كارلو أنشيلوتي: مدرب قادر على إصلاح أي شيء وتحدي الزمن والنقاد

المدير الفني الهادئ يكتب تاريخاً لنفسه ويجلب «ثقافة الفوز» لريال مدريد مجدداً

لاعبو ريال مدريد في حافلة تجوب شوارع العاصمة الإسبانية احتفالاً بلقب دوري الأبطال (رويترز)
لاعبو ريال مدريد في حافلة تجوب شوارع العاصمة الإسبانية احتفالاً بلقب دوري الأبطال (رويترز)
TT

كارلو أنشيلوتي: مدرب قادر على إصلاح أي شيء وتحدي الزمن والنقاد

لاعبو ريال مدريد في حافلة تجوب شوارع العاصمة الإسبانية احتفالاً بلقب دوري الأبطال (رويترز)
لاعبو ريال مدريد في حافلة تجوب شوارع العاصمة الإسبانية احتفالاً بلقب دوري الأبطال (رويترز)

ربما يكثر استخدام مصطلح «ثقافة الفوز» في كرة القدم الحديثة، لكن ريال مدريد وكارلو أنشيلوتي أثبتا على حساب ليفربول، وجود معنى حقيقي وقيمة لهذا المصطلح. وبفوزه 1 - صفر على فريق المدرب يورغن كلوب أصبح أنشيلوتي أول مدرب يتوج بلقب دوري أبطال أوروبا أربع مرات؛ إذ يأتي لقبه الثاني مع ريال مدريد بعد لقبين مع ميلان. وربما كانت أفضل لحظة لإلقاء نظرة على الطريقة التي يدير بها كارلو أنشيلوتي المباريات الكبيرة هي لحظة إطلاق صافرة النهاية على ملعب «سانتياغو برنابيو»، حيث كان ريال مدريد متقدماً على مانشستر سيتي بهدفين مقابل هدف وحيد لتمتد المباراة لوقت إضافي مدته 30 دقيقة أخرى. وبينما كان جوسيب غوارديولا يجمع لاعبيه في دائرة ضيقة ويوضح لهم بالضبط ما يتعين عليهم القيام به، سار أنشيلوتي بكل هدوء نحو مارسيلو وتوني كروس على مقاعد البدلاء وسألهما عن رأيهما في التغييرات التي يجب أن يجريها خلال الوقت الإضافي؛ لأنه لم يكن متأكداً حقاً مما يجب أن يفعله.
بالطبع، لو خسر ريال مدريد تلك المباراة وتأهل مانشستر سيتي إلى المباراة النهائية لدوري أبطال أوروبا، كان من الممكن بكل سهولة تحويل تلك الحكاية إلى قصة حول كيف خسر أنشيلوتي السلبي السيطرة على المباراة، وكيف نجح غوارديولا في تحقيق الفوز في ذلك اليوم بفضل خطته المحكمة وتعليماته الدقيقة. لقد فعل أنشيلوتي كل شيء وشاهد كل شيء على مستوى الأندية، ومع ذلك فهو غالباً أول من يعترف بأن أول سر في مجال التدريب هو أنك تكون في حاجة إلى القليل من الحظ. لكن النقطة المحورية حقاً في الدور نصف النهائي لدوري أبطال أوروبا هي أن يقرر أنشيلوتي الاستعانة برأي لاعبيه الكبار، في الوقت الذي تتمحور فيه العقيدة السائدة للتدريب الحديث في التحكم: التحكم في الكرة، والتحكم في المواقف، والثبات أمام الضغوط العالية. ومع ذلك، قرر أنشيلوتي في تلك اللحظة أن يتخلى عن السيطرة، وسلم مفاتيح القرار إلى اللاعبين الذين يجب أن يكون هو مسؤولاً عنهم في نهاية المطاف. وقال كروس بعد ذلك «ما حدث يعكس شخصيته تماماً كمدير فني».

