ماذا عن الرواية الموسوعية؟

ليست بالمفهوم السائد في الأدب الروائي عربياً وعالمياً

برهان شاوي
برهان شاوي
TT

ماذا عن الرواية الموسوعية؟

برهان شاوي
برهان شاوي

كان أمراً غريباً - أو صادماً لو شئتُ التوصيف الدقيق - عندما قرأتُ خبراً يفيدُ بنشر الترجمة العربية لرواية «دعابة لا نهائية (Infinite Jest)» للروائي الأميركي الراحل ديفيد فوستر والاس David Foster Wallace. كيف يمكنُ أن يتوقع المرء إقدام دار نشر عربية على نشر ترجمة عربية لرواية ضخمة تجاوزت الألف صفحة في نصها الإنجليزي، وتنطوي موضوعاتها على خلطة غريبة من أحاديث عن الفلسفة واللغة ولعبة التنس والطبيعة الرياضياتية لمفهوم اللانهاية والألعاب الكومبيوترية و...و...و...؟ صحيح أن هذه الرواية حققت مبيعات قاربت تخوم النصف مليون نسخة في أميركا وحدها؛ لكنها ظلت رواية إشكالية حتى في العالم الغربي من حيث تجنيسها وطبيعة موضوعاتها؛ فالقارئ الغربي في نهاية الأمر ليس كائناً مصنوعاً من عقل خالص، بل يسعى - مثل سواه - إلى قدر غير قليل من التشويق فيما يحب قراءته من أعمال روائية أو غير روائية، ورواية مثل رواية والاس قد لا تكون خياراً مناسباً له، خصوصاً أنها ضخمة تستقطعُ قدراً ليس بالقليل من وقت القارئ وماله، ثم إن الرواية الموسوعية تستلزمُ - بالضرورة - قارئاً موسوعياً أو ذا ميل قرائي يستطيب النزعة الموسوعية ولا ينفر منها، وهذا النوع من القراء نادر للغاية. هذا في العالم الغربي؛ أما في عالمنا العربي فالمعضلة أكثرُ تعقيداً؛ لأن القارئ العربي ليس معتاداً على قراءة المطولات الروائية، ثم إن ترجمة مثل هذه الأعمال ليست موضوعاً يسيراً من الناحيتين العملية والإجرائية. قاربت الترجمة العربية تخوم ألفي صفحة، وهذا يفرضُ عبئاً تسويقياً ثقيلاً على دار النشر، فضلاً عن أن كثرة من المترجمين يفضلون ترجمة 5 أو 6 كتب، وربما أكثر، في موضو ليست بالمفهوم السائد في الأدب الروائي عربياً وعالمياً عات مختلفة بدلاً من ترجمة عمل واحد مفرط الطول تشتبك موضوعاته بطريقة غريبة وغير معهودة في الفن الروائي السائد.

