ما الذي يمكن أن يتوقعه تشيلسي من غراهام بوتر؟

لاعبوه السابقون يتحدثون عن مسيرته التدريبية ورفضه التنازل عن آرائه

وصل بوتر إلى سوانزي وهو يمتلك سمعة جيدة بعد قيادته نادي أوسترسوند للصعود من الدرجة الرابعة إلى الممتازة (الغارديان)
وصل بوتر إلى سوانزي وهو يمتلك سمعة جيدة بعد قيادته نادي أوسترسوند للصعود من الدرجة الرابعة إلى الممتازة (الغارديان)
TT

ما الذي يمكن أن يتوقعه تشيلسي من غراهام بوتر؟

وصل بوتر إلى سوانزي وهو يمتلك سمعة جيدة بعد قيادته نادي أوسترسوند للصعود من الدرجة الرابعة إلى الممتازة (الغارديان)
وصل بوتر إلى سوانزي وهو يمتلك سمعة جيدة بعد قيادته نادي أوسترسوند للصعود من الدرجة الرابعة إلى الممتازة (الغارديان)

«بأي طريقة تريدون أن تموتوا؟» كان هذا هو السؤال الذي طرحه غراهام بوتر على لاعبيه في اجتماع قبل مباراة فريقه السابق سوانزي سيتي أمام مانشستر سيتي في كأس الاتحاد الإنجليزي قبل ثلاث سنوات. وكما يقول مات غرايمز، الذي كان لاعباً أساسياً في تشكيلة سوانزي سيتي خلال الموسم الوحيد الذي قضاه بوتر في قيادة الفريق، وهو الآن قائد سوانزي سيتي: «كان الأمر كالتالي: يمكن لمانشستر سيتي أن يفوز عليك سواء تراجعت للخلف واعتمدت على الدفاع، أو تقدمت للأمام ولعبت بشكل هجومي».
ويضيف: «إذا دافعت بعشرة لاعبين في الخلف، فسوف يخترق خط الدفاع ويفوز عليك على أي حال، لذلك يتعين عليك أن تقوم بعملك على أكمل وجه وتنتظر ما سيحدث. هذه هي الطريقة التي كان يحفزنا بها، فقد كنا جميعاً في نفس القارب، وفي النهاية قمنا بعمل جيد وكنا منافساً قوياً لمانشستر سيتي».
كان من المؤسف أن يخسر سوانزي سيتي هذه المباراة؛ حيث حصل مانشستر سيتي، بقيادة جوسيب غوارديولا، على ركلة جزاء مثيرة للجدل، كما سجل المهاجم الأرجنتيني سيرخيو أغويرو هدف الفوز من تسلل. ويؤكد كل من عمل مع بوتر أنه شخص دقيق للغاية، سواء كان ذلك يتعلق بالعمل داخل المستطيل الأخضر أو بتفاصيل الحياة الشخصية للاعبيه. وفي تلك الليلة طلب بوتر من غرايمز اللعب كقلب دفاع لأول مرة في مسيرته الكروية ضد بطل الدوري الإنجليزي الممتاز.
يقول غرايمز: «قال إن مهاجمهم دائماً ما يسقط في العمق، لذلك فإنه من غير المنطقي أن نلعب بقلبي دفاع، وبالتالي يجب الاستفادة من واحد من هذين المدافعين». ويضيف: «أراد غراهام أن ألعب كقلب دفاع ناحية اليسار وأتقدم إلى وسط الملعب لمراقبة برناردو سيلفا، الذي كان يلعب في وسط الملعب ناحية اليمين، ويتقدم للأمام ليكون قريباً من المهاجم الصريح. وعندما تكون الكرة على الجانب الآخر من الملعب، كان يتعين عليّ التدخل