ميا موتلي... «محامية الفقراء» تحلم بإنقاذ كوكب الأرض

ضمن أقوى 100 شخصية عالمياً ومرشحة لقيادة الأمم المتحدة

ميا موتلي... «محامية الفقراء» تحلم بإنقاذ كوكب الأرض
TT

ميا موتلي... «محامية الفقراء» تحلم بإنقاذ كوكب الأرض

ميا موتلي... «محامية الفقراء» تحلم بإنقاذ كوكب الأرض

عندما دُعيت ميا موتلي، رئيسة حكومة دولة باربادوس، لم يستوعب كثيرون من متابعي الجلسة الافتتاحية للقمة العالمية للمناخ (Cop27)، التي استضافتها مدينة شرم الشيخ المصرية، السبب وراء اعتلاء تلك السيدة التي لا تشغل منصباً دولياً رفيعاً ولا تقود دولة عظمى، منصة الحديث ضمن الجلسة الرئاسية، وفي مرتبة متقدمة على العديد من قادة العالم المتقدم والدول الكبرى الذين احتشدت بهم القاعة، وجلسوا ينتظرون دورهم في الحديث. لم تقتصر دهشة المتابعين على الترتيب المتقدم لكلمة موتلي، عقب الرئيس المصري باعتباره ممثل الدولة المستضيفة والأمين العام للأمم المتحدة منظمة الحدث، بل كان الأكثر إدهاشاً الإنصات التام الذي خيّم على القاعة إبان إلقاء تلك السياسية - المجهولة لمعظم المواطنين العرب - خطابها بصوت عميق ونبرات حادة وكلمات مختارة بعناية، لم تخل من انتقادات حادة للسياسات العالمية في التعامل مع الفقراء والدول النامية، وضمّنته بعض كلمات الأغاني الثورية والعبارات الشعرية. وبدا أن كثيرين يتساءلون عن سر قوة السيدة التي تقود باربادوس، الدولة - الجزيرة الصغيرة الواقعة بأقصى شرق البحر الكاريبي ولا يقطنها أكثر من 300 ألف مواطن. فما هو سر قوة تلك السيدة التي يبدي قادة العالم المتقدم في حضورها مظاهر التقدير البالغ، ويلتف حولها كثير من نشطاء قضية المناخ في العالم، ويُقال، إن طموحها السياسي يتجاوز ملف المناخ؛ إذ يرشحها لتصدر ترشيحات الشخصيات لقيادة الأمم المتحدة في عام 2026، عقب انتهاء الولاية الثانية لأنطونيو غوتيريش الأمين العام الحالي للمنظمة الأممية.

