روب بيدج: لن نذهب إلى كأس العالم تكملة عدد

مدرب منتخب ويلز يؤكد أن تأهل بلاده إلى المونديال «إنجاز»... لكنه يطمع في «تحقيق المزيد»

لاعبو ويلز يحتفلون بالتأهل لكأس العالم لأول مرة منذ 1958 (أ.ب)
لاعبو ويلز يحتفلون بالتأهل لكأس العالم لأول مرة منذ 1958 (أ.ب)
TT

روب بيدج: لن نذهب إلى كأس العالم تكملة عدد

لاعبو ويلز يحتفلون بالتأهل لكأس العالم لأول مرة منذ 1958 (أ.ب)
لاعبو ويلز يحتفلون بالتأهل لكأس العالم لأول مرة منذ 1958 (أ.ب)

يشارك منتخب ويلز في نهائيات كأس العالم، لأول مرة منذ 64 عاماً. بعدما قاده المدير الفني روب بيدج، الذي لعب 41 مباراة دولية، للتأهل إلى المونديال. وقرر مجلس مدينة روندا الويلزية إغلاق الطرق خلال مباريات ويلز في المونديال، لتمكين شاحنات الأقمار الصناعية من بث المباريات على الهواء مباشرة في جميع أنحاء البلاد، وهو الأمر الذي يعكس أهمية المونديال لأهالي هذه المدينة الصغيرة التي يبلغ عدد سكانها نحو 4000 نسمة. وتنتشر عائلة بيدج في أنحاء الوديان المختلفة، من فيرنديل إلى بينيغراغ، ولديه ذكريات جميلة عن ممارسة لعبة «ركلة العلبة» في الشارع، واللعب لنادي تايلورستاون بويز، الذي كان والده يساعد في إدارته.
فهل كان الأمر يقتصر على كرة القدم فقط بالنسبة لبيدج؟ يقول المدير الفني الويلزي: «مدرس التربية البدنية الخاص بي في المرحلتين الأولى والثانية، وارين إيفانز، كان عاشقاً لكرة القدم، لذا كان يرمي لنا الكرة لنذهب ونلعب في حديقة داران لمدة ساعة. كانت هذه هي حصة التربية البدنية الخاصة بنا، وكان هذا شيئاً رائعاً بالنسبة لنا. وكان كيلفن ويغلي، مدرس التربية البدنية في ميردي آنذاك، يركز على لعبة الرغبي، لذا لم أتمكن من ممارسة كرة القدم في المرحلتين الثالثة والرابعة، فقد كنا جميعاً نلعب الرغبي. لقد لعبت بعض المباريات، وكنت ألعب ظهيراً أو مدافعاً، أو في أي مركز آخر بعيداً عن خط الهجوم».
وزار الممثل الويلزي الشهير مايكل شين المنتخب الويلزي في سبتمبر (أيلول) الماضي، وتم تقديمه من قبل غاريث بيل وهو يرتدي قميص منتخب ويلز. ووجه شين كلمة إلى اللاعبين، الذين كانوا سعداء للغاية بوجوده. يقول بيدج عن ذلك وهو يضحك: «قلت له: لقد استغرق الأمر مني عامين حتى أجعل هذه الأمة تبكي، لكنك فعلت ذلك في دقيقتين و40 ثانية فقط!». ويضيف: «لقد كانت أجواء استثنائية. لكن الكلمات التي جعلتني أتأثر كثيراً كانت تلك التي قال لي فيها: (أعلم حجم الضغوط التي تواجهها، وأعرف أنك محط أنظار الجميع الآن، لأن كل رجل وامرأة وطفل في هذا البلد يدعمونك الآن). لقد وجهنا الدعوة له للمجيء إلى قطر ويكون جزءاً من بعثة الفريق هناك. فأينما يكن، فسوف يدعمنا بكل تأكيد».
لم يكن شين هو الفنان الوحيد الذي ساند منتخب ويلز، وكان مصدر إلهام له في الآونة الأخيرة، حيث غنى المغني الشهير ديفيد إيوان أغنية «ما زلت هنا» الوطنية قبل وبعد المباراة الفاصلة في ملحق الصعود لكأس العالم، الذي فاز فيه منتخب ويلز على نظيره الأوكراني في يونيو (حزيران) الماضي. يقول بيدج عن النشيد الوطني لويلز في كأس العالم: «لدي هذا النشيد الوطني على هاتفي، وقد حصل كل أولادي عليه، ونقوم بتشغيله بين الحين والآخر عندما نجلس معاً في السيارة ونذهب إلى أي مكان. لن تراني في أي من الصور التي التقطت خلال تلك المباراة، لأنني رجعت خطوة إلى الوراء، وكنت مندمجاً في ترديد النشيد الوطني».
فهل كان متأثراً للغاية بتلك الأجواء؟ يقول بيدج والدموع في عينيه: «نعم، كما أنني فخور للغاية بما حققناه. لقد كان الأمر عبارة عن كرنفال احتفالاً بهذا الإنجاز، وكنت سعيداً وأشعر بالراحة الشديدة. كان هناك كثير من المشاعر الجياشة التي كان يتعين علينا تحملها في ذلك الأسبوع. كانت آخر 15 دقيقة من المباراة مذهلة، وكان الضغط شديداً للغاية، وقد قدم واين هينيسي على وجه الخصوص في ذلك اليوم أداء مذهلاً لمساعدتنا في تحقيق ذلك. لقد أظهر اللاعبون معدنهم الحقيقي بعد نهاية المباراة، عندما ذهبوا لتوجيه التحية إلى المشجعين الأوكرانيين، وقد كانوا محقين تماماً في القيام بذلك».

