وليام روتو... رئيس بانتظار تأكيد المحكمة

«بائع الدجاج» قلب الطاولة في كينيا تحت شعارات {العصامية}

وليام روتو... رئيس بانتظار تأكيد المحكمة
TT

وليام روتو... رئيس بانتظار تأكيد المحكمة

وليام روتو... رئيس بانتظار تأكيد المحكمة

قدّم نفسه على أنه «نصير لفقراء كينيا»، مُطلقاً عليهم لقب «أمة المكافحين»، فلم يخذلوه ومنحوه أصواتهم بأمل تحسين أوضاعهم المتردية. ولكن يبدو أن تلك الأصوات التي حظي بها الرئيس المنتخب في كينيا ويليام روتو، والتي بالكاد تجاوزت نسبة الـ50 في المائة، غير كافية كي يتسلم روتو رئاسة مريحة من دون منغصات. بل إن «منصبه» الجديد لا يزال على «المحك»، بسبب إصرار غريمه زعيم المعارضة المخضرم رايلا أودينغا على اللجوء إلى القضاء للطعن في النتيجة، التي يشكك كثيرون فيها، بمن فيهم أكثر من نصف أعضاء اللجنة الانتخابية الرسمية.
أُعلن يوم الاثنين الماضي في كينيا عن فوز وليام روتو، نائب الرئيس المنتهية ولايته أوهورو كينياتا، بـ50.49 في المائة من الأصوات، في مقابل 48.85 في المائة لمنافسه رئيس الوزراء الأسبق رايلا أودينغا - أي بفارق نحو 233 ألف صوت فقط -. وبذا اكتملت قصة صعود روتو المُلهمة، التي بدأت معه «بائعاً للدجاج» ووصلت به إلى قمة هرم السلطة، مروراً بعدة مناصب وزارية.
استغل روتو (55 سنة)، وهو مدرّس سابق حاصل على درجة الدكتوراه في علم البيئة النباتية من جامعة نيروبي، نشأته المتواضعة، للوصول إلى أعلى المناصب السياسية في كينيا، فقدم نفسه خلال حملته الانتخابية، على أنه «نصير الشعب»، المتحدث بـ«لسان الفقراء».
من ناحية ثانية، يأتي فوز روتو كحدث لافت في كينيا، التي تُهيمن على سياساتها منذ الاستقلال عن بريطانيا الصراعات القبلية بين مكّوناتها. فوليام روتو لا ينتمي لشعب «الكيكويو»، أكبر مكون قبلي في البلاد، ومنه جاء الرئيس المنتهية ولايته أوهورو كينياتا، وقبله والده الرئيس الأول جومو كينياتا «أبو الاستقلال» والرئيس الثالث مواي كيباكي، بل ينتمي إلى شعب الكالينجين – أحد المكوّنات الأربعة الكبرى - في كينيا ومنه جاء الرئيس الثاني دانيال آراب – موي الذي خلف كينياتا «الأب».
ولكن، رغم الجدل الدائر حالياً، والمخاوف من اندلاع أعمال عنف بسبب اعتراض البعض على نتيجة الانتخابات، ترجح إيمان الشعراوي، الباحثة المتخصصة في الشأن الأفريقي، في حديث لـ«الشرق الأوسط» استعادة السيطرة سريعاً على الأوضاع، لكون «كينيا من دول شرق أفريقيا التي تشهد تداولاً للسلطة وتُصنف من الديمقراطيات الجيدة في أفريقيا، بالنظر إلى نتائج الانتخابات السابقة، وكذلك تراجع كينياتا عن الترشح لولاية ثالثة مخالفة للدستور الكيني، ما قلل من العنف قبل إجراء الانتخابات».
- التصدي لنفوذ الصين
كما سبقت الإشارة، روتو هو خامس رئيس لكينيا منذ الاستقلال في عام 1963. وهو ثاني رئيس من شعب الكالينجين يتولى هذا المنصب. ويُنتظر، أن يتبنّى روتو - في حال تنصيبه رسمياً - وفقا لـ«الشعراوي»، سياسات مختلفة عن سلفه كينياتا، بسبب الظروف الاقتصادية الصعبة التي تعيشها البلاد. وتقول إن السياسة الأكثر جدلاً ما يتعلق بوعوده تقليص الوجود الصيني الكبير في كينيا، إذ تعد الصين ثاني أكبر دائن لكينيا بعد البنك الدولي، ولقد موّلت العديد من مشاريع البنية التحتية في البلاد.
وبالفعل، كان روتو قد أعلن «اعتزامه طرد الصينيين الذين يشغلون وظائف بإمكان الكينيين أن يقوموا بها، إذا ما انتخب رئيساً»، ما يعني أن كينيا ستشهد سياسات جديدة، خاصةً، ما يتعلق بالاقتصاد وتنويع الشركاء الاقتصاديين، فضلا عن العمل على إيجاد طرق مختلفة للتعامل مع تحديات الأزمة العالمية الراهنة، بسبب الحرب الأوكرانية وجائحة «كوفيد-19»، وما تسببتا فيه من تدهور الاقتصاد الكيني وارتفاع الأسعار.
روتو، الذي كان يشغل منصب نائب الرئيس كينياتا تعهد، من ناحية أخرى، بالتعاون مع «كل القادة» السياسيين. وقال في أول كلمة له بعد الانتخابات «لا مكان للانتقام»... أنا أدرك تماما أن بلادنا في مرحلة نحتاج فيها إلى كل الأيدي الموجودة فيها. ومن ثم، وعد باستحداث فرص عمل في بلد يعيش فيه ثلاثة أشخاص من كل عشرة في فقر مدقع، وأنهكته تداعيات الجائحة والحرب في أوكرانيا.
- فوز ضعيف يُنذر بعنف
من ناحية أخرى، أسهم فارق الأصوات الضئيل، الذي منح روتو الفوز على منافسه أودينغا (77 سنة)، في تأجيج اشتباكات مطلع الأسبوع الماضي، بين أنصار روتو الذين نظموا احتفالات صاخبة بفوزه، مع مناوئيهم الذين شعروا بضياع فوز كانوا يعتقدون أنه الأقرب. وهزت التظاهرات عدة أحياء شعبية في العاصمة نيروبي، مثل كايول وكيبيرا، وأشعل عدد من أنصار المرشحين الإطارات في حي كيبيرا بالعاصمة الكينية. وفي مدينة كيسومو (غرب كينيا)، التي تعد من أبرز معاقل أودينغا، نصبت حواجز ونهبت متاجر ورشق المتظاهرون الحجارة في حين استخدمت الشرطة الغاز المسيل للدموع لتفريق الحشود.