اسمها الكامل ميا أمور إرنست ديتون موتلي، ويُقال إنها استمدت جينات القوة والقدرة الفائقة على التفاوض العنيد من جدها إرنست (1907 - 1973) الذي كان سمساراً ناجحاً للعقارات، واستطاع أن يوظف قدراته التفاوضية الهائلة ليقتحم عالم السياسة في منتصف القرن الماضي. إلا أنه لم يكن يتصور أن حفيدته الصغيرة «ميا» ستكتب تاريخاً كبيراً لبلدها الصغير باربادوس، وستقود الجزيرة العائمة بين عالمين متباينين: القارة الأميركية المتقدمة في الشمال، ونظيرتها الجنوبية الغارقة في مشاكل جمة تبدو لصيقة بكل ما هو جنوبي في عالم اليوم.
- محامية ومعارضة عنيدة
اكتشفت ميا موتلي قوة شخصيتها منذ سنوات الطفولة، واختارت بعدما فرغت من دراستها في مدرسة الأمم المتحدة الدولية، أن تواصل مسارها في الحياة عبر دراسة القانون، وحصلت على شهادتها الجامعية من إحدى أعراق جامعات العالم... مدرسة لندن للاقتصاد والعلوم السياسية.
كان القانون – وبالذات - حلمها الدائم في إرساء العدالة مفتاحها نحو عالم السياسة الذي ارتمت بين أمواجه لأكثر من ثلاثة عقود كاملة، شغلت فيها مناصب في الحكومة لم تتوفر لامرأة قبلها في باربادوس، التي اعتمدت تاريخياً كمستعمرة بريطانية على زراعة قصب السكر وتصدير منتجاته، وكانت ككل المستعمرات البريطانية رقماً هامشياً في دفاتر «الإمبراطورية التي لا تغرب عنها الشمس».
دخلت موتلي عالم السياسة الباربادوسية لأول مرة عام 1991 عندما خسرت الانتخابات بفارق أقل من 200 صوت عن منافسها، فانضمت إلى المعارضة بين عامي 1991 - 1994. غير أنها ذاقت طعم السلطة عندما فاز حزبها «حزب العمال الباربادوسي» بالانتخابات العامة عام 1994. وعُيِنت على الأثر وزيرة للتعليم وشؤون الشباب والثقافة، وأصبحت في سن التاسعة والعشرين واحدة من أصغر الباربادوسيين الذين تولّوا حقائب وزارية.
يومذاك اتخذت من قضايا التعليم ودعم الشباب والقضايا الاجتماعية كارتفاع معدلات العنف والسرقة وتدني جودة التعليم، ملفات حيوية في فترة وزارتها الأولى، وهو ما حشد لها دعماً شعبياً دفع بها نحو تولي مناصب أعلى، منها منصب النائب العام ووزيرة الداخلية في أغسطس (آب) 2001، لتغدو بذلك أول امرأة تشغل هذا المنصب في باربادوس. وبفضل كفاءاتها القانونية والتشريعية استحقت لقب «مستشار الملكة»، فقد كانت البلاد حتى ذلك الحين دولة تابعة للتاج البريطاني. ولكن بعد 20 سنة، قادت السيدة السمراء باربادوس لتكون آخر الخارجين من «عقد» الملكية البريطانية في عهد الملكة الراحلة إليزابيث الثانية.
لم تكن مسيرة موتلي طوال سنوات عملها السياسي سوى إضافات جديدة في سيرة ذاتية استثنائية. إذ شغلت مناصب رئيسة مجلس النواب وكانت عضواً في مجلس الأمن القومي ومجلس دفاع باربادوس ومجلس الملكة الخاص. يضاف إلى ذلك دورها الرائد في برنامج تحسين قطاع التعليم، الذي مثّل نقطة تحول حقيقية في تاريخ بلادها، وساهم في تحسن إسهام الشباب في التنمية الاجتماعية والاقتصادية المستدامة للجزيرة الصغيرة، عبر الاستخدام واسع النطاق لتقنيات المعلومات والاتصالات للمساعدة في تحسين جودة عملية التعليم والتعلم. فلقد أسهمت رؤيتها «الثورية» في مجال التعليم باحتلال باربادوس المرتبة الـ51 من بين أغنى بلدان العالم من حيث الناتج المحلي الإجمالي للفرد. وهي اليوم تمتلك اقتصاداً مختلطاً متطوّراً ومستوى معيشة عالياً نسبياً، فوفقاً لبيانات البنك الدولي، تأتي بربادوس في المرتبة الـ66 من بين الاقتصادات الأعلى دخلاً في العالم.
- تحقيق حلم «الجمهورية»
ولأن أمواج السياسة لا تعرف استقراراً، عادت موتلي لصفوف المعارضة مجدداً، لكن هذه المرة من موقع القيادة. ومن ثم صارت أول امرأة تقود حزباً وأول امرأة معارضة في بلادها. وحينذاك، أقسمت كقائدة للمعارضة في 7 فبراير (شباط) من عام 2008 على أن يكون حزب «العمال» الذي تقوده معارضة قوية وموحّدة تحارب من أجل حقوق جميع المواطنين. وبالفعل قادت المعارضة مرتين في مجلس النواب: المرة الأولى بين عامي 2008 و2010 والثانية بين عامي 2013 و2018، إلى أن حقق حزبها العمالي بقيادتها انتصاراً تاريخياً ساحقاً في الانتخابات العامة التي أجريت في 24 مايو (أيار) عام 2018، باحتكاره جميع المقاعد الثلاثين في مجلس النواب.
وهكذا، أصبح الحزب الأول الذي يحقق مثل هذا الاكتساح في تاريخ البلاد، علماً بأنه حصد أيضاً 72.8 في المائة من الأصوات الشعبية، وهي أعلى نسبة يحققها حزب على الإطلاق في الانتخابات العامة.
في هذه الأثناء، ظل حلم موتلي القديم بتحويل بلادها إلى جمهورية حياً. وطبعاً أهلها تفويضها الشعبي الكاسح لتحقيق ذلك الحلم الذي عبّر عنه إيرول بارو، أول رئيس وزراء لباربادوس بعد حصولها على الاستقلال عام 1966، عندما قال «لا يجوز لباربادوس أن تظل تتسكع في المرحلة الاستعمارية». وهذا ما حصل، عندما قادت الزعيمة الطموحة بلادها، التي تشتهر بشواطئها الجميلة وبلعبة الكريكيت، وبتراث مزدوج يجمع بين التقاليد الإنجليزية العريقة والتراث الأفريقي الذي ينعكس في موسيقاها ورقصها، إلى ارتداء ثوب الجمهورية.
وفي الانتخابات العامة التي أجريت في 19 يناير (كانون الثاني) 2022، وهي الأولى في «العهد الجمهوري»، كرر حزب موتلي إنجازه التاريخي بحصوله على كل المقاعد للمرة الثانية، إلا أن الزعيمة التي جربت العمل في صفوف الحكومة والمعارضة على حد سواء، أصرت على ألا يكون غياب المعارضة في عهدها مبرراً لتغييب صوت القوى السياسية الأخرى، فحافظت على إرث سياسي منفتح. وراهناً، تخلو وسائل الإعلام في الجزيرة من الرقابة وسيطرة الدولة، فجميع الصحف مملوكة للقطاع الخاص، وثمة مزيج من المحطات الإذاعية الخاصة والعامة، وتدار المحطة التلفزيونية الوحيدة من قِبل هيئة الإذاعة الكاريبية المملوكة للحكومة، وتعرض مجموعة كبيرة من الآراء السياسية.
- قضية «حياة أو موت»
لم يكن ظهور ميا موتلي على الساحة الدولية وليد إنجازها المحلي، ونجاحها في قيادة تحول تاريخي لبلادها الصغيرة فحسب، بل لأنها أيضاً استطاعت أن تضع اسمها بين أكثر المؤثرين عالمياً في قضية باتت تشغل الاهتمام الدولي في العقود الأخيرة، وهي قضية المناخ.
وجاء اهتمام موتلي بتلك القضية نابعاً من انشغالها بمستقبل بلادها التي يهددها الخطر من كل اتجاه. فباربادوس تنجو أحياناً من أسوأ آثار العواصف الاستوائية والأعاصير خلال موسم الأمطار، حيث موقعها في أقصى شرق البحر الكاريبي يضعها خارج بؤرة الأعاصير الرئيسية. لكن ذلك لا يضمن لها البقاء بمأمن من تغيرات المناخ الصاخبة، وارتفاع منسوب مياه البحار والمحيطات، الأمر الذي يمثل بالنسبة لباربادوس قضية «حياة أو موت»، وهو التعبير الذي تحرص موتلي على ترديده في خطاباتها ذات النبرة القوية في منتديات المناخ.
ولعل الخطاب الذي ألقته موتلي أمام قمة غلاسغو للمناخ باسكوتلندا العام الماضي، هو ما لفت إليها الأنظار. إذ استحوذ خطابها القاسي أمام الجمهور الذي ضم الرئيس الأميركي جو بايدن ورئيس الوزراء البريطاني الأسبق بوريس جونسون، على اهتمام قادة العالم، وفيه حذرت من أن ارتفاع درجات الحرارة يشكل «عقوبة إعدام مخيفة» للدول الجُزرية من أنتيغوا وباربادوس إلى فيجي وجزر المالديف.
الخطاب الحماسي تصدّر عناوين الصحف في جميع أنحاء العالم، وبالنسبة لكثيرين كان بمثابة مقدمة للتعرف على شخصية موتلي، التي حازت في العام نفسه جائزة «أبطال الأرض» في فئة السياسات والقيادة هذا العام، وهي أعلى تكريم بيئي تمنحه الأمم المتحدة لمن يكون لأعمالهم تأثير جوهري على البيئة. وورد في حيثيات منح الجائزة، أن موتلي «أمضت سنوات في شن حملات ضد التلوث وتغير المناخ وإزالة الغابات؛ ما جعل بربادوس رائدة في الحركة البيئية العالمية».
- نضال بروح «بوب مارلي»
استفادت موتلي من شعبيتها، وفهمها الدقيق للتمويل الدولي، وقدرتها غير العادية على تلخيص القضايا الاقتصادية المعقدة بلغة واضحة لانتزاع إعجاب المشاركين، وبخاصة من الأجيال الشابة المتحمسة لقضايا المناخ، والأشد انتقاداً لتقاعس الدول المتقدمة عن التعاطي بجدية مع شواغل الدول الأقل نمواً. ولم تقتصر براعة موتلي الخطابية على قدراتها التبسيطية لقضايا بالغة التعقيد، بل استغلت أيضاً قوة الأغنية، فنسجت كلمات أشهر المغنين الكاريبيين، بما في ذلك الجامايكي الراحل بوب مارلي (أشهر مغني «ريغي» في العالم) في مناشداتها من أجل النضال الدولي لتحقيق المساواة العالمية وتوحيد القرار الإنساني. ونجحت، كما نجحت كلمات مارلي البسيطة والعميقة حول التمرد على الظلم، ودعم العدالة والحرية والسلام، ومحاربة الفقر، ونشر الحب بكل أنواعه، أن تجذب لفنه الملايين من كل الأجناس والأعراق.
لقد استطاعت دعوة موتلي البيئية تحويلها من قائدة لدولة جُزرية صغيرة إلى قوة عالمية معنية بتغير المناخ. وهو ما دفع اسمها لتصدر الترشيحات لمنصب الأمين العام للأمم المتحدة في عام 2026، كأول امرأة يمكن أن تتولى منصب الأمين العام. ويذكر أن مجلة «تايم» الأميركية الشهيرة اختارتها ضمن قائمة أكثر 100 شخصية مؤثرة في العالم للعام 2022، إلى جانب الرؤساء جو بايدن وفلاديمير بوتين وفولوديمير زيلينسكي. وثمة اعتراف بين الساسة حالياً بأنها بلغت مستويات عالية من الشهرة والتأثير عالمياً، لدرجة أنه بات من المفيد للقادة الظهور إلى جوارها حتى وإن لم يشاركوها الاتفاق في رؤيتها العالمية. ويدلل أصحاب هذا الرأي على هذا، بأنه رغم معارضة الرئيس الأميركي بايدن، في قمة المناخ العام الماضي، للمقترحات التي تدعمها موتلي لتحميل الدول ذات الدخل المرتفع المسؤولية عن الدمار الناجم عن تغيرات المناخ، فإنه أمسك بيدها أثناء سيرهما معاً؛ الأمر الذي كان له وقع خاص على المهتمين بقضايا المناخ في العالم.
- أكبر من قضية مناخ
الواقع، أن نضال موتلي من أجل العدالة العالمية، يتجاوز في شموله وعمقه قضية المناخ. وحقاً، عبرت موتلي (57 سنة) عن تلك الرؤية بوضوح في «COP27»، عندما دعت إلى إعادة النظر في النظام المالي الذي وُلد في بريتون وودز (الولايات المتحدة) بعد نهاية الحرب العالمية الثانية، وحثت المانحين والبنوك إعطاء الأولوية لتحقيق أهداف التنمية المستدامة ومساعدة البلدان الأكثر تضرراً من الانحباس الحراري على امتصاص الصدمات.
وفي كلمتها أمام قمة شرم الشيخ، طرحت موتلي تساؤلاً منتقداً للسياسات المالية العالمية عندما قالت «كم من الدول ننتظر أن تخفق وتتردى لمعاناتها من تبعات الحرب والتضخم، والعجز عن التصدي للتحديات المرتبطة بإيجاد الموارد المالية لتمويل مشاريع لبلوغ صافي صفر من الانبعاثات، خاصة في ظل أن دول الشمال تقترض بفائدة تتراوح بين 1 و4 في المائة، بينما تقترض دول الجنوب بفائدة 14 في المائة، أين الشراكات؟ ولماذا لا تنجح؟».
ومن ثم، أكدت الزعيمة الباربادوسية على ضرورة الالتزام بإطلاق العنان للتمويل الميسّر والتمييزي للبلدان الهشة والنامية، فلا فرصة لهم في الارتقاء دون هذا التمويل التمييزي، كما تحدثت عن الخسائر والأضرار المناخية التي تمس الدول النامية.


