30 سنة من منافسات دوري الأبطال تكشف احتكار أندية النخبة للقب

ريال مدريد حامل اللقب فرض نفسه الفريق الأبرز في الحقبة الأخيرة (أ.ف.ب)
ريال مدريد حامل اللقب فرض نفسه الفريق الأبرز في الحقبة الأخيرة (أ.ف.ب)
TT

30 سنة من منافسات دوري الأبطال تكشف احتكار أندية النخبة للقب

ريال مدريد حامل اللقب فرض نفسه الفريق الأبرز في الحقبة الأخيرة (أ.ف.ب)
ريال مدريد حامل اللقب فرض نفسه الفريق الأبرز في الحقبة الأخيرة (أ.ف.ب)

على وقع مرور ثلاثين عاماً على انطلاق دوري أبطال أوروبا لكرة القدم، بصيغته الحالية بديلاً لكأس الأندية الأوروبية البطلة، ينطلق اليوم دور المجموعات من الموسم الجديد؛ حيث يبدأ ريال مدريد الإسباني حملة الدفاع عن لقبه القياسي الرابع عشر من الأراضي الاسكوتلندية، في وقت تظل فيه المنافسة على اللقب محصورة بين المجموعة الضيقة لأندية النخبة.
وكان مرسيليا الفرنسي أول بطل يتوج بلقب المسابقة بحلتها الجديدة موسم 1992-1993، وبقي منذ حينها الفريق الوحيد من بلاده الذي يحصل على هذا الشرف في صيغتي البطولة، رغم الأموال الطائلة التي أنفقها غريمه باريس سان جيرمان بقيادة مالكيه القطريين.
ومنذ أن تُوج بورتو البرتغالي عام 2004 بقيادة المدرب البرتغالي جوزيه مورينيو، احتكرت أندية إنجلترا وإسبانيا وإيطاليا وألمانيا اللقب، ثم منذ فوز إنتر الإيطالي بقيادة مورينيو أيضاً بلقب 2010، رفعت 5 أندية فقط الكأس؛ حيث فاز بها كل من برشلونة الإسباني، وتشيلسي الإنجليزي، وبايرن ميونيخ الألماني مرتين، وليفربول الإنجليزي مرة واحدة.
وكانت حصة الأسد خلال هذه الفترة من نصيب ريال مدريد، الذي بعد فوزه في مايو (أيار) على ليفربول 1-صفر في باريس، رفع الكأس المرموقة للمرة الخامسة في غضون 9 أعوام، مؤكداً التألق الدائم للنجوم المخضرمين، مثل الكرواتي لوكا مودريتش والفرنسي كريم بنزيمة.
ويبدأ النادي الملكي بقيادة الإيطالي كارلو أنشيلوتي الذي بات في مايو أول مدرب يحرز الكأس 4 مرات في مسيرته، رحلته نحو نهائي يونيو (حزيران) في إسطنبول، ضمن مجموعة من المفترض ألا يواجه صعوبة في تجاوزها.
ويتواجه ريال مع: سلتيك الاسكوتلندي، ولايبزيغ الألماني، وشاختار دونيتسك الأوكراني، ضمن المجموعة السادسة، مدركاً تماماً أنه حتى الهزيمة -مثل التي تلقاها الموسم الماضي على أرضه أمام شيريف تيراسبول المولدوفي- أثبتت في نهاية المطاف أنها غير مكلفة.
وقال أنشيلوتي: «كان من المفترض أن تكون أسهل مباراة لنا العام الماضي ضد شيريف في (برنابيو) وخسرناها، وبالتالي علينا احترام كل الفرق». كما سارع للإشارة إلى عامل آخر يمكن أن يلعب دوره هذا الموسم، وهو الجدول الزمني للمباريات.
في العادة، يصل دور المجموعات إلى نهايته في ديسمبر (كانون الأول)؛ لكن كأس العالم المقررة نهاية العام في قطر أجبرت الاتحاد الأوروبي لكرة القدم (يويفا) على تعديل روزنامته. وسيكون برنامج دور المجموعات مضغوطاً؛ حيث تقام المراحل الست على مدى شهرين، مع تقديم موعد البداية.
وقال الألماني يورغن كلوب، مدرب ليفربول الذي يبدأ مشواره غداً (الأربعاء) خارج أرضه ضد نابولي الإيطالي: «يتوجب علينا أن نكون مستعدين؛ ليس فقط لقوة الخصم؛ بل أيضاً لأجل تحسين طريقتنا واللعب بوتيرة مختلفة».
وقد يكون التأثير الحقيقي لهذا التغيير محسوساً فقط عندما تبدأ الأدوار الإقصائية في فبراير (شباط)، حين يتعين على عديد من نجوم كبار الأندية في أوروبا أن يمرّوا بتجربة الاستنزاف البدني لإقامة كأس العالم في منتصف الموسم. ومع ذلك، فإن فكرة فوز أحد باللقب من خارج المجموعة الضيقة لأندية النخبة خيالية إلى حد كبير.