الأمر اللافت، الذي جعل من النتيجة مفاجأة غير متوقعة، هو أن روتو تأخر كثيرا في استطلاعات الرأي، فضلا عن أنه كان يواجه خصماً كبيراً يتمتع بخبرة سياسية واسعة وخلفية أسرية - قبلية مهمة. فرايلا أودينغا، الذي خسر بضعة انتخابات رئاسية من قبل، هو ابن الزعيم الاستقلالي الكبير جاراموهي أوغينغا أودينغا «رفيق نضال» جومو كينياتا، ونائب الرئيس كينياتا بعد الاستقلال، قبل وقوع الخلاف بينهما، وهو أحد أبرز زعماء شعب اللوو الذي ينتمي إليه أيضاً والد الرئيس الأميركي الأسبق باراك أوباما.
أكثر من هذا، فإن أودينغا «الابن»، تولى رئاسة الحكومة في عهد مواي كيباكي، وبعد تنافس وعداوة مع الرئيس المنتهية ولايته كينياتا «الابن»، تلقى في الانتخابات الأخيرة دعم كينياتا. ومن ثم، توقعت العديد من استطلاعات الرأي، التي رفضها روتو واعتبرها «مزيفة»، فوز أودينغا.
وفي مسعى لتأكيد فوزه حرص روتو، عقب فوزه المطعون بصحته، على التشديد على «تجاوز الانقسامات»، والقول إنه «ليس هناك خاسر في الانتخابات، بل الشعب هو الرابح»، مضيفاً أن «الانتخابات كان هدفها حل المشاكل لا مراعاة التكوينات العرقية». في تلميح إلى حرمان شعب اللوو مجدداً من الحصول على منصب الرئاسة.
- مشاكل اقتصادية وسياسية
تشكو كينيا من مشاكل اقتصادية جديّة تتراوح من الديون المتزايدة إلى ارتفاع أسعار الغذاء والوقود والبطالة الجماعية بين الشباب، كما تعاني أجزاء من البلاد أيضا من جفاف شديد يهدد بتفاقم مشكلات انعدام الأمن المتزايدة. ووفق المحلل السياسي موسى أوديامبو لشبكة «سي إن إن» الأميركية فإن «العديد من الكينيين، وخاصة الشباب، يشعرون بخيبة أمل من الحكومة الحالية» ويطالبون بالتغيير، ولذلك اتجهوا إلى تحالف «كينيا كوانزا»، الذي يعني «كينيا أولا» باللغة السواحلية، بقيادة روتو، رفضاً للتوجه السياسي الرئيس الحالي الداعم لأودينغا.
في المقابل، لا يزال الطريق إلى تسلم مقاليد الرئاسة غير مأمون أمام روتو. فبعد أسبوع كامل من انتظار نتائج الانتخابات، التي أجريت يوم 9 أغسطس (أب) 2022، أعلن أودينغا - الذي ظهر وهو يضع قبعة زرقاء كبيرة بلون راية ائتلافه - رفضه القاطع للنتائج المتقاربة مع فارق نحو 233 ألف صوت. ووصف مؤتمر إعلان النتائج، بأنه «مهزلة واستخفاف واضح بالدستور»، إلا أنه رغم ذلك دعا أنصاره إلى الهدوء، مؤكدًا أنه سيواصل «كل الخيارات المتاحة قانونيًا». وهو بذا يتسلح برفض غالبية أعضاء اللجنة المستقلة للانتخابات الاعتراف بفوز روتو.
وما يُذكر هنا، أنه سبق أن طعن أودينغا بنتيجة الانتخابات عام 2007 عندما تسببت الأزمة التي تلت الانتخابات بمواجهات قبلية بين الكيكويو واللوو أدت إلى مقتل 1100 شخص. ثم في عام 2017، أبطلت المحكمة العليا نتائج الانتخابات الرئاسية «غير الشفافة وغير القابلة للتحقق»، ملقية باللوم على اللجنة المشرفة.
واليوم، تتعرض اللجنة المستقلة للانتخابات، التي أدارت انتخابات 2022، لانتقادات، رغم إشادة مراقبين دوليين ومحليين بإدارتها النزيهة لمجريات الاستحقاق الانتخابي. وهنا نشير إلى أنه قبل دقائق من إعلان رئيس اللجنة عن نتائج الانتخابات، رفض أكثر من نصف أعضائها (أربعة من أصل السبعة) قبول النتيجة، مبرّرين موقفهم خلال مؤتمر صحافي بـ«الطابع الضبابي للمسار». ووفق نائبة رئيس لجنة الانتخابات جوليانا شيريرا، فإن أصوات النتائج «جرى حسابها بشكل خاطئ، مع أن عملية الاقتراع أجريت بطريقة سليمة». لكن رئيس اللجنة قال في المؤتمر الصحافي «أقف أمامكم رغم الترهيب والمضايقات. لقد قمت بواجبي وفق قوانين البلاد. وبموجب القانون، أعلن أن روتو وليام ساموي قد انتُخب رئيساً».
- أصول الطعن بالنتيجة
للطعن بنتيجة الانتخابات يتوجب إحالة القضية إلى المحكمة الكينية العليا في الأيام السبعة التي تلي الإعلان عن اسم الفائز. وأمام هذه المحكمة - التي هي أعلى سلطة قضائية في كينيا - مدة 14 يوما لإصدار قرارها، وفي حال قرّرت إبطال النتيجة، لا بد من تنظيم انتخابات جديدة في غضون ستين يوما. وفي حال لم يتوجه أحد بطلب إلى القضاء، يتسلم روتو مهامه في الأسبوعين المقبلين.