عاش ديفيد فوستر والاس (1962 - 2008) حياة مضطربة عبث بها الاكتئاب المرضي، وربما من المفيد للقارئ أن يقرأ تفاصيل عن هذه الحياة التي كانت دراما حقيقية كاملة الجوانب. امتلك والاس عقلاً رياضياتياً وفلسفياً لامعاً، وهو ما نجد آثاره منعكسة في أعماله؛ منها: «كل شيء وأكثر: تاريخ مختصر للانهاية» (2003)، وقد تُرجم إلى العربية. يستطيع القارئ الشغوف مراجعة حوار مع والاس عنوانه: «العالم في دعابته اللانهائية» ترجمتُهُ ونشرته في كتابي «فيزياء الرواية وموسيقى الفلسفة» ضمن حوارات مع نخبة من الروائيات والروائيين.
يمكن أن تكون رواية «دعابة لا نهائية» عملاً فلسفياً، أو رواية موغلة في نزعتها ما بعد الحداثية. قد نختلف في تجنيسها؛ لكننا لا أظن سنختلف في توصيفها «رواية موسوعية (Encyclopedic Novel)».
ليست الرواية الموسوعية بالمفهوم السائد في الأدب الروائي عربياً وعالمياً. لو تصفح أحدنا - مثلما فعلتُ - القارة الغوغلية بحثاً عن الرواية الموسوعية فلن يجد الكثير: سيعرف أن الرواية الموسوعية مفهوم أدبي كتب عنه وروج له إدوارد ميندلسون Edward Mendelson أستاذ اللغة الإنجليزية والأدب المقارن في جامعة كولومبيا، وقد جاءت مساهمته التأصيلية عبر مقالتيْن كتبهما عام 1976؛ الأولى بعنوان «السرد الموسوعي»، والثانية بعنوان «موسوعة الجاذبية». باستثناء هاتين المقالتين لم أعثر على مادة حيوية بشأن الرواية الموسوعية ما خلا رسالة دكتوراه في جامعة منيسوتا أتاحها كاتبها للنشر المجاني، وفصل عنوانه: «الرواية باعتبارها موسوعة» في كتاب: «دليل كامبردج المرجعي في الرواية» المنشور عام 2018.
الموضوعة الرئيسية في رواية «دعابة لا نهائية» (أو «دعابة لا تنتهي» كما وردت في الترجمة العربية) هي العودة المتواترة، وهذا مصطلح تقني نوعاً ما ويُستخدم بكثرة في المنطق والرياضيات.
كان ديفيد فوستر والاس مولعاً أشد الولع بفكرة العودة المستديمة، وهو يعالج في روايته موضوعات عدة أرى أن أهمها الألعاب المختلفة التي نلعبها في حياتنا، وأغلب تلك الألعاب من النوع الذي يعتمد مفهوم العودة المتواترة، مثل الكيفية التي نتيه بها مع أنفسنا ونحن نلعب الألعاب الكومبيوترية التي يُراد منها أن تُغرِق إحساسنا بالعزلة والوحدانية والبؤس، وقد تشعرنا هذه الألعاب بأننا نحرز تقدماً في حياتنا؛ ولأن هذه الألعاب تنزع نزوعاً لا نهائياً؛ فقد يكون إحساسنا بالتقدم وهماً خالصاً!!؛ ولكن ربما على المستوى البشري؛ فإن هذه الألعاب لا تعدو وهماً بصورة لا يمكن نكرانها، وقد وظف والاس هذا المنحى المزدوج بشأن النظر إلى هذه الألعاب. هذا جانب فحسب من جوانب نظرة والاس إلى الحياة البشرية المعاصرة، وربما نرى فيها ارتكاناً إلى فرضية علمية ترى أن الحياة البشرية ليست أكثر من محاكاة كومبيوترية!!.