                                                                        أنشيلوتي يواصل سطوعه في سماء الكرة الأوروبية (أ.ب)
من الطبيعي أن يعكس ذلك الانطباع السائد عن أنشيلوتي كمدير فني ينتمي إلى مدرسة المديرين الفنيين الهادئين الذين لا يحملون الهموم، والذي يدخن السيجار، ويمكنه إصلاح أي شيء. لكن الحقيقة هي أن هذا الهدوء هو مظهر زائف إلى حد كبير، وشخصية صُنعت بعناية مثل التعبيرات التي يرسمها مديرون فنيون آخرون وهم يقفون بجوار خط التماس في الوقت الحالي. وقال المدير الفني المخضرم مؤخراً عندما طُلب منه الحديث عن تجربته في المباريات النهائية لدوري أبطال أوروبا «بالنسبة لي، أصعب فترة هي الثلاث أو أربع ساعات قبل انطلاق المباراة. إنه توعك جسدي. لقد عانيت من ذلك كثيراً هذا الموسم: زيادة التعرق وتسارع في معدل ضربات القلب. الأفكار السلبية تتسلل إليك، لكن لحسن الحظ أن كل هذا يتوقف بمجرد بدء المباراة».
ومن الواضح أن هناك شيئاً آخر يحدث هنا أيضاً، وربما يمكنكم إلقاء نظرة خاطفة عليه في المباريات الكبرى التي تكون فيها الضغوط مرتفعة للغاية، وهي أن أنشيلوتي لا يعتز فقط بلاعبيه ويضع ذراعه حول كتفهم من أجل تقديم كل الدعم اللازم لهم، لكنه يثق بهم أيضاً، ليس فقط لتنفيذ خطة المباراة ولكن في وضعها وصياغتها من الأساس، وليس فقط لاستيعاب رسائله وقراراته ولكن لنقلها وتحويلها إلى رسائل خاصة بهؤلاء اللاعبين أنفسهم. في الحقيقة، ما يقوم به أنشيلوتي في هذا الصدد هو مجرد شكل مختلف من الشجاعة: شجاعة الإيمان والثقة في نفسه وفي لاعبيه.
هناك قصة يرويها أنشيلوتي من الفترة التي تولى خلالها القيادة الفنية لنادي ميلان، عندما كان يواجه معضلة ممتعة تتمثل في محاولة استيعاب أربعة لاعبين من لاعبي خط وسط من الطراز العالمي - أندريا بيرلو، وكلارنس سيدورف، وكاكا، وروي كوستا – في خط الوسط في الوقت نفسه. وبعد أن تحدث إلى هؤلاء اللاعبين الأربعة، قال لهم أنشيلوتي «يتعين عليكم أن تعملوا على حل هذه المشكلة، وإلا سيكون أحدكم على مقاعد البدلاء في كل مباراة». لذلك؛ وبالتعاون مع أنشيلوتي، تألق هؤلاء اللاعبون الأربعة بشكل مثير للإعجاب، وهو الأمر الذي ساهم بشكل كبير في حصول كاكا على الكرة الذهبية كأفضل لاعب في العالم وحصول ميلان على لقب دوري أبطال أوروبا في عام 2007. ربما لا ينجح هذا النهج إلا في نادٍ تتمتع فيه الموهبة بالاستقلالية مثل نادي ميلان في تلك الفترة، أو ريال مدريد حالياً.
من المؤكد أن أنشيلوتي كان محظوظاً للغاية لأنه تولى القيادة الفنية لمجموعة من كبار اللاعبين الدوليين الذين يعرفون بالفعل أدوارهم ومسؤولياتهم، ويبذلون قصارى جهدهم دون الشعور بالغرور أو الرضا عن الذات. ومن أكثر الأشياء التي فاجأت أنشيلوتي عندما عاد إلى «سانتياغو برنابيو» في ولايته الثانية الصيف الماضي هي أن اللاعبين الذين تولى قيادتهم من قبل في الفترة من عام 2013 وحتى عام 2015 هي عدم تغير شخصية لاعبين مثل كروس ومارسيلو وكاسيميرو ولوكا مودريتش، وعدم تراجع رغبتهم في تحقيق الفوز وبذل قصارى جهدهم من أجل الفريق، وكأنهم ما زالوا في بداية مسيرتهم الكروية.