ومن جهة أخرى، رغم تقديم عدة دول أفريقية، من بينها الدولتان المجاورتان إثيوبيا والصومال، التهاني إلى روتو، فلا يزال هناك ترقب دولي عام للموقف. وبينما هنأت السفارة الأميركية في كينيا «الشعب الكيني على ممارسته حق التصويت خلال انتخابات التاسع من أغسطس (آب)، والتي شارك فيها 22.1 مليون ناخب مسجل» اختاروا أيضا برلمانيين ومسؤولين محليين، دعت السفارة «كل الأطراف إلى العمل معا لحل المسائل سلمياً»، وطلبت من «قادة الأحزاب السياسية مواصلة حث مناصريهم على الامتناع عن أي عنف خلال المسار الانتخابي».
- رجل عصامي... ثري
الدعاية الانتخابية لروتو، المولود في 21 ديسمبر (كانون الأول) 1966، روّجت عنه أمام «فقراء كينيا» صورة النشأة العصامية. وحرصت على اعتباره «مثالاً حياً لمعيشة الغالبية من أبناء كينيا»... خاصة معاناته في طفولته التي يحكي الرئيس المنتخب عن نفسه قائلاً إنه «كان يذهب إلى المدرسة حافي القدمين، وأن أول مرة يرتدي فيها حذاء في حياته كان عمره 15 سنة». وبالفعل، امتهن روتو عدة مهن من أجل أن يكمل تعليمه، بينها بيع الدجاج والفول السوداني على طرقات المناطق الريفية.
ولكن، بعدما أتم الرئيس المنتخب تعليمه الجامعي، وحصل على شهادة بكالوريوس في علوم البيئة والنبات، عمل بين عامي 1990 و1992 في قطاع التعليم قبل أن يبدأ حياته السياسية والتجارية. ولأنه مولع بالزراعة، استثمر في زراعة الذرة وإنتاج الألبان وتربية الدواجن، حتى بات اليوم من الأثرياء الكبار، وهو يملك حالياً أراضي زراعية شاسعة في مناطق الغرب ومناطق الساحل الكيني.
هذا الثراء أثار لغطاً كبيراً حول روتو وأخلاقياته. وفي حين أنه ينفي ارتكاب أي مخالفات للقانون في رده على اتهامات بالفساد، فإن المحكمة العليا أمرته في يونيو (حزيران) عام 2013، بإعادة مزرعة مساحتها 40 هكتارا وتعويض المُزارع الذي اتهمه بالاستيلاء على الأرض خلال أعمال العنف التي أعقبت الانتخابات.
اجتماعياً، روتو متزوج من سيدة اسمها راشيل، كان تعرف عليها خلال الاجتماعات الشبابية بالكنيسة، ولديهما سبعة أبناء، أكبرهم «نيكولاس»، الذي أثيرت تكهنات حول توليه منصبا سياسيا مستقبلا، في حين تعمل ابنة له في وزارة الشؤون الخارجية.
- الصعود السياسي
دخل روتو الحياة السياسية عام 1992، وقال إنه «تتلمذ على يد رئيس البلاد آنذاك دانيال أراب موي (الذي ينتمي مثله للكالينجين)»، إذ كان عضوا في الجناح الشبابي لحزب موي، حزب «كانو» الذي كانت له الغلبة في تلك الفترة.
وبعد انتخابات عام 1992، حل الرئيس موي الحملة، فاتجه روتو بعدها للمنافسة على مختلف المناصب الحزبية في الحزب إلا أنه لم ينجح.
مع هذا، لم ييأس روتو فنافس على مقعد برلماني في الانتخابات العامة عام 1997، وفي مفاجأة كبرى تغلب على شاغل المقعد روبن تشيزير، ليبدأ صعوده السياسي عبر البرلمان.
ومع بزوغ نجم أوهورو كينياتا مطلع عام 2002، ارتبط صعود روتو به. وحصل على منصب مساعد وزير في وزارة الشؤون الداخلية، ثم رقّي ليصبح وزير الشؤون الداخلية، واحتفظ بموقعه البرلماني، ثم انتخب أمينًا عامًا لحزب «كانو» عام 2005 مع انتخاب كينياتا رئيسًا للحزب.
وبين 2008 و 2010، شغل روتو منصب وزير الزراعة في الحكومة الكينية وهو المنصب السياسي الوحيد المتعلق بمجال دراسته، قبل أن يشغل منصب وزير التعليم لأشهر قليلة في عام 2010.
بعدها، واصل روتو شغل عدد من المناصب، وأسند إليه منصب نائب الرئيس في أعقاب انتخابات عام 2013، حين خاض تلك الانتخابات إلى جانب كينياتا، ما أذهل كثيرا من الكينيين لأن الاثنين كانا على طرفي نقيض سياسياً خلال الانتخابات السابقة. ويبدو أن ذلك كان «تحالف منفعة»، إذ كانت المحكمة الجنائية الدولية وجهت إليهما تهمة «ارتكاب جرائم ضد الإنسانية» تتعلق بمزاعم تأجيجهما أعمال العنف التي تلت معركة عام 2007 الانتخابية الشرسة، والتي أسفرت عن مقتل 1200 شخص.
وخلال انتخابات عام 2007، كان روتو يدعم مرشح المعارضة رايلا أودينغا - الذي خسر أمامه في الانتخابات الأخيرة - في حين كان كينياتا يدعم رئيس البلاد آنذاك، مواي كيباكي، الساعي إلى فترة رئاسية ثانية. وأتى هذا «التحالف» المصلحي أكله، ووصل الرجلان إلى السلطة، ما جعلهما في موقف قوي في مواجهة تهديد المحكمة الجنائية الدولية، وهو ما تحقق عندما أسقط الادعاء التهم الموجهة ضد الرئيس كينياتا عام 2014، ورفض القضاة الدعوى القضائية المقامة ضد روتو في عام 2016.
لكن نهاية «التحالف» جاءت عام 2018، عندما تصالح كينياتا بشكل مفاجئ مع أودينغا، منهيا خطط روتو في دعم الرئيس المنتهية ولايته لخلافته في المنصب خلال الحملة الرئاسية الأخيرة.
ورغم اعتراف روتو بوجود شقاق بينه وبين كينياتا عندما قال إن «الرؤية السياسية لكل منهما مختلفة»، مكث في منصبه نائبا للرئيس، بفضل بنود الدستور التي تكفل لنائب الرئيس البقاء في منصبه طوال الفترة الرئاسية.


