معركة كسر شوكة الدولار... «خيار الأعداء» و«باب خلفي للأصدقاء»

اتفاق «قوة سيبيريا» يفتح الباب لتشكيل محور تحدي «العملة الخضراء»

مسنة تمر بجانب مكتب صرافة يعرض أسعار صرف اليورو والدولار الأميركي إلى الروبل الروسي في العاصمة موسكو (إ.ب.أ)
مسنة تمر بجانب مكتب صرافة يعرض أسعار صرف اليورو والدولار الأميركي إلى الروبل الروسي في العاصمة موسكو (إ.ب.أ)
TT

معركة كسر شوكة الدولار... «خيار الأعداء» و«باب خلفي للأصدقاء»

مسنة تمر بجانب مكتب صرافة يعرض أسعار صرف اليورو والدولار الأميركي إلى الروبل الروسي في العاصمة موسكو (إ.ب.أ)
مسنة تمر بجانب مكتب صرافة يعرض أسعار صرف اليورو والدولار الأميركي إلى الروبل الروسي في العاصمة موسكو (إ.ب.أ)

خلال الأيام الخوالي، والتي امتدت منذ نهاية الحرب الباردة بين أميركا والاتحاد السوفياتي (المتفكك) وحتى بدايات عهد الرئيس الأميركي الحالي جو بايدن، دأبت روسيا على النفي الرسمي لمساعيها للنأي عن الدولار أو استبدال هيمنته على مسارات التجارة والمالية العالمية، رغم أن موسكو كانت بالفعل قد بدأت «خطوات تجريبية» واسعة النطاق - مثل غيرها من دول العالم - ليوم التطبيق الفعلي لهذه الخطوة.
خلال الأعوام الأخيرة، ومع اضطراب العلاقات التجارية بين أكبر قوتين اقتصاديتين على وجه الأرض، أميركا والصين، خلال عهد الرئيس السابق دونالد ترمب، تبين أن الصين كانت سباقة بدورها في محاولات الافتكاك من سيطرة الدولار، وإن كان تركيزها انصب مذاك الحين على استغلال ضعف اليوان في ضرب الاقتصاد الأميركي (والأوروبي) عبر التنافسية غير القابلة للهزيمة.
كما سارت بكين على خط موازٍ عبر المضي قدما في تطوير الرينمبي (اليوان) الرقمي كعملة سيادية إلكترونية أكثر موثوقية من غيرها من العملات المشفرة، ومضمونة من دولة كبرى مع عدد هائل متوقع من التداولات من خلال مئات الملايين من المستخدمين داخليا على أقل تقدير، ما يؤهلها لتكون عملة تجارة دولية بامتياز.
أيضاً خلال الأعوام الماضية، فإن عددا من الدول «المغضوب عليها أميركيا» سعت للهروب من طوق العقوبات التي تترصد اقتصاداتها وتعوق حركاتها المفروضة بالدولار، عبر أبواب خلفية، ومن بين المحاولات على سبيل المثال كانت تحركات كل من فنزويلا أو إيران خلال سنوات العقوبات لتهريب النفط، أو اعتماد الأولى «البترو» (وهي عملة مشفرة تصدرها فنزويلا بضمان النفط).