وعلى المنوال نفسه، هناك شيء رائع حقاً حول الطريقة التي نجح بها أنشيلوتي في تهدئة وتوحيد النادي الذي دفعت سياسته الداخلية والجلبة المثارة حوله خارجياً العديد من كبار المديرين الفنيين في العالم إلى فقدان تركيزهم وانتباههم. ويتعين علينا أن نتذكر الحالة التي كان عليها ريال مدريد عندما تولى أنشيلوتي القيادة الفنية له: مشاكل مالية، وانتقادات عالمية في جميع أنحاء العالم بسبب دوره في مشروع دوري السوبر الأوروبي، وحاجة ماسة إلى إعادة بناء الفريق، بعدما رحل عدد من اللاعبين البارزين، مثل سيرخيو راموس ورافاييل فاران، اللذين رحلا وأخذا معهما 26 عاماً من الخبرة في ريال مدريد.
يعود جزء كبير من الفضل في الحصول على لقبي الدوري الإسباني الممتاز ودوري أبطال أوروبا إلى نجوم الفريق مودريتش وكريم بنزيمة وتيبو كورتوا، الذين قدموا جميعاً مستويات ممتازة. لكن لا يجب أن نغفل الدور الهائل الذي قام به أنشيلوتي من حيث تغيير التشكيلة الأساسية للفريق وإعادة بناء الخط الأمامي حول النجمين البرازيليين فينيسيوس جونيور ورودريغو، الذين ما زالا في الحادية والعشرين من عمرهما ويتطور مستواهما بشكل مثير للإعجاب، ومنح إدير ميليتاو، البالغ من العمر 24 عاماً، دوراً منتظماً في خط الدفاع، وكذلك الاعتماد على فيدي فالفيردي، البالغ من العمر 23 عاماً، في خط الوسط.
في الحقيقة، يعد هذا شيئاً استثنائياً؛ نظراً لأن ريال مدريد عوّدنا دائماً على أنه لا يصبر على اللاعبين الشباب وكان يستغني عنهم على سبيل الإعارة لأندية أخرى حتى يكتسبوا الخبرات المطلوبة، لكن أنشيلوتي فعل عكس ذلك وضخ العديد من الدماء الشابة في صفوف الفريق، بالشكل الذي أعاد له النشاط والحيوية. وفي الوقت نفسه، قام المدير الفني الإيطالي المخضرم وبكل هدوء بإبعاد اللاعبين الأكبر سناً مثل إيسكو وإيدن هازارد ومارسيلو، من دون أن يتسبب ذلك في حدوث أي مشكلة للفريق. هذه هي الأجواء التي ساعد أنشيلوتي في خلقها: أجواء تساعد في التغلب على الضغوط وعدم الاستسلام لها، أجواء لا يدعي فيها أنشيلوتي أنه يملك إجابات لكل شيء، أجواء يقبل فيها ببساطة بحقيقة أننا جميعاً زائلون وأن الحياة أقصر من العداوات التافهة. لقد قال أنشيلوتي في وقت سابق من هذا الموسم «أنا أعمل في مجال كرة القدم منذ عام 1977، وليس لدي الوقت أو الرغبة في القتال».
وبالمثل، لا يهتم أنشيلوتي كثيراً بالإرث الذي صنعه لنفسه، أو بالعديد من النقاد الذين سخروا منه على مر السنين ووصفوه بأنه شخصية باهتة يعمل بطريقة عفا عليها الزمن. والآن، فاز أنشيلوتي بالدوري في خمس دول مختلفة، ويحظى بشعبية كبيرة في جميع أنحاء العالم، كما أصبح أول مدير فني يفوز بلقب دوري أبطال أوروبا أربع مرات، بعدما قاد النادي الملكي للفوز على ليفربول في باريس. فإذا كان هذا هو المدير الفني الذي عفا عليه الزمن، فهناك الكثير من المديرين الفنيين الشباب الذين يتمنون تحقيق جزء صغير للغاية من النجاحات التي حققها!


