كيف توهج «ملاك الشمال» ميغيل ألميرون ليحقق أحلام نيوكاسل؟

اللاعب الباراغوياني أصبح إحدى الركائز الأساسية التي قادت الفريق إلى المربع الذهبي

تحول ألميرون إلى مهاجم قادر على هزّ الشباك باستمرار مكافأة له على العمل الجاد والدؤوب (رويترز)
تحول ألميرون إلى مهاجم قادر على هزّ الشباك باستمرار مكافأة له على العمل الجاد والدؤوب (رويترز)
TT

كيف توهج «ملاك الشمال» ميغيل ألميرون ليحقق أحلام نيوكاسل؟

تحول ألميرون إلى مهاجم قادر على هزّ الشباك باستمرار مكافأة له على العمل الجاد والدؤوب (رويترز)
تحول ألميرون إلى مهاجم قادر على هزّ الشباك باستمرار مكافأة له على العمل الجاد والدؤوب (رويترز)

يتألق نجم خط الوسط الباراغوياني ميغيل ألميرون بشكل لافت للأنظار هذا الموسم، حيث سجل ثمانية أهداف في 14 مباراة بالدوري الإنجليزي الممتاز، وقاد فريقه نيوكاسل يونايتد لاحتلال المركز الثالث في جدول الترتيب. لكن قبل ما يزيد قليلاً على عقد من الزمان، كان ألميرون يعمل في جمع عربات السوبر ماركت في منطقة سان بابلو المكتظة بالسكان في مدينة أسونسيون بباراغواي، بعدما أبلغه المدربون بأنه «ضعيف للغاية» بحيث لا يمكنه اللعب على المستوى الاحترافي، وعقد العزم على البدء مرة أخرى في العمل في مجال تجارة التجزئة.
يقول اللاعب البالغ من العمر 28 عاماً، الذي انتقل بعد ذلك بعقد مربح إلى نادي أتلانتا الأميركي قبل أن ينضم إلى نيوكاسل مقابل 21 مليون جنيه إسترليني في يناير (كانون الثاني) 2019 «ساعدني والداي على تجاوز ذلك، وطالباني بأن أواصل ممارسة كرة القدم». لم يرغب ألميرون أبداً في التوقف عن ممارسة اللعبة التي يعشقها، لكنه شعر بكل بساطة بأنه مسؤول عن العمل وجلب الأموال إلى المنزل المتواضع الذي كان يسكن فيه مع والدته، التي كانت تعمل في متجر، ووالده، الذي كان يعمل حارس أمن.
إن هذا الإحساس بضرورة العمل وردّ الدين لوالديه هو الذي يميز، من نواحٍ كثيرة، شخصية ألميرون، بل والطريقة التي يلعب بها. وسجل النجم الباراغوياني عدداً من الأهداف الرائعة هذا الموسم، لعل أبرزها ذلك الهدف الاستثنائي الذي سجله على الطائر بتسديدة مذهلة في مرمى فولهام في أوائل أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، وهو الأمر الذي جعل البعض يطلق عليه لقب «ملاك الشمال». ويعد ألميرون إحدى الركائز الأساسية التي قادت نيوكاسل لاحتلال المركز الثالث في جدول ترتيب الدوري الإنجليزي الممتاز، بعد الفوز على تشيلسي بهدف دون رد.
لم يشتكِ ألميرون أبداً من اللعب ناحية اليمين في خط هجوم مكون من ثلاثة لاعبين، بدلاً من اللعب في مركزه الأصلي والمفضل كصانع ألعاب، أو اللعب كمهاجم وهمي خلف المهاجم الأساسي. وقال ألميرون بعد وقت قصير من انتقاله إلى نيوكاسل «كرة القدم لا تتعلق فقط بالمهارة أو القدرات الفنية، لكنها تتعلق بالعمل الجاد، وخاصة في الدوري الإنجليزي الممتاز، الذي يتسم بإيقاع سريع للغاية. ولكي تنجح، يتعين عليك أن تعمل بكل قوة من أجل التحسن والتطور باستمرار». وحتى أشد منتقديه خلال تلك الأشهر الطويلة التي لم يتمكن فيها من إحراز أي هدف لم يتهموه أبداً بأنه يقصر في عمله. وعلى الرغم من فشله في تسجيل أي هدف خلال نصف موسم تحت قيادة المدير الفني السابق رافائيل بينيتز، كان ألميرون يبذل جهداً كبيراً للغاية ولا يتوقف عن الحركة وفق طريقة 3 - 4 - 3 التي كان يعتمد عليها بينيتز، وكان يخلق الكثير من المساحات لسالومون روندون وأيوز بيريز.
وعلى الرغم من أنه وضع حداً لصيامه التهديفي في ديسمبر (كانون الأول) 2019، فإن مستواه تراجع بشدة تحت قيادة ستيف بروس الذي تولى قيادة الفريق خلفاً لبينيتز. وعلى الرغم من فشل ألميرون في تسجيل أو صناعة أي هدف لفترة طويلة، فإن بروس كان معجباً للغاية بقدراته وإمكانياته. في الحقيقة، من المستحيل أن نكره لاعباً وجه دعوة إلى الطفل الذي يجمع الكرات حول الملعب، والذي واساه بعدما أهدر فرصة محققة أمام المرمى، لكي يقضي يوماً معه في ملعب تدريب نيوكاسل.
