعلام حكومية عن متحدث ⁠باسم «خاتم ‌الأنبياء» ‌قوله اليوم ​الأحد ‌إن السفينة ‌كانت متجهة من الصين إلى إيران.

وذكر المتحدث «نحذر من ‌أن القوات المسلحة للجمهورية الإسلامية الإيرانية ⁠سترد ⁠قريبا وتنتقم من هذه القرصنة المسلحة التي ارتكبها الجيش الأميركي».


الإيرانيون يخشون من تفاقم الضغوط بعد الحرب وحملة القمع

إيرانية تحمل سلاحاً خلال مسيرة في طهران الجمعة (د.ب.أ)
إيرانية تحمل سلاحاً خلال مسيرة في طهران الجمعة (د.ب.أ)
TT

الإيرانيون يخشون من تفاقم الضغوط بعد الحرب وحملة القمع

إيرانية تحمل سلاحاً خلال مسيرة في طهران الجمعة (د.ب.أ)
إيرانية تحمل سلاحاً خلال مسيرة في طهران الجمعة (د.ب.أ)

يسعى الإيرانيون إلى الحفاظ على لمحة من مظاهر الحياة الطبيعية بعد أسابيع شهدت قصفاً أميركياً وإسرائيلياً، وحملة قمع ضد المتظاهرين أسقطت قتلى في يناير (كانون الثاني)، ولا يزالون يشعرون بالقلق إزاء المستقبل في ظل الآثار السلبية الناجمة عن الغارات الجوية وانقطاع خدمة الإنترنت.

وفي ظل الخلافات الدائرة بين إيران والولايات المتحدة حول تمديد وقف إطلاق النار والاتفاق على إنهاء الصراع، فتحت المتاجر والمطاعم والمكاتب الحكومية أبوابها. وفي أيام الربيع المشمسة، تزدحم حدائق المدينة بأسر خرجت للتنزه وشبان يمارسون الرياضة، بينما يتجمع آخرون في المقاهي على جوانب الشوارع.

لكن وراء هذه المشاهد الهادئة، يتداعى الاقتصاد الإيراني، ويخشى الناس من حملة قمع جديدة من الحكومة، ويشعرون بالغضب إزاء الغارات الجوية المدمرة.

ويبدو أن الصعوبات التي أذكت اضطرابات واحتجاجات حاشدة في يناير ستزداد تفاقماً، حسب وكالة «رويترز».

وانتهت المحادثات التي جرت في إسلام آباد هذا الشهر، وهي أول مفاوضات مباشرة بين الولايات المتحدة وإيران منذ سنوات، دون التوصل إلى اتفاق. ولكن مع اقتراب موعد انتهاء وقف إطلاق النار الهش الحالي يوم الأربعاء، قال الرئيس الأميركي دونالد ترمب اليوم الأحد إن مبعوثيه سيتوجهون إلى باكستان وإنهم مستعدون لإجراء مزيد من المحادثات.

إيرانيتان تنظران إلى هاتف ذكي عند البوابة الرئيسية لجامعة طهران الأحد (أ.ب)

خوف من ضغوط مع استمرار نظام الحكم

قالت فريبا (37 عاماً) التي شاركت في مظاهرات يناير لـ«رويترز» عبر الهاتف من إيران: «ستنتهي الحرب، لكن عندها ستبدأ مشاكلنا الحقيقية مع النظام. أخشى جداً من أن يزيد الضغط على الناس العاديين إذا توصل النظام إلى اتفاق مع الولايات المتحدة».

وأضافت: «لم ينس الشعب جرائم النظام في يناير، ولم ينس النظام أن الناس لا يريدونه. إنه يكبح نفسه الآن لأنه لا يريد القتال على الجبهة الداخلية أيضاً».

وتشير الإحصاءات الرسمية إلى أن القصف أودى بحياة الآلاف، منهم عشرات التلميذات في مدرسة للبنات في اليوم الأول من الصراع.

ودمر القصف أيضاً بنى تحتية في أنحاء البلاد، مما زاد من احتمالات حدوث تسريح جماعي للعمال.

ويبدو أن النظام الإيراني راسخ كما كان في الماضي، بعد أن نجا من القصف المكثف على مدى أسابيع وعرقل إمدادات النفط العالمية.