عندما يبدأ ريال حملة الدفاع عن لقبه، لن يكون الأوفر حظاً على الورق لتتويج آخر، في ظل وجود أندية مثل مانشستر سيتي الإنجليزي ونجمه الجديد النرويجي إرلينغ هالاند، أو باريس سان جيرمان الذي نشط مجدداً في سوق الانتقالات ضمن مسعاه لتحقيق الحلم المطلق، وهو الفوز باللقب القاري لأول مرة في تاريخه.
وقال المدرب الجديد لسان جيرمان كريستوف غالتييه: «دوري أبطال أوروبا يستخرج أفضل ما لدى اللاعبين والمشجعين والفرق. سيكون هناك استخفاف كبير إذا قلنا إن باريس سان جيرمان هو المرشح الأوفر حظاً».
كما سيكون ليفربول وبايرن من بين المرشحين للفوز باللقب، بينما تبدو حظوظ تشيلسي أو جاره توتنهام، وبرشلونة، أقل.
وبدءاً من 2024، سيتم توسيع دور المجموعات ليشمل 36 فريقاً، عوضاً عن 32، مع وضع جميع الفرق معاً في مجموعة واحدة، عوضاً عن التوزيع الحالي في 8 مجموعات من 4 فرق.
ومن المتوقع أن يؤدي هذا النظام الجديد إلى تغيير واقع دور المجموعات، بعدما بات التنبؤ بنتائجه أمراً سهلاً في ظل هيمنة الكبار. ولا يجب الانتظار حتى 2024 لاختبار صعوبة التنبؤ في ظل وجود بايرن وبرشلونة وإنتر في مجموعة واحدة (الثالثة) خلال النسخة الحالية، بجانب بطل تشيكيا، فيكتوريا بلزن الذي يواجه فرقاً متوجة معاً بما مجموعه 14 لقباً في المسابقة القارية الأم.
ومن المحتمل جداً أن يُقصى برشلونة من دور المجموعات للموسم الثاني توالياً، بعد صيف انشغل فيه ببيع أصوله وتوزيع ديونه الطائلة حتى يتمكن من تعزيز فريقه. وأقر مدرب الفريق الكاتالوني تشافي هرنانديز بأنه سيخوض منافسات صعبة، وقال: «لدينا مجموعة قوية للغاية. ربما تكون الأصعب خلال الأعوام العشرين الماضية».
وإذا كان برشلونة قد عزز صفوفه بالتحايل على ديونه، فإن الصعوبات المالية جعلت معظم أندية دوري أبطال أوروبا عاجزة عن الاحتفاظ بأفضل لاعبيها. فمنذ وقت ليس بالبعيد، كانت مجموعة تضم بوروسيا دورتموند الألماني، وإشبيلية الإسباني، مليئة بالمخاطر بالنسبة لمانشستر سيتي؛ لكن سيتي نفسه جرّد دورتموند من هدافه هالاند، بينما خسر إشبيلية ثنائي قلب دفاعه الفرنسي جول كونديه، والبرازيلي دييغو كارلوس، لصالح برشلونة وأستون فيلا الإنجليزي توالياً، وبات أضعف بكثير نتيجة ذلك.
هذا مجرد جزء من النمط السائد الذي دائماً ما يطال أياكس أمستردام الهولندي، أحد أطراف المجموعة الأولى مع ليفربول ونابولي ورينجرز الاسكوتلندي، إذ خسر مدربه إريك تن هاغ، ومدافعه الأرجنتيني ليساندرو مارتينيز، وجناحه البرازيلي أنتوني، لصالح مانشستر يونايتد الإنجليزي، وباع هدافه العاجي سيباستيان هالر إلى دورتموند.
بنفيكا البرتغالي الذي يواجه سان جيرمان ويوفنتوس الإيطالي ومكابي حيفا الإسرائيلي في المجموعة الثامنة، خسر جهود مهاجمه الأوروغوياني داروين نونيز لصالح ليفربول، بينما شهد منافسه سبورتينغ توجه نجمي وسطه ماثيوس نونيز وجواو بالينيا إلى إنجلترا، للدفاع عن ألوان ولفرهامبتون وفولهام.
كما خسر كل من بروغ البلجيكي وسالزبورغ النمساوي وكوبنهاغن الدنماركي أفضل هدافيه، كما حال فيكتوريا بلزن الذي انتقل مهاجمه الفرنسي جان-ديفيد بوغيل إلى الوحدة السعودي.
هذه الأندية كلها صغيرة في بركة دوري الأبطال، ومعظمها ستكون تكملة عدد وليس أكثر، ليستمر بذلك اتساع الهوة بين أندية النخبة والآخرين.


