استنطاق نصف قرن من القراءة

استنطاق نصف قرن من القراءة
TT

استنطاق نصف قرن من القراءة

استنطاق نصف قرن من القراءة

لا أظنُّ أنّ أحداً من الكُتّاب يرتاحُ في العادة لاختيار عناوين سائدة لكتبه أو مواده المنشورة؛ لكني ما وجدتُ ضيراً أو مثلبة في اختيار عنوان للتنقيب في «تاريخي الكتابي»، أعرفُ أنه بين أكثر العناوين إغواءً وفتنة. اختار كلّ من هنري ميللر وكولن ويلسون «الكتب في حياتي» عنواناً لكتاب لهما؛ ومع هذا أرى من الواجب أن يكتب كلّ قارئ متمرّس أو كاتب طالت عشرته مع الكتاب عن هذا المعشوق الأبدي الذي يمثلُ ملكية مشاعية لنا جميعاً. هل بعد هذا من يلومُ بورخس في أنه تخيّل الفردوس مكتبة لا نهاية لتخومها؟
ثمة يومٌ للكتاب العالمي اختارته اليونيسكو منذ عام 1995 ليكون في 23 أبريل (نيسان) من كلّ سنة؛ لكن الكتاب كينونة نعيشها كلّ يوم، ولعلّ من أقلّ الواجبات المترتبة علينا أن نشير إلى الكتب المرجعية التي ساهمت في تشكيل تاريخنا الفكري وذائقتنا الفلسفية وحسّنا الإنساني. الأمر أبعدُ من محض تكليف بواجب أو إسقاطٍ لفرض أخلاقي تجاه الكاتب بقدر ما هو تأشيرٌ لمواضع السمو والرفعة في كتبٍ محدّدة وكاتبيها من وجهة نظر من يختار الحديث عن تلك الكتب وأولئك الكّتّاب.

قد يبدو الحديث عن الكتب المرجعية التي علقت في الذاكرة الشخصية أمراً يسيراً؛ ولكنه ليس يسيراً أبداً إذا ما وضعنا في حسباننا محدودية الكتب التي ينبغي لنا الحديث عنها. نحنُ في النهاية لا نحوز ترف الحديث الممتد بلا نهاية عن أعداد غير محدودة من الكتب؛ إذ ما من قارئ في يومنا هذا سيختارُ أمر التوافق مع آرائك والمضي في قراءة ما تقترحه من عناوين لكتب. أنت في النهاية تكتبُ عن كتبٍ محدّدة لتحفز في القارئ غواية قراءة تلك الكتب؛ وبالتالي فإنّ محدودية الخيارات أمرٌ لا مفرّ منه، وبخاصة مع مقالة صحافية. أظنُّ أنّ اختيار عشرة كتب سيكون أمراً معقولاً في نهاية المطاف.
عندما فكّرتُ أي الكتب سأختارُ، كان قراري منذ البدء أن أختار الكتب التي ستقفزُ إلى ذاكرتي قبل سواها، وقد تركتُ لذهني حرية الاختيار من غير أي تدخّل مقصود فيه باستثناء ألا أجعل الخيارات محصورة في لون معرفي واحد.

1. ملحمة غلغامش: أحدُ تقاليدي السنوية التي أحرصُ عليها من سنوات هو أن أعيد قراءة هذه الملحمة الإنسانية التي تسائلُ معضلة الخلود الإنساني وتضعها في ثنائية فلسفية مبهرة: المحدودية المادية في مقابل الخلود الأخلاقي والقيمي. لم تزل ترجمة طه باقر الأولى لهذه الملحمة هي الترجمة القياسية لها؛ لكنّ الدكتور نائل حنون أضاف إليها بترجمته الأحدث إضافات إثرائية عديدة، وأغناها بتعليقات واستطرادات مفيدة. اعتمدتُ هذه الملحمة مرجعاً في مسرحيتي «الليالي السومرية»، لكن بعد أن أعدتُ النظر في الطبيعة الدرامية لشخوص الملحمة.
2. ارتقاء الإنسان The Ascent of Man: هذا كتابٌ ألّفه الكاتب وعالم الرياضيات والفيزياء جاكوب برونوفسكي، وكان في الأصل سلسلة وثائقية بثّتها الـ BBCقبل أن تطبع في كتاب. قرأتُ الكتاب بنسخته الإنجليزية أوّل مرّة بعد استعارته من مكتبة المعهد الثقافي البريطاني في بغداد، ثمّ أعدتُ قراءته بعد أن نُشِر مترجماً ضمن سلسلة «عالم المعرفة» الكويتية. تكمنُ براعة الكتاب في أنّه لا يحكي لك عن التأريخ التطوّري البشري بطريقة زمنية خطية كلاسيكية، وإنما يجعلك تشاهدُ صوراً مرئية طافحة بالحياة والحسية وتناغم الفكر مع العمل، والعقل مع المادة.

