المتاحف البريطانية تتحول إلى الداعمين مع انخفاض التمويل

معرض الصور الوطني البريطاني «ناشونال بورتريه غاليري» بلندن الذي فتح أبوابه الخميس الماضي بعد عملية تجديد تكلفت 53 مليون دولار.

صورة للمغني ديفيد بوي من معروضات «ناشونال بورتريه غاليري» تعرض بالقرب من المعرض (توم جاميسون / نيويورك تايمز)
صورة للمغني ديفيد بوي من معروضات «ناشونال بورتريه غاليري» تعرض بالقرب من المعرض (توم جاميسون / نيويورك تايمز)
TT

المتاحف البريطانية تتحول إلى الداعمين مع انخفاض التمويل

صورة للمغني ديفيد بوي من معروضات «ناشونال بورتريه غاليري» تعرض بالقرب من المعرض (توم جاميسون / نيويورك تايمز)
صورة للمغني ديفيد بوي من معروضات «ناشونال بورتريه غاليري» تعرض بالقرب من المعرض (توم جاميسون / نيويورك تايمز)

في جولة قام بها مؤخراً في معرض الصور الوطني (ناشونال بورتريه غاليري) في لندن، أشار نيكولاس كولينان، مدير المعرض، إلى بعض الشخصيات البريطانية الرئيسية من التاريخ والثقافة الشعبية الذين اصطفت تصاوير أمثالهم على الجدران: شكسبير، والملك هنري الثامن، وآنا وينتور محررة مجلة «فوغ».

وأشار، ما بين التباهي بالصور، إلى بعض الأعضاء غير المألوفين (أو الأقل شهرة) في المجتمع البريطاني الراقي.

إذ وُضعت على اللوحات التي رُسمت على الجدران أسماء المتبرعين الذين دفعوا جزءاً كبيراً من تكاليف تجديد مؤسسته بقيمة بلغت 53 مليون دولار خلال السنوات الثلاث الأخيرة.

جناح بلافاتنيك سمي على اسم رجل أعمال أوكراني المولد أعطى المتحف ما يقرب من 13 مليون دولار (توم جاميسون/ نيويورك تايمز)

مع إعادة افتتاح المُتحف للجمهور، يدخل الزائرون معرض الصور الوطني عبر «ساحة روس»، التي سُميت على اسم أحد أقطاب البيع بالتجزئة الذي تبرع بأكثر من 5 ملايين دولار للتجديد. ويُطلق على أحد الطوابق الآن مسمى «جناح بلافاتنيك»، نسبة إلى رجل أعمال أوكراني المولد تبرع للمتحف بما يقرب من 13 مليون دولار. كما سُميت الفصول الدراسية الثلاثة الجديدة في الموقع، المصممة للزيارات المدرسية، باسم مختلف المتبرعين.

قال كولينان: «إن نموذج تمويل المتاحف البريطانية يتغير». وأضاف: «بالتأكيد، يتعين علينا أن نصبح أفضل بكثير في جمع التبرعات».

حتى وقت قريب، عندما كانت المتاحف البريطانية الرئيسية تخطط لمشروع كبير، كان أول منفذ تمويلي لها في الغالب هو الحكومة الوطنية أو المحلية. في عام 2007، على سبيل المثال، منحت وزارة الخزانة البريطانية 50 مليون جنيه إسترليني، أي حوالي 100 مليون دولار في ذلك الوقت، نحو توسيع نطاق مُتحف «تيت مودرن».

الآن، بات من الصعب للغاية تلبية مثل هذه العروض. ففي العام الماضي، خفضت الحكومة التمويلات الفنية للعديد من المؤسسات في لندن، ومع ارتفاع معدلات التضخم إلى عنان السماء، صارت المتاحف بمختلف أنحاء البلاد تعتمد بصفة متزايدة على التبرعات الخيرية لتغطية تكاليف التشغيل اليومية، ناهيكم عن المشروعات الكبرى. (منح صندوق التراث الوطني لليانصيب في بريطانيا - وهو هيئة عامة ممولة من عائدات اليانصيب - معرض البورتريه الوطني ما يقرب من 10 ملايين جنيه إسترليني لتجديده، لكن الحكومة لم تساهم بصورة مباشرة في هذه الجهود).