مقالات ذات صلة

برشلونة يبحث العودة للانتصارات والريال للاستمرار في الصدارة

رياضة عالمية فريق برشلونة (رويترز)

برشلونة يبحث العودة للانتصارات والريال للاستمرار في الصدارة

يتطلع فريق برشلونة للعودة لطريق الانتصارات عندما يستضيف فريق جيرونا بعد غد السبت في الجولة التاسعة من الدوري الإسباني لكرة القدم.

«الشرق الأوسط» (برشلونة)
رياضة عالمية سيميوني قال إن فريقه لعب بشكل سيء أمام لاس بالماس (رويترز)

سيميوني: الدفاع جزء من أسلوبنا... نحتاج لاعبين يفهمون ذلك

أبدى دييغو سيميوني مدرب أتلتيكو مدريد أسفه إزاء الأداء السيئ لفريقه بعد أن تلقت آماله الضعيفة في إحراز لقب دوري الدرجة الأولى الإسباني لكرة القدم ضربة قوية

«الشرق الأوسط» (مدريد )
رياضة عالمية لاعبو برشلونة خلال الإعداد لمواجهة اتلتيكو الصعبة بالكأس (ا ب ا)

قمة نارية بين برشلونة وأتلتيكو مدريد في نصف نهائي كأس إسبانيا اليوم

على وقع صراع ثلاثي ناري على صدارة الدوري الإسباني لكرة القدم، يصطدم برشلونة أول الترتيب بأتلتيكو مدريد الثالث في ذهاب نصف نهائي الكأس اليوم، في حين يحل ريال

«الشرق الأوسط» (مدريد)
رياضة عالمية لاعبو الريال خلال التدريبات الأخيرة (إ.ب.أ)

ديربي مدريد يشعل صراع الصدارة على وقع أزمة «التحكيم»

يقف ريال مدريد أمام مهمة معقدة وصعبة تحتم على لاعبيه التركيز عندما يواجهون أتلتيكو مدريد السبت، من أجل الحفاظ على صدارتهم للدوري الإسباني لكرة

«الشرق الأوسط» (مدريد)
رياضة عالمية انشيلوتي اعترف أن الريال في وضع صعب (إ.ب.أ)

أنشيلوتي قبل القمة الإسبانية: نحن في حالة طوارئ!