لمراقبة اللاعب، لأنه إذا لم أفعل ذلك وبقيت واقفاً في الخلف بجوار المدافع الآخر، فسوف يمررون الكرة إلى هذا اللاعب الذي سيخترق خط دفاعنا، ونحن نعرف تماماً ما يمكن أن يحدث عندما يتسلم لاعبو مانشستر سيتي وبرناردو سيلفا الكرات في مثل هذه المناطق. كانت هناك بضع مرات في الشوط الأول تقدمت فيها نحوه وقطعت الكرة عدة مرات، وهو الأمر الذي أعطانا ثقة كبيرة في المباراة وجعلنا نشعر بأن الخطة التي وضعناها تسير بشكل جيد. لم يجرب أي فريق آخر اللعب بهذه الطريقة».
وكان بوتر قد وصل إلى سوانزي سيتي وهو يمتلك سمعة جيدة بعد أن قاد نادي أوسترسوند للصعود من دوري الدرجة الرابعة إلى الدوري الممتاز في السويد، والوصول إلى مرحلة خروج المغلوب في الدوري الأوروبي؛ حيث فاز على آرسنال في ملعب الإمارات، كما زاد عدد المعجبين به عندما تولى القيادة الفنية لنادي سوانزي سيتي. يتذكر غرايمز إحدى الفترات قرب نهاية الموسم عندما سحق سوانزي سيتي، ستوك سيتي وبرينتفورد وميدلسبره بنتيجة إجمالية تسعة أهداف مقابل هدفين في طريقه لاحتلال المركز العاشر في دوري الدرجة الأولى.
يقول غرايمز: «لقد كانوا فرقاً كبيرة جداً في ذلك الوقت وكانوا يضمون العديد من اللاعبين الكبار وكانوا يصرخون في وجه بعضهم قائلين: كيف يحدث هذا؟ ما الذي يجري؟». ويضيف: «هذا يمنحك الكثير من الثقة، وهكذا أنهينا ذلك الموسم؛ حيث لم تكن الفرق الأخرى تعرف كيف تلعب ضدنا. أعتقد حقاً أنه لو لعبنا موسماً آخر تحت قيادته لكنا صعدنا إلى الدوري الإنجليزي الممتاز».
ويتمثل التحدي التالي الذي يواجه بوتر في نقل فلسفته القائمة على الاستحواذ إلى نادي تشيلسي المدجج بالنجوم. من المؤكد أن الماجستير الذي حصل عليه في القيادة والذكاء النفسي قد أسهم في صقل مهاراته في الإدارة البشرية. يتذكر جيمي هوبكوت، الذي عمل تحت قيادة بوتر لمدة سبع سنوات في نادي أوسترسوند، ما حدث خلال معسكر الإعداد للموسم الجديد في تينيريفي، قبل مغامرة الفريق في الدوري الأوروبي، قائلاً: «كان لدينا لاعب يخضع للاختبار وكانت سمعته سيئة في السويد، وكان بوتر يسمع همسات من اللاعبين الذين يتساءلون عن سبب وجود هذا اللاعب. لذلك أحضرنا بوتر جميعاً في إحدى الغرف، وجلسنا جميعاً وبدأ يذكر كل لاعب بالمكان الذي جاء منه ويخبره بأنه ليس من حقه أن يحكم على الناس بهذه الطريقة. لقد كان يشرح لنا أننا جميعاً بدأنا من الصفر، وأنه ليس من حقنا أن نحكم على شخص ما بسبب خلفيته. لقد كانت لحظة استثنائية في حقيقة الأمر، فقد جعلتنا جميعاً نتذكر من أين أتينا. لقد جعلنا هذا الموقف أكثر ترابطاً وجعلنا نعمل بجدية أكبر».