وظف والاس في عمله الملحمي الضخم هذا كل أنواع الحبكات المختلفة والمتقاطعة، ثم ينتهي في آخر الأمر بتقديم شيء ما لنا، ويطلب إلينا أن نعمل على تفسيره بحسب ما نراه. لا يفرض والاس على القارئ رؤية مسبقة؛ بل يتيح لكل قارئ النظر إلى ما يقرأ ومساءلته من وجهة نظره الخاصة ومرجعياته الفكرية الشخصية. إن رواية والاس تقارب موضوعة الوحدة اللانهائية، وهو يرى أن واحدة من أهم الألعاب التي نلعبها (وهي اللغة) يُراد منها في الأساس أن تساعدنا ليفهم أحدنا الآخر ولكي نخفف من غلواء عزلتنا المستكينة؛ ولكن اللغة بوصفها لعبة محكومة بقواعد محددة تبدو واهنة تماماً وعاجزة عن إنجاز تلك المهمة. إن هذه اللعبة ونظائرها يمكن أن تكون نوعاً من إدمان؛ أي بمعنى طريقة للعب الجماعي معاً كما لو كنا جماعة فعلاً غير أننا في واقع الحال لسنا كذلك!! وتبقى الوحدانية والحزن سمتين مُعَلمتين في قلب تلك اللعبة. إن حقيقة عزلتنا الصارخة موضوعة جوهرية في أغلب الأدب المتداول، وهذا أمر يبعث على الإمتاع (مثلما نظن جميعنا)؛ لأن الأدب عندما يعمل على تعميم الإحساس بأكثر تجاربنا الإنسانية مشاعية فإنه يرتقي بهذا الإحساس بالعزلة نحو مديات أبعد؛ غير أن والاس يصرح في روايته بنزوعه الشكوكي تجاه هذه الإشكالية. إن رواية والاس في المقام الأعلى رواية عن اليأس المطبق، وإن اليأس فيها يحمل شحنة من الإمتاع بقدر ما يبعث على القنوط، ولكن لا بد من القول إن المتعة المطلوبة في هذه الرواية ليست أكثر من عنصر صغير من العناصر التي أرادها والاس حاضرة في روايته. قد يرى بعضُ القراء أن رواية والاس الموسوعية تنتمي إلى جنس «أدب اليأس»، وقد يكون لهم ما يسوغ نظرتهم؛ لكن تبقى الرواية باعثة على الإمتاع لكل من يمتلك شغفاً فلسفياً ورؤية تستكشف الخيوط الخفية بين الأشياء والأفكار.
ماذا عن الرواية الموسوعية في عالمنا العربي؟ أظنها نادرة غير شائعة على مستوى الروائيين والقراء؛ لكن لو شئتُ تسمية روائي عراقي ذي نزعة موسوعية في رواياته فسأختارُ برهان شاوي، ولا أظن أن روائياً عربياً ينازعه في مقدرته الروائية الموسوعية التي تجلت بأفضل تجلياتها في سلسلة «المتاهات»، ولعل السبب في تميز شاوي الموسوعي خلفيته المعرفية التي تجمع بين العلم والأدب والفلسفة والسينما والرواية والترجمة. يختلف شاوي عن والاس بأن موسوعيته ذات طبيعة فكرية - فلسفية تتناول المعضلات الوجودية المتواترة منذ البدايات الأولى لوجود الكائن البشري؛ أما موسوعية والاس فهي موسوعية موضوعاتية قد تبدو يومية شائعة (بل وحتى مبتذلة)؛ لكن والاس يمتلك المهارة في ربطها فلسفياً برباط أشبه بحبل نيتشوي غير مرئي. شخوصُ شاوي هم نسخٌ متعددة بالآلاف من آدم وحواء؛ أما شخوص والاس فمشخصون معروفون بأسمائهم؛ قد يكون بينهم لاعب تنس أو مقدم برامج ترفيه أو عامل توصيل للبيتزا أو...
يصف شاوي في سلسلة «المتاهات» مرجعياته الأدبية بأنها «متعددة، وهي كل ما قرأه وعاشه وخبره وجربه في حياته، ومرجعياته مصنفة فكرياً، فلسفياً، أدبياً، فنياً، نفسياً، تاريخياً، وعلمياً، وهو لا يخفيها كما يفعل البعض؛ فهو يستشهد بالكتب والكُتاب والأفلام والأغاني والموسيقى واللوحات التشكيلية ونظريات العلم والكون وطروحات المفكرين وعلماء النفس، ويتوقف محاوراً مشاهد وشخصيات من أعمال أدبية لكُتاب تتلمذ على أعمالهم...».
وصف دي. إج. لورنس الرواية بأنها «كتاب الحياة المشرق»، وأظن - على خلاف الرأي السائد - أن الرواية الموسوعية ستكون الصفحة الأكثر إشراقاً في «كتاب الحياة المشرق» هذا في العقود المقبلة.



إدوارد سعيد يسأل عمَّا «بعد السماء الأخيرة»

 عروسان بمخيم البداوي - طرابلس 1983 بعدسة السويسري جان مور
عروسان بمخيم البداوي - طرابلس 1983 بعدسة السويسري جان مور
TT

إدوارد سعيد يسأل عمَّا «بعد السماء الأخيرة»

 عروسان بمخيم البداوي - طرابلس 1983 بعدسة السويسري جان مور
عروسان بمخيم البداوي - طرابلس 1983 بعدسة السويسري جان مور

بعد أربعين عاماً على صدور كتاب إدوارد سعيد «بعد السماء الأخيرة»، أحسنت فعلاً «دار الساقي» أن أعادت نشر ترجمته العربية في هذا الوقت بالذات، الذي تصبح فيه قراءة التاريخ بأعين حاذقة متفكرة، حاجة عربية. سعيد ليس مجرد كاتب يسرد الأحداث، بل هو مبدع متعمق في قضية فلسطين التي شغلته العمر كله. وفي هذا الكتاب يستجمع مهاراته كونه ناقداً، وعالماً ومحللاً، ليقدم نصاً يدمج بين الحدث التاريخي، والسيرة العائلية والذاتية. في الكتاب يأتي نص إدوارد سعيد (1935 - 2003) منسجماً ومتكاملاً مع صور السويسري جان مور التي التقطها بالأبيض والأسود، وهو يوثِّق الحياة اليومية الفلسطينية في بلادها والشتات. وقد وجد فيه سعيد، المصور الذي «رآنا كما لم يرنا أي شخص آخر». فالصور التي اختارها لنشرها في الكتاب تعيد الاعتبار للرواية الفلسطينية بتفاصيلها بعيداً عن فجاجة السردية السياسية. الناس عند ما يمارسون مهنهم، ينتظرون على قارعة الطريق، ينصرفون إلى فرح، يقطفون الزهر، يتأملون في جلسة استراحة. هكذا يعيد إلى شعب أغفلت إنسانيته نبض الحياة، ويعرّف به في انسجاميته مع محيطه الطبيعي.