مقالات ذات صلة

صندوق النقد الدولي: إصلاحات نيجيريا تعزز الاستقرار لكن الفقر لا يزال مرتفعاً

الاقتصاد صورة جوية بطائرة مسيّرة لمنطقة المارينا في لاغوس (رويترز)

صندوق النقد الدولي: إصلاحات نيجيريا تعزز الاستقرار لكن الفقر لا يزال مرتفعاً

قال صندوق النقد الدولي إن حزمة الإصلاحات الاقتصادية التي نفّذتها نيجيريا أسهمت في تعزيز الاستقرار الكلي واستعادة ثقة المستثمرين.

«الشرق الأوسط» (لاغوس)
الاقتصاد تنتشر المراهنات الإلكترونية بشكل واسع في جميع أنحاء أفريقيا حيث من المتوقع أن تصل إيرادات الألعاب الإجمالية إلى 13.5 مليار دولار خلال العام الجاري أي أكثر من ضعف مستواها في 2023 (إكس)

شركات أفريقية تحذِّر من استنزاف المراهنات الإلكترونية ميزانيات الأسر

حذَّر قادة كبريات الشركات في أفريقيا، من أن ازدياد انتشار المراهنات الإلكترونية في أفريقيا يؤدي إلى استنزاف ميزانيات الأسر المخصصة عادة لشراء المواد الغذائية.

«الشرق الأوسط» (جوهانسبرغ (جنوب أفريقيا))
يوميات الشرق طُرحت فئة تذاكر بمليون جنيه في حفل عمرو دياب المقبل (حسابه على «فيسبوك»)

حفلات نجوم الغناء تعمّق «الفجوة الطبقية» في مصر

عمّقت الزيادات المتتالية في أسعار حفلات نجوم الغناء «الفجوة الطبقية» بمصر مع ارتفاع أسعار التذاكر بشكل لافت خلال الآونة الأخيرة.

أحمد عدلي (القاهرة)
العالم البابا ليو الرابع عشر يصل إلى بازيليكا الحبل بلا دنس في اليوم العاشر من زيارته الرعوية التي تستغرق 11 يوماً إلى أفريقيا في مونغومو بغينيا الاستوائية 22 أبريل 2026 (أ.ب)

البابا ليو يندد بالتفاوت الطبقي في آخر يوم من جولته الأفريقية

استغل البابا ليو اليوم الأخير من جولته الأفريقية التي شملت 4 دول للتنديد بالتفاوت الطبقي، ودعا الأربعاء إلى العمل من أجل سد الفجوة بين الأغنياء والفقراء.