روب بيدج وآرون رامزي وحلم ويلز نحو الأدوار الإقصائية (رويترز)

وكان آخر مدير فني قاد ويلز للمشاركة في نهائيات كأس العالم هو جيمي مورفي، الذي وضعت السلطات لوحة زرقاء عليها تفاصيل هذا الإنجاز التاريخي على منزله القديم في 43 شارع تريهارن، على بُعد نحو ثلاثة أميال من المكان الذي نشأ فيه بيدج. ومن الغريب أن المباراة الأولى لمنتخب ويلز في كأس العالم 2022 بقطر ستكون أمام منتخب الولايات المتحدة، الذي كان أول فريق يلعب أمامه بيدج عندما تولى قيادة منتخب ويلز بشكل مؤقت في نوفمبر (تشرين الثاني) 2020. وفي عام 1958، ودعت ويلز المونديال من الدور ربع النهائي بسبب الهدف الذي أحرزه الأسطورة البرازيلية بيليه، ويثق بيدج في قدرة فريقه على الوصول إلى الأدوار الإقصائية في كأس العالم 2022 بقطر، ويقول: «نحن لن نذهب إلى كأس العالم كتكملة عدد».
ومؤخراً، أمضى بيدج ومساعدوه في الطاقم الفني يومين في تحليل مقاطع فيديو لمنتخبات إيران والولايات المتحدة الأميركية وإنجلترا، التي ستلعب أمامها في المجموعة الثانية. فما النتائج التي يعتقد بيدج أنها ستكون بمثابة نجاح لو حققها منتخب ويلز في كأس العالم؟ يقول بيدج: «نحن بلد يبلغ عدد سكانه ثلاثة ملايين نسمة، لذا فإن مجرد التأهل إلى كأس العالم يُعدّ إنجازاً، وما حققه اللاعبون هو أمر لا يُصدَّق، لكن يجب أن تكون طماعاً وترغب في تحقيق المزيد عندما تذهب إلى كأس العالم».
وتأهلت ويلز إلى ثلاث من البطولات الأربع الكبرى الأخيرة، ويرغب المشجعون في أن يواصل المنتخب الويلزي تحقيق هذه النتائج الجيدة. يقول بيدج: «كانت كأس الأمم الأوروبية 2016 هي بداية الانطلاق. التواصل مع المشجعين لا يأتي فقط، لأنك ترتدي ملابس قديمة، أو لأنك تغني معهم بعض الأغنيات، ولكن يتعين عليك أن تحقق الفوز في المباريات أيضاً. لدي أصدقاء في إنجلترا يستمتعون بمشاهدة مباريات منتخب ويلز. لن أذكر أسماءهم، لكن يستمتعون بذلك حقاً».
وسافر رئيس الطاقم الطبي لمنتخب ويلز، شون كونيلي، إلى ناديي لوس أنجليس ونيس لمتابعة الحالية البدنية لغاريث بيل وآرون رامزي على التوالي، لكن بيدج لا يشعر بالقلق من حقيقة أن العديد من لاعبي منتخب ويلز يلعبون في دوريات أقل من الدوري الممتاز، ويقول: «أهمية جوني ويليامز لتلك المجموعة لا تقل عن أهمية غاريث بيل، ولهذا السبب أستمر في اختياره والاعتماد عليه. إنه لاعب من الطراز الرفيع، جنباً إلى جنب مع كريس غونتر. هؤلاء اللاعبون هم من ساهموا في خلق هذه البيئة التنافسية الرائعة».