«ناشونال بورتريه غاليري» في لندن (توم جاميسون / نيويورك تايمز)

قالت ليزلي راموس، مؤلفة كتاب يصدر قريباً حول العطاء الفني، إن بريطانيا «لا تملك ثقافة العمل الخيري مثل الولايات المتحدة، لا سيما بالنسبة للفنون». وأضافت أن العديد من الرعاة الرئيسيين لقوا حتفهم مؤخراً، ولم يسد المتبرعون الأصغر سناً تلك الفجوة. وقالت إنهم يفضلون التبرع من أجل قضايا العدالة الاجتماعية، أو المنظمات الناشطة في مجال التغير المناخي.

قال بول رامسبوتوم، الرئيس التنفيذي لمؤسسة «وولفسون»؛ واحدة من أكبر الجهات المانحة للفنون المؤسسية في بريطانيا، التي قدمت نحو 630 ألف دولار لتجديد معرض الصور الوطني، إن صناديق مثل مؤسسته تشهد «موجة متصاعدة» من الطلبات التي لا يمكنهم تلبيتها.

يأتي هذا الاعتماد المتزايد على المانحين مع بدء العديد من المتاحف البريطانية الرئيسية في إجراء إصلاحات متعددة السنوات. ومن المتوقع أن يعلن المتحف البريطاني قريباً عن عملية تجديد قالت صحيفة «فايننشال تايمز» إن تكلفتها سوف تبلغ مليار جنيه إسترليني، أي حوالي 1.3 مليار دولار. كما يحاول المعرض الوطني جمع 95 مليون جنيه للتجديد. وفي مايو، قالت آنه نغوين، مديرة التطوير في المتحف، أمام جمهور من المتبرعين والصحافيين، إن محاولة تأمين الأموال جعلتها تمر «بليالٍ بلا نوم» و«خفقان في القلب».

وقال كولينان، مدير معرض الصور الوطني، إن مفتاح جذب اهتمام المانحين هو وجود مشروع مثير للاهتمام. وقال إنه قبل التجديد كان معرض الصور الوطني - الذي تأسس عام 1856 وفكرة عرض صور لأبرز الشخصيات في بريطانيا - مؤسسة محبوبة للغاية، بيد أن هناك مجالاً واضحاً للتحسين. ويمكن للزوار أن يفوتوا بسهولة المدخل السابق، وهو مدخل صغير في شارع مزدحم. وأضاف أنه في الداخل، غالباً ما تشعرك ممرات المتحف بأنها أشبه بمتاهة من حجور الأرانب، وبعض معروضاته «لم تُمس منذ 30 عاماً».

قال كولينان إن معروضاته لم تكن تمثل بريطانيا المعاصرة: وإنما 3 بالمائة فقط من الصور على الجدران كانت لأشخاص من ذوي البشرة الملونة. (بعد التجديد، ارتفعت النسبة إلى 11 بالمائة).

قال كولينان إن فريق جمع التبرعات التابع للمتحف الذي يضم 13 عضواً أخبر الجهات المانحة أنهم يريدون تحقيق «تحول كامل» في بنائه ومجموعاته وبرامجه التعليمية.

برغم أن معرض الصور الوطني قد جمع في نهاية المطاف ما يكفي لأجل التجديد، إلا أنه واجه صعوبات في حملات أخرى لجمع التبرعات. وخلال العام الماضي، حاول تأمين 50 مليون جنيه أخرى لشراء لوحة «ماي (أوماي)» لجوشوا رينولدز. ويصور هذا العمل، الذي رُسم حوالي عام 1776، رجلاً بولينيزياً، يرتدي عباءات بيضاء متدفقة، وصار شخصية مجتمعية خلال زيارة إلى لندن. وتعد على نطاق واسع واحدة من أهم صور الأشخاص الملونين في تاريخ الفن البريطاني.

ذكرت سارة هيليام، مديرة التطوير في معرض الصور الوطني، أنها عرضت اللوحة على حوالي 40 متبرعاً محتملاً أثناء محاولة المتحف الحصول عليها، وقال لها العديد من الناس إن «هذا هو أسوأ وقت للقيام بمثل هذه الأعمال الفنية» منذ أن كان تجديد المتحف جارياً.