اعترف المدرب الإيطالي لنادي ريال مدريد متصدر الدوري الإسباني، كارلو أنشيلوتي، بأن فريقه «في حالة طوارئ» عشية ديربي حاسم نسبياً أمام ضيفه وجاره ومطارده المباشر

«الشرق الأوسط» (مدريد)

صراع «البرنابيو» يتجدد في نيوجيرسي... فينيسيوس ودياز: إخوة الأمس وأعداء الليلة المونديالية

صراع «البرنابيو» يتجدد في نيوجيرسي... فينيسيوس ودياز: إخوة الأمس وأعداء الليلة المونديالية
TT

صراع «البرنابيو» يتجدد في نيوجيرسي... فينيسيوس ودياز: إخوة الأمس وأعداء الليلة المونديالية

صراع «البرنابيو» يتجدد في نيوجيرسي... فينيسيوس ودياز: إخوة الأمس وأعداء الليلة المونديالية

تتجه أنظار عشاق كرة القدم حول العالم اليوم صوب ملعب «ميتلايف» في نيوجيرسي، لمتابعة واحدة من أقوى القمم المبكرة في مونديال 2026، والتي تجمع بين عملاق أميركا الجنوبية منتخب البرازيل والمنتشي بإرثه العالمي المنتخب المغربي لحساب الجولة الأولى للمجموعة الثالثة.

تتجاوز هذه الموقعة صراع النقاط الثلاث التقليدي، لتتحول إلى مسرح لصدام عاطفي وفني فريد، بطلَاه نجما ريال مدريد، البرازيلي فينيسيوس جونيور والمغربي إبراهيم دياز، اللذان يخلعان قميص «الملكي» الأبيض ليرتدي كل منهما لواء وطنه، في حوار تكتيكي يرفعان فيه شعار: «زملاء الأمس... أعداء الليلة».

إبراهيم دياز لاعب منتخب المغرب (أ.ف.ب)

زمالة «مدريد» تحت مجهر الحسم الدولي

على مدار مواسم طويلة في «سانتياغو برنابيو»، تشارك الثنائي فينيسيوس ودياز لحظات المجد المحلى والأوروبي، وصنعا معاً منظومة هجومية أرعبت قارة أوروبا تحت إشراف كارلو أنشيلوتي، إلّا أن حسابات العشب الأخضر في نيوجيرسي تفرض منطقاً مغايراً، فالنجم البرازيلي فينيسيوس، الذي يحمل على عاتقه إثبات جدارته كقائد أول لخط هجوم «السيليساو» في غياب نيمار المصاب، يجد نفسه وجهاً لوجه أمام رفيق دربه دياز، الذي بات القائد الملهم للمشروع المغربي الجديد. هذا التنافس المباشر يضع صداقة الغرف المغلقة جانباً، حيث يسعى كل لاعب لتوظيف نقاط ضعف زميله التي خبرها في التدريبات اليومية لصالح منتخب بلاده.

فينيسيوس جونيور (إ.ب.أ)

فلسفة أنشيلوتي الهجومية تواجه طموح محمد وهبي

تكتيكياً، تبرز المباراة كصراع أفكار فني عميق بين مدرستين، فمنتخب البرازيل يدخل اللقاء تحت قيادة الإيطالي المخضرم كارلو أنشيلوتي، الذي يراهن على توليفة هجومية ضاربة ورسم تكتيكي جريء يعتمد على الأطراف وسرعة فينيسيوس لخلخلة الخطوط. في المقابل، يتسلح «أسود الأطلس» بفلسفة الناخب الوطني الجديد محمد وهبي، الذي نجح في فرض الانضباط والمنظومة الجماعية المتكاملة. ويرتكز مخطط وهبي على منح إبراهيم دياز حرية الحركة الكاملة في صناعة اللعب والربط بين الخطوط، مستغلاً مهاراته الفردية العالية لإيجاد الثغرات في التكتل الدفاعي البرازيلي؛ ما يجعل وسط الميدان ساحة شطرنج حقيقية بين عقل دياز الاستراتيجي وقوة السامبا البدنية.