الفرصة الذهبية

لكن المحاولات الفردية، أو مع شركاء أصغر حجما لم تتجاوز المراحل التجريبية في المعركة... البداية الحقيقية لتفعيل التحرك في مواجهة هيمنة الدولار كانت على ما يبدو حين التقت إرادة كل من موسكو وبكين، بما تمثلانه من قوتين استراتيجيتين عظميين، يؤهل تحالفهما لتشكيل نواة محور قوي يمكن البناء عليه لاستقطاب مزيد من الدول لاحقا.
فمنذ فرض عقوبات على روسيا، ومحاولات التضييق على مسارات صادراتها الطاقوية (التي تمثل عصبا حساسا للاقتصاد الروسي)، وجدت الصين (التي تسمى «مصنع العالم» وأكبر مستهلك للطاقة على وجه الأرض) ضالتها وفرصتها في شراء كميات كبرى من الطاقة الرخيصة (نسبيا وسط أسواق مشتعلة) سواء للاستخدام أو للتخزين، لتشير الإحصاءات الرسمية وغير الرسمية إلى أن روسيا أصبحت أكبر مصدر للطاقة إلى الصين خلال الشهور الأخيرة.
ومنذ نهاية عام 2019، أطلقت موسكو وبكين خط أنابيب «قوة سيبيريا» الذي ينقل الغاز الروسي من سيبيريا إلى شنغهاي، بقدرة 38 مليار متر مكعب سنوياً لمدة 30 عاماً.
وفي مطلع شهر سبتمبر (أيلول) الجاري، تسربت أنباء عن تواصل الطرفين لتفعيل اتفاقات رسمية تنص على شراء الصين للطاقة الروسية باستخدام العملات المحلية للطرفين (اليوان والروبل)، وهو ما يعني النأي بما قيمته تريليونات الدولارات عن مسارات السيطرة الأميركية على النظام التجاري العالمي، كما أنه سيعد اتفاقا رابحا للطرفين، من حصول الصين على طاقة ثابتة ورخيصة، وضمان روسيا لتصدير طاقتها رغم العقوبات... بل إن الصين قد تصبح «محطة» لإعادة تصدير الطاقة الروسية حال الحاجة لذلك.

بكين مستاءة

روسيا ليست وحدها المتأففة من معاملة الغرب، فقد دعت وزارة الخارجية الصينية ألمانيا يوم الجمعة، إلى اتخاذ سياسة «عملية ومنطقية» باتجاه الصين، وذلك عقب تقرير يفيد بأن برلين تقوم بمراجعة استراتيجيتها التجارية.
وقالت المتحدثة باسم وزارة الخارجية الصينية، ماو نينغ إن أكبر اقتصاد في أوروبا يجب أن يضع «طاقة إيجابية» في التعاون ذي النفع المتبادل مع الصين، وذلك عقب تقرير يفيد بأن الحكومة الألمانية تتطلع إلى خفض الاعتماد الاقتصادي على الصين، ربما عن طريق إنهاء بعض الدعم للشركات الألمانية العاملة هناك، مثل الضمانات الحكومية للاستثمار والتصدير. ووصفت ماو مثل تلك الإجراءات بأنها «سخيفة للغاية».
وبحسب التقرير، تريد الحكومة الألمانية أيضاً تطبيق مبدأ تكافؤ الفرص، ومزيد من التعامل بالمثل في التجارة مع الصين. وتردد أن مجموعة الدول الصناعية السبع الكبرى قد تناقش إمكانية تحريك شكوى أمام منظمة التجارة العالمية ضد قيود الصين. وردت ماو بالقول: «دائما ما تتبع الصين قواعد منظمة التجارة العالمية»، مضيفة أنه حال تحريك شكوى، سوف تدافع بكين عن حقوقها ومصالحها بموجب قواعد المنظمة.
علامات موازية

وفي إطار النظرة العامة لمعركة تحدي الدولار، فإن إلقاء نظرة على سوق العملات المشفرة قد يكون هاما، إذ أنها تعد تلقائيا إحدى أبرز نوافذ التهرب من سيطرة العملة الأميركية، سواء من الدول المغضوب عليها، أو من الأفراد الذين لا يريدون تتبع أموالهم.
وخلال الأسبوع الأخير، عادت «بتكوين» لما فوق 20 ألف دولار للوحدة، وهو ما يدل على رواج بيعها وبكثافة مع أخواتها من العملات المشفرة، وقد يكون الأمر واضحا الآن أن أسواق هذه العملات تنشط مع زيادة التهديدات التي يوجهها الغرب إلى روسيا أو الصين.
وبالتوازي، أعلن البنك المركزي الروسي مؤخراً تمديد القيود على تداول الأفراد العملات الأجنبية نقدا، بما لا يزيد عن 10 آلاف دولار أو يورو لمدة ستة أشهر، حتى 9 مارس (آذار) عام 2023.
وذكر بيان البنك، أنه «تم تمديد القيود المفروضة على شراء العملات الأجنبية لمدة 6 أشهر أخرى حتى 9 مارس 2023، بما لا يزيد عن 10 آلاف دولار أو ما يعادلها باليورو، ليدخل هذا القرار حيز التنفيذ اعتباراً من 9 سبتمبر (أيلول) 2022».
وفي مطلع مارس الماضي، فرض البنك المركزي الروسي قيودا على تداول النقد الأجنبي في البلاد، وحظرت الهيئة التنظيمية شراء العملات نقدا من قبل الأفراد وقيدت سحبها نقدا من الودائع بما لا يزيد عن 10 آلاف دولار لمدة ستة أشهر من 9 مارس وحتى 9 سبتمبر 2022. وجاء هذا التحرك إثر فرض الغرب عقوبات مالية واقتصادية واسعة ردا على قيام موسكو بغزو أوكرانيا في 24 فبراير (شباط) الماضي.