في النهاية، توصل المتحف إلى اتفاق غير عادي مع متحف «جيه بول غيتي» في لوس أنجليس للاشتراك في شراء اللوحة. وقالت هيليام إنه بموجب بنود الاتفاقية، سوف تقضى لوحة «ماي (أوماي)» ثلاث سنوات في لندن قبل التوجه إلى لوس أنجليس لفترة مماثلة. وأضافت هيليام أن التعاون عبر المحيط الأطلسي كانت تجربة رائدة مفعمة بالأمل للمتاحف الأخرى التي تكافح لشراء روائع الأعمال الفنية.

صورة «ماي (أوماي)» لجوشوا رينولدز، معروضة في «ناشونال بورتريه غاليري» بلندن الذي فتح أبوابه الخميس الماضي بعد عملية تجديد تكلفت 53 مليون دولار. (توم جاميسون / نيويورك تايمز)

لم يقل أي من المطلعين في المتحف الذين تقابلنا معهم لهذه المقالة أن هناك طرقاً واضحة لتسهيل جمع التبرعات في بريطانيا. وقالت نجوين من «ناشونال غاليري» إن الإعفاءات الضريبية الأكثر سخاءً للمتبرعين، مثل تلك الموجودة في الولايات المتحدة، سوف تساعد في ذلك. لكنها أضافت أن المزيد من الدعم المالي من الحكومة «سوف يكون موضع ترحيب» أيضاً.

قال رامسبوتوم، من مؤسسة «وولفسون»، إنه «سيكون من المفيد إجراء نقاش عام» حول مستويات العطاء، لا سيما أنه قال إن الدراسات أظهرت أن أكثر الناس ثراءً في بريطانيا لا يزيدون من تبرعاتهم بما يتماشى مع دخولهم المزدهرة. لكنه أضاف أن الكثيرين في بريطانيا يعتقدون ببساطة أن الحكومة يجب أن تدفع تكاليف الحياة الثقافية للبلاد.

وقال رامسبوتوم، إنه في الوقت الحالي صارت المتاحف عالقة في «عاصفة كاملة» من ارتفاع التكاليف وزيادة المنافسة على المانحين. وأضاف أن تجديد معرض الصور الوطني كان «كشفاً للعيان»، لكن الوضع الأوسع كان «مصدر قلق حقيقي للقطاع وللتراث في المملكة المتحدة».

* خدمة «نيويورك تايمز»


مقالات ذات صلة

«بيت بيروت» في الحرب: لقاء النزوح بذاكرة المدينة

يوميات الشرق رسومات صغيرة... بعيدة عن الحرب (بيت بيروت)

«بيت بيروت» في الحرب: لقاء النزوح بذاكرة المدينة

«بيت بيروت» الذي مثَّل ذات يوم «خطاً للفصل»، يجري العمل على تحويله «مساحةً للقاء»...

فاطمة عبد الله (بيروت)
يوميات الشرق صورة للمصحف النادر بعد ترميمه (متحف القومي للحضارة المصرية)

مصر: ترميم مصحف نادر احتفالاً بـ«يوم المخطوط العربي»

احتفالاً بـ«يوم المخطوط العربي»، أبرزَ المتحفُ القومي للحضارة المصرية، أحدَ المصاحف النادرة الموجودة ضمن مقتنياته، ليُقدِّم نسخةً جديدةً منه بعد الترميم.

«الشرق الأوسط» (القاهرة )
يوميات الشرق تمثال إيزيس أول قطعة تسجل بالمتحف المصري (المتحف المصري)

المتحف المصري يحتفل بذكرى تأسيسه بإبراز تمثال «إيزيس»

في ذكرى تأسيسه بميدان التحرير (وسط القاهرة)، أبرز المتحف المصري القطعة رقم 1 في «السجل العام» له وهو تمثال «إيزيس».

محمد الكفراوي (القاهرة )
يوميات الشرق ماء من «ينبوع الشباب» معروض في معرض «بلوغ سن الرشد» في متحف «ويلكوم كوليكشن» بلندن (جوانا يي - نيويورك تايمز)

«ينبوع الشباب» ... معرض عن الهوس بالعيش إلى الأبد

أكثر من 120 قطعة معروضة في متحف «ويلكوم كوليكشن» توفِّر أمثلةً متنوعةً على رغبة الإنسان ليس فقط في العيش لفترة أطول، بل في الحفاظ على شبابه.