«الشرق الأوسط» (مونغومو)
يوميات الشرق جزء من تصميم مشروع «ذا سباين» لشركة هشام طلعت مصطفى (موقع الشركة)

أسعار المساكن الفاخرة تعمّق «الهوة الطبقية» في مصر

يقطع المهندس المعماري محمد رجب يومياً أكثر من 30 كيلومتراً للذهاب إلى موقع عمله في الامتداد الصحراوي لمحافظة الجيزة (غرب القاهرة).

رحاب عليوة (القاهرة)

واشنطن ترسم بـ«القنابل» حدود التفاوض مع طهران

مروحيات "أباتشي" فوق مياه مضيق هرمز (آ ف ب/سنتكوم)
مروحيات "أباتشي" فوق مياه مضيق هرمز (آ ف ب/سنتكوم)
TT

واشنطن ترسم بـ«القنابل» حدود التفاوض مع طهران

مروحيات "أباتشي" فوق مياه مضيق هرمز (آ ف ب/سنتكوم)
مروحيات "أباتشي" فوق مياه مضيق هرمز (آ ف ب/سنتكوم)

لم تعد المواجهة الأميركية - الإيرانية تدور عند هامش الهدنة، أو في منطقة الالتباس بين الحرب والتفاوض؛ فمع الضربات الجوية الأميركية، دخلت الأزمة طور «التفاوض تحت النار»؛ إذ نفّذ الرئيس الأميركي دونالد ترمب تهديداته بعدما اتهم طهران بالمماطلة و«اللعب على الوقت»، وأمر بموجة ضربات على أهداف في جنوب إيران، شملت، بحسب مسؤولين أميركيين، منظومات دفاع جوي ورادارات ووحدات قيادة وسيطرة للطائرات المسيّرة. كذلك، لم تعد واشنطن تعرض القوة باعتبارها رداً محدوداً على إسقاط مروحية «أباتشي» أميركية قرب مضيق هرمز فحسب، بل كأداة ضغط لإجبار إيران على القبول باتفاق بشروط أميركية. وبهذا المعنى، انتقلت إدارة ترمب من الردع الدفاعي إلى «الدبلوماسية القسرية» المكشوفة. وتصريحات وزير الدفاع بيت هيغسيث، بأن واشنطن «ستفاوض بالقنابل إذا لزم الأمر»، أوضحت الهدف السياسي من الضربات. لكن المفارقة الخطرة أن استخدام القوة لتقصير طريق الاتفاق قد يدفع طهران إلى رد يوسّع الاشتباك، ويفتح الباب أمام حرب تقول واشنطن إنها لا تريدها.

بدأ التصعيد الأخير في «الحرب الإيرانية - الأميركية - الإسرائيلية» بردّ أميركي على إسقاط مروحية من نوع «أباتشي» في منطقة مضيق هرمز. وفي حينه بدت الضربات الأولى محسوبة: استهداف رادارات ومنظومات دفاعية ومواقع تحكّم، مع الحرص على تجنب سقوط قتلى إيرانيين يفرضون على طهران ردّاً أكبر. إلا أن موجة الأربعاء غيّرت المعنى السياسي والعسكري للعملية. ذلك أن الضربة الثانية لم تُقدَّم فقط بوصفها انتقاماً من حادث بعينه، بل كجزء من قرار أميركي بزيادة الكلفة على إيران كلما تأخرت في توقيع اتفاق.

أكبر من رسالة وأقل من حرب

هذا التدرّج يشرح حسابات ترمب، أي: ضربات كبيرة بما يكفي لإيصال رسالة، ومحدودة بما يكفي لتجنب حرب شاملة.

إنه يريد إثبات أن تهديداته ليست كلاماً انتخابياً، مع إبقاء الباب مفتوحاً أمام صفقة. غير أن المعادلة باتت أكثر هشاشة، بعدما تحوّلت التهديدات إلى ضربات مباشرة داخل أراضٍ إيرانية حساسة بجنوب البلاد وقرب مضيق هرمز.

فرزين نديمي، الباحث المتخصص في شؤون الأمن والدفاع في إيران ومنطقة الخليج في «معهد واشنطن لشؤون الشرق الأدنى»، رأى في لقاء مع «الشرق الأوسط»، أن الطرفين يحاولان في هذه المرحلة «فرض إرادتيهما ووضع القواعد». وهنا لا يستبعد نديمي كلياً أن يكون اصطدام المسيّرة الإيرانية بالمروحية الأميركية حادثاً غير مقصود، لكنه يقرأ السلوك الإيراني في سياقه الأوسع، أي أنه محاولة لإظهار مَن يملك اليد العليا في المضيق، والتدخل في العمليات الأميركية، واختبار حدود الردع الأميركي. ولذا، في رأيه، جاء رد ترمب السريع على أهداف عسكرية داخل إيران لإفهام طهران أن العبث بحرية الحركة الأميركية في الخليج لن يبقى بلا ثمن.

في المقابل، تدرك واشنطن أن مقتل جنود أميركيين أو إصابة منشآت خليجية كبرى قد يخرج الأزمة من دائرة «الضغط من أجل الاتفاق» إلى دائرة الحرب. ولهذا فإن عبارة «الضرب من أجل التفاوض» لا تلغي خطر الانزلاق، بل تكشف عنه. فالقوة هنا محاولة لإعادة ترتيب الطاولة قبل الجلوس إليها، لكن الطرف الآخر قد يردّ على الطاولة نفسها بالقوة أيضاً.

ربط الساحات

في خلفية التصعيد، تواصل إيران العمل بمنطق «ربط الساحات». وهي اليوم لا تتعامل مع مضيق هرمز، والملف النووي، ولبنان، وإسرائيل، والقواعد الأميركية كملفات منفصلة، بل تحاول تحويلها إلى أوراق داخل مساومة واحدة مع واشنطن: فإذا ضُغط عليها نووياً، لوّحت بالملاحة؛ وإذا استُنزف «حزب الله» في لبنان، أمكنها التصعيد ضد إسرائيل أو في الخليج؛ وإذا طُلبت منها تنازلات قاسية، حضرت ورقة القواعد الأميركية والسفن ومنشآت النفط.

نديمي، بالتالي، يضع المسألة في إطارها السياسي الأوضح. فهو يقول إن النظام الإيراني يريد إدخال لبنان، أو على الأقل بيروت وضواحيها، في أي «صفقة» مع الولايات المتحدة، لكنه يستبعد قبول إسرائيل بذلك. وبحسب هذه القراءة، لا يقتصر «ربط الساحات» على تحريك حلفاء أو إطلاق صواريخ، بل يشمل أيضاً استخدام خطر اشتعال الجبهة الإيرانية - الإسرائيلية، وتهديد المضيق والقواعد الأميركية، من أجل منع إسرائيل من استكمال تقويض «حزب الله» في لبنان، ومنع الدولة اللبنانية من احتكار القرارين الأمني والعسكري.