مقالات ذات صلة

تجدد احتجاجات المعارضة في كينيا

العالم تجدد احتجاجات المعارضة في كينيا

تجدد احتجاجات المعارضة في كينيا

تراوح الأزمة السياسية في كينيا في مكانها، بعد عودة احتجاجات المعارضة إلى الشوارع، وتجميد «حوار وطني» مزمع، تختلف المعارضة والرئيس حول طريقته وأهدافه. وانطلقت، الثلاثاء، موجة جديدة من الاحتجاجات، وأطلقت الشرطة الكينية الغاز المسيل للدموع على مجموعة من المتظاهرين في العاصمة نيروبي. ووفق وسائل إعلام محلية، شهد الحي التجاري المركزي انتشاراً مكثفاً للشرطة، وأُغلق عدد كبير من المتاجر، كما انطلق بعض المشرعين المعارضين، في مسيرة إلى مكتب الرئيس، لـ«تقديم التماس حول التكلفة المرتفعة، بشكل غير مقبول، للغذاء والوقود والكهرباء»، ومنعتهم الشرطة من الوصول للمبنى وفرقتهم باستخدام الغاز المسيل للدموع.

العالم تنامي «المعتقدات الشاذة» يثير مخاوف في كينيا

تنامي «المعتقدات الشاذة» يثير مخاوف في كينيا

تعيش كينيا حالة من الذعر مع توالي العثور على رفات في مقابر جماعية لضحايا على صلة بجماعة دينية تدعو إلى «الصوم من أجل لقاء المسيح»، الأمر الذي جدد تحذيرات من تنامي الجماعات السرية، التي تتبع «أفكاراً دينية شاذة»، خلال السنوات الأخيرة في البلاد. وتُجري الشرطة الكينية منذ أيام عمليات تمشيط في غابة «شاكاهولا» القريبة من بلدة «ماليندي» الساحلية، بعد تلقيها معلومات عن جماعة دينية تدعى «غود نيوز إنترناشونال»، يرأسها بول ماكينزي نثينغي، الذي قال إن «الموت جوعاً يرسل الأتباع إلى الله». ورصد أحدث التقديرات ارتفاع عدد ضحايا «العبادة جوعاً» إلى 83، وسط تزايد المخاوف من احتمال العثور على مزيد من الجثث. ووف

العالم عودة الاحتجاجات في كينيا... هل تُفاقم الأوضاع؟

عودة الاحتجاجات في كينيا... هل تُفاقم الأوضاع؟

رغم التحضيرات الجارية لمباحثات من المقرر إجراؤها بين الحكومة والمعارضة، يستمر التوتر السياسي في الهيمنة على المشهد بعد قرار المعارضة باستئناف الاحتجاجات، وهو ما يراه خبراء «تهديداً» لمساعي احتواء الخلافات، ومنذراً بـ«تصاعد المخاطر الاقتصادية». وأعلنت المعارضة الكينية عن عودة الاحتجاجات غداً (الأحد)، بعد 10 أيام من موافقة زعيم المعارضة رايلا أودينغا، على تعليقها وتمهيد الطريق لإجراء محادثات مع الرئيس ويليام روتو. وفي تصريحات تناقلتها الصحف الكينية، (الجمعة)، قال أودينغا، في اجتماع لمؤيديه في نيروبي، إن «التحالف سيواصل التحضير للمفاوضات، لكن الحكومة فشلت حتى الآن في تلبية مطالبها»، مشيراً إلى ما

العالم كينيا: تصاعُد الاضطرابات الاقتصادية وسط مخاوف من عودة الاحتجاجات

كينيا: تصاعُد الاضطرابات الاقتصادية وسط مخاوف من عودة الاحتجاجات

في ظل أزمة سياسية تعمل البلاد على حلها بعد تعليق احتجاجات قادتها المعارضة، ما زالت الأزمات الاقتصادية في كينيا تشكل مصدراً للتوتر والاضطرابات.

أفريقيا كينيا: تصاعد الاضطرابات الاقتصادية وسط مخاوف من عودة الاحتجاجات

كينيا: تصاعد الاضطرابات الاقتصادية وسط مخاوف من عودة الاحتجاجات

في ظل أزمة سياسية تعمل البلاد على حلها بعد تعليق احتجاجات قادتها المعارضة، ما زالت الأزمات الاقتصادية في كينيا تشكل مصدراً للتوتر والاضطرابات.


قراءة أميركية للمفاوضات بين لبنان وإسرائيل

وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يلقي كلمته خلال جلسة الافتتاح (غيتي)
وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يلقي كلمته خلال جلسة الافتتاح (غيتي)
TT

قراءة أميركية للمفاوضات بين لبنان وإسرائيل

وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يلقي كلمته خلال جلسة الافتتاح (غيتي)
وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يلقي كلمته خلال جلسة الافتتاح (غيتي)

لم تكن «جولة المباحثات الثلاثية» التي استضافتها وزارة الخارجية الأميركية بين لبنان وإسرائيل والولايات المتحدة مجرد لقاء دبلوماسي نادر بين بلدين لا تربطهما علاقات رسمية، بل بدت في القراءة الأميركية اختباراً مركباً لثلاثة أمور دفعة واحدة: قدرة لبنان على التفاوض بصفته دولة ذات قرار، لا ساحة مفتوحة لتوازنات السلاح؛ وقدرة واشنطن على إدارة ملف شديد الحساسية بعيداً من ابتلاع الحرب الأميركية - الإسرائيلية مع إيران له؛ وقدرة إسرائيل على تحويل تفوقها العسكري مكسباً سياسياً وأمنياً دائماً، لا إلى مجرد جولة أخرى من الضغط تعقبها جولة جديدة من النار. لذا؛ لا تُقاس أهمية اللقاء فقط بما صدر بعده من أوصاف عن «أجواء مثمرة» أو «نقاشات مشجعة»، بل بما كشفه من فجوة لا تزال كبيرة بين ما يريده كل طرف: إذ لبنان يريد وقفاً لإطلاق النار يخفّف وطأة الكارثة الإنسانية ويمنع الانهيار الكامل، بينما إسرائيل تريد أن يكون أي تفاوض مدخلاً إلى نزع سلاح «حزب الله»، أما واشنطن فتحاول من جهتها الجمع بين المسارين من دون أن تقع في وهم أن هدنة سريعة تكفي وحدها لإنتاج استقرار مستدام.

في الواقع، لا تبدو مفاوضات واشنطن بالأمس بين إسرائيل ولبنان مدخلاً سريعاً إلى تسوية، بقدر ما تبدو اختباراً لما إذا كانت اللحظة الإقليمية الراهنة، مع تراجع القدرة الإيرانية على فرض إيقاعها السابق، يمكن أن تمنح لبنان فرصة نادرة لاستعادة بعض قراره السيادي.

غير أن هذا الاحتمال يصطدم بحقيقة يعرفها الأميركيون جيداً، هي أن المشكلة اللبنانية لا تكمن فقط في حجم الدمار أو في وطأة الانهيار الاقتصادي، بل أيضاً في أن الدولة نفسها لم تتمكن حتى الآن من تحويل خطاب السيادة سياسةً تنفيذيةً قادرة على احتكار السلاح والقرار.

ندى حمادة معوّض، سفيرة لبنان لدى واشنطن، التي مثلت بلادها في المباحثات (ا ف ب)

بين الرمزية والسيادة

من زاوية أميركية، تكمن أهمية الجولة، أولاً، في كونها كسرت محرّماً سياسياً لبنانياً أكثر ممّا حقّقت اختراقاً تفاوضياً فورياً. فلقد وصفها وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو بأنها «عملية لا حدث»، بينما شددت الخارجية الأميركية على أنها أول انخراط رفيع بهذا الحجم منذ 1993، مع توافق على إطلاق مفاوضات مباشرة في وقت ومكان يُتفق عليهما.

هذا بحد ذاته يعني أن واشنطن لا تنظر إلى اللقاء كترتيب أمني عابر، بل كبداية مسار طويل عنوانه إعادة تعريف العلاقة بين الدولة اللبنانية، وإسرائيل، وملف «حزب الله» معاً. وهنا تبرز أهمية ما قاله ديفيد شينكر، نائب مساعد وزير الخارجية الأسبق لشؤون الشرق الأدنى، في لقاء مع «الشرق الأوسط». فهو يرى أن أهمية اللقاء لا تكمن فيما سينجزه سريعاً، بل في أنه «مثّل ربما أول فعل سيادي ملموس من الحكومة اللبنانية منذ وقت طويل».