لكن ما مدى الاختلاف بين منتخب ويلز الحالي ومنتخب ويلز عندما كان بيدج لاعباً، خصوصاً من حيث أعداد الفريق؟ يقول بيدج، أثناء الحوار الذي أجريناه معه من غرفة مجاورة لصالة الألعاب الرياضية في مقر التدريبات الرائع لمنتخب ويلز: «في السابق، كان يتعين علينا البحث عن ملاعب للتدريب، سواء في المتنزهات أو في أي مكان آخر، وكنا نذهب إلى إنجلترا في بعض الأحيان. أتذكر أنني كنت أتدرب في الخارج، وأصيب كارل روبنسون في كاحله بينما كنا نحاول إجراء بعض التدريبات بسبب وجود بالوعة صرف كانت مرتفعة عن الملعب بمقدار بوصتين. لكننا كلاعبين لا نستخدم أياً من هذه الأمور كأعذار. يتعين علينا أن نكون قادرين على منافسة اللاعبين البارزين الذين يلعبون في لوس أنجلوس ونيس وتوتنهام، لأننا إذا لم نفعل ذلك فسوف يتفوقون علينا».
وسبق لبيدج، الذي يعيش في شيفيلد، أن تولى القيادة الفنية لبورت فايل ونورثامبتون، لكن من المؤكد أن تولي القيادة الفنية لمنتخب بلاده يجعله في دائرة الضوء بشكل مختلف، وبالتالي فمن الصعب عليه أن يعيش في هدوء بعيداً عن الأنظار. يقول بيدج: «أخذت أطفالي إلى قبرص لمدة أسبوع وهبطت في مطار بافوس، وذهبت لإحضار الحقائب ورأيت على الشاشة أن رحلة من كارديف قد انضمت إلينا. وسألني نجلي عما إذا كانوا سيتعرفون علي، وقلت له: (لا). لكن في غضون ثوانٍ معدودة، تعرف علي أحد مشجعي كارديف سيتي، وسمع الباقون بذلك، لذا أراد عدد آخر من الأشخاص الانضمام والحصول على صورة تذكارية معي. من المؤكد أن هذه الأمور تمثل ضغوطاً على الشخص. وعندما يأتي الناس إلى ليشكروني، أقول لهم: ما الذي تشكرونني عليه؟».


مقالات ذات صلة

«مونديال 2026»: باتشو نجم «دون ضوضاء» مع الإكوادور

رياضة عالمية ويليان باتشو نجم الإكوادور وباريس سان جيرمان (أ.ب)

«مونديال 2026»: باتشو نجم «دون ضوضاء» مع الإكوادور

بات المدافع ويليان باتشو في فترة قصيرة ومن دون ضوضاء النجم الأبرز في منتخب الإكوادور الذي يستهل مشواره في مونديال 2026.

«الشرق الأوسط» (شاتانوغا)
رياضة عالمية فريق تغطية «بي بي سي» يظهر يومياً من سالفورد وهو ما جعل التغطيات تقليدية (بي بي سي)

«بي بي سي» تدفع ثمن البقاء بسالفورد... و«آي تي في» تتفوق مبكراً في تغطية المونديال

بدأت ملامح المنافسة التلفزيونية على تغطية كأس العالم 2026 تتشكل مبكراً في بريطانيا.