يوميات الشرق خوذة كوتوفينيستي الذهبية أثناء عرضها على الصحافة في متحف درينتس بآسن في هولندا 2 أبريل 2026 (أ.ف.ب)

استعادة خوذة ذهبية أثرية لا تُقدّر بثمن سُرقت من متحف هولندي

أعلنت السلطات الهولندية، الخميس، استعادة خوذة ذهبية أثرية لا تُقدّر بثمن تعود إلى رومانيا، كانت قد سُرقت، العام الماضي، من متحف في هولندا.

«الشرق الأوسط» (أمستردام)

رحيل حياة الفهد سيدة الشاشة الخليجية

تدهورت الحالة الصحية للفهد في الفترة الأخيرة بشكل كبير (مؤسسة الفهد للإنتاج الفني)
تدهورت الحالة الصحية للفهد في الفترة الأخيرة بشكل كبير (مؤسسة الفهد للإنتاج الفني)
TT

رحيل حياة الفهد سيدة الشاشة الخليجية

تدهورت الحالة الصحية للفهد في الفترة الأخيرة بشكل كبير (مؤسسة الفهد للإنتاج الفني)
تدهورت الحالة الصحية للفهد في الفترة الأخيرة بشكل كبير (مؤسسة الفهد للإنتاج الفني)

غيّب الموت سيدة الشاشة الخليجية، الفنانة الكويتية حياة الفهد، عن عمر ناهز الـ78 عاماً.

عاشت الراحلة منذ بداياتها الأولى في ستينات القرن الماضي حتى رحيلها أمس، عبر الشاشة في بيوت الخليجيين، وتركت خلفها تاريخاً فنياً عصياً على النسيان.

بدأت الفهد رحلتها الفنية في وقت كان فيه حضور المرأة الخليجية في مجال التمثيل محدوداً ومحاطاً بحساسيات اجتماعية، ورغم ذلك دخلت المجال بخطوات مترددة لكنها حاسمة، وشقّت طريقها في بيئة لم تكن مهيأةً بالكامل لتقبّل هذا الحضور النسائي، وهو ما جعل تجربتها الأولى تتجاوز فكرة «الدور» إلى معنى أوسع في كسر الحاجز، وفتح الباب.


مركبة متنقلة لـ«ناسا» تكتشف المزيد من لبنات الحياة على المريخ

صورة ذاتية من زاوية منخفضة لمركبة «كيريوسيتي» التابعة لـ«ناسا» والمخصصة لاستكشاف المريخ (أ.ف.ب)
صورة ذاتية من زاوية منخفضة لمركبة «كيريوسيتي» التابعة لـ«ناسا» والمخصصة لاستكشاف المريخ (أ.ف.ب)
TT

مركبة متنقلة لـ«ناسا» تكتشف المزيد من لبنات الحياة على المريخ

صورة ذاتية من زاوية منخفضة لمركبة «كيريوسيتي» التابعة لـ«ناسا» والمخصصة لاستكشاف المريخ (أ.ف.ب)
صورة ذاتية من زاوية منخفضة لمركبة «كيريوسيتي» التابعة لـ«ناسا» والمخصصة لاستكشاف المريخ (أ.ف.ب)

أعلن علماء، الثلاثاء، أن مركبة «كيوريوسيتي» المتنقلة التابعة لوكالة «ناسا» اكتشفت المزيد من «لبنات الحياة» على سطح المريخ، وذلك بعد إجراء تجربة كيميائية لم يسبق لها مثيل على أي كوكب آخر، وفقاً لـ«وكالة الصحافة الفرنسية».

وأكد الفريق الذي تقوده وكالة «ناسا» أن الجزيئات العضوية ليست دليلاً قاطعاً على وجود حياة سابقة؛ إذ يحتمل أنها تشكلت على سطح المريخ أو سقطت نتيجة اصطدامها بالنيازك.

إلا أنها تكشف عن أن هذه المؤشرات حفظت في الصخور لأكثر من ثلاثة مليارات عام، عندما كان يعتقد أن الكوكب يضم مياهاً سائلة، وفق ما نشرت مجلة «نيتشر كوميونيكيشنز».