وقال أوميد ميماريان، محلل الشأن الإيراني لدى مركز الأبحاث المستقل «دون» في الولايات المتحدة: «أدرك الإيرانيون أن هذه الحرب لن تؤدي إلى إسقاط النظام، لكنها في الوقت نفسه ستجعل حياتهم أسوأ بكثير من الناحية الاقتصادية».

وأضاف: «لن يضع الجيش أسلحته. سيبقون، وسيكون الوضع دموياً. سيكون مكلفاً من دون أي أمل في مستقبل أفضل».

وفي شمال طهران، أجرت «رويترز» الأسبوع الماضي مقابلات بالفيديو مع شبان إيرانيين تحدثوا عن الحرب ومخاوفهم. وتعمل وسائل الإعلام الأجنبية في إيران بموجب المبادئ التوجيهية التي تضعها وزارة الثقافة والإرشاد، التي تنظم نشاط الصحافة والتراخيص.

الإيرانيون يستمتعون بيوم مشمس في حديقة عامة في خضم وقف إطلاق النار في طهران الأسبوع الماضي (رويترز)

وقالت مهتاب، الموظفة في شركة خاصة، التي طلبت عدم ذكر اسم عائلتها، إن الأمور يمكن أن تكون أسوأ بالنسبة للإيرانيين، بالنظر إلى تأثير الحرب والعقوبات والعزلة على مدى سنوات.

وأضافت: «لا أريد أن أقول إن الوضع طبيعي، لكن كإيرانية عاصرت كل هذا، إذ إنه ليس سيئاً للغاية. يمكننا التعايش معه».

لكن لم يكن لدى الإيرانيين الذين تواصلت معهم «رويترز» عبر الهاتف هذا الرأي، إذ أبدوا قلقاً أكبر بكثير خلال حديثهم، بشرط عدم الكشف عن هوياتهم خوفاً من التعرض للانتقام.

وقالت سارة (27 عاماً)، وهي مدرسة خاصة، طلبت عدم الكشف عن اسم عائلتها أو مكان إقامتها: «نعم، الناس يستمتعون بوقف إطلاق النار في الوقت الحالي... لكن ماذا سيحدث بعد ذلك؟ ماذا يُفترض بنا أن نفعل مع نظام أصبح أكثر قوة؟».

خيارات قليلة

قُتل الآلاف عندما قمعت السلطات احتجاجات استمرت أسابيع في يناير، وقال حينها ترمب إنه سيأتي لمساعدة الإيرانيين.

ولم ترد بعثة إيران الدائمة لدى الأمم المتحدة في جنيف بعد على طلبات للتعليق على هذه القصة. وكانت قد ألقت سابقاً باللوم في أعمال العنف التي وقعت في يناير على «إرهابيين مسلحين» مرتبطين بإسرائيل والولايات المتحدة.

وقال ترمب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في بداية الحرب إنهما يريدان الإطاحة بالحكام، لكن هذا الهدف تلاشى مع استمرار القصف.

وقال ميماريان إن الغضب من القمع جعل كثيراً من الإيرانيين يأملون في تولي حكام جدد السلطة، لكن سرعان ما تحولت مشاعر الغضب إلى الحرب ضد بلادهم.

وأضاف: «أعتقد أنه أصبح أكثر وضوحاً لكثير من الإيرانيين أن هذه الحرب ليست مصممة، أو لا تهدف، إلى مساعدة الشعب الإيراني».

إيرانيات يمررن بجانب ضابط شرطة يقف حراسة في ساحة تجريش شمال طهران الأربعاء الماضي (رويترز)

ولم تكن مهتاب ولا النساء الأخريات الجالسات في مقهى شمال طهران يرتدين الحجاب الإلزامي المفروض منذ عقود في إيران. وصارت قواعد الزي العامة أكثر مرونة عقب الاحتجاجات الشعبية في عام 2022، ومنها مظاهرات رفعت مطالب تتعلق بحقوق المرأة، التي قمعتها السلطات، وخففت بعدها ضمنياً تطبيق بعض قواعد الزي.