«الشرق الأوسط» (لندن)
رياضة عالمية منتخب البرازيل أنهى استعداداته لمواجهة المغرب (رويترز)

«مونديال 2026»: الموقعة الأولى بين البرازيل والمغرب

يشهد يوم السبت، على الورق، أبرز مباراة في دور المجموعات لمونديال 2026 في كرة القدم، بين البرازيل، حاملة اللقب 5 مرات، ومنتخب المغرب صاحب مفاجأة 2022.

«الشرق الأوسط» (إيست راذرفورد (الولايات المتحدة))
رياضة عالمية الشرطة لا تزال تبحث عن السارقين للمُعدّات التدريبية (رويترز)

«مونديال 2026»: الشرطة الأميركية تبحث عن سارقي مُعدّات تدريب المنتخب الإنجليزي

قال عمدة مدينة كانساس سيتي، كوينتن لوكاس، إن مسؤولين محليين وفيدراليين وعلى مستوى الولاية يحققون في سرقة معدات خاصة بمنتخب إنجلترا.

«الشرق الأوسط» (كانساس سيتي )
رياضة عالمية كيليان مبابي قائد منتخب فرنسا (أ.ب)

مبابي يعد باحتفال غير معتاد إذا سجل أمام السنغال

كشف كيليان مبابي عن احتفال غير تقليدي قد يظهره خلال مباراة فرنسا والسنغال في افتتاح مشوار المنتخب الفرنسي بكأس العالم.

فاتن أبي فرج (بيروت)

صراع «البرنابيو» يتجدد في نيوجيرسي... فينيسيوس ودياز: إخوة الأمس وأعداء الليلة المونديالية

صراع «البرنابيو» يتجدد في نيوجيرسي... فينيسيوس ودياز: إخوة الأمس وأعداء الليلة المونديالية
TT

صراع «البرنابيو» يتجدد في نيوجيرسي... فينيسيوس ودياز: إخوة الأمس وأعداء الليلة المونديالية

صراع «البرنابيو» يتجدد في نيوجيرسي... فينيسيوس ودياز: إخوة الأمس وأعداء الليلة المونديالية

تتجه أنظار عشاق كرة القدم حول العالم اليوم صوب ملعب «ميتلايف» في نيوجيرسي، لمتابعة واحدة من أقوى القمم المبكرة في مونديال 2026، والتي تجمع بين عملاق أميركا الجنوبية منتخب البرازيل والمنتشي بإرثه العالمي المنتخب المغربي لحساب الجولة الأولى للمجموعة الثالثة.

تتجاوز هذه الموقعة صراع النقاط الثلاث التقليدي، لتتحول إلى مسرح لصدام عاطفي وفني فريد، بطلَاه نجما ريال مدريد، البرازيلي فينيسيوس جونيور والمغربي إبراهيم دياز، اللذان يخلعان قميص «الملكي» الأبيض ليرتدي كل منهما لواء وطنه، في حوار تكتيكي يرفعان فيه شعار: «زملاء الأمس... أعداء الليلة».

إبراهيم دياز لاعب منتخب المغرب (أ.ف.ب)

زمالة «مدريد» تحت مجهر الحسم الدولي

على مدار مواسم طويلة في «سانتياغو برنابيو»، تشارك الثنائي فينيسيوس ودياز لحظات المجد المحلى والأوروبي، وصنعا معاً منظومة هجومية أرعبت قارة أوروبا تحت إشراف كارلو أنشيلوتي، إلّا أن حسابات العشب الأخضر في نيوجيرسي تفرض منطقاً مغايراً، فالنجم البرازيلي فينيسيوس، الذي يحمل على عاتقه إثبات جدارته كقائد أول لخط هجوم «السيليساو» في غياب نيمار المصاب، يجد نفسه وجهاً لوجه أمام رفيق دربه دياز، الذي بات القائد الملهم للمشروع المغربي الجديد. هذا التنافس المباشر يضع صداقة الغرف المغلقة جانباً، حيث يسعى كل لاعب لتوظيف نقاط ضعف زميله التي خبرها في التدريبات اليومية لصالح منتخب بلاده.