شراكة الكاتب والمصوّر

الشراكة بين سعيد ومور ولدت عام 1983، أثناء مؤتمر للأمم المتحدة في جنيف، أراد له سعيد أن يقترن بعرض لصور مور. لكن الموافقة جاءت غريبة، وهو أن تبقى الصور من دون أي تعليق عليها. إجحاف، ومحاولة لطمس أي ذكر واضح لفلسطين، مما استفزَّ إدوارد سعيد واستدعى منه فيضاً من الكلام جاء في هذا الكتاب أشبه باستعادة لكل ما يجول في خاطره. حتى ليبدو للقارئ أن سعيد ينخرط في كتابة سيرته مندغمة بسيرة شعبه، وهو يعيد قراءة تجربته وتكوينه الشخصي، عبر فهم المسار الفلسطيني العام. «هو كتاب منفى» يقول سعيد، الذي يعبّر عن ألم ومرارة شديدين، بسبب الظروف التي عاشها منذ كان تلميذاً صغيراً، ورأى عائلته تعاني التهجير والضياع، حتى لنشعر أن كل النجاحات الأكاديمية والفكرية التي حصدها خلال مساره المهني، لم تكن قادرة على إسكات قلق الهوية الذي بقي يعانى منه طوال حياته.

فمنذ غادرت عائلته القدس عام 1947 وكان في الثانية عشرة من عمره، لم يعد سعيد إلى فلسطين إلا عام 1992 مع زوجته وولديه. يومها تمكَّن وبعد 45 عاماً، من زيارة أماكنه الأولى التي لم يعد فيها أحد من أقاربه. لكن بقي لديه شيء من أمل بسبب الانتفاضة التي كانت مشتعلة في تلك الفترة.

النكبة بداية الجحيم

العودة الكاملة للوطن، بقيت حلماً معلقاً، بينما المشهد كله يتغير، حتى ليبدو أن الماضي الذي يعرفه ينسف من جذوره. وهذا هو ما أحب أن يكتب عنه، ليس فقط ليسجل ما حدث، وإنما ليوضح كيف أن الفعل الأول، أي النكبة، جرَّت وراءها تاريخاً من التحولات العظمى، حيث سيصبح من المستحيل استعادة ما فقد. لهذا فإن الكتاب يزاوج بين الأحداث وانعكاساتها، ومسار سعيد وعائلته وحياتهم في المهاجر، وهي تتداخل بحيوات من هم في الصور المرافقة للكتاب. نشاهد البلدة القديمة في القدس، عمال مصنع للصابون في نابلس، نجار من عكا، أطفال يلعبون في مخيم البداوي اللبناني، وفلسطينيون في ميناء عكا، شخص يجلس على الرصيف في الناصرة، وآخرون في غزة. وجوه معروفة، وأخرى تكتسب أهميتها من قدرتها على شحذ الذكريات والأفكار في ذهن إدوارد سعيد، بصرف النظر عن جماليتها.

تتفرع الموضوعات في كل اتجاه. وهي تنطلق في بدء الكتاب من صورة التقطت في مخيم البداوي للاجئين الفلسطينيين في شمال لبنان، فيها عروسان يوم زفافهما يهمان بالصعود إلى سيارة مرسيدس قديمة، ومعهما عدد قليل من الأشخاص، وبقربهما ولدان يلعبان. ويعلِّق سعيد بعد شرح مطول: «لا يمكنني الوصول إلى الأشخاص الفعليين الذين تم تصويرهم إلا من خلال مصور أوروبي رآهم نيابة عني وأتخيل أنه بدوره تحدث اليهم، من خلال مترجم. ومع ذلك، فإن الشيء الوحيد الذي أعرفه على وجه اليقين هو أنهم عاملوه بأدب، ولكن كشخص جاء من قبل، أو ربما تصرف بتوجيه من أولئك الذين وضعوهم في مكانهم البائس هذا».