مقالات ذات صلة

الإسباني كوكوريا يأمل أن تجلب له «بيجامة» زوجته الحظ في المونديال

رياضة عالمية مدافع إسبانيا مارك كوكوريا (رويترز)

الإسباني كوكوريا يأمل أن تجلب له «بيجامة» زوجته الحظ في المونديال

يأمل مدافع إسبانيا مارك كوكوريا أن تجلب له تميمة حظه، وهي سترة ملابس النوم «بيجامة» ارتدتها زوجته خلال مشوار التتويج الأوروبي، المزيد من التوفيق خلال المونديال.

«الشرق الأوسط» (شاتانوغا)
رياضة عالمية إسبانيا تستعد بجدية لمواجهة الرأس الأخضر (رويترز)

«مونديال 2026»: إسبانيا أمام الرأس الأخضر في لقاء بين «الثقة والدهشة»

تصل إسبانيا إلى أتلانتا بثقة أحد أبرز المرشحين للفوز بكأس العالم لكرة القدم، لكنها تواجه منتخب الرأس الأخضر.

«الشرق الأوسط» (أتلانتا)
رياضة عالمية لاعبو إسبانيا يستعينون بسترات خاصة ضد الحرارة (رويترز)

«مونديال 2026»: إسبانيا تعتمد «سترات تبريد خاصة» لمواجهة الحرارة

يرتدي لاعبو المنتخب الإسباني لكرة القدم، سترات خاصة مملوءة بهلام (جيلي) مُجمَّد للمساعدة على تبريد أجسامهم خلال التدريبات في الأجواء الحارة.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
رياضة عالمية احتفالية إسبانية بعد الهدف الثالث في شباك بيرو (رويترز)

«وديّات المونديال»: إسبانيا تهزم بيرو بثلاثية

تغلبت إسبانيا على بيرو 3-1 أمس في آخر مبارياتها الودية قبل انطلاق كأس العالم لكرة القدم، مما أتاح لآلاف المشجعين في بويبلا فرصة مشاهدة أحد المرشحين للفوز باللقب

«الشرق الأوسط» (بويبلا (المكسيك) )
رياضة عالمية ميكيل أويارزابال في تدريبات إسبانيا (رويترز)

أويارزابال: منتخب إسبانيا جاهز للمنافسة على لقب المونديال

يبقى ميكيل أويارزابال أحد أكثر اللاعبين الذين يثق بهم لويس دي لا فوينتي مدرب منتخب إسبانيا بفضل عملهما معاً لما يزيد على 10 أعوام.

«الشرق الأوسط» (شاتانوغا)

صراع «البرنابيو» يتجدد في نيوجيرسي... فينيسيوس ودياز: إخوة الأمس وأعداء الليلة المونديالية

صراع «البرنابيو» يتجدد في نيوجيرسي... فينيسيوس ودياز: إخوة الأمس وأعداء الليلة المونديالية
TT

صراع «البرنابيو» يتجدد في نيوجيرسي... فينيسيوس ودياز: إخوة الأمس وأعداء الليلة المونديالية

صراع «البرنابيو» يتجدد في نيوجيرسي... فينيسيوس ودياز: إخوة الأمس وأعداء الليلة المونديالية

تتجه أنظار عشاق كرة القدم حول العالم اليوم صوب ملعب «ميتلايف» في نيوجيرسي، لمتابعة واحدة من أقوى القمم المبكرة في مونديال 2026، والتي تجمع بين عملاق أميركا الجنوبية منتخب البرازيل والمنتشي بإرثه العالمي المنتخب المغربي لحساب الجولة الأولى للمجموعة الثالثة.

تتجاوز هذه الموقعة صراع النقاط الثلاث التقليدي، لتتحول إلى مسرح لصدام عاطفي وفني فريد، بطلَاه نجما ريال مدريد، البرازيلي فينيسيوس جونيور والمغربي إبراهيم دياز، اللذان يخلعان قميص «الملكي» الأبيض ليرتدي كل منهما لواء وطنه، في حوار تكتيكي يرفعان فيه شعار: «زملاء الأمس... أعداء الليلة».

إبراهيم دياز لاعب منتخب المغرب (أ.ف.ب)

زمالة «مدريد» تحت مجهر الحسم الدولي

على مدار مواسم طويلة في «سانتياغو برنابيو»، تشارك الثنائي فينيسيوس ودياز لحظات المجد المحلى والأوروبي، وصنعا معاً منظومة هجومية أرعبت قارة أوروبا تحت إشراف كارلو أنشيلوتي، إلّا أن حسابات العشب الأخضر في نيوجيرسي تفرض منطقاً مغايراً، فالنجم البرازيلي فينيسيوس، الذي يحمل على عاتقه إثبات جدارته كقائد أول لخط هجوم «السيليساو» في غياب نيمار المصاب، يجد نفسه وجهاً لوجه أمام رفيق دربه دياز، الذي بات القائد الملهم للمشروع المغربي الجديد. هذا التنافس المباشر يضع صداقة الغرف المغلقة جانباً، حيث يسعى كل لاعب لتوظيف نقاط ضعف زميله التي خبرها في التدريبات اليومية لصالح منتخب بلاده.