بوتر عقب تعادله مع سالزبورغ في أول مباراة يقود فيها تشيلسي (رويترز)

وعادة ما يكون المدير الفني البالغ من العمر 47 عاماً هادئاً ومتحفظاً مع لاعبيه، وهو أمر مثالي بالنسبة لمساعده بيلي ريد، الأكثر انفتاحاً الذي يعمل معه منذ فترة طويلة، والذي سبق له تدريب نادي هاميلتون الاسكتلندي. وبنفس القدر يؤكد أولئك الذين لعبوا تحت قيادة بوتر على أنه «ليس لطيفاً دائماً»، وأنه قادر على السيطرة على الأمور تماماً داخل غرفة خلع الملابس. يروي هوبكوت قصة حصة تدريبية في أوسترسوند بعد هزيمة مفاجئة في الجولة الافتتاحية بثلاثية نظيفة في الدوري، قائلاً: «لقد أخرجنا إلى ملعب التدريب وجعلنا نركض في صفوف ولم يخبرنا بالوقت الذي سنتوقف فيه عن الركض، فقد كان يعاقبنا على استسلامنا داخل الملعب وكان يختبر قوتنا الذهنية».
ويضيف: «كان اللاعبون في حالة صدمة. لقد كان يختبر الجانب الذهني للاعبين، لكي يعرف إلى متى يمكنهم الاستمرار في الركض دون أن يعرفوا متى سيتوقفون. كنا فقط نجري في صفوف خلف بعضها.
لم يقل كلمة واحدة لأي من اللاعبين، وبعد نحو ما يتراوح بين 30 و40 دقيقة أطلق الصافرة، وقال إن هذا يكفي. ونجحنا في تحقيق الفوز في المباراة التالية». لا يخشى بوتر التفكير خارج الصندوق. ففي السويد، كان هو والرئيس السابق دانيال كيندبرغ وراء المشروعات الثقافية التي نُظمت في نهاية الموسم والتي شهدت أداء بوتر للنشيد الوطني لإقليم لابلاند السويدي قبل فريقه. كما أعطى لأحد لاعبيه، وهو كورتيس إدواردز، كتاباً من تأليف الدالاي لاما لمحاولة منع لاعب خط الوسط من تعنيف نفسه بشدة بعد ارتكاب أخطاء.
ويشير هوبكوت إلى أن فريق عمل بوتر، بمَن فيهم ريد، ومدرب الفريق الأول بيورن هامبرغ، وكايل ماكولاي، الذي كان مساعداً لرئيس لجنة التعاقدات في برايتون، يستحق أيضاً الإشادة والتقدير لمساهمته بشكل كبير في النجاحات التي حققها بوتر حتى هذه اللحظة. وضم بوتر أيضاً إلى طاقمه التدريبي في تشيلسي كلاً من مدرب حراس المرمى السابق لبرايتون، بن روبرتس، وقائد برايتون السابق ومدرب الفريق الأول برونو.
يقول هوبكت: «لقد جئت من الدوريات الأدنى في إنجلترا، وكنت قد فقدت حبي لكرة القدم تماماً، لكنه أعاد هذا الحب لي. ونظراً لأنني لعبت تحت قيادته لفترة طويلة، فربما لم أكن أدرك ما كان لدي في ذلك الوقت. لقد لعبت تحت قيادة مديرين فنيين لا يهتمون حقاً باللاعبين، وكان كل همهم هو تحقيق الفوز فقط، وهو الأمر الذي جعلني أدرك أنني كنت ألعب تحت قيادة مدير فني استثنائي في حقيقة الأمر، وأنا محظوظ للغاية لأنني قضيت تلك السنوات العديدة معه. يهتم غراهام بالجوانب الإنسانية، وليس فقط بكرة القدم. إنه يريد أن يتعرف على شخصية اللاعبين خارج الملعب».
وتعد تلك المباراة التي لعبها سوانزي سيتي أمام مانشستر سيتي بقيادة غوارديولا مثالاً على ذكاء بوتر، ويأمل تشيلسي أن ينجح المدير الفني الإنجليزي الشاب في تطبيق فلسفته وأفكاره مع «البلوز». يقول غرايمز إنه «يؤمن بما يفعله ولا يتردد أبداً في القيام به. أعتقد أن هذه هي العقلية المثالية لتكون مديراً فنياً من الطراز العالمي، وأنا متأكد من أنه سيتحلى بنفس العقلية في تشيلسي».
واختتم غرايمز حديثه قائلاً: «إذا لم تسر الأمور كما يتوقع الجميع، سيقول الجميع إنه بحاجة إلى تغيير هذا أو ذاك، لكنه سيقول: لا، نحن نحتاج فقط إلى القيام بما نقوم به بشكل أفضل». وتعهد بوتر بتحسين أداء الفريق بمجرد معالجة بعض التفاصيل الصغيرة، وذلك عقب تعادله مع سالزبورغ في دوري أبطال أوروبا في أول مباراة يقود فيها تشيلسي، وقال بوتر: «نحن في حالة حزن بسبب النتيجة. أعتقد أن اللاعبين قدموا كل ما عندهم».