3. صيادون في شارع ضيق: هي الرواية الأولى التي كتبها المثقف متعدد الأوجه وأحد أقطاب الانتلجنسيا العربية، الراحل جبرا إبراهيم جبرا بعد أنّ حلّ ببغداد عقب إكمال دراسته الجامعية في جامعة كمبردج البريطانية. لم أزل أعتقدُ أنّ هذه هي أفضلُ رواية كتبها جبرا بالقياس مع كلّ رواياته العديدة التي كتبها لاحقاً. من المؤكّد أنّ جبرا – بما يمتلكه من عقل فلسفي وأدبي وفني مركّب – هو أفضلُ كباحث ومُنظّر منه كروائي؛ لكنّ هذه الرواية تبقى فريدة وعالقة في الذاكرة. كتب جبرا هذه الرواية بإنجليزيته الرفيعة التي جعلت الناقد الأدبي لملحق «التايمز» الأدبي يصف جبرا بأنّه «يتنفّسُ هواءً فكتورياً!». كان عملاً جليلاً عندما أقدم الدكتور محمد عصفور على ترجمة هذه الرواية إلى العربية.
4. فن الرواية: كتابٌ فريد كتبه الكاتب والفيلسوف والروائي الراحل كولن ويلسون. نال ويلسون شهرته الذائعة – التي أعقبها خفوت لاحق – بعد أن نشر كتابه الأوّل «اللامنتمي» عام 1956؛ لكني أعتقدُ أنّ كتابه «فن الرواية» هو عمله الأفخم الذي لا يضاهيه عمل آخر. نشر ويلسون هذا الكتاب بداية سبعينات القرن الماضي، والغريب أنه لم يترجم إلى العربية إلا عام 1986 على يد الدكتور محمد درويش. ليس بوسعي إطراء الكتاب سوى القول إنني كروائية وكاتبة أحرصُ على قراءة ومتابعة ما يكتبُ عن فنّ الرواية، ولم أجد لليوم كتاباً أفضل من كتاب ويلسون هذا. يبدو لي ويلسون في هذا الكتاب متفوّقاً على كلّ من ميلان كونديرا في كتابه «فن الرواية»، وأمبرتو إيكو في كتابه «ست جولات في غابة السرد». يعتمدُ ويلسون مقاربة ذهنية - نفسية مركّبة في قراءاته التحليلية لأنماط مختلفة من الروايات.
5. صورٌ من الذاكرة ومقالات أخرى: أحد كتب السيرة الذاتية التي كتبها الفيلسوف الراحل برتراند رسل منتصف خمسينات القرن الماضي، رسم فيها «بورتريهات» نابضة بالحياة لشخوص عرفهم (جدّه، دي. إج. لورنس، وايتهيد،،،،)، كما أشار فيه إلى بعض الموضوعات الحيوية مثل: كيفية التعايش مع بلوغ الثمانين، أساليب إجرائية في الكتابة الإبداعية،،، إلخ. لا أظنّ أنّ هذه الصور الفريدة التي رسمها رسل ستغادرُ ذاكرة كلّ من قرأها طيلة حياته.
6. فلسفة الفيزياء: كتابٌ صغير كتبه الدكتور الراحل محمد عبد اللطيف مطلب، أستاذ الفيزياء النووية وفلسفة العلم في جامعة بغداد. نُشِر الكتاب أوّل مرّة ضمن سلسلة «الموسوعة الصغيرة» في بغداد عام 1977، ثمّ أعاد الكاتب النظر فيه ونشره بجزأين عام 1985 ضمن السلسلة ذاتها لكنهما بعنوان «الفلسفة والفيزياء». كان الكتاب ريادياً في التعريف بموضوعة الأسس الفلسفية للعلم وبخاصة لنظرية الكم (يسميها المؤلف النظرية الكوانتية).
7. الإنسان في المرآة (علاقة الأنثروبولوجي بالحياة المعاصرة): لم أزل أرى أنّ هذا الكتاب هو الكتاب الأجمل الذي قرأته في حقل المباحث الأنثروبولوجية. ألّف الكتاب الباحث الأنثروبولوجي الأميركي كلايد كلوكهون، وترجمه إلى العربية الدكتور الراحل شاكر مصطفى سليم، المعروف بمبحثه المستفيض عن المعالم الأنثروبولوجية لمنطقة الأهوار العراقية. الكتاب مكتوب بكيفية بعيدة عن التخشّب والصلادة، ويكاد المرء يكتشف هذا الأمر من عناوين فصول الكتاب والتمهيدات الأولية لكلّ فصل.
8. الرياضيات والبحث عن المعرفة: أحد الكتب التي كتبها أستاذ الرياضيات الأميركي موريس كلاين، المتخصص في تعليم الرياضيات والأصول الثقافية للرياضيات. ترجم الكتاب إلى العربية الدكتور صباح داؤود سليم، أستاذ الرياضيات في جامعة البصرة منتصف ثمانينات القرن الماضي. يكتشف القارئ لهذا الكتاب أنّ الرياضيات أبعد ما تكون عن «وصفات الطبخ» الشائعة في النشاطات المدرسية، وأنها سلسلة مترابطة رصينة من الأفكار التي تمثلُ أحد المنجزات الحضارية الرائعة للإنسان.
9. العلمُ بعد مائتي عام: أحد المؤلفات المرجعية في الحقل البحثي المعروف بـ«علم المستقبليات Futurology»، ألّفه المنظّر الاستراتيجي وعالم المستقبليات هيرمان كان وآخرون، وصدر الكتاب مترجماً إلى العربية عن سلسلة «عالم المعرفة» الكويتية عام 1982. مع أنّ هذا الكتاب يبدو متقادماً بعض الشيء؛ لكنّ فرادة الكتاب تكمنُ في منظوره الواسع الذي تجاوز فيه المؤلف حدود الزمان والمكان.
10. الأخلاقيات: سيكون أمراً محموداً أن أنهي قائمتي المختارة للكتب العشرة بكتاب «الأخلاقيات Ethics» للفيلسوف باروخ سبينوزا، الذي يوصفُ بأنه الفيلسوف الذي مهّد لنا عصر النهضة الفكرية والفلسفية. تتأسسُ فكرة هذا الكتاب على قاعدة مفادها أنّ الأخلاقيات لا تستمدّ مرجعيتها من أي نسق خارج عنها؛ بل هي منظومة ميتافيزيقية تكفي نفسها بنفسها وليست في حاجة إلى أي نظام مكافأة؛ وبذلك تكون الأخلاقيات السبينوزية مقاربة لفكرة الكارما الهندية التي يكافئ بمقتضاها الفعل الطيب نفسه بنفسه مثلما يعاقب الفعل السيئ نفسه بنفسه. ساهمت الفيلسوفة البريطانية الراحلة آيريس مردوك في تعزيز هذه المقاربة السبينوزية للأخلاقيات عندما ألّفت كتابها «الميتافيزيقا مرشداً إلى الأخلاقيات»، وسيكون من الأمور المستحبّة أن يقرن المرء قراءة كتاب سبينوزا بكتاب مردوك.