وحسب شينكر، فإن الحكومة اللبنانية اتخذت خلال الأشهر الماضية قرارات كبيرة، من نزع سلاح «حزب الله» جنوب الليطاني، إلى طرد السفير الإيراني، إلى حظر «الحرس الثوري»، إلا أن هذه القرارات لم تُنفّذ بسبب ضغط الحزب وإيران. ولذلك؛ فإن إرسال السفيرة اللبنانية للقاء نظيرها الإسرائيلي، رغم اعتراض «حزب الله» وطهران، هو في حد ذاته «تمرين سيادي» ينبغي البناء عليه لا التقليل من شأنه.

لكن هذه الرمزية لا تلغي حدودها، خاصةً أن التقارير الأميركية نفسها أظهرت أن أهداف الطرفين ليست واحدة. فلبنان ذهب عملياً طلباً لوقف إطلاق النار، وإعادة النازحين، وتخفيف الكارثة الإنسانية، في حين تطرّق الإسرائيليون إلى «رؤية بعيدة المدى» تتصل بترسيم واضح للحدود، ونزع سلاح «حزب الله»، وربما التمهيد لترتيبات أوسع لاحقاً. وبين هذين الموقفين مساحة شاسعة: بيروت تريد وقف النار قبل السياسة، وإسرائيل تريد السياسة الأمنية أولاً ثم تبحث في التهدئة. وعليه، تبدو الجولة مهمة لأنها كشفت عن الفجوة بوضوح، لا لأنها حلتها.

الخارجية الأميركية لمحت بعد اللقاء إلى إمكانات تتصل بالمساعدة في إعادة الإعمار وزيادة التمويل للجيش اللبناني

وفق شينكر: العقدة إسرائيل و«حزب الله»

السؤال الأكثر إلحاحاً هو ما إذا كان ممكناً التوصل إلى وقف لإطلاق النار شبيه بالترتيب الهشّ بين واشنطن وطهران، بما يسمح بفتح الباب أمام نتائج سياسية إيجابية. الجواب الأميركي الغالب، كما تعكسه تصريحات شينكر وديفيد داوود، الباحث في «مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات»، هو أن ذلك ممكن شكلياً وصعب جوهرياً. نعم، قد تنجح واشنطن في إنتاج تهدئة جديدة، لكن المشكلة أن كل تجربة تهدئة سابقة تحوّلت استراحةً أعادت فيها الأطراف التموضع من دون معالجة أصل النزاع: وجود قوة مسلحة خارج الدولة.

شينكر يذكّر بأن وقفاً للنار كان قائماً منذ نوفمبر (تشرين الثاني) 2024، لكن «حزب الله» كسره يوم 1 مارس (آذار) 2026. ويضيف أن الحكومة اللبنانية التزمت يومها بنزع سلاح الحزب في كل البلاد، وأن الحزب سلّم بعض السلاح جنوب الليطاني، لكن أداء الجيش اللبناني «لم يكن بالمستوى المأمول» عملياً، ولم يُستكمل العمل شمال الليطاني من دون موافقة الحزب. وخلاصة شينكر، أن إسرائيل قد تخفّف وتيرة عملياتها، وقد «تزيد الحرص على تجنّب الخسائر المدنية»، لكنها لن تسمح بعودة الوضع الذي تلى وقف النار السابق، ولن تنهي وجودها في جنوب لبنان ما لم تر خطوات فعلية نحو حل مشكلة السلاح.

أما ديفيد داوود، فيذهب أبعد في تشخيص المأزق. ففي حديثه لـ«الشرق الأوسط»، يميز بين ثلاثة أنواع من «النتائج الإيجابية»: وقف قتال مؤقت يسمح لـ«حزب الله» بإعادة بناء نفسه؛ أو إعادة إنتاج دينامية ما بعد 27 نوفمبر 2024؛ أو خلق شروط هدوء دائم يمكن أن يقود يوماً إلى سلام.

وفي رأيه، لا يمكن اعتبار النتيجتين الأوليين إيجابيتين فعلاً، لأنهما تؤجلان الحرب التالية فقط. فالمشكلة، كما يقول، ليست مجرد ضعف الدولة اللبنانية، بل «انعدام رغبتها» كذلك في الذهاب إلى مواجهة حاسمة مع الحزب، ما دام أن الأخير لا يزال يحتفظ بقوة عسكرية كافية لردع أي محاولة داخلية لنزع سلاحه، ويحظى بدعم واسع داخل بيئته الشيعية يتيح له التلويح الدائم بخطر الحرب الأهلية.

هذا يعني - وفق داوود - أن عقدة التفاوض ليست فقط رفض إسرائيل وقف النار من دون ضمانات، بل أيضاً في امتناع لبنان عن التفاوض من موقع حسم داخلي. وهنا يصبح وقف النار، إذا حصل، أقرب إلى «تجميد للنزاع» منه إلى تسوية.

وهنا يحذّر داوود من أن عاملَي «إعطاء الوقت» و«التوافق الوطني» اللذين يكرّرهما الخطاب اللبناني الرسمي تحوّلا خلال السنوات الماضية «شيفرةً سياسية للّاعمل»، بما يمنح «حزب الله» الوقت والمساحة لاستعادة قوته كلّما ابتعد شبح الحرب المباشرة.

ماذا تستطيع واشنطن فعله؟

من جانب آخر، إذا كانت واشنطن تدرك أن نزع سلاح «حزب الله» بالقوة ليس أمراً مضموناً حتى لإسرائيل، فماذا تستطيع أن تقدم للبنان؟

الجواب، كما توحي القراءة الأميركية، مزيج من ثلاثة مسارات متوازية:

- دعم الجيش اللبناني

- إدارة السقف الإسرائيلي

- وربط إعادة الإعمار والإنقاذ المالي بمسار سيادي لبناني واضح.

الخارجية الأميركية ألمحت بعد اللقاء إلى إمكانات تتصل بالمساعدة في إعادة الإعمار وزيادة التمويل للجيش اللبناني، بينما أكدت تقارير صحافية أن بيروت طلبت دعماً أميركياً لقواتها المسلحة كي تتولى مهمة حساسة وشديدة الخطورة.

هنا يضع شينكر شرطاً أساسياً: لا واشنطن ولا عواصم الخليج سترصد أموالاً كبيرة للبنان ما دام «حزب الله» محتفظاً بسلاحه ومهيمناً على الدولة. وبرأيه، لم يعد ممكناً العودة إلى «الوضع السابق» كخيار واقعي. فلبنان يواجه شللاً اقتصادياً، وتراجعاً حاداً في الإيرادات، واحتياطيات قد لا تكفي إلا لأشهر معدودة لتغطية رواتب القطاع العام، ويقترب الوضع الإنساني من مستوى الأزمة الحادة. وعليه، فأي خطة دعم غربية أو عربية «لن تكون إنقاذاً مجانياً»، بل ستكون بهدف تحويل التفاوض مساراً لاستعادة القرار السيادي واحتكار السلاح، وقد تصبح الجولة، فعلاً، لحظة تأسيسية تخرج البلاد من زمن الوصايات المتعاقبة إلى زمن الدولة.