فينيسيوس جونيور (إ.ب.أ)

فلسفة أنشيلوتي الهجومية تواجه طموح محمد وهبي

تكتيكياً، تبرز المباراة كصراع أفكار فني عميق بين مدرستين، فمنتخب البرازيل يدخل اللقاء تحت قيادة الإيطالي المخضرم كارلو أنشيلوتي، الذي يراهن على توليفة هجومية ضاربة ورسم تكتيكي جريء يعتمد على الأطراف وسرعة فينيسيوس لخلخلة الخطوط. في المقابل، يتسلح «أسود الأطلس» بفلسفة الناخب الوطني الجديد محمد وهبي، الذي نجح في فرض الانضباط والمنظومة الجماعية المتكاملة. ويرتكز مخطط وهبي على منح إبراهيم دياز حرية الحركة الكاملة في صناعة اللعب والربط بين الخطوط، مستغلاً مهاراته الفردية العالية لإيجاد الثغرات في التكتل الدفاعي البرازيلي؛ ما يجعل وسط الميدان ساحة شطرنج حقيقية بين عقل دياز الاستراتيجي وقوة السامبا البدنية.

طموح «لبرازيل أفريقيا» في مواجهة ملوك السامبا

لا تتوقف الإثارة عند حدود الصراع الفردي، بل تمتد إلى الرغبة المغربية الجارفة في تأكيد مكانة الفريق بين نخبة الكبار، والبناء على إنجاز قطر التاريخي. وقد لخص فينيسيوس جونيور نفسه هذا الاحترام الكبير في مؤتمره الصحافي واصفاً المغرب بـ «برازيل أفريقيا» نظراً للقدرات المهارية العالية للاعبيه.

ورغم التاريخ الذي يقف بجانب السامبا بانتصارهم المونديالي الوحيد في نسخة 1998 بثلاثية نظيفة، فإن الذاكرة القريبة تحمل معها فوزاً ودياً تاريخياً للمغرب عام 2023. هذا التكافؤ الحديث يمنح دياز ورفاقه الثقة الكاملة للدخول إلى الملعب ليس فقط بغرض مجاراة البرازيل، بل بهدف خطف صدارة المجموعة مبكراً.


من رأس الحربة التقليدي إلى المهاجم الوهمي... ثورة تكتيكية في صفوف أسود الأطلس

من رأس الحربة التقليدي إلى المهاجم الوهمي... ثورة تكتيكية في صفوف أسود الأطلس
TT

من رأس الحربة التقليدي إلى المهاجم الوهمي... ثورة تكتيكية في صفوف أسود الأطلس

من رأس الحربة التقليدي إلى المهاجم الوهمي... ثورة تكتيكية في صفوف أسود الأطلس

بين الفكر الفرنسي الواقعي الذي صاغ أمجاد وليد الركراكي، والنزعة البلجيكية الهجومية البناءة التي يحمل لواءها محمد وهبي، تعيش كرة القدم المغربية اليوم تحولاً استراتيجياً عميقاً يعيد رسم ملامح هويتها التكتيكية على أعتاب الاستحقاقات المونديالية

.

هذا التباين بين المدرستين ليس مجرد اختلاف في الأسماء أو تبديل في المقاعد الفنية، بل هو صراع فكري بين الفلسفة البراغماتية الصارمة التي تتخذ من التنظيم الدفاعي والارتداد السريع سبيلاً لمنصات التتويج، وبين المدرسة التكوينية الحديثة القائمة على الاستحواذ الإيجابي وصناعة اللعب من الخلف. ومع تولي وهبي قيادة «أسود الأطلس»، يجد المنتخب المغربي نفسه أمام مفترق طرق تكتيكي يتطلب الموازنة بين الحفاظ على صلابة الإرث الدفاعي السابق، والانفتاح على جرأة هجومية تواكب تطلعات الجيل الموهوب الحالي.

وليد الركراكي

مدرب المنتخب المغربي السابق وليد الركراكي (رويترز)

تتجسد جذور هذا الخلاف الفلسفي في البيئة الكروية التي نشأ وتأثر بها كل مدرب، فالركراكي، الذي صُقلت هويته كلاعب ومدرب في الدوري الفرنسي وفي صفوف المنتخب المغربي، يميل بطبعه إلى «الواقعية الكلاسيكية» والكتل الدفاعية المدمجة (Low Block) التي تخنق المساحات أمام الخصوم. هذا الأسلوب أثبت نجاعته الفائقة في مونديال قطر 2022 عبر تعطيل أعتى خطوط الهجوم العالمية.