وحملت «كيوريوسيتي»، وهي بحجم سيارة، أنبوبين من مادة كيميائية تسمى TMAH وتستخدم لتحليل المواد العضوية ومعرفة مكوناتها.

وقالت عالمة الأحياء الفلكية العاملة في مهمة «كيوريوسيتي» إيمي ويليامز لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، إن «هذه التجربة لم تجرَ من قبل على كوكب آخر».

وأكدت ويليامز، وهي المؤلفة الرئيسية لدراسة تصف النتائج، أن الفريق «يرى لبنات الحياة، كيمياء ما قبل حيوية على المريخ، محفوظة في هذه الصخور منذ مليارات السنين».

هبطت مركبة «كيوريوسيتي» التابعة لـ«ناسا» في قاع بحيرة سابقة تسمى فوهة غيل عام 2012، ومنذ ذلك الحين وهي تبحث عن دلائل على وجود حياة سابقة محتملة.

وخلال تجربة أجريت عام 2020 باستخدام مادة TMAH، تم رصد أكثر من 20 جزيئاً عضوياً، بينها مركب «بنزوثيوفين» الموجود أيضاً في النيازك والكويكبات.

وقالت ويليامز إن «المواد نفسها التي هطلت على المريخ من النيازك هي نفسها التي هطلت على الأرض، وربما وفرت اللبنات الأساسية للحياة كما نعرفها على كوكبنا».

وأشارت دراسة جديدة نشرت في مجلة «نيتشر كوميونيكيشنز» إلى أن المهمات المستقبلية قد تستفيد من تجربة «كيوريوسيتي» التي أثبتت نجاح التجارب التي تستخدم مادة TMAH على عوالم أخرى.

وستحمل مركبة «روزاليند فرانكلين» التابعة لوكالة الفضاء الأوروبية، والتي تتميز بحفارة أطول بكثير من «كيوريوسيتي»، هذه المادة الكيميائية إلى المريخ.

وأعلنت «ناسا»، الأسبوع الماضي، أن مركبة الفضاء التابعة لوكالة الفضاء الأوروبية ستنطلق الآن نحو المريخ في أواخر عام 2028. وستكون المادة الكيميائية أيضاً على متن مركبة «دراغون» الدوارة، المقرر إطلاقها عام 2028 في مهمة لاستكشاف قمر تيتان التابع لكوكب زحل.


أسعار المساكن الفاخرة تعمّق «الهوة الطبقية» في مصر

جزء من تصميم مشروع «ذا سباين» لشركة هشام طلعت مصطفى (موقع الشركة)
جزء من تصميم مشروع «ذا سباين» لشركة هشام طلعت مصطفى (موقع الشركة)
TT

أسعار المساكن الفاخرة تعمّق «الهوة الطبقية» في مصر

جزء من تصميم مشروع «ذا سباين» لشركة هشام طلعت مصطفى (موقع الشركة)
جزء من تصميم مشروع «ذا سباين» لشركة هشام طلعت مصطفى (موقع الشركة)

يقطع المهندس المعماري محمد رجب يومياً أكثر من 30 كيلومتراً للذهاب إلى موقع عمله في الامتداد الصحراوي لمحافظة الجيزة (غرب القاهرة) حيث يشارك في بناء «كمبوند سكني فاخر»، وهو على يقين من أنه لا يمكنه أن يسكن فيه أو أي أحد من أولاده يوماً ما: «نبني لطبقات غنية. أما نحن فنسكن في إحدى المناطق الشعبية في الجيزة».

ويذكر أن شعور رجب بالتفاوت الطبقي الكبير يتزايد كلما سمع عن الأرقام التي تباع بها الوحدات التي يشارك في بنائها، ويقارنها براتبه هو وأصدقائه حيث «الفيلا الواحدة تباع بـ50 مليون جنيه» (الدولار الأميركي يعادل نحو 52 جنيهاً)، «وهو مبلغ لن أتحصل عليه طوال حياتي المهنية داخل مصر».