فينيسيوس جونيور (إ.ب.أ)

فلسفة أنشيلوتي الهجومية تواجه طموح محمد وهبي

تكتيكياً، تبرز المباراة كصراع أفكار فني عميق بين مدرستين، فمنتخب البرازيل يدخل اللقاء تحت قيادة الإيطالي المخضرم كارلو أنشيلوتي، الذي يراهن على توليفة هجومية ضاربة ورسم تكتيكي جريء يعتمد على الأطراف وسرعة فينيسيوس لخلخلة الخطوط. في المقابل، يتسلح «أسود الأطلس» بفلسفة الناخب الوطني الجديد محمد وهبي، الذي نجح في فرض الانضباط والمنظومة الجماعية المتكاملة. ويرتكز مخطط وهبي على منح إبراهيم دياز حرية الحركة الكاملة في صناعة اللعب والربط بين الخطوط، مستغلاً مهاراته الفردية العالية لإيجاد الثغرات في التكتل الدفاعي البرازيلي؛ ما يجعل وسط الميدان ساحة شطرنج حقيقية بين عقل دياز الاستراتيجي وقوة السامبا البدنية.

طموح «لبرازيل أفريقيا» في مواجهة ملوك السامبا

لا تتوقف الإثارة عند حدود الصراع الفردي، بل تمتد إلى الرغبة المغربية الجارفة في تأكيد مكانة الفريق بين نخبة الكبار، والبناء على إنجاز قطر التاريخي. وقد لخص فينيسيوس جونيور نفسه هذا الاحترام الكبير في مؤتمره الصحافي واصفاً المغرب بـ «برازيل أفريقيا» نظراً للقدرات المهارية العالية للاعبيه.

ورغم التاريخ الذي يقف بجانب السامبا بانتصارهم المونديالي الوحيد في نسخة 1998 بثلاثية نظيفة، فإن الذاكرة القريبة تحمل معها فوزاً ودياً تاريخياً للمغرب عام 2023. هذا التكافؤ الحديث يمنح دياز ورفاقه الثقة الكاملة للدخول إلى الملعب ليس فقط بغرض مجاراة البرازيل، بل بهدف خطف صدارة المجموعة مبكراً.


من رأس الحربة التقليدي إلى المهاجم الوهمي... ثورة تكتيكية في صفوف أسود الأطلس

من رأس الحربة التقليدي إلى المهاجم الوهمي... ثورة تكتيكية في صفوف أسود الأطلس
TT

من رأس الحربة التقليدي إلى المهاجم الوهمي... ثورة تكتيكية في صفوف أسود الأطلس

من رأس الحربة التقليدي إلى المهاجم الوهمي... ثورة تكتيكية في صفوف أسود الأطلس

بين الفكر الفرنسي الواقعي الذي صاغ أمجاد وليد الركراكي، والنزعة البلجيكية الهجومية البناءة التي يحمل لواءها محمد وهبي، تعيش كرة القدم المغربية اليوم تحولاً استراتيجياً عميقاً يعيد رسم ملامح هويتها التكتيكية على أعتاب الاستحقاقات المونديالية

.

هذا التباين بين المدرستين ليس مجرد اختلاف في الأسماء أو تبديل في المقاعد الفنية، بل هو صراع فكري بين الفلسفة البراغماتية الصارمة التي تتخذ من التنظيم الدفاعي والارتداد السريع سبيلاً لمنصات التتويج، وبين المدرسة التكوينية الحديثة القائمة على الاستحواذ الإيجابي وصناعة اللعب من الخلف. ومع تولي وهبي قيادة «أسود الأطلس»، يجد المنتخب المغربي نفسه أمام مفترق طرق تكتيكي يتطلب الموازنة بين الحفاظ على صلابة الإرث الدفاعي السابق، والانفتاح على جرأة هجومية تواكب تطلعات الجيل الموهوب الحالي.