محمد وهبي

مدرب المنتخب المغربي محمد وهبي (رويترز)

في المقابل، يمثل محمد وهبي امتداداً للمدرسة البلجيكية المعاصرة التي ترعرع في كنفها كأحد أبرز المكونين بنادي أندرلخت، وهي مدرسة تؤمن بالاستحواذ الذكي، والضغط العالي العكسي، والبناء المنظم عبر الخطوط الثلاثة لفرض السيطرة المطلقة على مجريات اللعب.

ويظهر الاختلاف التكتيكي الأكثر إثارة بين الرجلين في كيفية التعامل مع المنظومة الهجومية وموقع المهاجم في الخطة البنيوية، حيث يفضل الركراكي الاعتماد على «رأس الحربة التقليدي» الصريح والمحطة البدنية القوية التي تجيد حجز المدافعين ومطاردة الكرات الطولية لتخفيف الضغط على الخط الخلفي. أما وهبي، وانطلاقاً من تجاربه مع المنتخبات الشابة وتتويجه بمعية المنتخب المغربي بكأس العالم تحت 20 عاماً، فإنه يميل بوضوح إلى تكتيك «المهاجم الشبح» أو (False 9). هذا التكنيك يعتمد على سحب قلب الدفاع إلى مساحات خارج الصندوق، مما يفرغ مساحات شاسعة للقادمين من الخلف من الأجنحة ولاعبي الوسط لضرب العمق الدفاعي فجأة وبكثافة عددية مربكة.

يأتي هذا التحول التكتيكي ليمثل تتويجاً لمسار طويل من التطوير البنيوي الذي تقوده الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم ضمن خارطة الطريق الاستراتيجية البعيدة المدى.

الانتقال إلى فكر وهبي يهدف بالأساس إلى فك شفرة «المحدودية الهجومية» التي عانى منها المنتخب أمام المنافسين المتكتلين دفاعياً، وهي المعضلة التي كشفت عنها بعض المواجهات القارية اللاحقة للإنجاز المونديالي.

خطة تأهيل المنظومة الجديدة لا تسعى لإلغاء المكتسبات الماضية، بل تهدف إلى تطعيم «القلعة الدفاعية» بمرونة تكتيكية هجومية تجعل من الأسود فريقاً قادراً على المبادرة وصناعة الفارق والتحكم في إيقاع المباريات ضد أي منافس عالمي.

ويبقى السؤال الأبرز في الأوساط الرياضية العالمية: هل يحذو وهبي حذو الركراكي في تحقيق طفرة مونديالية سريعة مكللة بالنجاح؟ فالمؤشرات الحالية تؤكد أن الطاقم الفني الجديد يمتلك الأدوات البشرية المثالية لتطبيق هذه الفلسفة الحديثة، في ظل وجود عناصر شابة تمتاز بالفنيات العالية والسرعة الفائقة في التحول. غير أن التحدي الحقيقي يكمن في مدى قدرة اللاعبين على استيعاب وتطبيق مرونة «المهاجم الشبح» والضغط العكسي في فترات زمنية وجيزة قبل الدخول في معترك المنافسات الرسمية الكبرى، ليبقى هذا التحول الفلسفي بمنزلة الرهان الأكبر لصياغة فصْلٍ غير مسبوق في تاريخ الكرة الأفريقية والعربية.


«أسود الأطلس» في مونديال 2026... خريطة الزحف من جحيم «السامبا» إلى حسم «أتلانتا»

نجوم منتخب المغرب رفعوا سقف التحدي في مونديال 2026 (أ.ف.ب)
نجوم منتخب المغرب رفعوا سقف التحدي في مونديال 2026 (أ.ف.ب)
TT

«أسود الأطلس» في مونديال 2026... خريطة الزحف من جحيم «السامبا» إلى حسم «أتلانتا»

نجوم منتخب المغرب رفعوا سقف التحدي في مونديال 2026 (أ.ف.ب)
نجوم منتخب المغرب رفعوا سقف التحدي في مونديال 2026 (أ.ف.ب)