يقول بروس «على مدار 20 عاماً من عملي في مجال التدريب، لم أرَ مطلقاً أي لاعب يقطع هذه المسافات ويلعب بهذه الجدية مثل ميغيل». وكان إيدي هاو، خليفة بروس الذي كان يعتمد على اللعب الهجومي بشكل أكبر، يفضل اللاعب القادر على تسجيل وصناعة الأهداف؛ لذا كان يبقى على ألميرون على مقاعد البدلاء بانتظام خلال الجزء الأول من فترة ولايته في نيوكاسل، وكان يفضل الاعتماد على رايان فريزر في التشكيلة الأساسية. وقال هاو «إننا نحب ما يقدمه ميغيل للفريق، لكن سيتم الحكم عليه بناءً على الأهداف التي يسجلها ويصنعها، وللأسف فإنه لم يسجل أو يصنع ما يكفي من الأهداف».
وخلال الربيع الماضي، كان هناك شبه إجماع على أن ألميرون سيرحل عن نيوكاسل خلال الصيف، وكانت التقارير تشير إلى أنه سيذهب إلى إسبانيا على الأرجح. وكان من الممكن أن يرحل ألميرون بالفعل، لولا تعرض فريزر لإصابة في أوتار الركبة في منتصف أبريل (نيسان) الماضي. وعندما أدلى لاعب مانشستر سيتي جاك غريليش بتصريحات قاسية سخر فيها من ألميرون في نهاية الموسم الماضي، أدى ذلك إلى حالة من الغضب داخل أروقة نادي نيوكاسل. بحلول ذلك الوقت، كان هاو ومساعده جايسون تيندال، قد قررا إطلاق العنان للموهبة الباراغويانية. ولعل ما ساعد في تحسن الأمر بهذه السرعة هو رغبة ألميرون في الاستماع والتعلم. يذكر، أن ألميرون هو مسيحي ملتزم للغاية، ولديه وشم على ذراعه اليسرى لكرة قدم محاطة بعبارة «توقيت الله مثالي». لقد كان ألميرون مقتنعاً تماماً بأنه يحتاج إلى ما هو أكثر من التوجيه الإلهي لكي يتألق داخل المستطيل الأخضر.
ونظراً لأن ملعب تدريب نيوكاسل في شمال تينيسايد محاطاً بالمشروعات السكنية والمجمعات الصناعية، فإنه قد لا يكون أكثر الأماكن رفاهية، لكن ألميرون كان يقود سيارته في صباح كل يوم بحماس شديد ولديه رغبة هائلة في العمل «الإضافي» تحت قيادة هاو وتيندال لتطوير مستواه. وعلى طول الطريق إلى ملعب التدريب، كان ألميرون يشاهد مقاطع فيديو لأفضل المهاجمين الذين يلعبون على الأطراف، بما في ذلك النجم الإنجليزي رحيم سترلينغ، كما كان يقضي ساعات في التدريب على تحسين لمسته الأخيرة أمام المرمى.
استجاب ألميرون لنصيحة هاو، الذي أخبره بأنه يجيد الضغط على الخصم ومراقبة المنافس والتمركز داخل الملعب، لكنه في حاجة إلى مزيد من التحسن فيما يتعلق بتغيير اتجاهه بالكرة واستغلال مهاراته وإمكانياته. يقول هاو «ميغيل يسجل الكثير من الأهداف الرائعة التي لم أكن أتوقعها بالتأكيد، لكنني لا أعتقد أنه تغير حقاً، لكن ما تغير بالتأكيد هو أنه أصبح أكثر ثقة في نفسه الآن. من المهم أن يستمر ميغيل في الاستمتاع بكرة القدم وأن يلعب بكل حرية. لا يتعين عليه أن يبالغ في تحليل ما يقوم به. إنه يقدم أفضل مستوياته على الإطلاق عندما يستغل نقاط قوته، وعندما يلعب بطاقة كبيرة ويركض على كل شبر داخل المستطيل الأخضر».
ومن الملاحظ أن هذا التطور المذهل في مستوى ألميرون قد تزامن مع وصول لاعب خط الوسط البرازيلي برونو غيماريش من ليون. وأصبحت هناك علاقة قوية للغاية بين اللاعبين داخل وخارج الملعب. وهناك لاعب برازيلي آخر، وهو جويلينتون، الذي أصبح صديقاً حميماً لألميرون وجاره في مقاطعة نورثمبرلاند، حيث يقيم ألميرون وزوجته وابنهما البالغ من العمر عاماً واحداً. ويزعم ألميرون أنه يستمتع بالطقس في شمال شرقي إنجلترا، قائلاً «أحب البرد، وأحب الثلج». أما هاو فيقول عن لاعبه المتألق «ميغيل شخص ممتاز، وسلوكه الرائع ينتقل إلى باقي اللاعبين. إنه يمنحنا بعداً مختلفاً».