لكن هذه الاستراتيجية تعكس القدرة على التعطيل أكثر مما تعكس قدرة على فرض تسوية مستقرة؛ فإيران تستطيع إرباك الملاحة، لكنها لا تتحمل إغلاقاً طويلاً للمضيق من دون رد عسكري واقتصادي واسع. وهي تستطيع أيضاً استخدام «حزب الله» كورقة ردع، لكنها لا تستطيع بسهولة إعادة بناء موقعه السابق بعد الحرب والضربات الإسرائيلية والضغط الأميركي. ثم إن تفوّق الولايات المتحدة وإسرائيل الجوي والاستخباراتي يجعل كلفة المواجهة المفتوحة باهظة.

لا تتعامل واشنطن مع هرمز والنووي ولبنان وإسرائيل والقواعد الأميركية كملفات منفصلة

مضيق هرمز: ورقة الضغط الأخطر

يبقى مضيق هرمز قلب الأزمة. فإسقاط المروحية الأميركية، والحديث عن مضايقة السفن، والضربات على الرادارات والدفاعات الجوية في الجنوب الإيراني، عناصر تؤكد أن الصراع على المضيق صار أحد مفاتيح التفاوض.

واشنطن تريد تثبيت أن المرور في هذا الشريان العالمي لن يخضع لإذن إيراني، وأن أي محاولة لفرض «رسوم سياسية» أو أمنية على الملاحة ستواجه بالقوة. أما إيران فتريد إثبات أن أي اتفاق يتجاهل قدرتها على التأثير في المضيق سيكون اتفاقاً ناقصاً.

وتنسجم هذه القراءة مع ما يقوله نديمي عن أن طهران لا تختبر فقط قدرة واشنطن على الرد، بل تختبر أيضاً مدى استعدادها لفرض قواعد اشتباك جديدة في الممر البحري الأكثر حساسية في العالم. وهي مع محاولة إظهار اليد العليا في المضيق لا تهدف فقط إلى إحراج الجيش الأميركي، بل إلى تثبيت فكرة أن أي تفاهم حول النووي أو العقوبات أو خفض التصعيد لا يمكن أن يتجاهل موقع إيران الجغرافي وقدرتها على تهديد خطوط الطاقة.

هذه النقطة تكتسب أهمية أكبر بعد كشف ترمب عن عمليات أميركية لمرافقة سفن تجارية عبر المضيق، وكلامه عن استمرار تدفق كميات كبيرة من النفط على الرغم من التهديدات الإيرانية. وحتى لو بالغ في تصوير العملية باعتبارها «سرية»، تظل الرسالة السياسية واضحة وهي واشنطن تريد كسر الانطباع بأن إيران تستطيع خنق السوق النفطية العالمية متى شاءت. فاضطراب التأمين والشحن يمنح طهران ورقة ضغط، بينما نجاح واشنطن في تأمين المرور يضعفها.

... لبنان داخل «الصفقة الكبرى»

وسط هذه المواجهة، لا يغيب لبنان عن الحسابات الإيرانية والأميركية والإسرائيلية. فإيران تنظر إلى «حزب الله» باعتباره آخر أوراق نفوذها الكبرى في المشرق، وأي تسوية لا تحمي موقعه أو تمنع استكمال إضعافه ستُقرأ في طهران كهزيمة استراتيجية. لذا تحاول إيران، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، إدخال لبنان في أي تفاهم مع واشنطن، أو على الأقل منع إسرائيل من استثمار اللحظة لإعادة رسم ميزان القوى جنوب لبنان.

في المقابل، لا تريد واشنطن أن تتحوّل المفاوضات اللبنانية - الإسرائيلية إلى رهينة إيرانية. ويشرح ديفيد شينكر، نائب وزير الخارجية الأميركي الأسبق لشؤون الشرق الأدنى، أن إدارة ترمب تدرك مخاوف الحكومة اللبنانية من مواجهة مباشرة مع «حزب الله»، لذلك تدفع بخطة تقلل احتمالات الصدام تتضمن نشر وحدات الجيش اللبناني في مناطق تكون إسرائيل قد أخلتها من عناصر الحزب ومخازنه، ثم تتولى منع عودة المقاتلين والسلاح إليها. ويضيف شينكر أن عودة السكان، وبالذات الشيعة، قد تمنح الحكومة رصيداً إذا نجحت في تأمين المناطق. لكنه يحذّر من أن «حزب الله» سيختبر الجيش ويحاول إعادة بناء حضوره، وأن الخطة ستفشل ما لم يتخذ الجيش خطوات فعلية لمنع ذلك.

هنا تدخل العقوبات الأميركية كأداة ضغط موازية للضغط العسكري في الخليج. وبحسب شينكر، فإن صدور عقوبات جديدة مسألة «شبه مضمونة»، وأن استهداف معاوني رئيس مجلس النواب نبيه برّي الأمنيين «كان رسالة بأنه نفسه سيحاسَب إذا عرقل المسارين السياسي والعسكري بين لبنان وإسرائيل». أما العقوبات على ضباط في الأمن العام واستخبارات الجيش، فهي في رأيه أهم؛ لأنها تستهدف نمطاً قديماً من التنسيق والتسريب والتعايش بين مؤسسات أمنية لبنانية و«حزب الله». وبالتالي، فالرسالة الأميركية ليست موجهة إلى الحزب وحده، بل أيضاً إلى بنية الدولة التي سمحت له بالبقاء داخل القرار الأمني.

عقدة «النووي» والصفقة الناقصة

في سياق متصل، في قلب التصعيد كله، تبقى المفاوضات النووية. فواشنطن لا تريد تهدئة عسكرية فقط، بل «اتفاقاً ذا معنى»، كما قال ترمب، يقيّد البرنامج النووي الإيراني لسنوات.

الملفات المطروحة معقدة: تعليق التخصيب، التعامل مع مخزون اليورانيوم المخصب، تعطيل أو تفكيك منشآت رئيسية، وقبول تفتيش مفاجئ. وهذه ليست تنازلات تقنية بسيطة، بل تمسّ ما تعدّه إيران سيادة وطنية ورمزاً لقدرتها على تحدي الضغوط الغربية.