وقال المحلل السياسي الإيراني المستقل المقيم في بريطانيا حسين رسام إنه أصبح واضحاً في يناير أن السلطات لن تتراجع بسهولة مجدداً، وأنها لن تنهار في مواجهة الهجوم العسكري.

وجعلت الحرب الإيرانيين أكثر انقساماً من ذي قبل، لكن مع خيارات قليلة. وقال رسام: «هذه لحظة حاسمة للإيرانيين لأنهم في النهاية، وخاصة الإيرانيين داخل البلاد، يدركون أنهم بحاجة إلى العيش معاً. لا مكان يذهبون إليه».

نار تحت الرماد

يخشى كثيرون من تفاقم القمع الآن. وقال أرجانج، وهو أب لطفلين يبلغ من العمر 43 عاماً، لـ«رويترز» عبر الهاتف من شمال طهران: «في الشوارع، تتجول النساء دون حجاب، لكن ليس واضحاً ما إذا كانت هذه الحريات ستستمر بعد التوصل إلى اتفاق مع الولايات المتحدة. سيزداد الضغط 100 في المائة، لأنه بمجرد التوصل إلى سلام مع واشنطن، لن يواجه النظام الضغط الخارجي نفسه».

ولم تحدث احتجاجات بداية العام أي تغيير ملموس في حياة الناس، بل دفعت السلطات إلى فرض قيود صارمة على استخدام الإنترنت؛ وهو ما أثر كثيراً على الشركات والمواطنين العاديين الذين كانوا في حاجة ماسة إلى المعلومات أثناء الحرب.

إيرانيات يستقللن مركبة عسكرية أثناء مشاركتهن في مسيرة مناهضة للولايات المتحدة وإسرائيل في طهران الجمعة (إ.ب.أ)

وقالت فائزة (47 عاماً)، وهي تلعب الكرة الطائرة مع أصدقائها في حديقة شمال طهران: «حتى أصغر الأمور، مثل التواصل مع أفراد عائلتنا الذين يعيشون خارج البلاد، باتت مستحيلة».

وقال ميماريان إن الاستياء الشعبي قد يتصاعد بعد انتهاء الحرب، وإن الناس أصبحوا أقل خوفاً حيال اتهامهم بالخيانة.

وأضاف: «هناك الكثير من النار تحت الرماد».


المخابرات العسكرية الإسرائيلية تشير إلى تصدع كبير في القيادة الإيرانية

أحد أفراد الأمن الإيراني بجوار لافتة تُظهر المرشد الراحل علي خامنئي في طهران يوم 31 مارس (أ.ف.ب)
أحد أفراد الأمن الإيراني بجوار لافتة تُظهر المرشد الراحل علي خامنئي في طهران يوم 31 مارس (أ.ف.ب)
TT

المخابرات العسكرية الإسرائيلية تشير إلى تصدع كبير في القيادة الإيرانية

أحد أفراد الأمن الإيراني بجوار لافتة تُظهر المرشد الراحل علي خامنئي في طهران يوم 31 مارس (أ.ف.ب)
أحد أفراد الأمن الإيراني بجوار لافتة تُظهر المرشد الراحل علي خامنئي في طهران يوم 31 مارس (أ.ف.ب)

في تقرير صادر عن شعبة الاستخبارات العسكرية في الجيش الإسرائيلي «أمان»، أكدت تل أبيب أن هناك تصدعاً كبيراً في القيادة الإيرانية، مضيفة أن هذا التصدع بات مبشراً بانهيار جزئي على الأقل للنظام في طهران.

وقالت «أمان» إن غياب المرشد علي خامنئي، ترك فراغاً هائلاً ولم يعد هناك من يتمتع مثله بسطوة القائد الذي يُجمَع حوله الباقون وتكون له الكلمة الأخيرة. فابنه مجتبى، الذي انتخب للمنصب بعد وفاة والده، لا يتمتع بشخصية كارزماتية مثل والده، ويُنظر إليه بوصفه شخصية ناقصة دينياً وسياسياً، فضلاً عن كونه جريحاً، ويُعتقد أنه لا يقوى على الحسم.

لذلك فإن وراثة خامنئي الأب ما زالت مفتوحة، خصوصاً أن الشارع الإيراني يذكر القيادة الحالية بأن أحد عيوب نظام الشاه في الحكم أنه كان عائلياً يرث فيه الابن أباه. والآن يتصرف النظام الحالي بالطريقة نفسها التي هاجمها في الماضي.