مقالات ذات صلة

بيلينغهام: منتخب إنجلترا افتقد الترابط في «يورو 2024»

رياضة عالمية جود بيلينغهام لاعب المنتخب الإنجليزي (أ.ف.ب)

بيلينغهام: منتخب إنجلترا افتقد الترابط في «يورو 2024»

كشف جود بيلينغهام، لاعب المنتخب الإنجليزي لكرة القدم، إن الأمور لم تكن على ما يرام في معسكر الفريق ببطولة أمم أوروبا «يورو 2024».

«الشرق الأوسط» (كانساس سيتي (الولايات المتحدة))
رياضة عالمية الألماني يورغن كلوب مدرب ليفربول السابق (د.ب.أ)

يورغن كلوب يحصل على وسام فخري من المملكة المتحدة

سيحصل الألماني يورغن كلوب، مدرب ليفربول السابق، على وسام الإمبراطورية البريطانية برتبة قائد فخري.

«الشرق الأوسط» (لندن)
رياضة عالمية إطلاق نار قرب مقر منتخب إنجلترا (أ.ف.ب)

إطلاق نار قرب مقر إقامة منتخب إنجلترا يثير القلق قبل انطلاق المونديال

شهدت المنطقة المحيطة بمقر إقامة وتدريبات «الأسود الثلاثة» حادث إطلاق نار جماعي أثار حالة من القلق والترقب بين الجماهير ووسائل الإعلام.

مهند علي (الرياض)
رياضة عالمية المخضرم هاري كين يسعى لقيادة إنجلترا للقب المونديال (رويترز)

تألق كين يعزز أحلامه بالتتويج بكأس العالم مع إنجلترا

يشعر النجم المخضرم هاري كين بأنه في أفضل حالاته، حيث يعدّ قائد منتخب إنجلترا، صاحب الأهداف الغزيرة، الأيام المتبقية حتى انطلاق بطولة كأس العالم 2026 لكرة القدم.