تحركات مضادة

مقابل التحركات الصينية والروسية، لا تقف الولايات المتحدة مكتوفة الأيدي. وأخيرا بدأت واشنطن سلسلة اجتماعات مع وزراء من دول آسيا وجزر الهادئ في إطار قمة اقتصادية تهدف لمواجهة نفوذ الصين المتزايد في المنطقة.
وتأمل إدارة بايدن من خلال الشراكة التجارية الجديدة تعزيز حضورها في منطقة شعرت بأنها أهملت في عهد سلفه دونالد ترمب، إذ أعلن الأخير في ظل سياسته الانعزالية القائمة على مبدأ «أميركا أولا»، انسحاب الولايات المتحدة من اتفاقية «الشراكة عبر المحيط الهادئ» التجارية والتي ينصب تركيزها على آسيا، في خطوة رأى البعض أنها تفسح المجال للصين للهيمنة في منطقة تعد غاية في الأهمية من الناحية الاقتصادية بالنسبة للعالم.
وقالت وزيرة التجارة الأميركية جينا ريموندو في مستهل القمة إن «الوقت حان لتكون لدى الولايات المتحدة رؤية اقتصادية ملموسة في المنطقة»، مشيرة إلى أن الدول الـ14 المنضوية في الحلف تساهم في أكثر من 40 في المائة من إجمالي الناتج الداخلي العالمي.
وتأمل واشنطن وضع معايير مشتركة على مستوى المنطقة، لكن من دون الترويج للوصول إلى سوقها المحلية على شكل اتفاقية تقليدية للتجارة الحرة. وستركز المحادثات على أربع نقاط رئيسية: الاقتصاد الرقمي وسلاسل الإمداد والطاقة النظيفة ومكافحة الفساد. وواجه الحلف انتقادات على اعتباره مجرد كلام فارغ تعد قيمته رمزية ليس إلا.
لكن الحديث عن اتفاقيات للتجارة الحرة لا يحظى بشعبية في الولايات المتحدة، حيث يعتبر الرأي العام أنها تشكل تهديدا للوظائف الأميركية. ويضم «الإطار الاقتصادي للازدهار في المحيطين الهندي والهادئ» الولايات المتحدة وأستراليا وبروناي وفيجي والهند وإندونيسيا واليابان وكوريا الجنوبية وماليزيا ونيوزيلندا والفيليبين وسنغافورة وتايلاند وفيتنام.
يعد الحلف نظريا «منصة مفتوحة» يمكن في مرحلة ما بأن تنضم إليه دول أخرى، لكنه لا يشمل تايوان، الجزيرة التي تتمتع بحكم ذاتي وتعتبر الصين أنها جزء من أراضيها.

مصالح لـ«الأصدقاء أيضاً»:

رغم أن حاجة الدول المغضوب عليها مثل روسيا والصين أكبر للتخلص من هيمنة الدولار، إلا أن الدول الصديقة أيضاً قد تكون مرتاحة للمضي قدما في إضعاف سيطرة الدولار عالميا، وذلك نتيجة لقوة الدولار التاريخية الحالية، حيث تراجع اليورو أمامه إلى ما دون التوازن، وهو مستوى غير مسبوق على الإطلاق منذ بدء التعامل بالعملة الأوروبية الموحدة قبل بداية الألفية الحالية. كما أن الجنيه الإسترليني يواجه ذات المصير، إذ بلغ أدنى مستوياته مقابل العملة الأميركية منذ عام 1985، وقد يصل بدوره إلى منطقة التعادل التي لم يسبق بلوغها تاريخيا حال استمرار تردي الأوضاع محليا في المملكة المتحدة.
ولا يجب أن يغيب الين الياباني عن الأعين أيضاً، إذ أنه في أدنى مستوياته بدوره مقابل الدولار، لدرجة أثارت قلق الحكومة والبرلمان اليابانيين. ورغم أن ضعف العملات المحلية (الين مثالا) يمنحها قوة تجارية وتنافسية أكبر مقابل الدولار، خاصةً في الدول الصناعية الكبرى، وكذلك يمنح أسواقها المالية وأوراقها السيادية أفضلية لرخص أسعار شرائها، إلا أنه يؤثر من جهة أخرى بشكل حاد على المالية العامة للدولة وقد يخل بموازينها، كما أنه يتسبب في رفع عوائد السندات والديون وفوائدها (باحتساب المقابل بالدولار).
وفي أوقات الرخاء الاقتصادي والنمو، فقد يكون الشق الأول أهم، نابعا من جذب الاستثمارات الأجنبية ورواج تصدير السلع المحلية... لكن في حالات الركود والتضخم، فإن الرهان قد يكون عكسيا، خاصةً مع ضخ حزم الإنقاذ في المالية العامة.
ولذلك فإن دولا صديقة لأميركا قد لا تعوق تقدم خطط إضعاف الدولار، بل قد تدعهما بشكل أو بآخر من تحت الطاولة.


مقالات ذات صلة

«الفيدرالي» الأميركي يرفع الفائدة للمرة العاشرة في تشدد تاريخي

الاقتصاد «الفيدرالي» الأميركي يرفع الفائدة للمرة العاشرة في تشدد تاريخي

«الفيدرالي» الأميركي يرفع الفائدة للمرة العاشرة في تشدد تاريخي

للمرة العاشرة منذ مارس (آذار) العام الماضي، اتجه البنك الاتحادي الفيدرالي الأميركي إلى رفع سعر الفائدة بمقدار 0.25 نقطة أساس، يوم الأربعاء، في محاولة جديدة لكبح جماح معدلات التضخم المرتفعة، التي يصارع الاتحادي الفيدرالي لخفضها إلى 2 في المائة دون نجاح ملحوظ. وأعلن مجلس الاحتياطي الاتحادي رفع سعر الفائدة الرئيسي 25 نقطة أساس إلى نطاق 5.00 و5.25 في المائة، لتستمر بذلك زيادات أسعار الفائدة منذ مارس 2022 وهي الأكثر تشدداً منذ 40 عاماً، في وقت يثير المحللون الاقتصاديون تساؤلات حول ما إذا كانت هذه الزيادة ستكون آخر مرة يقوم فيها الاتحادي الفيدرالي برفع الفائدة، أم أن هناك مزيداً من الخطوات خلال الفت

هبة القدسي (واشنطن)
الاقتصاد أميركا تعرقل تقدمها في الطاقة الشمسية بـ«الرسوم الصينية»

أميركا تعرقل تقدمها في الطاقة الشمسية بـ«الرسوم الصينية»

لا تتوقف تداعيات الحرب التجارية الدائرة منذ سنوات بين الولايات المتحدة والصين عند حدود الدولتين، وإنما تؤثر على الاقتصاد العالمي ككل، وكذلك على جهود حماية البيئة ومكافحة التغير المناخي. وفي هذا السياق يقول الكاتب الأميركي مارك غونغلوف في تحليل نشرته وكالة بلومبرغ للأنباء إن فرض رسوم جمركية باهظة على واردات معدات الطاقة الشمسية - في الوقت الذي يسعى فيه العالم لمواجهة ظاهرة الاحتباس الحراري ومكافحة تضخم أسعار المستهلك وتجنب الركود الاقتصادي - أشبه بمن يخوض سباق العدو في دورة الألعاب الأوليمبية، ويربط في قدميه ثقلا يزن 20 رطلا. وفي أفضل الأحوال يمكن القول إن هذه الرسوم غير مثمرة.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
الاقتصاد الدولار يتراجع  في «ساعات الترقب»

الدولار يتراجع في «ساعات الترقب»

هبط الدولار يوم الأربعاء بعد بيانات أظهرت تراجع الوظائف الجديدة في الولايات المتحدة، فيما ترقبت الأنظار على مدار اليوم قرار مجلس الاحتياطي الفيدرالي (البنك المركزي الأميركي) الذي صدر في وقت لاحق أمس بشأن أسعار الفائدة. وأظهرت بيانات مساء الثلاثاء انخفاض الوظائف الجديدة في الولايات المتحدة للشهر الثالث على التوالي خلال مارس (آذار)، وسجلت معدلات الاستغناء عن الموظفين أعلى مستوياتها في أكثر من عامين، ما يعني تباطؤ سوق العمل، وهو ما قد يساعد الاحتياطي الفيدرالي في مكافحة التضخم.