طموح «لبرازيل أفريقيا» في مواجهة ملوك السامبا

لا تتوقف الإثارة عند حدود الصراع الفردي، بل تمتد إلى الرغبة المغربية الجارفة في تأكيد مكانة الفريق بين نخبة الكبار، والبناء على إنجاز قطر التاريخي. وقد لخص فينيسيوس جونيور نفسه هذا الاحترام الكبير في مؤتمره الصحافي واصفاً المغرب بـ «برازيل أفريقيا» نظراً للقدرات المهارية العالية للاعبيه.

ورغم التاريخ الذي يقف بجانب السامبا بانتصارهم المونديالي الوحيد في نسخة 1998 بثلاثية نظيفة، فإن الذاكرة القريبة تحمل معها فوزاً ودياً تاريخياً للمغرب عام 2023. هذا التكافؤ الحديث يمنح دياز ورفاقه الثقة الكاملة للدخول إلى الملعب ليس فقط بغرض مجاراة البرازيل، بل بهدف خطف صدارة المجموعة مبكراً.


من رأس الحربة التقليدي إلى المهاجم الوهمي... ثورة تكتيكية في صفوف أسود الأطلس

من رأس الحربة التقليدي إلى المهاجم الوهمي... ثورة تكتيكية في صفوف أسود الأطلس
TT

من رأس الحربة التقليدي إلى المهاجم الوهمي... ثورة تكتيكية في صفوف أسود الأطلس

من رأس الحربة التقليدي إلى المهاجم الوهمي... ثورة تكتيكية في صفوف أسود الأطلس

بين الفكر الفرنسي الواقعي الذي صاغ أمجاد وليد الركراكي، والنزعة البلجيكية الهجومية البناءة التي يحمل لواءها محمد وهبي، تعيش كرة القدم المغربية اليوم تحولاً استراتيجياً عميقاً يعيد رسم ملامح هويتها التكتيكية على أعتاب الاستحقاقات المونديالية

.

هذا التباين بين المدرستين ليس مجرد اختلاف في الأسماء أو تبديل في المقاعد الفنية، بل هو صراع فكري بين الفلسفة البراغماتية الصارمة التي تتخذ من التنظيم الدفاعي والارتداد السريع سبيلاً لمنصات التتويج، وبين المدرسة التكوينية الحديثة القائمة على الاستحواذ الإيجابي وصناعة اللعب من الخلف. ومع تولي وهبي قيادة «أسود الأطلس»، يجد المنتخب المغربي نفسه أمام مفترق طرق تكتيكي يتطلب الموازنة بين الحفاظ على صلابة الإرث الدفاعي السابق، والانفتاح على جرأة هجومية تواكب تطلعات الجيل الموهوب الحالي.

وليد الركراكي

مدرب المنتخب المغربي السابق وليد الركراكي (رويترز)

تتجسد جذور هذا الخلاف الفلسفي في البيئة الكروية التي نشأ وتأثر بها كل مدرب، فالركراكي، الذي صُقلت هويته كلاعب ومدرب في الدوري الفرنسي وفي صفوف المنتخب المغربي، يميل بطبعه إلى «الواقعية الكلاسيكية» والكتل الدفاعية المدمجة (Low Block) التي تخنق المساحات أمام الخصوم. هذا الأسلوب أثبت نجاعته الفائقة في مونديال قطر 2022 عبر تعطيل أعتى خطوط الهجوم العالمية.

محمد وهبي

مدرب المنتخب المغربي محمد وهبي (رويترز)

في المقابل، يمثل محمد وهبي امتداداً للمدرسة البلجيكية المعاصرة التي ترعرع في كنفها كأحد أبرز المكونين بنادي أندرلخت، وهي مدرسة تؤمن بالاستحواذ الذكي، والضغط العالي العكسي، والبناء المنظم عبر الخطوط الثلاثة لفرض السيطرة المطلقة على مجريات اللعب.