قادة إيران الجدد

صورة نشرتها الخارجية الإيرانية تظهر رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف وإلى جانبه كاظم غريب آبادي نائب وزير الخارجية وخلفهما يقف المتحدث إسماعيل بقائي والنائب أبو الفضل عمويي عضو لجنة الأمن القومي والسياسة الخارجية في البرلمان

ونشر تقرير «أمان»، الذي ظهر في موقع «واللا» يوم الأحد، قائمة القادة الحاليين في إيران «الذين بقوا في الحكم بعد أن تمت تصفية 55 شخصية قيادية أساسية في الهجمات الأميركية والإسرائيلية على إيران». وتضم قائمة القادة الحاليين، بالإضافة إلى مجتبى خامنئي، حسين طائب الرئيس السابق لجهاز استخبارات «الحرس الثوري»، وهو مستشار كبير لدى مجتبى خامنئي وأمين سره، ويُعرف عنه أنه يقود الاتجاه المتطرف، وقد سُمع وهو يقول إن الاتفاق مع الغرب والتنازل له خيانة تُشكل تهديداً وجودياً للنظام.

وتضم القائمة أيضاً محمد عبد اللهي رئيس مكتب المرشد العام وهو حامل مفاتيح باب الوصول إلى خامنئي، ويعد مدير التوازنات الحساسة بين التيارات المتصارعة على القيادة. كذلك أحمد وحيدي القائد العام لـ«الحرس الثوري»، وكان وزيراً للداخلية والدفاع، وكان أيضاً أول قائد لـ«فيلق القدس»، وهو متطرف جداً في مواقفه، ويمثل التيار الأمني والتنفيذي لـ«الحرس الثوري»، ويتمسك بالأذرع الإيرانية في المنطقة.

محمد باقر قاليباف: رئيس البرلمان ومن كبار المفاوضين مع الولايات المتحدة. يعد محافظاً ولكنه مهتم بتحسين الاقتصاد، ويسعى إلى منع الانهيار الداخلي السياسي والاجتماعي، الذي من شأنه أن يؤدي إلى موجة احتجاجات شعبية جديدة ضد النظام، ومع ذلك يحرص على قناة تواصل مع التيار الراديكالي.

وفي مجموعة الإصلاحيين: الرئيس مسعود بزشكيان، وهو الذي يحاول قيادة الخط الأكثر اعتدالاً لغرض إزالة العقوبات الاقتصادية عن إيران، لكنه محدود التأثير بسبب القيود التي يفرضها عليه «الحرس الثوري». كما أنه يتعرض لحملة تحريض تتهمه بـ«خيانة قيم الثورة».

عباس عراقجي، وزير الخارجية الذي كان مفاوضاً في الاتفاق النووي الأول سنة 2015، مع دول الغرب. ويقول ضابط كبير في «أمان» إن عراقجي دبلوماسي لديه خبرة ويبحث عن صيغ للتنازلات بطريقة لا تظهر إيران مستسلمة للإرادة الأميركية.

كما يقول تقرير «أمان» إنه بالإضافة إلى هؤلاء، توجد مجموعة اسمها «الممسكون بالخيوط»، وأبرز هؤلاء: علي إفتخاري وهو شخصية مؤثرة في المخابرات وبين صفوف النخبة الدينية التي انتخبت مجتبى مرشداً، تعد هذه المجموعة العقيدة الدينية للثورة ركناً أساسياً للنظام.

علي رائدين، هو رجل أمن رفيع ذو علاقات وطيدة بدوائر اتخاذ القرارات الحساسة، ويصفه جنرال إسرائيلي بأنه «أقوى خلية في السلسلة»، ومكلف بحماية النظام وثباته في مواجهة الأخطار الداخلية والخارجية. وقد كُلف بإعادة بناء قوة «الباسيج» بعدما تلقت ضربات كبيرة من إسرائيل.