دور نشر فرنسية تفتح أبوابها للكتّاب العرب

حنان الشيخ
حنان الشيخ
TT

دور نشر فرنسية تفتح أبوابها للكتّاب العرب

حنان الشيخ
حنان الشيخ

اتّسعت خريطة دور النشر الفرنسية المهتمة بالأدب العربي اتّساعاً ملحوظاً في السنوات الأخيرة، حتى باتت تضمّ، إلى جانب الدور التاريخية الكبرى، مبادراتٍ تحريريةً مستقلة وشراكاتٍ عابرة للمتوسط. غير أن الأرقام، رغم ارتفاعها النسبي، لا تزال متواضعةً قياساً بحجم الإنتاج الأدبي العربي، فيما تظلّ إشكاليةُ الوساطة الثقافية وفخّ التوقعات الاستشراقية يُلقيان بظلالهما على هذه الصورة البرّاقة في ظاهرها.

لم تعد دار «سندباد» تحتكر نشر الأدب العربي في فرنسا كما كانت في السابق؛ إذ دخلت دور نشر أخرى في منافسة فاعلة لاستقطاب المواهب العربية الجديدة. ففي هذا السياق، استقطبت «غاليمار» أسماءً عربية في سلاسل مختلفة، وفتحت كلٌّ من «غراسيه» و«بايار» و«لو بروي دو موند» و«إليزاد» أبوابها أمام كتّاب عرب ناشئين.