«الشرق الأوسط» (لندن)
الاقتصاد النفط يواصل التراجع... والخام الأميركي  أقل من 70 دولاراً للبرميل

النفط يواصل التراجع... والخام الأميركي أقل من 70 دولاراً للبرميل

واصلت أسعار النفط تراجعها خلال تعاملات أمس الأربعاء، بعد هبوطها بنحو 5 في المائة في الجلسة السابقة إلى أدنى مستوى في خمسة أسابيع، فيما يترقب المستثمرون المزيد من قرارات رفع أسعار الفائدة هذا الأسبوع.

«الشرق الأوسط» (لندن)
الاقتصاد 2022 «عام الجوع»... والقادم غامض

2022 «عام الجوع»... والقادم غامض

أظهر تحليل أجرته منظمات دولية تشمل الاتحاد الأوروبي ووكالات الأمم المتحدة المختلفة أن عدد الأشخاص الذين يعانون من الجوع أو يشهدون أوضاعا تتسم بانعدام الأمن الغذائي ارتفع في مختلف أنحاء العالم في 2022. وتوصل التقرير الذي صدر يوم الأربعاء، وحصلت «الشرق الأوسط» على نسخة منه، إلى أن أكثر من ربع مليار شخص عانوا من جوع شديد أو من مجاعات كارثية العام الماضي.

أحمد الغمراوي (القاهرة)

السعودية تفتح آفاقاً استثمارية نوعية بقطاع الصناعات العسكرية

كرَّس جناح السعودية المشارك في المعرض مكانة المملكة بوصفها استثمارية رائدة بقطاع الصناعات العسكرية (الشرق الأوسط)
كرَّس جناح السعودية المشارك في المعرض مكانة المملكة بوصفها استثمارية رائدة بقطاع الصناعات العسكرية (الشرق الأوسط)
TT

السعودية تفتح آفاقاً استثمارية نوعية بقطاع الصناعات العسكرية

كرَّس جناح السعودية المشارك في المعرض مكانة المملكة بوصفها استثمارية رائدة بقطاع الصناعات العسكرية (الشرق الأوسط)
كرَّس جناح السعودية المشارك في المعرض مكانة المملكة بوصفها استثمارية رائدة بقطاع الصناعات العسكرية (الشرق الأوسط)

نجحت السعودية خلال المعرض الدولي للدفاع والأمن «يوروساتوري 2026» في فتح آفاق استثمارية نوعية باستعراض الفرص الواعدة والبيئة التنظيمية المحفزة، ما أسهم في تعزيز جاذبية الصناعات العسكرية الوطنية، واستقطاب اهتمام الشركات العالمية الكبرى للدخول في شراكات استراتيجية تدعم مستهدفات التوطين. وكرَّس جناح السعودية المشارك في المعرض الذي استضافته باريس خلال الفترة من 15 حتى 19 يونيو (حزيران) الحالي، مكانة المملكة بوصفها استثمارية رائدة بقطاع الصناعات العسكرية، حيث شارك فيه إلى جانب «هيئة الصناعات العسكرية» المنظمة له عشر جهات حكومية وخاصة.

وأكدت هذه المشاركة ترحيب السعودية بجميع المستثمرين من جميع أنحاء العالم الراغبين في الاستثمار بقطاع الصناعات العسكرية، واستعراض الجهود المبذولة لتوطين ما يزيد على 50 في المائة من الإنفاق العسكري بحلول 2030.

أكدت المشاركة ترحيب السعودية بجميع المستثمرين من أنحاء العالم الراغبين في الاستثمار بقطاع الصناعات العسكرية (الشرق الأوسط)

وعلى هامش المعرض، عقد محافظ الهيئة المهندس أحمد العوهلي لقاءات مع المفوض العام للمديرية العامة للتسليح الفرنسي، باتريك بابلوكس، وممثلي كبرى الشركات الدفاعية العالمية، حيث جرى خلالها بحث سبل تعزيز التعاون المشترك في مجال الصناعات العسكرية وتبادل الخبرات، بما يعزز تطوير قطاع مستدام، ويرفع من جاهزية المعدات العسكرية، ويعزز الاكتفاء الذاتي، ويسهم بفاعلية في دعم الاقتصاد الوطني.