حتى الآن، لا تزال الحقيقة القاسية هي نفسها: المشكلة ليست في غياب الأفكار، بل في تكلفة تنفيذها داخل نظام يعرف الجميع أعطاله، لكن قلائل فقط مستعدون لدفع ثمن إصلاحه.

حقائق

أبرز محطات المفاوضات التي جرت بين لبنان وإسرائيل

> شهدت المفاوضات بين لبنان وإسرائيل محطات متقطعة، غالباً تحت ضغط الحروب أو الترتيبات الأمنية، لا في سياق سلام شامل، هي:

- اتفاق 17 مايو (أيار) 1983، بعد الاجتياح الإسرائيلي للبنان عام 1982. شكّل هذا الاتفاق أول محاولة لصوغ ترتيبات سياسية وأمنية مباشرة بين الطرفين برعاية أميركية، لكنه سقط سريعاً تحت ضغط الانقسام الداخلي اللبناني والرفض السوري.

-= تفاهم أبريل (نيسان) 1996، الذي جاء بعد عملية «عناقيد الغضب». لم يكن اتفاق سلام، بل كان تفاهماً غير مباشرٍ رعته الولايات المتحدة وفرنسا، هدفه ضبط قواعد الاشتباك، وخصوصاً تحييد المدنيين نسبياً عن القصف المتبادل. وقد مثّل نموذجاً للتفاوض الأمني غير المباشر أكثر من كونه تسوية سياسية.

- حرب يوليو (تموز) 2006، حين أصبح القرار 1701 الإطار الرئيس لأي تفاوض أو ترتيبات لاحقة، انصبّ الجهد على تثبيت وقف الأعمال العدائية، وانتشار الجيش اللبناني جنوب الليطاني بالتعاون مع «يونيفيل»، مع بقاء القضايا الجوهرية، مثل سلاح «حزب الله» والحدود، معلقة.

- مفاوضات ترسيم الحدود البحرية بين 2020 و2022. كانت أبرز اختراق تفاوضي عملي في العقود الأخيرة. وجرت بوساطة أميركية وبشكل غير مباشر في الناقورة، وانتهت إلى اتفاق لترسيم الحدود البحرية أتاح للطرفين المضي في استثمار الموارد البحرية من دون أن يعني ذلك تطبيعاً سياسياً.



بيتر ماجار زعيم المجر الجديد... يميني شاب ذو شخصية أقل صدامية

كثرة من الناخبين خاصة المنتمين إلى اليسار صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار
كثرة من الناخبين خاصة المنتمين إلى اليسار صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار
TT

بيتر ماجار زعيم المجر الجديد... يميني شاب ذو شخصية أقل صدامية

كثرة من الناخبين خاصة المنتمين إلى اليسار صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار
كثرة من الناخبين خاصة المنتمين إلى اليسار صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار

بعد 16 سنة متصلة من الحكم، انتهى عهد رئيس وزراء المجر اليميني المتطرف فيكتور أوربان، الذي تحوّل خلال تلك السنوات إلى صداع مؤرق لكل المؤمنين بفكرة «الوحدة الأوروبية». وجاءت هزيمته على يد بيتر ماجار، السياسي الشاب الآتي من داخل حزبه «فيديز»، قبل أن يتمرّد وينشقّ، ثم يبدأ صعوداً صاروخياً... أوصله إلى قمة السلطة خلال سنتين فقط. لقد شكّل فوز ماجار عامل ارتياح كبيراً للقارة الأوروبية ككل التي احتفلت ربما أكثر من المجر نفسها بهزيمة أوربان. وكان دونالد تاسك، رئيس وزراء بولندا المعتدل، من أوائل مهنئي الزعيم الجديد. وشارك على وسائل الاجتماعي شريط فيديو يظهر اتصاله بماجار لتهنئته، وهو يقول له: «أعتقد أني أكثر سعادة منك!». وكتب قبل ذلك مرحِّباً بـ«عودة المجر إلى أوروبا»، وهذه عبارة كرّرها المسؤولون الأوروبيون في تهانيهم. بل، ذهب المستشار الألماني فريدريش ميرتس أبعد ليعلن فرحه بنهاية «نظام أوربان»، وتفاؤله بأن فوز ماجار أظهر «أنه يمكن هزيمة الأحزاب الشعبوية واليمينية المتطرفة في أوروبا»، وهو يشير ضمناً إلى الوضع في بلاده، حيث يزداد نفوذ حزب «البديل من أجل ألمانيا» اليميني المتطرف.

الأوروبيون ينتظرون الآن فعلاً عودة المجر إلى أحضان بروكسل بعد سنوات من المواجهة مع حكم فيكتور أوربان؛ بسبب قضايا فساد وخطوات معادية للديمقراطية اتخذتها حكومته، وواجهتها بروكسل بعقوبات وتجميد أموال.

ومنذ الحرب في أوكرانيا عام 2022، تفاقمت الخلافات بسبب قرب أوربان من موسكو ومعارضته لدعم كييف، وشلت هذه الخلافات في كثير من الأحيان قدرة بروكسل على دعم الأوكرانيين في تصديهم للقوات الروسية.

من هو ماجار؟

أوجه الشبه بين فيكتور أوربان وبيتر ماجار كثيرة، ومع هذا فإن التناقض لا يخفى.

من أوجه الشبه مثلاً أن الرجلين يمينيان محافظان يحملان أفكاراً معادية للهجرة، فهما انتميا لفترة طويلة لحزب «فيديز» نفسه، وكانا لفترة يتشاركان الكثير من الأفكار. إلا أن التناقض بينهما أكثر وضوحاً: فأوربان الذي يبلغ من العمر 63 سنة، بات يحمل عبئاً ثقيلاً من الحكم الطويل المصحوب بالفساد. أما ماجار ابن الـ45 من العمر، فنشيط ويتمتع بحسّ للموضة جعلت الشبان يقلدونه في ملابسه، فيرتدون القميص الأبيض وسروال الجينز والحذاء الرياضي الأبيض، وهو يتكلّم عن محاربة الفساد من الداخل.

ثم إن انتماء ماجار إلى حزب أوربان لسنوات، حوّله إلى شخص أكثر مصداقية لدى الناخبين عند كلامه عن الفساد. فهو كان يتكلم من موقع «العارف» بما كان يحصل داخل الحزب، وهذا ما أهّله لكسب الكثير من أصوات «فيديز» وتحويلهم لصالح حزبه «تيسا» الذي أسسه عام 2024.