سعيد خطيبي

والحدثُ التأسيسي الأبرز في هذه المرحلة هو انطلاق مجموعة «خمسة» في أكتوبر (تشرين الأول) 2023، وهي شراكة تجمع دار «فيليب ري» الباريسية بدار «بَرزَخ» الجزائرية بقيادة الناشر صفيان حاجج، تختصّ بترجمة الأدب المغاربي المكتوب بالعربية من خمسة بلدان هي: الجزائر وليبيا والمغرب وموريتانيا وتونس. وفي أقلّ من عامين على انطلاقها، كشفت هذه المجموعة عن طاقة اكتشافية حقيقية؛ فقد كان من بين إصداراتها الأولى رواية الكاتبة التونسية أميرة غنيم «الكارثة بيت النبلاء» التي فازت بجائزة الأدب العربي عام 2024. أمّا دار «سندباد»، عرّاب هذا الحقل بلا منازع منذ خمسة عقود، فتواصل مسيرتها تحت إدارة الناشر السوري فاروق مردم بيه، وقد أصدرت حتى اليوم ما يزيد على ثلاثمائة عنوان، تضمّ الرواية والشعر والتراث الكلاسيكي، مستوعبةً أدبَ المشرق والمغرب معاً.

شادي لويس

وفي عام 2022، أطلقت الدار مجموعة «سندباد الصغير» للأدب مزدوج اللغة (عربي - فرنسي) الموجَّه إلى الناشئة، في محاولة جريئة لتجسير الهوّة بين جيلين ولغتين. وفي سياق برنامجها الأخير، أصدرت «سندباد» رواية «عين الطاووس» للبنانية حنان الشيخ بترجمة خالد عثمان، فضلاً عن «تاريخ قصير للخليقة وشرق القاهرة» للمصري شادي لويس، وكلاهما ضمن قائمة جائزة الأدب العربي 2025.

وإذا كان ثمة نصٌّ واحد استطاع في السنوات الأخيرة أن يختبر حدود المشهدين الأدبيين الأوروبي والعربي معاً، فهو رواية الفلسطينية عدانية شبلي «تفصيل ثانوي»، التي نشرتها «سندباد/أكت سود» عام 2020 بترجمة ستيفاني دوجول، فغدت ظاهرةً دولية نادرة في عالم الأدب العربي المُترجَم، وبلغت أصداؤها أرفع الجوائز الأدبية في أوروبا والولايات المتحدة.

عدانية شبلي

وعلى صعيد الأسماء التي شقّت طريقها إلى القارئ الفرنسي عبر هذه الدور، يبرز جيلٌ جديد، فالليبي محمد الناعس، الذي أصدرت له «لو برو دو موند» روايتَي «خبز على طاولة عمي ميلاد» و«نكهة الشاي المرّ»، رُشّح مرتين على التوالي لجائزة الأدب العربي، وباتت أعماله رهاناً تحريرياً ثابتاً لدى ناشره الفرنسي. أما الجزائري سعيد خطيبي فأصدرت له «غاليمار» في سلسلة «سيري نوار» رواية «نهاية الصحراء» بترجمة لطفي نية. ويوظف خطيبي التاريخ السياسي في بنية السّرد البوليسي.

وفي السياق ذاته، اختارت «بايار» نشر آخر أعمال المغربية ريم بطّال «سأنظر في عينيّ»، لتقطع بذلك مسافةً واسعة بين الكتابة النسائية العربية وجمهور فرنسي جديد. وأفرزت مجموعة «خمسة»، بدورها، اسمين تونسيين بارزين: أميرة غنيم بروايتها «الكارثة بيت النبلاء» الفائزة بجائزة الأدب العربي 2024، وأيمن دبوسي برواية «دفاتر الرازي». والحالة الأكثر رمزيةً في هذه الدورة هي حالة الكاتب الفلسطيني ناصر أبو سرور، الذي أمضى اثنين وثلاثين عاماً خلف القضبان في سجون الاحتلال الإسرائيلي، قبل أن يُطلَق سراحه في أكتوبر 2025. وجد أبو سرور طريقه إلى «غاليمار» عبر روايته «حكاية جدار»، الصادرة بالفرنسية تحت عنوان «Je suis ma liberté» (أنا حريتي) بترجمة ستيفاني دوجول، وسرعان ما توّجته لجنة جائزة الأدب العربي لعام 2025 بالجائزة الكبرى بالإجماع، مانحةً إياه اعترافاً طالما حجبه عنه السجنُ وعزلةُ الأسر. ولم يكن هذا التتويج إعلاناً أدبياً فحسب، بل كان فعلاً سياسياً وأخلاقياً في الوقت ذاته.