يدخل المنتخب المغربي منافسات كأس العالم 2026 بطموحات عريضة مرتكناً إلى إرثه التاريخي المسجل في الدوحة قبل أربعة أعوام ويسعى «أسود الأطلس»، تحت قيادة المدير الفني محمد وهبي، إلى إثبات أن الإنجاز المونديالي السابق لم يكن وليد الصدفة، بل بداية عهد جديد للكرة الأفريقية والعربية في المحافل العالمية.
وضعت القرعة المونديالية الأسود في المجموعة الثالثة، التي تفرض تحديات متباينة تجمع بين هيبة السامبا البرازيلية، واندفاع الكرة الاسكوتلندية، وطموح منتخب هايتي العائد بعد غياب.

صدام النخبة... اختبار السامبا المبكر في «نيو جيرسي»

 

تتجه أنظار الملايين صوب ملعب نيويورك/ نيو جيرسي (استاد ميتلايف) في الثالث عشر من يونيو (حزيران) 2026. يستهل المنتخب المغربي مشواره بقمة كروية من العيار الثقيل أمام المنتخب البرازيلي، المرشح الدائم وفوق العادة لنيل اللقب. وتنطلق صافرة البداية في تمام الساعة السادسة مساءً بالتوقيت الشرقي لأميركا (الحادية عشرة ليلاً بتوقيت الرباط).

تقنياً، تمثل هذه المواجهة الافتتاحية حجر الأساس لـ«أسود الأطلس»، فالخروج بنتيجة إيجابية أمام رفاق فينيسيوس جونيور سيعزز الثقة ويسهل حسابات التأهل.

من المتوقع أن يعتمد وهبي على التنظيم الدفاعي الصارم والارتداد الهجومي السريع عبر الأطراف، مستغلاً سرعات أشرف حكيمي وتحركات إبراهيم دياز التي أثبتت نجاعتها في الوديات الأخيرة ضد المنتخبات الأوروبية.

 

معركة بوسطن... صراع الأنماط أمام الاندفاع الاسكوتلندي

في الجولة الثانية، يشد المنتخب المغربي الرحال نحو الشمال الشرقي وتحديداً صوب ملعب بوسطن (استاد جيليت) في ماساتشوستس. هناك، يلتقي «أسود الأطلس» المنتخب الاسكوتلندي يوم الجمعة التاسع عشر من يونيو (حزيران) 2026، عند الساعة الحادية عشرة ليلاً بتوقيت الرباط.

تحليلياً، تعد هذه المباراة «مفترق طرق» حقيقي، الكرة الاسكوتلندية تمتاز بالاندفاع البدني العالي والكرات الطولية والكرات الثابتة الخطيرة بقيادة عناصر تلعب في مستويات «البريميرليغ». يكمن المفتاح في فرض أسلوب الاستحواذ الأرضي، وتفعيل دور خط الوسط عبر سفيان أمرابط وعز الدين أوناحي لامتصاص الحماس الاسكوتلندي، وحرمان المنافس من فرض إيقاعه البدني المرهق.

 

ختام المجموعة في أتلانتا... حسم التأهل أمام طموح هايتي

يختتم المنتخب المغربي مبارياته في الدور الأول بمواجهة منتخب هايتي، يوم الأربعاء الرابع والعشرين من يونيو (حزيران) 2026. وتحتضن الأرضية الاصطناعية لـملعب مرسيدس بنز في أتلانتا بجورجيا هذا اللقاء الحاسم. وتنطلق المباراة أيضاً في التوقيت الموحد للأسود وهو الساعة الحادية عشرة ليلاً بتوقيت المغرب. 

رغم أن الحسابات الورقية تصب في مصلحة رفاق أشرف حكيمي، فإن بطولة ممتدة بـ48 منتخباً لا تعترف بالترشيحات المسبقة. الأسلوب المتوقع للمغرب في هذه المواجهة سيكون هجومياً بحتاً، مع الاعتماد على الكثافة العددية في مناطق الخصم والضغط العالي المبكر لتجنب أي مفاجآت قد تعقد حسابات العبور إلى دور الـ32 الإقصائي.