«الشرق الأوسط» (تامبا)
رياضة عالمية توماس توخيل مدرب منتخب إنجلترا (د.ب.أ)

توخيل: الظروف الصعبة ليست «عذراً»

قال المدرب توماس توخيل إنَّ منتخب إنجلترا، لن يتَّخذ من الحرارة الشديدة والمسافات الطويلة بين المدن المستضيفة ذريعةً، في سعيه إلى خوض «بطولة طويلة».

«الشرق الأوسط» (ويست بالم بيتش (الولايات المتحدة))

صراع «البرنابيو» يتجدد في نيوجيرسي... فينيسيوس ودياز: إخوة الأمس وأعداء الليلة المونديالية

صراع «البرنابيو» يتجدد في نيوجيرسي... فينيسيوس ودياز: إخوة الأمس وأعداء الليلة المونديالية
TT

صراع «البرنابيو» يتجدد في نيوجيرسي... فينيسيوس ودياز: إخوة الأمس وأعداء الليلة المونديالية

صراع «البرنابيو» يتجدد في نيوجيرسي... فينيسيوس ودياز: إخوة الأمس وأعداء الليلة المونديالية

تتجه أنظار عشاق كرة القدم حول العالم اليوم صوب ملعب «ميتلايف» في نيوجيرسي، لمتابعة واحدة من أقوى القمم المبكرة في مونديال 2026، والتي تجمع بين عملاق أميركا الجنوبية منتخب البرازيل والمنتشي بإرثه العالمي المنتخب المغربي لحساب الجولة الأولى للمجموعة الثالثة.

تتجاوز هذه الموقعة صراع النقاط الثلاث التقليدي، لتتحول إلى مسرح لصدام عاطفي وفني فريد، بطلَاه نجما ريال مدريد، البرازيلي فينيسيوس جونيور والمغربي إبراهيم دياز، اللذان يخلعان قميص «الملكي» الأبيض ليرتدي كل منهما لواء وطنه، في حوار تكتيكي يرفعان فيه شعار: «زملاء الأمس... أعداء الليلة».

إبراهيم دياز لاعب منتخب المغرب (أ.ف.ب)

زمالة «مدريد» تحت مجهر الحسم الدولي

على مدار مواسم طويلة في «سانتياغو برنابيو»، تشارك الثنائي فينيسيوس ودياز لحظات المجد المحلى والأوروبي، وصنعا معاً منظومة هجومية أرعبت قارة أوروبا تحت إشراف كارلو أنشيلوتي، إلّا أن حسابات العشب الأخضر في نيوجيرسي تفرض منطقاً مغايراً، فالنجم البرازيلي فينيسيوس، الذي يحمل على عاتقه إثبات جدارته كقائد أول لخط هجوم «السيليساو» في غياب نيمار المصاب، يجد نفسه وجهاً لوجه أمام رفيق دربه دياز، الذي بات القائد الملهم للمشروع المغربي الجديد. هذا التنافس المباشر يضع صداقة الغرف المغلقة جانباً، حيث يسعى كل لاعب لتوظيف نقاط ضعف زميله التي خبرها في التدريبات اليومية لصالح منتخب بلاده.

فينيسيوس جونيور (إ.ب.أ)

فلسفة أنشيلوتي الهجومية تواجه طموح محمد وهبي

تكتيكياً، تبرز المباراة كصراع أفكار فني عميق بين مدرستين، فمنتخب البرازيل يدخل اللقاء تحت قيادة الإيطالي المخضرم كارلو أنشيلوتي، الذي يراهن على توليفة هجومية ضاربة ورسم تكتيكي جريء يعتمد على الأطراف وسرعة فينيسيوس لخلخلة الخطوط. في المقابل، يتسلح «أسود الأطلس» بفلسفة الناخب الوطني الجديد محمد وهبي، الذي نجح في فرض الانضباط والمنظومة الجماعية المتكاملة. ويرتكز مخطط وهبي على منح إبراهيم دياز حرية الحركة الكاملة في صناعة اللعب والربط بين الخطوط، مستغلاً مهاراته الفردية العالية لإيجاد الثغرات في التكتل الدفاعي البرازيلي؛ ما يجعل وسط الميدان ساحة شطرنج حقيقية بين عقل دياز الاستراتيجي وقوة السامبا البدنية.