لذلك، تبدو طهران مترددة. فهي تريد تخفيف العقوبات والإفراج عن الأموال المجمّدة والاعتراف بدورها الإقليمي، لكنها لا تريد الظهور كأنها وقّعت تحت القصف.

ثم إنها تخشى من أن يؤدي اتفاق نووي صارم إلى تقليص أوراق قوتها من دون ضمانات لبقاء نفوذها الإقليمي. لكن مغادرة الوفد القطري المفاوض للعاصمة طهران، مساء الأربعاء، من دون تحقيق أي خرق دبلوماسي، أكدت أن الفجوة لا تزال عميقة. وفي المقابل، يعتقد ترمب أن الوقت الذي منحته واشنطن لإيران استُهلك بلا نتيجة، وأن الضربات قد تكسر المراوحة وتدفع طهران إلى قرار سريع.

الدبلوماسي الأميركي المخضرم دينيس روس رأى في مقالة رأي أن لجوء ترمب لسياسات الضغط القصوى دفع القادة الإيرانيين إلى الشعور بأنه ليس لديهم ما يخسرونه، فاستخدموا أوراقاً قصوى كتعطيل الملاحة. لكن روس يشدد على أن الاقتصاد الإيراني بات على حافة الانهيار، وأن تدمير الرادارات والدفاعات الجوية وشبكات المياه - كما حدث في مقاطعة سيريك الإيرانية - يعمّق أزمات النظام الداخلية.

ويضيف روس أن «الخطر الأكبر ليس في انهيار المفاوضات فقط، بل في التوصل إلى صفقة ناقصة». فقد ينجح الطرفان في وقف الضربات وفتح المضيق وتجميد بعض عناصر البرنامج النووي، لكن من دون معالجة آليات التصعيد الأخرى، مثل: المضايقات البحرية، ونشاط «حزب الله» في لبنان، وحرية إسرائيل في تنفيذ ضربات ضد أهداف إيرانية أو حليفة لإيران. عندها لن تنتهي الحرب، بل سيعاد تنظيمها في اشتباكات محسوبة قابلة للانفجار في أي لحظة.

أيضاً فإن تخفيفاً اقتصادياً واسعاً وغير مشروط للعقوبات قد يمنح النظام الإيراني فرصة لإعادة ترميم قدراته وشبكاته الإقليمية، بينما قد يدفعه الضغط بلا أفق سياسي إلى تصعيد أوسع. لذلك تبدو واشنطن أمام توازن بالغ الدقة: أن تقدم لإيران مخرجاً لا يبدو إنقاذاً مجانياً، وأن تفرض قيوداً لا تجعل التوقيع مستحيلاً، وأن تردع من دون أن تنزلق إلى حرب لا تريدها.


أربع قضايا نووية تركز عليها أميركا وإيران في المباحثات

صورة أقمار اصطناعية تُظهِر منشأة «نطنز» النووية بمحافظة أصفهان وسط إيران 7 مارس 2026 (أ.ف.ب)
صورة أقمار اصطناعية تُظهِر منشأة «نطنز» النووية بمحافظة أصفهان وسط إيران 7 مارس 2026 (أ.ف.ب)
TT

أربع قضايا نووية تركز عليها أميركا وإيران في المباحثات

صورة أقمار اصطناعية تُظهِر منشأة «نطنز» النووية بمحافظة أصفهان وسط إيران 7 مارس 2026 (أ.ف.ب)
صورة أقمار اصطناعية تُظهِر منشأة «نطنز» النووية بمحافظة أصفهان وسط إيران 7 مارس 2026 (أ.ف.ب)

على الرغم من حدة الاشتباكات الميدانية، فقد كشفت التقارير الدبلوماسية عن أن خلف الكواليس تستمر مفاوضات صاغ فيها مساعدو الرئيس ترمب مع وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي الخطوط العريضة لاتفاق نووي محتمل مدته 15 سنة، يتجاوز مجرد تأمين حرية الملاحة في مضيق هرمز المغلق منذ ما يزيد على 100 يوم. وبحسب صحيفة الـ«نيويورك تايمز»، الخلاصات الأساسية لهذه المفاوضات المعقدة، تتمحور حول أربعة ملفات شائكة:

- مدة تعليق التخصيب: تطالب واشنطن بوقف كامل لتخصيب اليورانيوم لمدة لا تقل عن 20 عاماً، في حين تصر طهران على 10 سنوات، مع وجود مؤشرات على إمكانية التسوية عند 15 عاماً.

- مصير المخزون المخصب: تسعى الولايات المتحدة بالتعاون مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية لـ«تخفيف» كامل المخزون الإيراني البالغ 11 طناً (بما في ذلك الوقود القريب من درجة إنتاج الأسلحة)، وسط خلاف حول ما إذا كان التدمير سيجري محلياً أم بنقله خارج البلاد.

- تفكيك المنشآت الحصينة: تصرّ واشنطن على التفكيك التام لمواقع نطنز وفوردو وأصفهان، التي تضررت سابقاً في ضربات «مطرقة منتصف الليل»، بينما ترفض إيران التخلي عما تسميه «حق التخصيب» وتطالب بالإبقاء على منشأة واحدة مفتوحة.

- التفتيش الفجائي والصارم: يطالب الجانب الأميركي بمنح المفتشين الدوليين صلاحية الدخول «في أي وقت وإلى أي مكان»، وهو ما يواجه ممانعة إيرانية شديدة؛ نظراً لوجود العديد من المواقع المشتبه بها داخل القواعد العسكرية المغلقة التابعة لـ«الحرس الثوري».

وتُظهر الخلاصات أن أي اتفاق نووي مستقبلي - رغم أفضليته الفنية مقارنة باتفاق عام 2015 - سيبقى رهينة لمدى التزام النظام الإيراني على أرض الواقع، وقدرته على كبح جماح التيار المتشدد داخل «الحرس الثوري»، الذي يرى في هذه الشروط استسلاماً كاملاً. وهو ما يفسر لجوء طهران لرفع وتيرة التصعيد العسكري كأداة لتحسين شروط التفاوض هرباً من تقديم تنازلات استراتيجية تمس جوهر بقاء النظام ونفوذه الإقليمي.