ووفق خبراء إسكان وعلم اجتماع، فإن بعض المشروعات السكنية في مصر اعتمدت خلال العقود الماضية على تغذية «مشاعر الفصل الطبقي»، بأسلوب المساحات المعزولة والمغلقة. يقول رجب بنبرة يملؤها الشجن: «بعد الانتهاء من عملي، لن يسمح لي الأمن بدخول المكان الذي شاركت في بنائه».

وأطلقت شركة هشام طلعت مصطفى العقارية أخيراً أحدث مشروعاتها العقارية شرق القاهرة «The Spine»، بأسعار مرتفعة جداً، وهو ما عزاه أحد مندوبي المبيعات بالشركة إلى أنها «أول مدينة ذكية استثمارية تقوم بالكامل على الذكاء الاصطناعي في العالم»، وفق ما ذكره لـ«الشرق الأوسط» عند الاستفسار هاتفياً عن طبيعة وأسعار الوحدات بالمشروع.

أحد المشاريع في العاصمة الجديدة (إدارة العاصمة الجديدة)

وكان رئيس الوزراء الدكتور مصطفى مدبولي وعدد من الوزراء قد شاركوا في مؤتمر صحافي للإعلان عن المشروع الضخم، السبت. وأثنى مدبولي عليه قائلاً إن «استثماراته تتجاوز 1.4 تريليون جنيه، ويوفر أكثر من 155 ألف فرصة عمل مباشرة وغير مباشرة كما يحقق عوائد ضريبية تتجاوز 800 مليار جنيه».

ويصل سعر الوحدة الكبرى (3 غرف نوم) في مشروع «The Spine» بمساحة 116 متراً، 50 مليون جنيه، ويضم المشروع 165 برجاً، داخل «مدينتي» المشروع السابق للشركة، على مساحة 5 كيلومترات. بينما تُطرح نفس مساحة الوحدة في مشاريع أخرى لـ«طلعت مصطفى» بـ10 ملايين جنيه.

ويُرجع موظف قسم المبيعات ارتفاع سعر الوحدات في المشروع إلى «المزايا الكبيرة والمختلفة فيه، منها شبكة المواصلات الضخمة تحت الأرض، ما يضع أماناً إضافياً إذا ما رغب السكان في التجول، ويحافظ على البيئة. كما أن ساكنه لن يحتاج إلى إطلاق الأوامر حتى تشتغل الإضاءة أو التكييف أو غيرهما من المهام في المشاريع الذكية، يكفي أن يُدخل البيانات لأول مرة، ليعرف الذكاء الاصطناعي تفضيلاته، ويعمل كل شيء نيابة عنه، يفتح المصعد، وباب الوحدة، ويضبط التكييف والإضاءة، حتى قبل أن تصل إلى شقتك».

أما سعر الوحدة ذات غرفة النوم الواحدة، بمساحة 77 متراً، فتصل إلى 20 مليون جنيه. وتقدم الوحدات بنظام تقسيط، أقل مقدم حجز فيها 160 ألف جنيه للمكتب الإداري، و250 ألف جنيه للوحدة السكنية، مع قسط نحو 50 ألف جنيه شهرياً، إلى جانب دفعات سنوية بمتوسط نصف مليون جنيه.

ووُصفت هذه الأسعار عبر مستخدمي مواقع التواصل بـ«المبالغ فيها وغير المنطقية»، وسط انتقاد الاهتمام اللافت بالمشروعات العقارية والإسكان الفاخر وعدم التركيز على توطين الصناعة والتكنولوجيا.

دار الأوبرا داخل مدينة الفنون في العاصمة الجديدة (إدارة العاصمة الجديدة)

وتتعزز هذه الانتقادات في وقت وصل فيه التضخم في مصر إلى 15.2 في المائة على أساس سنوي في مارس (آذار) الماضي، مرتفعاً نحو 2 في المائة عن فبراير (شباط) الماضي. بالإضافة إلى ارتفاع نسب الفقر إلى 32.5 في المائة، وفق تقرير للبنك الدولي عن مستوى الفقر في مصر عام 2022. مقارنة بـ29.7 في المائة في العام المالي 2019-2020.