وحقاً استغل ماجار، الذي كان لسنوات شخصية غير مغمورة داخل حزبه، فضيحة تورّطت بها حكومة أوربان ليبدأ صعوده السياسي. ففي أبريل (نيسان) 2023، منحت الرئيسة المجرية عفواً رئاسياً عن شخص متهم بالتستر على فضيحة تحرش جنسي بالأطفال في دار رعاية حكومي. ووقّعت العفو الرئيسة كاتالين نوفاك ووزيرة العدل (آنذاك) جوديت فارغا، التي كانت زوجة ماجار وتطلّقت منه قبل أشهر من الفضيحة.

هذا القصة أثارت استياءً شعبياً كبيراً، خاصة لدى قاعدة أوربان المحافظة التي كانت تؤيده بسبب سياساته المدافعة عن الأسرة التقليدية والأطفال. ودفعت إلى استقالة الرئيسة ووزيرة العدل التي كانت تعد من نجوم الحزب ومن الصاعدين فيه، بخلاف زوجها السابق.

الفضيحة... وتداعياتها

استغل ماجار الفضيحة ليهاجم حزب «فيديز»، وأدلى بمقابلة لقناة معارضة على «يوتيوب»، وجّه فيها انتقادات غير مسبوقة لحزبه، متكلماً عن فساد من الداخل وحاجة للتغيير، ومعلناً انفصاله عن الحزب.

ثم كتب لاحقاً على صفحته على «فيسبوك» - التي تحولت إلى منصة ترويج رئيسة له: «لا أريد أن أكون جزءاً من نظام يختبئ فيه الأشخاص الحقيقيون في السلطة خلف تنانير النساء»، مشيراً إلى استقالة سيدتين (الرئيسة ووزيرة العدل) عوضاً عمن يفترض به أن المسؤول الأول... أي أوربان. وكما سبق، كان ماجار آنذاك قد تطلق من زوجته، وزيرة العدل المستقيلة، ما فتح الباب أمامه لتحقيق طموحه السياسي.

بعد أشهر قليلة، في مارس (آذار) 2024، أعلن ماجار عن تشكيل حزب سياسي جديد، واضعاً في أولويات حملته محاربة الفساد وكشف تورط كامل الحكومة ورئيسها بقضايا فساد. ولقد نجح حقاً بحصد 30 في المائة من الأصوات في الانتخابات الأوروبية، وفي وقت لاحق من العام.

ومن ثم، واصل تركيزه في مكافحة الفساد، ونشر محادثة مسجلة سراً بينه وبين زوجته السابقة جوديت فارغا - حين كانت وزيرة للعدل - تكلّمت فيها عن تورّط أشخاص كبار في قضايا فساد. وعلى الأثر انتقدت فارغا تسريبه الشريط، واتهتمه بأنه كان يعنّفها ويسيء معاملتها إبّان زواجهما.

ومع أن ماجار نفى الاتهامات، مدّعياً أنها ملفّقة وسياسية هدفها وقف تقدّمه، طاردته تلك الاتهامات طوال حملته الانتخابية. واستغلها حزب أوربان لقلب الناخبين ضده، وسلّطت وسائل الإعلام، المقرّبة بمعظمها من أوربان، الضوء على تلك الاتهامات. أيضاً، نشرت فارغا محضراً للشرطة يظهر أن الشرطة استدعيت إلى منزل ماجار لحل خلاف بين الزوجين والتعامل مع اتهاماتها له بتعنيفها. وكذلك ظهرت بعد ذلك قصص أخرى من صديقة سابقة له اتهمته أيضاً بالعنف.

الواقع أن معارف ماجار يقرّون بأنه حاد الطبع وقليل الصبر، إلا أن كثيرين يقولون أيضاً إنه أيضاً سريع الاعتذار بعد الغضب. وبالفعل، على الرغم من الاتهامات حصل ماجار وحزبه على نسبة تأييد كبيرة وفاز بـ137 مقعداً مقابل 55 مقعداً فقط لحزب أوربان، وسط نسبة تصويت مرتفعة بلغت 79 في المائة من المسجلين.

هذا، ويبدو أن كثيرين من الناخبين صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار، خاصة المنتمين لليسار وغير المقتنعين بسياسات ماجار المحافظة. وهو ما يعني أنهم اختاروا التصويت «التكتيكي» لإخراج أوربان من الحكم.

القضايا الداخلية

وفق مراقبين للانتخابات في المجر، فإن حملة ماجار إنما نجحت في جذب الناخبين لتركيزها على القضايا الداخلية، وسط استياء شعبي من استشراء الفساد وتفاقم الغلاء وتدهور الخدمات العامة.

ففي أثناء الحملة الانتخابية، تكلّم ماجار قليلاً عن السياسة الخارجية، وكثيراً عن القضايا الداخلية، بخلاف أوربان الذي ركّز حملته على السياسة الخارجية، محاولاً الاستفادة من الدعم الذي تلقاه من الإدارة الأميركية التي أوفدت نائب الرئيس جي دي فانس ليظهر إلى جانبه في تجمع انتخابي في بودابست.

من جهة ثانية، حاول أوربان تصوير غريمه الشاب كـ«عميل لبروكسل ولكييف»، لكن ماجار لم ينجر إلى السياسة الخارجية، وظل مركّزاً على الرسالة نفسها تحت شعار «التغيير... الآن أو أبداً».

هذا، وبسبب تركيز بيتر ماجار على السياسات الداخلية يمكن القول إن جزءاً كبيراً من سياساته الخارجية ما زال غامضاً. مع هذا، فإن الرجل مؤيد للاتحاد الأوروبي، بعكس أوربان الذي بنى سياساته في السنوات الماضية على المواجهات مع بروكسل، دفعت بالأخيرة لتجميد أموال مرصودة للمساعدات. وبحسب الزعيم الجديد، فإن صرف هذه الأموال أولوية بالنسبة له، وإنه سيعمل على ترميم علاقة المجر بالاتحاد الأوروبي.

أما عن العلاقة مع روسيا التي كانت حليفاً لأوربان، فإن ماجار يتخذ موقفاً فاتراً لكن ليس معادياً كذلك. فقد قال بعد انتخابه إنه لن يتصل بالرئيس الروسي بنفسه أو يكون «أداة لروسيا»، لكنه أيضاً لن يقطع العلاقات مع موسكو. وأضاف أنه إذا اتصل به الرئيس الروسي فسيقول له: «من الجيد وقف القتل بعد 4 سنوات وإنهاء الحرب»، ثم أردف بأن المحادثة «ستكون قصيرة على الأرجح، ولن تنتهي بإنهاء بوتين الحرب بناءً على نصيحتي».

الغاز الروسي

من جانب آخر، كان الاتحاد الأوروبي قد منح المجر إعفاءات للاستمرار باستيراد الغاز الروسي لاعتمادها الكبير عليه، وهذا وسط العقوبات التي فرضتها على استيراده منذ الحرب مع أوكرانيا. ويبدو أن ماجار يريد مواصلة استيراد الغاز الروسي، لكنه قد يعمل على تقليل الاعتماد عليه.