وليد الركراكي

مدرب المنتخب المغربي السابق وليد الركراكي (رويترز)

تتجسد جذور هذا الخلاف الفلسفي في البيئة الكروية التي نشأ وتأثر بها كل مدرب، فالركراكي، الذي صُقلت هويته كلاعب ومدرب في الدوري الفرنسي وفي صفوف المنتخب المغربي، يميل بطبعه إلى «الواقعية الكلاسيكية» والكتل الدفاعية المدمجة (Low Block) التي تخنق المساحات أمام الخصوم. هذا الأسلوب أثبت نجاعته الفائقة في مونديال قطر 2022 عبر تعطيل أعتى خطوط الهجوم العالمية.

محمد وهبي

مدرب المنتخب المغربي محمد وهبي (رويترز)

في المقابل، يمثل محمد وهبي امتداداً للمدرسة البلجيكية المعاصرة التي ترعرع في كنفها كأحد أبرز المكونين بنادي أندرلخت، وهي مدرسة تؤمن بالاستحواذ الذكي، والضغط العالي العكسي، والبناء المنظم عبر الخطوط الثلاثة لفرض السيطرة المطلقة على مجريات اللعب.

ويظهر الاختلاف التكتيكي الأكثر إثارة بين الرجلين في كيفية التعامل مع المنظومة الهجومية وموقع المهاجم في الخطة البنيوية، حيث يفضل الركراكي الاعتماد على «رأس الحربة التقليدي» الصريح والمحطة البدنية القوية التي تجيد حجز المدافعين ومطاردة الكرات الطولية لتخفيف الضغط على الخط الخلفي. أما وهبي، وانطلاقاً من تجاربه مع المنتخبات الشابة وتتويجه بمعية المنتخب المغربي بكأس العالم تحت 20 عاماً، فإنه يميل بوضوح إلى تكتيك «المهاجم الشبح» أو (False 9). هذا التكنيك يعتمد على سحب قلب الدفاع إلى مساحات خارج الصندوق، مما يفرغ مساحات شاسعة للقادمين من الخلف من الأجنحة ولاعبي الوسط لضرب العمق الدفاعي فجأة وبكثافة عددية مربكة.

يأتي هذا التحول التكتيكي ليمثل تتويجاً لمسار طويل من التطوير البنيوي الذي تقوده الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم ضمن خارطة الطريق الاستراتيجية البعيدة المدى.

الانتقال إلى فكر وهبي يهدف بالأساس إلى فك شفرة «المحدودية الهجومية» التي عانى منها المنتخب أمام المنافسين المتكتلين دفاعياً، وهي المعضلة التي كشفت عنها بعض المواجهات القارية اللاحقة للإنجاز المونديالي.

خطة تأهيل المنظومة الجديدة لا تسعى لإلغاء المكتسبات الماضية، بل تهدف إلى تطعيم «القلعة الدفاعية» بمرونة تكتيكية هجومية تجعل من الأسود فريقاً قادراً على المبادرة وصناعة الفارق والتحكم في إيقاع المباريات ضد أي منافس عالمي.

ويبقى السؤال الأبرز في الأوساط الرياضية العالمية: هل يحذو وهبي حذو الركراكي في تحقيق طفرة مونديالية سريعة مكللة بالنجاح؟ فالمؤشرات الحالية تؤكد أن الطاقم الفني الجديد يمتلك الأدوات البشرية المثالية لتطبيق هذه الفلسفة الحديثة، في ظل وجود عناصر شابة تمتاز بالفنيات العالية والسرعة الفائقة في التحول. غير أن التحدي الحقيقي يكمن في مدى قدرة اللاعبين على استيعاب وتطبيق مرونة «المهاجم الشبح» والضغط العكسي في فترات زمنية وجيزة قبل الدخول في معترك المنافسات الرسمية الكبرى، ليبقى هذا التحول الفلسفي بمنزلة الرهان الأكبر لصياغة فصْلٍ غير مسبوق في تاريخ الكرة الأفريقية والعربية.