وشهدت المشاركة السعودية في المعرض توقيع عدة اتفاقيات ومذكرات تفاهم، ضمن جهود الهيئة الرامية إلى تطوير الصناعات العسكرية، وتعزيز سلاسل الإمداد، وتمكين الشراكات الاستراتيجية، كما نظّمت ورشة عمل بعنوان «تنمية سلاسل الإمداد في الصناعات العسكرية»، تناولت إسهام توفير بيئة استثمارية جاذبة للمستثمرين المحليين والدوليين في بناء اقتصاد متنوع ومزدهر في القطاع.

أسهم جناح السعودية في استقطاب اهتمام الشركات العالمية الكبرى للدخول في شراكات استراتيجية تدعم مستهدفات التوطين (الشرق الأوسط)

واستعرض الجناح الجهود التكاملية بين الجهات الحكومية، وأبرز القدرات الصناعية والخدمية الوطنية، والتقنيات المبتكرة التي تقدمها الشركات السعودية المشاركة، كما سلط الضوء على البيئة الاستثمارية الجاذبة في البلاد، كما أبرز التطور المتسارع الذي يشهده قطاع الصناعات العسكرية؛ حيث ارتفعت مساهمته في الناتج المحلي من 2.2 مليار ريال (نحو 587 مليون دولار) في 2021 إلى 6.6 مليار ريال (نحو مليار و760 مليون دولار) في 2024، مع ارتفاع نسبة توطين الإنفاق العسكري إلى ما يقارب 25 في المائة في 2024، للوصول إلى توطين ما يزيد على 50 في المائة من الإنفاق العسكري بحلول 2030.

وأكدت الهيئة أن مشاركة الجناح السعودي في المعرض عززت من مكانة المملكة كشريك موثوق على الساحة الدولية، وتوسيع شبكة علاقاتها مع كبرى الشركات العالمية، إلى جانب تمكين الشركات الوطنية من إبراز قدراتها واستكشاف فرص النمو والتوسع في الأسواق العالمية.


«بنك إنجلترا» يقترح تخفيف قواعد «بازل 3» الرأسمالية لدفاتر التداول

مبنى «بنك إنجلترا» في لندن (رويترز)
مبنى «بنك إنجلترا» في لندن (رويترز)
TT

«بنك إنجلترا» يقترح تخفيف قواعد «بازل 3» الرأسمالية لدفاتر التداول

مبنى «بنك إنجلترا» في لندن (رويترز)
مبنى «بنك إنجلترا» في لندن (رويترز)

اقترح «بنك إنجلترا»، يوم الجمعة، تخفيف القواعد المنظمة لكيفية احتساب البنوك رأس المال المخصص لدفاتر التداول، في خطوة تأتي بعد تحركات مماثلة من الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، لتقليص الأعباء المرتبطة بالمعايير المصرفية العالمية التي أُقرت عقب الأزمة المالية العالمية عام 2008.

وتندرج هذه القواعد ضمن «المراجعة الأساسية لمحفظة التداول»، وهي جزء من إطار «بازل 3» الدولي الهادف إلى تعزيز قياس المخاطر المرتبطة بأنشطة التداول المصرفية وضمان احتفاظ البنوك برؤوس أموال تعكس بدقة مستوى المخاطر التي تتحمّلها، وفق «رويترز».

وأوضحت هيئة التنظيم الاحترازي التابعة لـ«بنك إنجلترا» أن المقترحات الجديدة ستُسهّل على البنوك استخدام النماذج الداخلية لاحتساب متطلبات رأس المال بدلاً من الاعتماد على النهج المعياري، بما يؤدي إلى خفض المتطلبات الرأسمالية الإجمالية.

وأشارت الهيئة إلى أنها فتحت باب المشاورات العامة بشأن هذه التعديلات، مؤكدة في ورقة المشاورات الصادرة الجمعة أن متابعة تطبيق قواعد «المراجعة الأساسية لمحفظة التداول» على المستوى الدولي كشفت عن مجالات يمكن إدخال «تعديلات مستهدفة» عليها لتحسين تناسب الإطار التنظيمي وكفاءته التشغيلية، مع الحفاظ على معايير احترازية قوية.