سرقة الأرض بالتدريج

إنها النكبة التي ولَّدت المصائب المتسلسلة. في تلك السنة المشؤومة لم يكن لليهود من أراضي فلسطين سوى 7 في المائة، لكنهم رغم ذلك، فرضوا وجودهم وطردوا أهل البلاد. وبالتدريج، وعبر السنين، سنُّوا القوانين التي جردت الفلسطينيين من حقوقهم، وأرغمت الكثيرين منهم على الهجرة، حتى فرغت الأرض منهم، ليحلِّ مكانهم غرباء، طامعون. خلال كل تلك الحقبات السوداء المتلاحقة، كان الفلسطينيون يتحولون إلى شتات مشرذم في بلدان مختلفة. يحاول الكاتب أن يعيد تجميع هذا البزل البشري المتشظي، متحدثاً عن صعوبة قصوى في إعادة بناء ما تفتت. يحكي قصص الفلسطينيين في الداخل، مساراتهم، معاناتهم. يروي ما يعرفه عن أعمامه وأولادهم ثم عائلة والدته، التي تركت فلسطين بعد أسرة والده بقليل، منهم من ذهب إلى مصر، وبعض آخر إلى الأردن. يتحدث عن الإرهاق، عن الصدمة التي رافقتهم، عن محاولات فهم ما سيكون عليه مستقبلهم وقد فقدوا بيوتهم وحاضرهم. عمة إدوارد التي وصلت إلى مصر تحوَّلت إلى دينامو، لا همّ لها سوى مساعدة اللاجئين الذين لم يجدوا من يُعنَى بهم. تمكنت من أن تكون همزة الوصل بين أغنياء الفلسطينيين النازحين وفقرائهم. يتحدث عنها وعن جهودها بإعجاب شديد لعلو إنجازاتها، التي بقي صداها يتردد طويلاً حتى خارج مصر.

كتابات كثيرة ومفعول ضئيل

رغم الكتابات الكثيرة عن الفلسطينيين فإنهم بقوا مجهولين، خاصة في الغرب. فالشعب الفلسطيني، لم يلق الكتابة التي توازي كثافة التجربة. «أننا أكثر هذراً وإثارة للمتاعب من أن نختصر بمجرد كوننا كتلة من اللاجئين البائسين». لهذا، ربما، لا بد من كتابات تجاري هذه الكينونة الصعبة والمركبة. وبما أن مهمة الكتاب هي محاولة الإحاطة بواقع معقد، لتجربة فريدة في اللجوء، كان لا بد من أشكال تعبيرية غير تقليدية تتوافق مع حالة هجينة ومتشظية.

يكاد سعيد لا يترك ناحية إلا ويتكلم عنها، البيوت الفلسطينية، المنتوجات الزراعية التي باتت تصدر باسم المحتلّ، الذكريات التي حملها معهم النازحون من بيوتهم من مفاتيح وتطريز وأقمشة، وتعلقهم بذاك التراث الذي يذكرهم ببلادهم، ووالده الذي تجنَّب هذه الرموز، حذراً من الحنين. يعود الكاتب إلى اللكنات الفلسطينية التي بقيت صامدة على الألسن وتطعمت بلهجات دول اللجوء. يُعرِّج على العادات التي ظلَّت راسخة رغم مرور الأيام. يذكرنا بالاضطرابات العائلية التي عاشتها الأسر بسبب التمزق والفرقة وصعوبة الالتقاء، هو الذي حرم لسنين من رؤية والدته التي أصرَّت على البقاء في بيروت في فترة الحرب الأهلية.

الاختزال والتقزيم

يسأله صديق له، لما يعنى بالفلسطينيين في هذا الزمن. «فمن يهتم بأولئك الذين يأكلون على الأرض بأيديهم؟» يزيد إصرار سعيد على إكمال كتابه هذا «بالتحديد، لأردّ على هذا النوع من الحماقات». كم هي صعبة الإحاطة بكل ما يتعلق بالفلسطينيين «لا يوجد إحصاء سكاني فلسطيني. لا يمكن رسم خطّ يصل فلسطينياً بآخر من دون أن يبدو أنه يتداخل مع المخططات السياسية لدولة أو لأخرى». هو مؤلف تجريبي لا يروي أحداثاً متسلسلة، ولا يشكل مقالاً سياسياً، بل يحاول أن يتلاءم وطبيعة الموضوع الذي يصعب القبض عليه كون الفلسطينيين الذين يتحدث عنهم بلا دولة، ولا مركز، مجموعات «مسلوبة». يقول: «حوصرنا في مساحات مصممة لاختزالنا أو تقزيمنا، ولطالما شُوِّهنا بسبب ضغوط وقوى كانت أكبر من طاقتنا».