مقالات ذات صلة


صراع «البرنابيو» يتجدد في نيوجيرسي... فينيسيوس ودياز: إخوة الأمس وأعداء الليلة المونديالية

صراع «البرنابيو» يتجدد في نيوجيرسي... فينيسيوس ودياز: إخوة الأمس وأعداء الليلة المونديالية
TT

صراع «البرنابيو» يتجدد في نيوجيرسي... فينيسيوس ودياز: إخوة الأمس وأعداء الليلة المونديالية

صراع «البرنابيو» يتجدد في نيوجيرسي... فينيسيوس ودياز: إخوة الأمس وأعداء الليلة المونديالية

تتجه أنظار عشاق كرة القدم حول العالم اليوم صوب ملعب «ميتلايف» في نيوجيرسي، لمتابعة واحدة من أقوى القمم المبكرة في مونديال 2026، والتي تجمع بين عملاق أميركا الجنوبية منتخب البرازيل والمنتشي بإرثه العالمي المنتخب المغربي لحساب الجولة الأولى للمجموعة الثالثة.

تتجاوز هذه الموقعة صراع النقاط الثلاث التقليدي، لتتحول إلى مسرح لصدام عاطفي وفني فريد، بطلَاه نجما ريال مدريد، البرازيلي فينيسيوس جونيور والمغربي إبراهيم دياز، اللذان يخلعان قميص «الملكي» الأبيض ليرتدي كل منهما لواء وطنه، في حوار تكتيكي يرفعان فيه شعار: «زملاء الأمس... أعداء الليلة».

إبراهيم دياز لاعب منتخب المغرب (أ.ف.ب)

زمالة «مدريد» تحت مجهر الحسم الدولي

على مدار مواسم طويلة في «سانتياغو برنابيو»، تشارك الثنائي فينيسيوس ودياز لحظات المجد المحلى والأوروبي، وصنعا معاً منظومة هجومية أرعبت قارة أوروبا تحت إشراف كارلو أنشيلوتي، إلّا أن حسابات العشب الأخضر في نيوجيرسي تفرض منطقاً مغايراً، فالنجم البرازيلي فينيسيوس، الذي يحمل على عاتقه إثبات جدارته كقائد أول لخط هجوم «السيليساو» في غياب نيمار المصاب، يجد نفسه وجهاً لوجه أمام رفيق دربه دياز، الذي بات القائد الملهم للمشروع المغربي الجديد. هذا التنافس المباشر يضع صداقة الغرف المغلقة جانباً، حيث يسعى كل لاعب لتوظيف نقاط ضعف زميله التي خبرها في التدريبات اليومية لصالح منتخب بلاده.

فينيسيوس جونيور (إ.ب.أ)

فلسفة أنشيلوتي الهجومية تواجه طموح محمد وهبي

تكتيكياً، تبرز المباراة كصراع أفكار فني عميق بين مدرستين، فمنتخب البرازيل يدخل اللقاء تحت قيادة الإيطالي المخضرم كارلو أنشيلوتي، الذي يراهن على توليفة هجومية ضاربة ورسم تكتيكي جريء يعتمد على الأطراف وسرعة فينيسيوس لخلخلة الخطوط. في المقابل، يتسلح «أسود الأطلس» بفلسفة الناخب الوطني الجديد محمد وهبي، الذي نجح في فرض الانضباط والمنظومة الجماعية المتكاملة. ويرتكز مخطط وهبي على منح إبراهيم دياز حرية الحركة الكاملة في صناعة اللعب والربط بين الخطوط، مستغلاً مهاراته الفردية العالية لإيجاد الثغرات في التكتل الدفاعي البرازيلي؛ ما يجعل وسط الميدان ساحة شطرنج حقيقية بين عقل دياز الاستراتيجي وقوة السامبا البدنية.