حلقة الضعف

أحد أفراد الأمن الإيراني بجوار لافتة تُظهر المرشد الراحل علي خامنئي في طهران يوم 31 مارس (أ.ف.ب)

ويقول جنرال إسرائيلي في «أمان» إن حلقة الضعف في هذه القيادة أنه لا يوجد شخص يملك الكلمة الفصل، لذلك فإن كل قرار يصدر حالياً تنشأ له فوراً معارضة وشكوك، بحيث بدأت الثقة تتزعزع لدى الكثيرين بأنفسهم، وكذلك في بعضهم بعضاً. كما يسود التوتر بين هذه القيادات حتى في ظل وقف النار.

ويضيف أن وقائع الحرب والاغتيالات، وغياب علي خامنئي، والدمار وفقدان التواصل، كلها عوامل أدت إلى تصدع حقيقي داخل سلطة الحكم الإيرانية، وعقّدت قدرتها على اتخاذ القرارات.

ومع وجود قادة جدد في مواقع المسؤولية نشأت فوضى، وتعمقت أزمة الحكم والسلطة. ويُلاحظ أنه يوجد لدى المفاوضين الإيرانيين قدر محدود من المعرفة بما يمكن أن تقدمه حكومتهم من تنازلات أو حتى بمن يتعين عليهم سؤاله على وجه الدقة. وفضلاً عن ذلك، فإن المتشددين داخل «الحرس الثوري» باتوا أكثر نفوذاً ويمارسون سلطة أكبر من القيادة الدينية التي تتولى الحكم اسمياً.

ولا تستبعد «أمان» أن التيار المتشدد يخرب على أولئك الذين يتوصلون إلى اتفاقيات وتفاهمات مع واشنطن.

تقويض النظام

احتجاجات مناهضة للحكومة الإيرانية في مدينة مشهد 10 يناير (رويترز)

من جهة أخرى، قال موقع «واللا» الإسرائيلي إنه خلال عملية «زئير الأسد» تم استهداف مئات الأهداف التابعة لقوات «الباسيج»، وتم اغتيال مسؤولين كبار. ومع ذلك، يوضح الجيش الإسرائيلي أنه لم تُصدر أي تعليمات لإسقاط النظام، وأن الضربات الجوية وحدها ليست كافية لتحقيق ذلك.

في الوقت نفسه، كُشف أن المستوى السياسي منع استهداف بنى تحتية وطنية، وأنه رغم الأضرار، لم يخرج الشعب الإيراني إلى الشوارع. وتشير التقديرات داخل المؤسسة الأمنية إلى أن الهدف من العملية كان زعزعة استقرار النظام الإيراني وإضعاف قبضته، من خلال ضرب أذرعه الأمنية الداخلية، وعلى رأسها قوات «الباسيج»، التي تُعد أداة رئيسية في قمع الاحتجاجات الشعبية.

وقد شملت الهجمات مئات المواقع المرتبطة بهذه القوات، إضافة إلى استهداف شخصيات قيادية بارزة. وعُد ذلك جزءاً من محاولة إحداث تأثير داخلي في إيران، وليس فقط توجيه ضربة عسكرية تقليدية.

مع ذلك، شدّد مسؤولون في الجيش الإسرائيلي على أن إسقاط النظام لم يكن هدفاً رسمياً للعملية، وأن مثل هذا الهدف يتطلب أدوات أوسع بكثير من مجرد الضربات الجوية، بما في ذلك تحركات سياسية وشعبية داخلية.

كما تبين أن القيادة السياسية فرضت قيوداً على نطاق الهجمات، إذ منعت استهداف بنى تحتية وطنية حيوية داخل إيران، وهو ما حدّ من مستوى التصعيد، ومن حجم الضرر الممكن إحداثه.

ورغم الضربات التي وُجهت، تشير التقديرات إلى أن الشارع الإيراني لم يشهد تحركاً واسعاً أو احتجاجات كبيرة نتيجة هذه الهجمات، وهو ما عُد عاملاً مهماً في عدم تحقيق تأثير استراتيجي أعمق على استقرار النظام.

في المحصلة، ترى التقييمات أن الضربات الجوية، حتى وإن كانت واسعة، لا تكفي وحدها لإحداث تغيير سياسي جوهري داخل إيران، خصوصاً في ظل غياب تحرك داخلي من قبل الإيرانيين أنفسهم.