«أسود الأطلس» في مونديال 2026... خريطة الزحف من جحيم «السامبا» إلى حسم «أتلانتا»

نجوم منتخب المغرب رفعوا سقف التحدي في مونديال 2026 (أ.ف.ب)
نجوم منتخب المغرب رفعوا سقف التحدي في مونديال 2026 (أ.ف.ب)
TT

«أسود الأطلس» في مونديال 2026... خريطة الزحف من جحيم «السامبا» إلى حسم «أتلانتا»

نجوم منتخب المغرب رفعوا سقف التحدي في مونديال 2026 (أ.ف.ب)
نجوم منتخب المغرب رفعوا سقف التحدي في مونديال 2026 (أ.ف.ب)

يدخل المنتخب المغربي منافسات كأس العالم 2026 بطموحات عريضة مرتكناً إلى إرثه التاريخي المسجل في الدوحة قبل أربعة أعوام ويسعى «أسود الأطلس»، تحت قيادة المدير الفني محمد وهبي، إلى إثبات أن الإنجاز المونديالي السابق لم يكن وليد الصدفة، بل بداية عهد جديد للكرة الأفريقية والعربية في المحافل العالمية.
وضعت القرعة المونديالية الأسود في المجموعة الثالثة، التي تفرض تحديات متباينة تجمع بين هيبة السامبا البرازيلية، واندفاع الكرة الاسكوتلندية، وطموح منتخب هايتي العائد بعد غياب.

صدام النخبة... اختبار السامبا المبكر في «نيو جيرسي»

 

تتجه أنظار الملايين صوب ملعب نيويورك/ نيو جيرسي (استاد ميتلايف) في الثالث عشر من يونيو (حزيران) 2026. يستهل المنتخب المغربي مشواره بقمة كروية من العيار الثقيل أمام المنتخب البرازيلي، المرشح الدائم وفوق العادة لنيل اللقب. وتنطلق صافرة البداية في تمام الساعة السادسة مساءً بالتوقيت الشرقي لأميركا (الحادية عشرة ليلاً بتوقيت الرباط).

تقنياً، تمثل هذه المواجهة الافتتاحية حجر الأساس لـ«أسود الأطلس»، فالخروج بنتيجة إيجابية أمام رفاق فينيسيوس جونيور سيعزز الثقة ويسهل حسابات التأهل.

من المتوقع أن يعتمد وهبي على التنظيم الدفاعي الصارم والارتداد الهجومي السريع عبر الأطراف، مستغلاً سرعات أشرف حكيمي وتحركات إبراهيم دياز التي أثبتت نجاعتها في الوديات الأخيرة ضد المنتخبات الأوروبية.

 

معركة بوسطن... صراع الأنماط أمام الاندفاع الاسكوتلندي

في الجولة الثانية، يشد المنتخب المغربي الرحال نحو الشمال الشرقي وتحديداً صوب ملعب بوسطن (استاد جيليت) في ماساتشوستس. هناك، يلتقي «أسود الأطلس» المنتخب الاسكوتلندي يوم الجمعة التاسع عشر من يونيو (حزيران) 2026، عند الساعة الحادية عشرة ليلاً بتوقيت الرباط.

تحليلياً، تعد هذه المباراة «مفترق طرق» حقيقي، الكرة الاسكوتلندية تمتاز بالاندفاع البدني العالي والكرات الطولية والكرات الثابتة الخطيرة بقيادة عناصر تلعب في مستويات «البريميرليغ». يكمن المفتاح في فرض أسلوب الاستحواذ الأرضي، وتفعيل دور خط الوسط عبر سفيان أمرابط وعز الدين أوناحي لامتصاص الحماس الاسكوتلندي، وحرمان المنافس من فرض إيقاعه البدني المرهق.

 

ختام المجموعة في أتلانتا... حسم التأهل أمام طموح هايتي

يختتم المنتخب المغربي مبارياته في الدور الأول بمواجهة منتخب هايتي، يوم الأربعاء الرابع والعشرين من يونيو (حزيران) 2026. وتحتضن الأرضية الاصطناعية لـملعب مرسيدس بنز في أتلانتا بجورجيا هذا اللقاء الحاسم. وتنطلق المباراة أيضاً في التوقيت الموحد للأسود وهو الساعة الحادية عشرة ليلاً بتوقيت المغرب. 

رغم أن الحسابات الورقية تصب في مصلحة رفاق أشرف حكيمي، فإن بطولة ممتدة بـ48 منتخباً لا تعترف بالترشيحات المسبقة. الأسلوب المتوقع للمغرب في هذه المواجهة سيكون هجومياً بحتاً، مع الاعتماد على الكثافة العددية في مناطق الخصم والضغط العالي المبكر لتجنب أي مفاجآت قد تعقد حسابات العبور إلى دور الـ32 الإقصائي.