تأخير عالمي وتطبيق غير متكافئ

تأتي هذه الخطوة في ظل تفاوت وتيرة تطبيق إصلاحات «بازل 3» بين الاقتصادات الكبرى. ففي مارس (آذار) الماضي، أعلن مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأميركي مقترحات واسعة لتعديل قواعد «بازل 3»، تضمنت تخفيف بعض القيود المفروضة على استخدام النماذج الداخلية في احتساب مخاطر التداول.

كما أعلن الاتحاد الأوروبي، في يونيو (حزيران)، تخفيفاً مؤقتاً لبعض متطلبات الإطار التنظيمي، مبرراً ذلك بالحاجة إلى حماية القدرة التنافسية الدولية للبنوك الأوروبية في ظل اختلاف مواعيد وتفاصيل التطبيق بين الولايات القضائية المختلفة.

وبموجب المقترحات البريطانية الجديدة، تتوقع هيئة التنظيم الاحترازي أن تتمكّن البنوك من تحرير ما بين 1.9 مليون جنيه إسترليني و3.8 مليون جنيه إسترليني من رأس المال سنوياً لكل بنك، وهو ما قد يعزّز قدرتها على توجيه الموارد نحو الإقراض والاستثمار.

ومن المقرر أن تدخل أحكام إطار «المراجعة الأساسية لمحفظة التداول» الخاصة بالنماذج الداخلية حيز التنفيذ في يناير (كانون الثاني) 2028، فيما أوضحت الهيئة أنها ستمنح البنوك فترة زمنية أطول قبل بدء تطبيق أحد الاختبارات الرئيسية المتعلقة برأس المال، بما يتيح للجهات التنظيمية مزيداً من الوقت لتقييم فاعلية الإطار الجديد عملياً وضمان اتساق تطبيقه.

وقال نائب محافظ «بنك إنجلترا»، الرئيس التنفيذي لهيئة التنظيم الاحترازي، سام وودز، إن هذه القواعد تمثّل الحلقة الأخيرة من سلسلة الإصلاحات التنظيمية التي أُطلقت بعد الأزمة المالية العالمية.

وأضاف: «لقد منحنا مهلة إضافية لتطبيق هذه المجموعة الأخيرة من القواعد، بهدف مراعاة كيفية تنفيذها في الأسواق الأخرى، وتعكس مقترحات اليوم هذا التوجه، مع الحفاظ في الوقت نفسه على ضمان تمويل أنشطة التداول التي تقوم بها البنوك العاملة في المملكة المتحدة بمستويات رأسمالية مناسبة».

ومن المقرر أن تدخل بقية متطلبات اتفاقية «بازل 3» حيز التنفيذ في المملكة المتحدة بدءاً من يناير 2027.


روسيا تخفض الفائدة دون التوقعات لمواجهة ضغوط التضخم وتراجع إنتاج الوقود

العلم الوطني يرفرف فوق مقر «بنك روسيا» في موسكو (إ.ب.أ)
العلم الوطني يرفرف فوق مقر «بنك روسيا» في موسكو (إ.ب.أ)
TT

روسيا تخفض الفائدة دون التوقعات لمواجهة ضغوط التضخم وتراجع إنتاج الوقود

العلم الوطني يرفرف فوق مقر «بنك روسيا» في موسكو (إ.ب.أ)
العلم الوطني يرفرف فوق مقر «بنك روسيا» في موسكو (إ.ب.أ)

خفَّض البنك المركزي الروسي سعر الفائدة الرئيسي بمقدار 25 نقطة أساس إلى 14.25 في المائة، يوم الجمعة، في خطوة جاءت دون توقُّعات المحللين الذين رجَّحوا خفضاً بمقدار 50 نقطة أساس، مشيراً إلى تنامي المخاطر التضخمية المرتبطة بسياسة مالية أكثر توسعاً وتراجع إنتاج الوقود.

ويأتي القرار في وقت تتصاعد فيه هجمات الطائرات المسيّرة الأوكرانية على مصافي النفط الروسية والبنية التحتية لقطاعَي الطاقة والنقل؛ ما أدى إلى ارتفاع أسعار البنزين واضطرابات في إمدادات الوقود في بعض المناطق.