طموح «لبرازيل أفريقيا» في مواجهة ملوك السامبا

لا تتوقف الإثارة عند حدود الصراع الفردي، بل تمتد إلى الرغبة المغربية الجارفة في تأكيد مكانة الفريق بين نخبة الكبار، والبناء على إنجاز قطر التاريخي. وقد لخص فينيسيوس جونيور نفسه هذا الاحترام الكبير في مؤتمره الصحافي واصفاً المغرب بـ «برازيل أفريقيا» نظراً للقدرات المهارية العالية للاعبيه.

ورغم التاريخ الذي يقف بجانب السامبا بانتصارهم المونديالي الوحيد في نسخة 1998 بثلاثية نظيفة، فإن الذاكرة القريبة تحمل معها فوزاً ودياً تاريخياً للمغرب عام 2023. هذا التكافؤ الحديث يمنح دياز ورفاقه الثقة الكاملة للدخول إلى الملعب ليس فقط بغرض مجاراة البرازيل، بل بهدف خطف صدارة المجموعة مبكراً.


من رأس الحربة التقليدي إلى المهاجم الوهمي... ثورة تكتيكية في صفوف أسود الأطلس

من رأس الحربة التقليدي إلى المهاجم الوهمي... ثورة تكتيكية في صفوف أسود الأطلس
TT

من رأس الحربة التقليدي إلى المهاجم الوهمي... ثورة تكتيكية في صفوف أسود الأطلس

من رأس الحربة التقليدي إلى المهاجم الوهمي... ثورة تكتيكية في صفوف أسود الأطلس

بين الفكر الفرنسي الواقعي الذي صاغ أمجاد وليد الركراكي، والنزعة البلجيكية الهجومية البناءة التي يحمل لواءها محمد وهبي، تعيش كرة القدم المغربية اليوم تحولاً استراتيجياً عميقاً يعيد رسم ملامح هويتها التكتيكية على أعتاب الاستحقاقات المونديالية

.

هذا التباين بين المدرستين ليس مجرد اختلاف في الأسماء أو تبديل في المقاعد الفنية، بل هو صراع فكري بين الفلسفة البراغماتية الصارمة التي تتخذ من التنظيم الدفاعي والارتداد السريع سبيلاً لمنصات التتويج، وبين المدرسة التكوينية الحديثة القائمة على الاستحواذ الإيجابي وصناعة اللعب من الخلف. ومع تولي وهبي قيادة «أسود الأطلس»، يجد المنتخب المغربي نفسه أمام مفترق طرق تكتيكي يتطلب الموازنة بين الحفاظ على صلابة الإرث الدفاعي السابق، والانفتاح على جرأة هجومية تواكب تطلعات الجيل الموهوب الحالي.

وليد الركراكي

مدرب المنتخب المغربي السابق وليد الركراكي (رويترز)

تتجسد جذور هذا الخلاف الفلسفي في البيئة الكروية التي نشأ وتأثر بها كل مدرب، فالركراكي، الذي صُقلت هويته كلاعب ومدرب في الدوري الفرنسي وفي صفوف المنتخب المغربي، يميل بطبعه إلى «الواقعية الكلاسيكية» والكتل الدفاعية المدمجة (Low Block) التي تخنق المساحات أمام الخصوم. هذا الأسلوب أثبت نجاعته الفائقة في مونديال قطر 2022 عبر تعطيل أعتى خطوط الهجوم العالمية.