طموح «لبرازيل أفريقيا» في مواجهة ملوك السامبا

لا تتوقف الإثارة عند حدود الصراع الفردي، بل تمتد إلى الرغبة المغربية الجارفة في تأكيد مكانة الفريق بين نخبة الكبار، والبناء على إنجاز قطر التاريخي. وقد لخص فينيسيوس جونيور نفسه هذا الاحترام الكبير في مؤتمره الصحافي واصفاً المغرب بـ «برازيل أفريقيا» نظراً للقدرات المهارية العالية للاعبيه.

ورغم التاريخ الذي يقف بجانب السامبا بانتصارهم المونديالي الوحيد في نسخة 1998 بثلاثية نظيفة، فإن الذاكرة القريبة تحمل معها فوزاً ودياً تاريخياً للمغرب عام 2023. هذا التكافؤ الحديث يمنح دياز ورفاقه الثقة الكاملة للدخول إلى الملعب ليس فقط بغرض مجاراة البرازيل، بل بهدف خطف صدارة المجموعة مبكراً.


من رأس الحربة التقليدي إلى المهاجم الوهمي... ثورة تكتيكية في صفوف أسود الأطلس

من رأس الحربة التقليدي إلى المهاجم الوهمي... ثورة تكتيكية في صفوف أسود الأطلس
TT

من رأس الحربة التقليدي إلى المهاجم الوهمي... ثورة تكتيكية في صفوف أسود الأطلس

من رأس الحربة التقليدي إلى المهاجم الوهمي... ثورة تكتيكية في صفوف أسود الأطلس

بين الفكر الفرنسي الواقعي الذي صاغ أمجاد وليد الركراكي، والنزعة البلجيكية الهجومية البناءة التي يحمل لواءها محمد وهبي، تعيش كرة القدم المغربية اليوم تحولاً استراتيجياً عميقاً يعيد رسم ملامح هويتها التكتيكية على أعتاب الاستحقاقات المونديالية

.

هذا التباين بين المدرستين ليس مجرد اختلاف في الأسماء أو تبديل في المقاعد الفنية، بل هو صراع فكري بين الفلسفة البراغماتية الصارمة التي تتخذ من التنظيم الدفاعي والارتداد السريع سبيلاً لمنصات التتويج، وبين المدرسة التكوينية الحديثة القائمة على الاستحواذ الإيجابي وصناعة اللعب من الخلف. ومع تولي وهبي قيادة «أسود الأطلس»، يجد المنتخب المغربي نفسه أمام مفترق طرق تكتيكي يتطلب الموازنة بين الحفاظ على صلابة الإرث الدفاعي السابق، والانفتاح على جرأة هجومية تواكب تطلعات الجيل الموهوب الحالي.

وليد الركراكي

مدرب المنتخب المغربي السابق وليد الركراكي (رويترز)

تتجسد جذور هذا الخلاف الفلسفي في البيئة الكروية التي نشأ وتأثر بها كل مدرب، فالركراكي، الذي صُقلت هويته كلاعب ومدرب في الدوري الفرنسي وفي صفوف المنتخب المغربي، يميل بطبعه إلى «الواقعية الكلاسيكية» والكتل الدفاعية المدمجة (Low Block) التي تخنق المساحات أمام الخصوم. هذا الأسلوب أثبت نجاعته الفائقة في مونديال قطر 2022 عبر تعطيل أعتى خطوط الهجوم العالمية.