وقال البنك المركزي في بيان: «إن المخاطر التضخمية ارتفعت؛ نتيجة الانخفاض المؤقت في إنتاج وقود السيارات»، في أول اعتراف رسمي رفيع المستوى بحجم التأثير الاقتصادي لهذه الهجمات.

وأظهرت بيانات «وكالة الإحصاء الروسية» أن متوسط أسعار البنزين ارتفع بنسبة 1 في المائة خلال الأسبوع المنتهي في 15 يونيو (حزيران)، حتى قبل الهجوم الذي استهدف مصفاة موسكو هذا الأسبوع. كما ارتفعت الأسعار بنسبة 5.7 في المائة منذ بداية العام، متجاوزة معدل التضخم البالغ 5.3 في المائة.

وعقب الهجمات الأخيرة، رفعت بعض سلاسل محطات الوقود المستقلة، التي لا تمتلك مصافي تكرير خاصة بها، أسعارها بما يصل إلى 20 في المائة؛ ما دفع هيئة مكافحة الاحتكار إلى مطالبتها بتقديم تفسيرات بشأن سياسات التسعير المتبعة.

وأجبرت هذه التطورات روسيا، ثالث أكبر منتِج للنفط في العالم وأحد أبرز مصدّري النفط والوقود، على البحث عن مصادر لاستيراد الوقود عبر البحر لتعويض النقص المحلي.

ورغم امتلاك موسكو آليات عدة للحفاظ على استقرار أسعار الوقود، من بينها اتفاق غير رسمي مع شركات النفط الكبرى يقضي بعدم رفع أسعار التجزئة بوتيرة تتجاوز معدل التضخم، فإنَّ الضغوط الأخيرة وضعت هذه الترتيبات أمام اختبار صعب.

سياسة مالية أكثر توسعاً

تُفاقم الاضطرابات في قطاع الطاقة التحديات الاقتصادية التي تواجهها روسيا، إذ تباطأ النمو الاقتصادي إلى 1 في المائة العام الماضي مقارنة بالتوقعات التي كانت تشير إلى نمو بنسبة 4.9 في المائة في عام 2024، متأثراً بارتفاع أسعار الفائدة والعقوبات الغربية وقوة الروبل.

وتشير التقديرات الرسمية إلى أنَّ الاقتصاد الروسي قد ينمو بنسبة 0.4 في المائة فقط خلال العام الحالي.

وفي الوقت نفسه، تجاوز عجز الموازنة خلال الأشهر الـ5 الأولى من عام 2026 مستوى 2.6 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي، متخطياً الهدف السنوي البالغ 1.6 في المائة، نتيجة زيادة الإنفاق العسكري، رغم الإيرادات الإضافية التي وفَّرتها أسعار النفط المرتفعة.

كما قرَّرت وزارة المالية تأجيل تحقيق التوازن الأولي للموازنة - الذي يستثني مدفوعات خدمة الدين - إلى عام 2029 بدلاً من 2027، وهو ما أثار مخاوف البنك المركزي من أن يؤدي استمرار السياسة المالية التوسعية إلى إبطاء وتيرة خفض أسعار الفائدة التي يحتاجها الاقتصاد المتباطئ.

وقال البنك المركزي في بيانه: «من المتوقع أن تكون السياسة المالية خلال السنوات الثلاث المقبلة أكثر تيسيراً مما كان مقدراً سابقاً».

ويُعدُّ الخفض المحدود للفائدة مخيباً لآمال المصرفيين ودوائر الأعمال، التي ترى أنَّ خفض سعر الفائدة الرئيسي إلى نحو 12 في المائة بات ضرورياً لاستعادة زخم الاستثمار. ويتهم بعض رجال الأعمال البنك المركزي بإبقاء الاقتصاد في حالة من الجمود عبر التمسك بسياسة نقدية شديدة التشدد.

وقالت ناتاليا أورلوفا، كبيرة الاقتصاديين في بنك «ألفا»: «الجانب الإيجابي يتمثَّل في استمرار دورة خفض أسعار الفائدة، أما الجانب السلبي فهو تقلص حجم الخفض، ما يعكس ازدياد المخاطر التضخمية في الاقتصاد الروسي».