وتوفّر أرقام السوق سياقاً لا غنى عنه لفهم هذا المشهد؛ فوفق بيانات نقابة الناشرين الفرنسيين (SNE)، بلغ رقم أعمال قطاع النشر في فرنسا 2945 مليون يورو عام 2023، ثم تراجع إلى 2901 مليون يورو عام 2024، مع انخفاض في عدد النسخ المبيعة بنسبة 3.1 في المائة. وتمثّل الكتب المترجمة في الوقت الراهن ما بين 19 و20 في المائة من مجمل الإنتاج النشري الفرنسي، مما يجعل فرنسا من أكثر الأسواق الثقافية الغربية انفتاحاً على الآداب الأجنبية. وبحسب أحدث بيانات «ليفر إيبدو/إلكتر» المتعلقة بعام 2025، بلغ عدد العناوين المترجمة إلى الفرنسية 12892 عنواناً؛ تستأثر العربية منها بنسبة 0.9 في المائة؛ أي ما يناهز مائة وستة عشر عنواناً، مسجّلةً ارتفاعاً بمقدار 0.2 نقطة مئوية قياساً بالعام السابق. وتجدر الإشارة إلى أن العقود المُبرمة على الأدب العربي تشمل في حالات كثيرة الحقوق العالمية لا الحقوق الفرنسية وحدها، مما يفتح آفاق الانتشار لتتجاوز الحدود الأوروبية.

وتُعدّ «جائزة الأدب العربي»، التي انطلقت عام 2013 بتعاون بين مؤسسة جان لوك لاغارديير ومعهد العالم العربي في باريس، مرجعاً أساسياً لقياس حضور الأدب العربي في سوق النشر الفرنسي. وقد تجلّى هذا الحضور في دورة عام 2025 عبر تنوع غير مسبوق شمل ثمانية أعمال لكتّاب من سبع دول عربية أصدرتها دور نشر فرنسية كبرى. كما شهدت هذه الدورة خطوةً لافتة بإنشاء منحة مالية مخصصة للمترجمين، ولم يكن هذا الزخم النشري ليكتمل في غياب جيل جديد من المترجمين ورثوا شعلة أسلافهم وأضافوا إليها. فإلى جانب ستيفاني دوجول الذي يُترجم منذ ثلاثة عقود أعمال حنان الشيخ وعدانية شبلي ومصطفى خليفة، ثمة لطفي نية المتخصص في الأدب الجزائري والمغاربي العامل مع «غاليمار» ومجموعة «خمسة»، وصواد لبّيزة التي ترجمت رواية أميرة غنيم فنالت بذلك جائزة ابن خلدون - سنغور للترجمة عام 2024، وهي جائزة مشتركة تمنحها المنظمةُ الدولية للفرنكفونية والمنظمةُ العربية للتربية والثقافة والعلوم (ألكسو)، وسارة رولفو التي تُترجم النثر الليبي.

بيد أن المشهد لا يخلو من نقاط ظل تستوجب التأمل النقدي؛ فرغم هذا الزخم التراكمي، تظلّ مكانة الأدب العربي في المنظومة النشرية الفرنسية هشّةً في بعض مفاصلها. فعدد الترجمات السنوية يبقى محدوداً قياساً بضخامة الإنتاج الأدبي العربي. وقد أفاد مردم بيه بأن مبيعات نجيب محفوظ (الكاتب العربي الأكثر قراءة في فرنسا) تراجعت من عشرة آلاف نسخة إلى نحو ألف وخمسمائة في غضون عقود، عاكسةً تراجعاً أعمق في انفتاح القارئ الفرنسي على الآداب الأجنبية المترجمة. يُضاف إلى ذلك أن الأسماء العربية المألوفة في هذا المشهد لم تتجدد كثيراً خلال العقود الماضية، مما يُضيّق النافذة أمام التجديد والتنوع الجغرافي والأسلوبي.