محمد وهبي

مدرب المنتخب المغربي محمد وهبي (رويترز)

في المقابل، يمثل محمد وهبي امتداداً للمدرسة البلجيكية المعاصرة التي ترعرع في كنفها كأحد أبرز المكونين بنادي أندرلخت، وهي مدرسة تؤمن بالاستحواذ الذكي، والضغط العالي العكسي، والبناء المنظم عبر الخطوط الثلاثة لفرض السيطرة المطلقة على مجريات اللعب.

ويظهر الاختلاف التكتيكي الأكثر إثارة بين الرجلين في كيفية التعامل مع المنظومة الهجومية وموقع المهاجم في الخطة البنيوية، حيث يفضل الركراكي الاعتماد على «رأس الحربة التقليدي» الصريح والمحطة البدنية القوية التي تجيد حجز المدافعين ومطاردة الكرات الطولية لتخفيف الضغط على الخط الخلفي. أما وهبي، وانطلاقاً من تجاربه مع المنتخبات الشابة وتتويجه بمعية المنتخب المغربي بكأس العالم تحت 20 عاماً، فإنه يميل بوضوح إلى تكتيك «المهاجم الشبح» أو (False 9). هذا التكنيك يعتمد على سحب قلب الدفاع إلى مساحات خارج الصندوق، مما يفرغ مساحات شاسعة للقادمين من الخلف من الأجنحة ولاعبي الوسط لضرب العمق الدفاعي فجأة وبكثافة عددية مربكة.

يأتي هذا التحول التكتيكي ليمثل تتويجاً لمسار طويل من التطوير البنيوي الذي تقوده الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم ضمن خارطة الطريق الاستراتيجية البعيدة المدى.

الانتقال إلى فكر وهبي يهدف بالأساس إلى فك شفرة «المحدودية الهجومية» التي عانى منها المنتخب أمام المنافسين المتكتلين دفاعياً، وهي المعضلة التي كشفت عنها بعض المواجهات القارية اللاحقة للإنجاز المونديالي.

خطة تأهيل المنظومة الجديدة لا تسعى لإلغاء المكتسبات الماضية، بل تهدف إلى تطعيم «القلعة الدفاعية» بمرونة تكتيكية هجومية تجعل من الأسود فريقاً قادراً على المبادرة وصناعة الفارق والتحكم في إيقاع المباريات ضد أي منافس عالمي.

ويبقى السؤال الأبرز في الأوساط الرياضية العالمية: هل يحذو وهبي حذو الركراكي في تحقيق طفرة مونديالية سريعة مكللة بالنجاح؟ فالمؤشرات الحالية تؤكد أن الطاقم الفني الجديد يمتلك الأدوات البشرية المثالية لتطبيق هذه الفلسفة الحديثة، في ظل وجود عناصر شابة تمتاز بالفنيات العالية والسرعة الفائقة في التحول. غير أن التحدي الحقيقي يكمن في مدى قدرة اللاعبين على استيعاب وتطبيق مرونة «المهاجم الشبح» والضغط العكسي في فترات زمنية وجيزة قبل الدخول في معترك المنافسات الرسمية الكبرى، ليبقى هذا التحول الفلسفي بمنزلة الرهان الأكبر لصياغة فصْلٍ غير مسبوق في تاريخ الكرة الأفريقية والعربية.


«أسود الأطلس» في مونديال 2026... خريطة الزحف من جحيم «السامبا» إلى حسم «أتلانتا»

نجوم منتخب المغرب رفعوا سقف التحدي في مونديال 2026 (أ.ف.ب)
نجوم منتخب المغرب رفعوا سقف التحدي في مونديال 2026 (أ.ف.ب)
TT

«أسود الأطلس» في مونديال 2026... خريطة الزحف من جحيم «السامبا» إلى حسم «أتلانتا»

نجوم منتخب المغرب رفعوا سقف التحدي في مونديال 2026 (أ.ف.ب)
نجوم منتخب المغرب رفعوا سقف التحدي في مونديال 2026 (أ.ف.ب)