عمر أرتان... موهبة صومالية أفقدتها حسابات السياسة صافرة «المونديال»

في أبريل 2026 أصبح أرتان أول حكم كرة قدم صومالي يُسمى للتحكيم في نهائيات كأس العالم
في أبريل 2026 أصبح أرتان أول حكم كرة قدم صومالي يُسمى للتحكيم في نهائيات كأس العالم
TT

عمر أرتان... موهبة صومالية أفقدتها حسابات السياسة صافرة «المونديال»

في أبريل 2026 أصبح أرتان أول حكم كرة قدم صومالي يُسمى للتحكيم في نهائيات كأس العالم
في أبريل 2026 أصبح أرتان أول حكم كرة قدم صومالي يُسمى للتحكيم في نهائيات كأس العالم

في أحد أحياء العاصمة الصومالية مقديشو ووسط أجواء حرب أهلية، أبصر عمر أرتان النور يوم يونيو (حزيران) 1992، ليشق طريقه وسط ظروف قاسية نحو عالم كرة القدم. لم يكن نجماً يطارد الأهداف؛ بل كان حكماً حمل الصافرة ليصبح وجهاً صومالياً بارزاً في الملاعب الأفريقية. وبعد 34 سنة وبالشهر ذاته، يونيو 2026، كاد أرتان يولد من جديد ويدخل منصة الكبار عبر حلم «المونديال» بالمشاركة في نهائيات كأس العالم التي انطلقت الخميس، لولا «كارت أحمر» أصدرته واشنطن ضده في مطار ميامي الأميركي، بزعم «تطبيق قانون يمنع دخول جنسيات من بينها الصومال». وهكذا تحوّل عمر إلى «أيقونة عالمية»، وتصدّر اسمه النشرات الإخبارية وسط مواقف دعم من مختلف البلدان، واستقبلته بلاده استقبال الملوك في احتفال غير مسبوق، وتقدّم المستقبلين الرئيس حسن شيخ محمود.

في مسيرة الـ34 سنة، نجاحات عديدة خطّها عمر عبد القادر أرتان، الحاصل على بكالوريوس في التنمية. وفي دولة أنهكتها الحرب الأهلية، يواجه كثيرون تحدّيات جمة في رسم مستقبل ناجح، ولكن كان لأرتان رأي آخر تكشفه الأرقام؛ إذ سرعان ما حصل على الشارة الدولية في عام 2018، وأدرج رسمياً في قائمة حكام «الفيفا» (الاتحاد الدولي لكرة القدم) الدوليين بعد سنتين فقط من حصوله على فرصة التحكيم في دوري الدرجة الأولى الصومالي عام 2016، و4 سنوات من ولوجه تدريبات التحكيم الرياضي عام 2014، وبدء إدارة الدرجة الثالثة بالدوري الصومالي.

اعتماده حكماً دولياً

كانت أول مباراة تولّى أرتان تحكيمها خارج النطاق المحلي، بعد اعتماده حكماً دولياً، مباراة أجريت في كينيا بين فريقي ناديين من كينيا ومدغشقر. وبعدها شارك أرتان حكماً في دورة اتحاد شمال أفريقيا تحت 20 سنة في عام 2022، وفي كأس الأمم الأفريقية تحت 23 سنة في عام 2023.

ثم، في يناير (كانون الثاني) 2024، أصبح أول صومالي يدير مباراة في كأس الأمم الأفريقية بكوت ديفوار، لدى إشرافه على لقاء تونس وناميبيا ضمن دور المجموعات، وقد وصفت وكالة الأنباء الصومالية (صونا) تلك المباراة يومذاك، بـ«المباراة الصعبة».

هذا السجل المشرّف لم يتوقف؛ إذ صار أرتان أول صومالي يحكم مباراة نهائي أفريقيا، حين أدار مباراة الإياب بين بيراميدز المصري وماميلودي صنداونز الجنوب أفريقي في القاهرة، وكانت تلك الخطوة المتفردة في شهر يونيو (حزيران) في عام 2025.

وفي يوليو (تموز) 2025، اختير الحكم الصومالي الموهوب ضمن قائمة «الفيفا» التي يدير حكامها مباريات كأس العالم للشباب تحت 20 سنة، التي نظمت في تشيلي. وبعدها، في نوفمبر (تشرين الثاني) 2025، عرف أرتان نجاحاً جديداً وكبيراً عندما توّج بجائزة «أفضل حكم في أفريقيا» لعام 2025، خلال حفل جوائز الاتحاد الأفريقي لكرة القدم (الكاف) الذي استضافته العاصمة المغربية الرباط، وكان هذا الإنجاز وفق وكالة الأنباء الصومالية «الأكبر في تاريخ التحكيم الصومالي».

حكم أفريقيا البارز

جاء اختيار أرتان، في حينه، بعد منافسة قوية مع حكمين من جنوب أفريقيا وموريشيوس. وأعلنت لجنة الجوائز في «الكاف» فوزه تقديراً لأدائه الاستثنائي خلال العام الحالي، وإدارته عدداً من أهم المباريات القارية والدولية، وعلى رأسها نهائي دوري أبطال أفريقيا، ومباريات كأس العالم تحت 20 سنة التي تُوِّج بها المنتخب المغربي.

وحقاً، يُعدّ هذا التتويج محطة بارزة في مسيرة أرتان، الذي لمع اسمه خلال السنوات الأخيرة بفضل انضباطه، وحرفيته، وقراراته الدقيقة داخل الملعب، ما جعله - بحسب وكالة الأنباء الصومالية - واحداً من أبرز حكام القارة.

ومن ثم، دفع هذا التتويج رئيس الصومال، حسن شيخ محمود، للقاء أرتان والإشادة به، واعتبار نجاحه «إنجازاً تاريخياً يعكس صورة مشرقة للشباب الصومالي وقدرته على التنافس في الميادين الدولية». وأردف أنه «يمثل نموذجاً للإصرار والتميز... وفوزه يشرف الصومال وشعبها».

في مصاف «الكبار»... وصدمة مؤلمة

في أبريل (نيسان) 2026، دخل عمر أرتان مكانة الكبار في كرة القدم باختياره للمشاركة في نهائيات كأس العالم لكرة القدم، ليصبح بذلك أول حكم صومالي يبلغ هذا الإنجاز التاريخي في مسيرة الرياضة الوطنية. وهذه المحطة دفعت رئيس البلاد لتهنئته للمرة الثانية، واعتباره «نموذجاً مُلهماً ومصدر فخر للأجيال الصاعدة من الشباب الطامح إلى التميز».

غير أن فرحة مقديشو وعمر أرتان لم تدُم سوى شهرين؛ إذ صدمه قرار رسمي أميركي من واشنطن منعه في يونيو الحالي من دخول البلاد.