رد الاعتبار بالكتابة

لا يخفي الكاتب أنه إنما يردُّ الاعتبار لشعبه على طريقته. فالمأساة بدأت قبل النكبة، التي دفعت بعائلته وأسر أخرى إلى المجهول. ثم جاءت النكسة عام 1967، ولا ينسى تجربة منظمة التحرير الفلسطينية. وفي الكتاب مقاطع طويلة عن بيروت التي بقدر ما يعرفها سعيد، اضطر أن يغيب عنها بسبب الحرب. يتحدث عن عذابات لبنان المتتابعة، عن عيوب أهله وطائفيتهم البغيضة، عن تجاربهم المريرة المتلاحقة، يعرج على بعض الكتاب الفلسطينيين مثل إميل حبيبي وجبرا إبراهيم جبرا ومحمود درويش الذي من ديوانه «ورد أقل» استعار اسم الكتاب وصدَّره بعبارة من قصيدة «تضيق بنا الأرض». حقاً لقد ضاقت الأرض بالشعب الفلسطيني!


«سر الأسرار» لدان براون بالعربية

«سر الأسرار» لدان براون بالعربية
TT

«سر الأسرار» لدان براون بالعربية

«سر الأسرار» لدان براون بالعربية

خلال رحلته برفقة العالمة المرموقة كاثرين سولومون التي دُعيت لإلقاء محاضرة في العاصمة التشيكية براغ، يجد العالم روبرت لانغدون نفسه في دوامة تخرج عن السيطرة حين تختفي كاثرين من غرفتهما في الفندق من دون أثر، فيضطر إلى مواجهة قوى مجهولة لاستعادة المرأة التي يحبها.

بهذه الحبكة البوليسية القائمة على التشويق، يعود مؤلف الإثارة والغموض الشهير دان براون إلى قرّائه حول العالم عبر رواية «سر الأسرار» الصادرة عن دار «الكرمة» بالقاهرة، ترجمة زينة إدريس، في نص ينتمي إلى الخيال العلمي، ويتسم بسرعة الإيقاع رغم ضخامته اللافتة؛ إذ يقع في 582 صفحة من القطع الكبير، موزعة على 138 فصلاً، بالإضافة إلى مقدمة وخاتمة.

تبرز الرواية خصوصية براغ كمدينة حضارية موغلة في القدم تزخر بالأساطير ويكتنفها الغموض، فعلى مدى ألفي عام تقاذفتها أمواج التاريخ فتركت في حجارتها صدى ما مضى من أحداث وتقلبات؛ إذ لم يكن لانغدون يدرك أن طيفاً من ماضي المدينة المظلم يراقبه عن كثب، غير أنه يجد نفسه مرغماً على الاستعانة بكل ما في جعبته من معارف غامضة لفك رموز ذلك العالم من حوله قبل أن تبتلعه هو الآخر دوامات الخداع والخيانة التي ابتلعت كاثرين.

يجد البطل، عالم الرموز في جامعة هارفارد، نفسه في مدينة سرية تختبئ في وضح النهار، مدينة احتفظت بأسرارها قروناً طويلة ولم تفصح عنها بسهولة، فتتحول النزهة البريئة ذات الطابع شبه السياحي إلى ما يشبه ساحة معركة لم يشهد لها أحد مثيلاً.

ودان براون هو مؤلف ثماني روايات تصدرت جميعها قوائم المبيعات، من بينها «شيفرة دافنشي» التي أصبحت من أكثر الكتب مبيعاً، إلى جانب روايات «الأصل» و«الجحيم» و«الرمز المفقود» و«ملائكة وشياطين».

ومن أجواء الرواية نقرأ:

«لا بد أنني فارقت الحياة.. هذا ما فكرت فيه المرأة وهي تنجرف عالياً فوق أبراج المدينة القديمة، تحتها كانت أبراج كاتدرائية القديس فيتوس المتلألئة تشع وسط بحر من الأضواء البراقة. تتبعت بنظرها، هذا إذا كانت لا تزال تملك عينين، الانحدار بلطف نحو قلب العاصمة البوهيمية، هناك تمتد متاهة من الأزقة المتعرجة المغطاة ببساط من الثلج المتساقط حديثاً.

شعرت بالضياع وبذلت جهداً لتفهم ما حلّ بها، قالت في محاولة لتطمئن نفسها: أنا عالمة أعصاب وأتمتع بكامل قواي العقلية، غير أن هذا الادعاء الثاني بدا لها موضع شك، الأمر الوحيد الذي كانت الدكتورة بريغيتا غسنر واثقة منه أنها معلقة الآن فوق مسقط رأسها مدينة براغ، لم يكن جسدها معها بل كانت بلا كتلة ولا شكل ومع ذلك كانت بقية كيانها؛ أي ذاتها الحقيقية ووعيها، سليمة ومتقدة تنجرف ببطء في الهواء باتجاه نهر فلتافا.