يدخل المنتخب المغربي منافسات كأس العالم 2026 بطموحات عريضة مرتكناً إلى إرثه التاريخي المسجل في الدوحة قبل أربعة أعوام ويسعى «أسود الأطلس»، تحت قيادة المدير الفني محمد وهبي، إلى إثبات أن الإنجاز المونديالي السابق لم يكن وليد الصدفة، بل بداية عهد جديد للكرة الأفريقية والعربية في المحافل العالمية.
وضعت القرعة المونديالية الأسود في المجموعة الثالثة، التي تفرض تحديات متباينة تجمع بين هيبة السامبا البرازيلية، واندفاع الكرة الاسكوتلندية، وطموح منتخب هايتي العائد بعد غياب.

صدام النخبة... اختبار السامبا المبكر في «نيو جيرسي»

 

تتجه أنظار الملايين صوب ملعب نيويورك/ نيو جيرسي (استاد ميتلايف) في الثالث عشر من يونيو (حزيران) 2026. يستهل المنتخب المغربي مشواره بقمة كروية من العيار الثقيل أمام المنتخب البرازيلي، المرشح الدائم وفوق العادة لنيل اللقب. وتنطلق صافرة البداية في تمام الساعة السادسة مساءً بالتوقيت الشرقي لأميركا (الحادية عشرة ليلاً بتوقيت الرباط).

تقنياً، تمثل هذه المواجهة الافتتاحية حجر الأساس لـ«أسود الأطلس»، فالخروج بنتيجة إيجابية أمام رفاق فينيسيوس جونيور سيعزز الثقة ويسهل حسابات التأهل.

من المتوقع أن يعتمد وهبي على التنظيم الدفاعي الصارم والارتداد الهجومي السريع عبر الأطراف، مستغلاً سرعات أشرف حكيمي وتحركات إبراهيم دياز التي أثبتت نجاعتها في الوديات الأخيرة ضد المنتخبات الأوروبية.

 

معركة بوسطن... صراع الأنماط أمام الاندفاع الاسكوتلندي

في الجولة الثانية، يشد المنتخب المغربي الرحال نحو الشمال الشرقي وتحديداً صوب ملعب بوسطن (استاد جيليت) في ماساتشوستس. هناك، يلتقي «أسود الأطلس» المنتخب الاسكوتلندي يوم الجمعة التاسع عشر من يونيو (حزيران) 2026، عند الساعة الحادية عشرة ليلاً بتوقيت الرباط.

تحليلياً، تعد هذه المباراة «مفترق طرق» حقيقي، الكرة الاسكوتلندية تمتاز بالاندفاع البدني العالي والكرات الطولية والكرات الثابتة الخطيرة بقيادة عناصر تلعب في مستويات «البريميرليغ». يكمن المفتاح في فرض أسلوب الاستحواذ الأرضي، وتفعيل دور خط الوسط عبر سفيان أمرابط وعز الدين أوناحي لامتصاص الحماس الاسكوتلندي، وحرمان المنافس من فرض إيقاعه البدني المرهق.

 

ختام المجموعة في أتلانتا... حسم التأهل أمام طموح هايتي

يختتم المنتخب المغربي مبارياته في الدور الأول بمواجهة منتخب هايتي، يوم الأربعاء الرابع والعشرين من يونيو (حزيران) 2026. وتحتضن الأرضية الاصطناعية لـملعب مرسيدس بنز في أتلانتا بجورجيا هذا اللقاء الحاسم. وتنطلق المباراة أيضاً في التوقيت الموحد للأسود وهو الساعة الحادية عشرة ليلاً بتوقيت المغرب. 

رغم أن الحسابات الورقية تصب في مصلحة رفاق أشرف حكيمي، فإن بطولة ممتدة بـ48 منتخباً لا تعترف بالترشيحات المسبقة. الأسلوب المتوقع للمغرب في هذه المواجهة سيكون هجومياً بحتاً، مع الاعتماد على الكثافة العددية في مناطق الخصم والضغط العالي المبكر لتجنب أي مفاجآت قد تعقد حسابات العبور إلى دور الـ32 الإقصائي.