فلقد أوقف أرتان في مطار ميامي ومنع من دخول الولايات المتحدة، ونقلت وكالة «رويترز» الأربعاء، عن إدارة الجمارك وحماية الحدود الأميركية في بيان، أن مواطناً صومالياً، دون ذكر اسمه، وصل إلى مطار ميامي الدولي آتياً من إسطنبول يوم السبت الماضي، واعتُبر غير مسموح له بالدخول بسبب مخاوف تتعلق بالتحريات الأمنية. وجاء القرار بعد أشهر من فرض واشنطن حظراً شاملاً على سفر مواطني 12 دولة منها الصومال في عام 2025.

الاتحاد الدولي (الفيفا) أكد الاثنين الماضي، أن أرتان لن يتمكن من التدريب والتحكيم في نهائيات كأس العالم، التي انطلقت الخميس في كل من الولايات المتحدة وكندا والمكسيك. ولم يجد الرئيس الأميركي دونالد ترمب، تبريراً في مواجهة انتقاد رياضي بدأ يتزايد إلى أن يخرج الأربعاء، مدّعياً أن الولايات المتحدة منعت دخول الحكم الصومالي بسبب صلته بأفراد «يشتبه في انتمائهم إلى منظمات إرهابية»، من دون أن يقدم دليلاً على ذلك.

غير أن اتهام ترمب كان بلا صدى؛ إذ كان ضجيج الاحتفالات والتضامن مع الحكم الصومالي الأعلى أصداءً. وأفادت وكالة الأنباء الصومالية الأربعاء، بأن «أرتان وصل إلى العاصمة مقديشو وسط استقبال حافل في مطار آدم عبد الله الدولي، تقدمه وزراء ونواب في البرلمان الفيدرالي، وممثلون عن الاتحاد الوطني لكرة القدم، بالإضافة إلى مسؤولين آخرين وشرائح المجتمع المدني المختلفة، بخلاف دعم دولي».

وبحسب الصورة التي نشرتها الوكالة، كانت ملامح وجه أرتان تشع بالفرحة وسط زحام كبير، عزّزته لغة صمود بدت في تصريحاته، وقال أثناء تلويح مئات الجماهير بعلم الصومال: «أعدكم، بمشيئة الله، أنني سأحضر البطولة التالية. أريد أن يطمئنّ الشعب الصومالي إلى هذا، وأن يظل واثقاً».

أما «وكالة الصحافة الفرنسية» (أ.ف.ب) فنقلت عن أرتان قوله: «على الرغم من الظروف التي أمرّ بها، فإنني في مزاج إيجابي وأركّز على التحدّيات المقبلة في مسيرتي التحكيمية». وتابع: «أود أن أشكر عائلة كرة القدم على رسائلها، وأتمنى لزملائي كل التوفيق والنجاح خلال كأس العالم، وأتطلع إلى الانضمام إليهم مجدّداً في مسابقات مستقبلية».

تعليقات صومالية

سعاد جالو، الرئيسة بالإنابة للجنة الأولمبية الوطنية الصومالية، قالت لـ«الشرق الأوسط» معلّقة، إنها «حزينة لما يحدث... وإذا كانت هناك اعتبارات أمنية، فلماذا مُنحت له التأشيرة أصلاً؟»، قبل أن تجيب: «عندما تغيب الشفافية عن الإجراءات، تتراجع الثقة في النظام بأكمله وتمسّ مصداقية (الفيفا)، وتتناقض مع الإرث الطويل من الانفتاح والاستضافة للولايات المتحدة».

أما المحلل السياسي الصومالي حسن نور، فقد اعتبر أن «الصومال ربح أكثر من مرة من هذا الحكم الصومالي المتميز»، وأضاف لـ«الشرق الأوسط»، أن أرتان «رمز رياضي كبير استطاع أن يجمع الشعب الصومالي حكومة ومعارضة عليه، رغم خلافاتهما التي تجاوزت أكثر من سنة، والجميع توحّد خلف دعمه، في موقف غير مسبوق».

من جهة أخرى، رأى نور أن كأس العالم خسرت حكماً متميزاً، «وعرف العالم أن الصومال يضم نجوماً كباراً، فضلاً عن الاحتفاء الواسع والتضامن الكبير الذي لاقاه أرتان عقب عودته إلى بلاده، بخلاف دعم غير منقطع النظير من السلطات الحكومية».

بدوره، أعرب الاتحاد الصومالي لكرة القدم في بيان، عن «حزنه إزاء ما حدث»، واصفاً تعيين أرتان لإدارة مباريات كأس العالم بأنه إنجاز تاريخي للبلاد نتج عن سنوات من التفاني والمهنية والنزاهة. وتابع أنه «رغم أن نهائيات كأس العالم انطلقت الخميس بمشاركة 48 منتخباً، بحثاً عن تتويج وفوز عالمي يوم الختام 19 يوليو، فإن الحكم الصومالي المبعد عمر أرتان كان أول الفائزين باحتفاء عالمي غير مسبوق، كان ربما لا يصل إليه حال استمر بالبطولة، وكأنه ينطبق عليه عبارة (من رحم المعاناة يولد الأمل)».

على الصعيد الرسمي

أما على الصعيد الرسمي، فقد أعربت وزارة الخارجية الصومالية في بيان الأربعاء، عن أسفها الشديد إزاء قرار السلطات الأميركية منع دخول الحكم الدولي الصومالي، مشددة على أن أرتان «أحد أبرز الرموز الرياضية في الصومال، ومصدر فخر واعتزاز وطني لإسهاماته الكبيرة وإنجازاته التي ألهمت الشباب الصومالي».وقالت الوزارة إن الحكومة الفيدرالية بذلت جهوداً دبلوماسية مكثفة مع الجهات المعنية لتسهيل سفر أرتان، إلا أن تلك المساعي لم تفضِ إلى النتيجة المرجوة. وبالتالي، عاد الحكم إلى مقديشو وسيواصل أداء مهامه ومسؤولياته الوطنية والقارية بالمستوى نفسه من التفاني والمهنية العالية التي عُرف بها طوال مسيرته الرياضية. ووجّهت «الخارجية» الصومالية خالص شكرها وتقديرها لجميع الدول الشقيقة، والأفراد، والهيئات والمؤسسات الرياضية التي عبّرت عن تضامنها ودعمها خلال هذه الفترة. وشدد البيان على أن «الخارجية» ستواصل اتصالاتها مع الشركاء المعنيين للحصول على إيضاحات إضافية بشأن هذه المسألة، مؤكدةً التزامها الثابت بصون كرامة مواطنيها وحماية حقوقهم في الخارج.