محمد وهبي

مدرب المنتخب المغربي محمد وهبي (رويترز)

في المقابل، يمثل محمد وهبي امتداداً للمدرسة البلجيكية المعاصرة التي ترعرع في كنفها كأحد أبرز المكونين بنادي أندرلخت، وهي مدرسة تؤمن بالاستحواذ الذكي، والضغط العالي العكسي، والبناء المنظم عبر الخطوط الثلاثة لفرض السيطرة المطلقة على مجريات اللعب.

ويظهر الاختلاف التكتيكي الأكثر إثارة بين الرجلين في كيفية التعامل مع المنظومة الهجومية وموقع المهاجم في الخطة البنيوية، حيث يفضل الركراكي الاعتماد على «رأس الحربة التقليدي» الصريح والمحطة البدنية القوية التي تجيد حجز المدافعين ومطاردة الكرات الطولية لتخفيف الضغط على الخط الخلفي. أما وهبي، وانطلاقاً من تجاربه مع المنتخبات الشابة وتتويجه بمعية المنتخب المغربي بكأس العالم تحت 20 عاماً، فإنه يميل بوضوح إلى تكتيك «المهاجم الشبح» أو (False 9). هذا التكنيك يعتمد على سحب قلب الدفاع إلى مساحات خارج الصندوق، مما يفرغ مساحات شاسعة للقادمين من الخلف من الأجنحة ولاعبي الوسط لضرب العمق الدفاعي فجأة وبكثافة عددية مربكة.

يأتي هذا التحول التكتيكي ليمثل تتويجاً لمسار طويل من التطوير البنيوي الذي تقوده الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم ضمن خارطة الطريق الاستراتيجية البعيدة المدى.

الانتقال إلى فكر وهبي يهدف بالأساس إلى فك شفرة «المحدودية الهجومية» التي عانى منها المنتخب أمام المنافسين المتكتلين دفاعياً، وهي المعضلة التي كشفت عنها بعض المواجهات القارية اللاحقة للإنجاز المونديالي.

خطة تأهيل المنظومة الجديدة لا تسعى لإلغاء المكتسبات الماضية، بل تهدف إلى تطعيم «القلعة الدفاعية» بمرونة تكتيكية هجومية تجعل من الأسود فريقاً قادراً على المبادرة وصناعة الفارق والتحكم في إيقاع المباريات ضد أي منافس عالمي.

ويبقى السؤال الأبرز في الأوساط الرياضية العالمية: هل يحذو وهبي حذو الركراكي في تحقيق طفرة مونديالية سريعة مكللة بالنجاح؟ فالمؤشرات الحالية تؤكد أن الطاقم الفني الجديد يمتلك الأدوات البشرية المثالية لتطبيق هذه الفلسفة الحديثة، في ظل وجود عناصر شابة تمتاز بالفنيات العالية والسرعة الفائقة في التحول. غير أن التحدي الحقيقي يكمن في مدى قدرة اللاعبين على استيعاب وتطبيق مرونة «المهاجم الشبح» والضغط العكسي في فترات زمنية وجيزة قبل الدخول في معترك المنافسات الرسمية الكبرى، ليبقى هذا التحول الفلسفي بمنزلة الرهان الأكبر لصياغة فصْلٍ غير مسبوق في تاريخ الكرة الأفريقية والعربية.


«أسود الأطلس» في مونديال 2026... خريطة الزحف من جحيم «السامبا» إلى حسم «أتلانتا»

نجوم منتخب المغرب رفعوا سقف التحدي في مونديال 2026 (أ.ف.ب)
نجوم منتخب المغرب رفعوا سقف التحدي في مونديال 2026 (أ.ف.ب)
TT

«أسود الأطلس» في مونديال 2026... خريطة الزحف من جحيم «السامبا» إلى حسم «أتلانتا»

نجوم منتخب المغرب رفعوا سقف التحدي في مونديال 2026 (أ.ف.ب)
نجوم منتخب المغرب رفعوا سقف التحدي في مونديال 2026 (أ.ف.ب)