لم تستطع غسنر أن تتذكر شيئاً من ماضيها القريب، باستثناء ذكرى باهتة من الألم الجسدي، لكن بدا لها الآن أن جسدها لا يتكون إلا من الهواء الذي تنساب عبره. كان الإحساس فريداً لم يسبق لها أن خبرته، وعلى الرغم من كل ما تعرفه بوصفها عالمة لم تجد لذلك سوى تفسير واحد: مت وأنا الآن في العالم الآخر!

لكنها سرعان ما رفضت هذه الفكرة، في الواقع بوصفها طبيبة كانت على دراية وثيقة بالموت؛ ففي كلية الطب وفي أثناء تشريح الأدمغة البشرية، فهمت غسنر أن كل ما يجعلنا ما نحن عليه؛ أي آمالنا ومخاوفنا وأحلامنا وذكرياتنا، ليس إلا مركبات كيميائية معلقة بشحنات كهربائية. وعندما يموت الإنسان ينقطع مصدر الطاقة في دماغه وتذوب تلك المركبات وتتحول إلى بركة سائلة بلا معنى، لكنها الآن تشعر بأنها حية تماماً».


الدولة الحية والدولة التاريخية

الدولة الحية والدولة التاريخية
TT

الدولة الحية والدولة التاريخية

الدولة الحية والدولة التاريخية

الدولة الحية والدولة التاريخية ليستا توصيفين زمنيّين بقدر ما هما طريقتان في العيش داخل الزمان. ليست المسألة أن تكون الدولة قديمة أو حديثة، بل كيف تفهم نفسها، وكيف تُدير علاقتها بالماضي والحاضر والمستقبل. هناك دول تجعل الماضي مادةً للفهم، وتبني مشروعها على ما يمكن أن يكون، وهناك دول تجعل الماضي مرجعاً أعلى، وتعيد إنتاجه في الحاضر بوصفه معياراً للحكم.

يمكن أن نلاحظ هذا المعنى في تجارب مثل الولايات المتحدة الأميركية والمملكة العربية السعودية الجديدة. كلتاهما حديثة نسبياً من حيث التكوين السياسي، فأعمارهما تتراوح بين المائتين والثلاثمائة سنة، وهذا منح كل واحدة منهما خاصية مهمة، هي أن مشروع كلٍّ منهما لم يُبنَ على استعادة ماضٍ بعيد، بل على تأسيس معنى جديد للحاضر. لم يكن هناك ثقل تاريخي يفرض نفسه بوصفه مرجعاً نهائياً، بل كان المجال مفتوحاً لبناء الشرعية على الإنجاز، وعلى القدرة على التشكّل.

الدولة الحية لا تنكر تاريخها، لكنها لا تسكن فيه. تتعامل مع الماضي بوصفه خبرة قابلة للتحليل، وأنه ليس سردية ملزمة. لذلك تكون هويتها مرنة، وشرعيتها قائمة على الفعل، وليست على الذاكرة. وهي لهذا لا تخاف التغيير، لأن التغيير جزء من بنيتها.

في الجهة المقابلة، تبدأ المشكلة حين يتحول التاريخ إلى سلطة. عندها لا يعود الماضي مادة للفهم، بل يصبح معياراً يُقاس عليه كل شيء، فتتشكل بنية كاملة من التعثر تمتد عبر الاقتصاد والتعليم والإدارة والثقافة. تُدار الموارد بعقلية الحفظ والخوف لا بعقلية المبادرة، ويُعاد إنتاج المعرفة بدل توليدها، وتتقدم الاستمرارية على الكفاءة، ويُستبدل بالإبداع التمجيد. وهنا لا يكون الفشل حادثة عابرة، بل يكون نمطاً يتكرر عبر العقود، لأن المنطلق واحد، وهو رد الحاضر دائماً إلى نموذج سابق.

ومع هذا النمط تتشكل طبقة أعمق، طبقة الوعي. فالمشكلة لا تبقى في المؤسسات، بل تمتد إلى طريقة إدراك الناس للعالم وتصورهم لأنفسهم فيه. بينهم يتكون وعي يميل إلى الخطاب أكثر من الفعل، وتُروى الحكايات بلغة الانتصار الذي لم يقع، حتى في لحظات الفشل العميق، وتُضخَّم الوقائع الصغيرة لتؤدي وظيفة نفسية، لا معرفية.