ويظهر الاختلاف التكتيكي الأكثر إثارة بين الرجلين في كيفية التعامل مع المنظومة الهجومية وموقع المهاجم في الخطة البنيوية، حيث يفضل الركراكي الاعتماد على «رأس الحربة التقليدي» الصريح والمحطة البدنية القوية التي تجيد حجز المدافعين ومطاردة الكرات الطولية لتخفيف الضغط على الخط الخلفي. أما وهبي، وانطلاقاً من تجاربه مع المنتخبات الشابة وتتويجه بمعية المنتخب المغربي بكأس العالم تحت 20 عاماً، فإنه يميل بوضوح إلى تكتيك «المهاجم الشبح» أو (False 9). هذا التكنيك يعتمد على سحب قلب الدفاع إلى مساحات خارج الصندوق، مما يفرغ مساحات شاسعة للقادمين من الخلف من الأجنحة ولاعبي الوسط لضرب العمق الدفاعي فجأة وبكثافة عددية مربكة.

يأتي هذا التحول التكتيكي ليمثل تتويجاً لمسار طويل من التطوير البنيوي الذي تقوده الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم ضمن خارطة الطريق الاستراتيجية البعيدة المدى.

الانتقال إلى فكر وهبي يهدف بالأساس إلى فك شفرة «المحدودية الهجومية» التي عانى منها المنتخب أمام المنافسين المتكتلين دفاعياً، وهي المعضلة التي كشفت عنها بعض المواجهات القارية اللاحقة للإنجاز المونديالي.

خطة تأهيل المنظومة الجديدة لا تسعى لإلغاء المكتسبات الماضية، بل تهدف إلى تطعيم «القلعة الدفاعية» بمرونة تكتيكية هجومية تجعل من الأسود فريقاً قادراً على المبادرة وصناعة الفارق والتحكم في إيقاع المباريات ضد أي منافس عالمي.

ويبقى السؤال الأبرز في الأوساط الرياضية العالمية: هل يحذو وهبي حذو الركراكي في تحقيق طفرة مونديالية سريعة مكللة بالنجاح؟ فالمؤشرات الحالية تؤكد أن الطاقم الفني الجديد يمتلك الأدوات البشرية المثالية لتطبيق هذه الفلسفة الحديثة، في ظل وجود عناصر شابة تمتاز بالفنيات العالية والسرعة الفائقة في التحول. غير أن التحدي الحقيقي يكمن في مدى قدرة اللاعبين على استيعاب وتطبيق مرونة «المهاجم الشبح» والضغط العكسي في فترات زمنية وجيزة قبل الدخول في معترك المنافسات الرسمية الكبرى، ليبقى هذا التحول الفلسفي بمنزلة الرهان الأكبر لصياغة فصْلٍ غير مسبوق في تاريخ الكرة الأفريقية والعربية.


«أسود الأطلس» في مونديال 2026... خريطة الزحف من جحيم «السامبا» إلى حسم «أتلانتا»

نجوم منتخب المغرب رفعوا سقف التحدي في مونديال 2026 (أ.ف.ب)
نجوم منتخب المغرب رفعوا سقف التحدي في مونديال 2026 (أ.ف.ب)
TT

«أسود الأطلس» في مونديال 2026... خريطة الزحف من جحيم «السامبا» إلى حسم «أتلانتا»

نجوم منتخب المغرب رفعوا سقف التحدي في مونديال 2026 (أ.ف.ب)
نجوم منتخب المغرب رفعوا سقف التحدي في مونديال 2026 (أ.ف.ب)

يدخل المنتخب المغربي منافسات كأس العالم 2026 بطموحات عريضة مرتكناً إلى إرثه التاريخي المسجل في الدوحة قبل أربعة أعوام ويسعى «أسود الأطلس»، تحت قيادة المدير الفني محمد وهبي، إلى إثبات أن الإنجاز المونديالي السابق لم يكن وليد الصدفة، بل بداية عهد جديد للكرة الأفريقية والعربية في المحافل العالمية.
وضعت القرعة المونديالية الأسود في المجموعة الثالثة، التي تفرض تحديات متباينة تجمع بين هيبة السامبا البرازيلية، واندفاع الكرة الاسكوتلندية، وطموح منتخب هايتي العائد بعد غياب.