يدخل المنتخب المغربي منافسات كأس العالم 2026 بطموحات عريضة مرتكناً إلى إرثه التاريخي المسجل في الدوحة قبل أربعة أعوام ويسعى «أسود الأطلس»، تحت قيادة المدير الفني محمد وهبي، إلى إثبات أن الإنجاز المونديالي السابق لم يكن وليد الصدفة، بل بداية عهد جديد للكرة الأفريقية والعربية في المحافل العالمية.
وضعت القرعة المونديالية الأسود في المجموعة الثالثة، التي تفرض تحديات متباينة تجمع بين هيبة السامبا البرازيلية، واندفاع الكرة الاسكوتلندية، وطموح منتخب هايتي العائد بعد غياب.

صدام النخبة... اختبار السامبا المبكر في «نيو جيرسي»

 

تتجه أنظار الملايين صوب ملعب نيويورك/ نيو جيرسي (استاد ميتلايف) في الثالث عشر من يونيو (حزيران) 2026. يستهل المنتخب المغربي مشواره بقمة كروية من العيار الثقيل أمام المنتخب البرازيلي، المرشح الدائم وفوق العادة لنيل اللقب. وتنطلق صافرة البداية في تمام الساعة السادسة مساءً بالتوقيت الشرقي لأميركا (الحادية عشرة ليلاً بتوقيت الرباط).

تقنياً، تمثل هذه المواجهة الافتتاحية حجر الأساس لـ«أسود الأطلس»، فالخروج بنتيجة إيجابية أمام رفاق فينيسيوس جونيور سيعزز الثقة ويسهل حسابات التأهل.

من المتوقع أن يعتمد وهبي على التنظيم الدفاعي الصارم والارتداد الهجومي السريع عبر الأطراف، مستغلاً سرعات أشرف حكيمي وتحركات إبراهيم دياز التي أثبتت نجاعتها في الوديات الأخيرة ضد المنتخبات الأوروبية.

 

معركة بوسطن... صراع الأنماط أمام الاندفاع الاسكوتلندي

في الجولة الثانية، يشد المنتخب المغربي الرحال نحو الشمال الشرقي وتحديداً صوب ملعب بوسطن (استاد جيليت) في ماساتشوستس. هناك، يلتقي «أسود الأطلس» المنتخب الاسكوتلندي يوم الجمعة التاسع عشر من يونيو (حزيران) 2026، عند الساعة الحادية عشرة ليلاً بتوقيت الرباط.

تحليلياً، تعد هذه المباراة «مفترق طرق» حقيقي، الكرة الاسكوتلندية تمتاز بالاندفاع البدني العالي والكرات الطولية والكرات الثابتة الخطيرة بقيادة عناصر تلعب في مستويات «البريميرليغ». يكمن المفتاح في فرض أسلوب الاستحواذ الأرضي، وتفعيل دور خط الوسط عبر سفيان أمرابط وعز الدين أوناحي لامتصاص الحماس الاسكوتلندي، وحرمان المنافس من فرض إيقاعه البدني المرهق.

 

ختام المجموعة في أتلانتا... حسم التأهل أمام طموح هايتي

يختتم المنتخب المغربي مبارياته في الدور الأول بمواجهة منتخب هايتي، يوم الأربعاء الرابع والعشرين من يونيو (حزيران) 2026. وتحتضن الأرضية الاصطناعية لـملعب مرسيدس بنز في أتلانتا بجورجيا هذا اللقاء الحاسم. وتنطلق المباراة أيضاً في التوقيت الموحد للأسود وهو الساعة الحادية عشرة ليلاً بتوقيت المغرب. 

رغم أن الحسابات الورقية تصب في مصلحة رفاق أشرف حكيمي، فإن بطولة ممتدة بـ48 منتخباً لا تعترف بالترشيحات المسبقة. الأسلوب المتوقع للمغرب في هذه المواجهة سيكون هجومياً بحتاً، مع الاعتماد على الكثافة العددية في مناطق الخصم والضغط العالي المبكر لتجنب أي مفاجآت قد تعقد حسابات العبور إلى دور الـ32 الإقصائي.