وخلال السنوات الخمس الماضية، تراجعت قيمة الجنيه أمام الدولار بشكل حادّ، وارتفعت معدلات التضخم لمستويات غير مسبوقة، إذ انخفضت قيمة الجنيه من 15.5 جنيه في 2020 إلى 50 جنيهاً في 2025، ما ترتب عليه انخفاض القوة الشرائية للمواطنين، ما دفع الحكومة المصرية إلى رفع الحد الأدنى للأجور للعاملين في القطاع العام ليصبح 8 آلاف جنيه مصري شهرياً اعتباراً من يوليو (تموز) المقبل.

ويرى الكاتب الاقتصادي والخبير في أسواق المال، محمد مهدي عبد النبي، أن «المشروع الأحدث يعكس توجهاً من الدولة لفتح سوق عقارات دولي في مصر، لجذب عملة صعبة تساعد على تحسين أزمة العملة الأجنبية في مصر، ما سيؤثر إيجابياً على الاقتصاد الكلي، لكن في الوقت نفسه سينعكس سلباً على أسعار العقارات التي تستطيع شراءها الطبقة الوسطى، وسيزيد نسب التضخم في المجال العقاري».

ويتوقع عبد النبي، في حديثه لـ«الشرق الأوسط»: «أن يكون الأجانب، وبعض المواطنين العرب وبعض المصريين في الخارج الذين راكموا ثروات كبيرة، هم القادرين وحدهم على الشراء في مشروعات الإسكان الفاخر بمصر، أي أنه يستهدف ذوي الملاءة المالية الواسعة».

جزء من تصميم مشروع «ذا سباين» لشركة هشام طلعت مصطفى (موقع الشركة)

وهو ما أكّده موظف المبيعات في مجموعة «طلعت مصطفى»: «نستهدف بشكل أساسي الأجانب والعرب، لشراء الوحدات التي سيتم تسليم أول دفعة فيها بعد 5 سنوات».

الباحثة الثلاثينية منى محمد، تابعت الإعلانات التي تروج لمشروعات الإسكان الفاخر بالآونة الأخيرة، وقالت: «عانيت قبل عامين خلال رحلة بحثي عن شراء شقة بمنطقة حدائق الأهرام (غرب القاهرة)، ولأن المبلغ المطلوب كان (مليون جنيه) أكبر من إمكاناتي المادية أنا وزوجي، اضطررت لبيع مصوغاتي الذهبية والاقتراض حتى نتمكن من دفع ثمنها».

وتعلق منى على مشروعات الإسكان الفاخر، وتقول لـ«الشرق الأوسط» إن «هذا النوع من المشاريع يستفز مشاعر أبناء الطبقات الوسطى والدُنيا حتى الطبقة الغنية، التي ستجد نفسها جارة لطبقات أكثر رفاهية، وتتمتع بمزايا ليست لديها، وغالباً سيكونون من غير المصريين».

واعتبر رئيس الوزراء المصري مشروع «The Spine»: «عالمياً بكل المقاييس، ويحقق نقلة حقيقية في شكل التنمية العمرانية والنمو الاقتصادي للدولة المصرية».

ويرى الباحث في الإنثروبولوجيا، وليد محمود، أن «الكومباوندات السكنية أصبحت جزءاً بارزاً من المشهد العمراني في مصر، تعكس طموحاً نحو حياة أكثر تنظيماً ورفاهية، معتمدة على الخصوصية، والخدمات المتكاملة، والمساحات الخضراء، ما يجذب شريحة واسعة من الطبقة المتوسطة العليا والطبقة الميسورة للإقامة فيها».

خبراء يرون أن المساكن المرفهة تعمّق الهوة الاجتماعية في مصر (شركة طلعت مصطفى)

وأضاف محمود لـ«الشرق الأوسط» أنه «بعيداً عن الصورة المثالية التي تروج لها الحملات الإعلانية، يبرز تساؤل مشروع حول التأثيرات الاجتماعية لهذه الظاهرة، التي تعزز فكرة الانفصال الطبقي، وتخلق تصوراً بأن الحياة الأفضل لا تتحقق إلا داخل هذه الأسوار»، مشدداً على أن «الأزمة لا تقتصر على مفهوم الكمبوندات، بل في اتساع الفجوة بين أنماط السكن المختلفة، وما يصاحبها من شعور متزايد بعدم التكافؤ». على حدّ تعبيره.