ويظهر هنا نوع من التكيّف المفرط، قدرة عالية على الاحتمال، لكنها تنقلب أحياناً إلى قبول طويل بالأوضاع بدل السعي إلى تغييرها. يعرف الفرد في داخله أن هناك خللاً، لكنه يتعامل معه بازدواجية، فيُبقي هذا الإدراك في مستوى صامت، بينما يشارك في خطاب علني يخففه أو ينفيه.

هذا الانفصال لا يأتي من جهل، بل من آلية دفاع. فالصورة المثالية عن الذات تُصبح شرطاً نفسياً للاستمرار، ولذلك يُعاد إنتاجها باستمرار، حتى لو كانت لا تنسجم مع الواقع وحتى إن كان الناس يقتاتون على أكاذيب ويعيشون في أوهام. وهنا تتشكل بطولات رمزية، وتُستعاد أمجاد آلاف السنين، ويُعاد تفسير الأحداث الواقعية بحيث تحافظ على تماسك هذه الصورة.

وفي هذا السياق، يصبح الحس الفكاهي وخفة الظل أداة مزدوجة، يخفف الضغط من جهة، لكنه قد يتحول إلى وسيلة للهروب من المواجهة من جهة أخرى. ومع الوقت، يتشكل حسّ حساس تجاه النقد، لا لأنه غير صحيح، بل لأنه يُفهم بوصفه تهديداً للصورة الجمعية. فيُستعاض عن المساءلة بالتبرير، وتُفسَّر الإخفاقات بعوامل خارجية، أو يُعاد تأويلها بما يحفظ المعنى العام للسردية. هنا لا يكون الكذب فعلاً واعياً بالضرورة، بل بنية يعيش داخلها التاريخيون. يعرفون في قرارة أنفسهم أن هناك فجوة بين الواقع وما يُقال، لكنهم يستمرون في إعادة إنتاج هذا الخطاب، لأنه يمنحهم شعوراً بالتماسك. وهكذا يصبح الانفصال عن الواقع شرطاً نفسياً للاستقرار، لكنه في الوقت نفسه يُعمّق الأزمة.

ويضاف إلى ذلك أن هذا النمط يعيش على استعراض عمر الدولة الطويل بوصفه دليلاً على العظمة، مع أن معظم المواطنين تعساء، ومع أن هذا العمر لم يُترجم إلى قدرة فعلية على البناء. تُذكر آلاف السنين كما لو كانت إنجازاً قائماً، بينما الحاضر عاجز عن تحقيق أبسط ما تحققه دول أصغر سناً بكثير. تتكرر المقارنة في الخطاب لا في الواقع، ويُستدعى التاريخ لتعويض فجوة الإنجاز. ومع وفرة الموارد، يبقى العائد محدوداً، لأن المشكلة ليست في الإمكانات، بل في طريقة النظر إليها، حيث تُستهلك دون أن تتحول إلى مشروع منتج يغيّر ملامح الواقع.

أما الدولة الشابة الحية، فتسير في الاتجاه المعاكس. لا تحتاج إلى حماية صورة مثالية، لأنها لا تدّعي الاكتمال. تقبل بالنقص، وترى في الاعتراف بالخلل بداية للإصلاح. تبني شرعيتها على الفعل، لا على الحكايات والأساطير، ولا تسمح لذاكرتها بأن تتحول إلى معيار يحكم قراراتها اليومية. لهذا تظل قادرة على التغير، لأن وعيها مفتوح، لا مغلق. ولا تعيش داخل سردية جاهزة، بل تصنع سرديتها مع كل خطوة.

وفي النهاية، لا تنهار الدول لأنها فقيرة في تاريخها، بل لأنها تُخطئ النظر إلى واقعها. الدولة الحية ترى ما هو كائن، فتُحسِن التعامل معه، وتبني عليه ما يمكن أن يكون. أما الدولة التاريخية، فتُصرّ على أن ترى ما تتمنى، فتفقد القدرة على الفعل، وتكتفي بالتعويض الرمزي، والخطاب العالي، والبطولات المتخيَّلة. هنا لا يكون الماضي ذاكرةً تُعين على الفهم، بل يصبح عبئاً يُعطّل الحاضر، ويُغلق أفق المستقبل. لذلك، فمصير الدولة لا يُحسم في أرشيفها، بل في وعيها. ليس السؤال كم عاشت، بل كيف تعيش؟ هل تُقيم في العالم كما هو، أو في صورةٍ عنه تُرضي نرجسيتها؟ في هذا الاختيار الصامت، الذي لا يُعلن نفسه، يتقرر كل شيء.

* كاتب سعودي