ويُذكر أنه جمّد بالفعل «فيتو» استخدمه أوربان داخل الاتحاد الأوروبي على إعطاء قرض لأوكرانيا بقيمة 90 مليار يورو، بسبب اعتراضه على ما يقول إنه «تلكؤ» كييف بإصلاح خط أنابيب دروجبا الذي يصل الغاز الروسي إلى المجر عبر أوكرانيا. ولكن الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي أعلن قبل أيام أنه سيصار إلى إصلاح الخط بشكل كافٍ؛ كي يستطيع نقل الغاز من جديد. ودفع هذا بماجار إلى دعوة أوربان لرفع الفيتو عن القرض لأوكرانيا قبل مغادرته منصبه رسمياً منتصف مايو (أيار) المقبل، بعد تعهد زيلينسكي بإصلاح الخط.

في أي حال، يعد موقف ماجار من أوكرانيا قريباً بعض الشيء من موقف أوربان الذي عرقل مراراً المساعدات الأوروبية لكييف، ولكن ليس بالحدة نفسها؛ إذ يرفض الزعيم الجديد إرسال مساعدات عسكرية لأوكرانيا، بيد أنه لا يعارض منحها قروضاً من «الاتحاد الأوروبي». ثم إنه يعارض كذلك ضم أوكرانيا لـ«الاتحاد الأوروبي» بصورة سريعة، ويرى أنه لا يجوز ضم دولة إلى «الاتحاد» وهي في حالة حرب، وأن كل الدول يجب أن تعامل بشكل متساوٍ.

الموقف الأوكراني

أوكرانيا في كل الأحوال، التي كانت علاقتها صعبة مع المجر إبان عهد أوربان، تأمل بأن تفتح صحفة جديدة من العلاقة مع القيادة الجديدة في بودابست.

هذه التحديات الخارجية، يضاف إليها تحدّيات داخلية تتمثل بمواجهة الفساد وتفكيك نظام المحسوبية الذي بناه أوبان طوال سنوات حكمه، تعني أن المهمة أمام الفائز الشاب لن تكون سهلة.ولكن اهتمام ماجار وانخراطه بالسياسة منذ فترة طويلة، سيساعدانه في مهمته المقبلة. كيف لا وهو الآتي من عائلة مهتمة بالسياسة، و«راعيه» هو فيريك مادل الذي كان رئيساً للمجر بين عامي 2000 و2005؟ وهو نفسه درس المحاماة قبل انضمامه لحزب «فيديز»، حيث شغل عدة مناصب منها أحدها في وزارة الخارجية عام 2010، ثم في بعثة بلاده لدى الاتحاد الأوروبي في بروكسل.


تغييرات إعلامية مرتقبة بعد نهاية حكم أوربان

اوربان (آ ب)
اوربان (آ ب)
TT

تغييرات إعلامية مرتقبة بعد نهاية حكم أوربان

اوربان (آ ب)
اوربان (آ ب)

يعدّ رئيس وزراء المجر فيكتور أوربان، بعد خسارته المريرة في الانتخابات الأخيرة، لتسليم الحكم إلى غريمه الفائز بيتر ماجار مطلع أو منتصف مايو (أيار) المقبل. حزب أوربان «فيديز» خسر الانتخابات التي أجريت، الأحد الماضي، بعد 16 سنة متصلة من الحكم، أمام ماجار المنشق عن «فيديز»، الذي أسس حزباً له قبل سنتين فقط.

وفق القانون المجري، على البرلمان المنتخب جديداً أن يعقد جلسة لانتخاب رئيس وزراء جديد في فترة أقصاها 12 مايو. ولقد التقى ماجار رئيس البلاد تاماس سوليوك الذي يتوجّب عليه دعوة البرلمان للانعقاد، وطلب منه تسريع العملية الانتقالية. في حين دعا ماجار رئيس البلاد للاستقالة، مع أن ولايته لا تنتهي قبل عام 2029.

الزعيم الجديد الشاب قال إن الرئيس أبلغه بأنه «سيفكر» في مطالبته إياه بالاستقالة بعد انعقاد البرلمان لانتخاب رئيس وزراء جديد.

وواضح أن ماجار يسعى إلى تفكيك البينة التي بناها أوربان طوال سنوات حكمه. وأفاد بالفعل بأنه كرر للرئيس بأنه «في نظري، وفي نظر الشعب فهو لا يستحق تمثيل وحدة الأمة، وهو عاجز عن ضمان احترام القانون... والشعب صوّت لتغيير النظام».

عددياً، يتمتع «تيسا»، حزب ماجار، بثلثي مقاعد البرلمان، ما سيمكّنه من إدخال كل التعديلات الدستورية التي يريدها. وكان الزعيم الجديد قد قال إنه يريد كذلك أن يوقف التغطية الإعلامية لوسائل الإعلام الحكومية فور تولي حكومته منصبها.

أيضاً أدلى ماجار بمقابلة متوترة مع قناة رسمية كانت الأولى له، أعلن فيها عن عزمة إغلاق المحطات الحكومية، التي اتهمها بالعمل لحزب أوربان، ونشر سياسة الخوف والتفرقة بين المواطنين.

أيضاً وصف ماجار المحطات الحكومية بأنها أداة «بروباغاندا»، وقارنها بالقنوات في كوريا الشمالية وفي ألمانيا النازية، مضيفاً: «كل مواطن في المجر يستحق قناة حكومية تبث الحقيقة».

هذا، ولطالما وجهت منظمة «مراسلون بلا حدود» انتقادات متكررة للإعلام المجري، مؤداها أن مناصري أوربان يسيطرون على قرابة 80 في المائة من المشهد الإعلامي هناك، وأن أوربان يستخدم تلك القنوات بوصفها أداة حكومية.

ومن جهته، كتب ماجار على «فيسبوك» قائلاً: «نحن الآن نشهد الأيام الأخيرة لأداة البروباغاندا... بعد تشكيل حكومة (تيسا) سنعلّق العمل بوسائل الإعلام العامة حتى تستعيد طابعها العام».

أيضاً، تعهد بيتر ماجار بالانضمام إلى مكتب المدعي العام الأوروبي، وهذه خطوة تمهد الطريق أمام التدقيق في قضايا فساد إبان عهد أوربان، خاصةً لجهة اتهامات للدائرة المحيطة برئيس الحكومة الخاسر، بإساءة استخدام أموال الاتحاد الأوروبي.

وللعلم، يحقق مكتب المدعي العام الأوروبي، الذي رفضت المجر الانضمام إليه حتى الآن، في الجرائم التي تمسّ ميزانية الاتحاد الأوروبي، بما في ذلك الاحتيال والفساد. ولقد وصف ماجار هذه الخطوة بأنها جزء من حملة واسعة لمكافحة الفساد.