صدام النخبة... اختبار السامبا المبكر في «نيو جيرسي»

 

تتجه أنظار الملايين صوب ملعب نيويورك/ نيو جيرسي (استاد ميتلايف) في الثالث عشر من يونيو (حزيران) 2026. يستهل المنتخب المغربي مشواره بقمة كروية من العيار الثقيل أمام المنتخب البرازيلي، المرشح الدائم وفوق العادة لنيل اللقب. وتنطلق صافرة البداية في تمام الساعة السادسة مساءً بالتوقيت الشرقي لأميركا (الحادية عشرة ليلاً بتوقيت الرباط).

تقنياً، تمثل هذه المواجهة الافتتاحية حجر الأساس لـ«أسود الأطلس»، فالخروج بنتيجة إيجابية أمام رفاق فينيسيوس جونيور سيعزز الثقة ويسهل حسابات التأهل.

من المتوقع أن يعتمد وهبي على التنظيم الدفاعي الصارم والارتداد الهجومي السريع عبر الأطراف، مستغلاً سرعات أشرف حكيمي وتحركات إبراهيم دياز التي أثبتت نجاعتها في الوديات الأخيرة ضد المنتخبات الأوروبية.

 

معركة بوسطن... صراع الأنماط أمام الاندفاع الاسكوتلندي

في الجولة الثانية، يشد المنتخب المغربي الرحال نحو الشمال الشرقي وتحديداً صوب ملعب بوسطن (استاد جيليت) في ماساتشوستس. هناك، يلتقي «أسود الأطلس» المنتخب الاسكوتلندي يوم الجمعة التاسع عشر من يونيو (حزيران) 2026، عند الساعة الحادية عشرة ليلاً بتوقيت الرباط.

تحليلياً، تعد هذه المباراة «مفترق طرق» حقيقي، الكرة الاسكوتلندية تمتاز بالاندفاع البدني العالي والكرات الطولية والكرات الثابتة الخطيرة بقيادة عناصر تلعب في مستويات «البريميرليغ». يكمن المفتاح في فرض أسلوب الاستحواذ الأرضي، وتفعيل دور خط الوسط عبر سفيان أمرابط وعز الدين أوناحي لامتصاص الحماس الاسكوتلندي، وحرمان المنافس من فرض إيقاعه البدني المرهق.

 

ختام المجموعة في أتلانتا... حسم التأهل أمام طموح هايتي

يختتم المنتخب المغربي مبارياته في الدور الأول بمواجهة منتخب هايتي، يوم الأربعاء الرابع والعشرين من يونيو (حزيران) 2026. وتحتضن الأرضية الاصطناعية لـملعب مرسيدس بنز في أتلانتا بجورجيا هذا اللقاء الحاسم. وتنطلق المباراة أيضاً في التوقيت الموحد للأسود وهو الساعة الحادية عشرة ليلاً بتوقيت المغرب. 

رغم أن الحسابات الورقية تصب في مصلحة رفاق أشرف حكيمي، فإن بطولة ممتدة بـ48 منتخباً لا تعترف بالترشيحات المسبقة. الأسلوب المتوقع للمغرب في هذه المواجهة سيكون هجومياً بحتاً، مع الاعتماد على الكثافة العددية في مناطق الخصم والضغط العالي المبكر لتجنب أي مفاجآت قد تعقد حسابات العبور إلى دور الـ32 الإقصائي.