ويُلاحَظ كذلك أن الكاتب العربي لا يصل إلى دور النشر الكبرى في الغالب إلا عبر بوابة الجائزة الدولية أو الصدى الإعلامي خارج فرنسا، مما يعني أن الاعتراف لا ينبثق دائماً من قراءة مباشرة، بل كثيراً ما يتغذّى من سلطة الصدى الخارجي. ويظلّ الفخّ الأخطر هو الفخّ الاستشراقي المتجدّد: فالنص العربي الذي يتناول الحرب أو الديكتاتورية أو المرأة المقهورة أو أزمة الهوية يجد طريقه إلى دور النشر الفرنسية أسهل بكثير مما يجده النص المنصرف إلى أسئلة جمالية بحتة أو جدل فلسفي داخلي. وهو ما يعني أن ثمة مِصفاةً خفيّة تصوغ ملامح الأدب العربي المقبول في الفضاء الفرنسي، فتُعيد في نهاية المطاف إنتاجَ توقعات المتلقي عوضاً عن تحريرها.

وفي مواجهة هذه الإشكالية، تبقى باريس رمزاً للتكريس الأدبي بامتياز: فالنشر في فرنسا يمنح الكاتب العربي رأسمال رمزياً يتجاوز حدود اللغة؛ إذ كثيراً ما فتح الانتشار الأوروبي أبواب الترجمة في لغات أخرى، وأمدّ مسيرات مهنية كانت ستظلّ محلية لولا ذلك. غير أن هذه المعادلة تخفي وراءها سُلَّم قيم ضمنياً: يُقيَّم النص العربي في نهاية المطاف بمقدار ما يستهوي القارئ الفرنسي ويلبّي فضوله، أكثر مما يُنصَت فيه إلى ما يقوله عن نفسه وعن قارئه الطبيعي.


ثورة مبكرة في صناعة النشر

ثورة مبكرة في صناعة النشر
TT

ثورة مبكرة في صناعة النشر

ثورة مبكرة في صناعة النشر

في القرن التاسع عشر، تدفقت صوب مصر موجات من الهجرة السورية ضمت رواداً أوائل في مجالات المسرح والفنون والطباعة والنشر، ومنهم أحمد مصطفى البابي الحلبي الذي وُلد في أزقة قرية الباب بريف «حلب» 1816 ثم هاجر إلى القاهرة ليشبع شغفه في مجال الطباعة ونشر الكتب وتتحول مطبعته إلى واحدة من أشهر وجهات التراث العربي في الفترة من عام 1859 حتى 1960.

هذا ما يكشف عنه الباحث أشرف مؤنس في كتابه «مطبعة البابي الحلبي – ودورها في حركة الطباعة والنشر في مصر والعالم العربي»، الصادر عن الهيئة المصرية العامة لقصور الثقافة، مشيراً إلى أن المطبعة استهدفت في البداية خدمة الأزهر الشريف وطلابه من خلال نشر كتب الفقه والتفسير والحديث واللغة مع الحرص على دقة النصوص وجودة الإخراج الفني، لكنها توسعت فيما بعد لتشمل كنوز التراث في الشعر والأدب.

ولا يقتصر تميز مطبعة الحلبي على بعدها الطباعي، بل يمتد إلى إدارتها العائلية المتوارثة وسياستها التجارية الرشيدة التي ضمنت لها الاستمرار والانتشار داخل مصر وخارجها حيث يمثل أحمد مصطفى البابي الحلبي، مؤسس هذه النهضة العائلية، أنموذجاً للرجل العصامي الذي جمع بين الوعي الثقافي وروح الريادة الاقتصادية فأسس تقليداً أسرياً ظل فاعلاً لأكثر من قرن كامل.

انتقل الحلبي إلى مصر في أوائل عقد الخمسينيات من القرن التاسع عشر ضمن موجة الهجرة العلمية والتجارية إلى القاهرة حيث كان لمصر جاذبية اقتصادية وثقافية كبرى، واستقر في حي «الجمالية» قرب الجامع الأزهر، وكان مركزاً للحياة الدينية والفكرية والتجارية.

ومن خلال متابعته الواعية لمجريات الحياة آنذاك سرعان ما أدرك الحلبي مبكراً حاجة طلاب الأزهر والعلماء إلى كتب مطبوعة بدلاً من الاعتماد على المخطوطات القديمة، حبيسة الخزائن، كما تأثر بأفكار رواد النهضة الفكرية المصرية آنذاك؛ مثل رفاعة الطهطاوي (1801-1873) وعلي باشا مبارك (1823-1893) وجمال الدين الأفغاني (1838-1897) ومحمد عبده (1849-1905).

وبفضل خبراته واتصالاته مع العلماء والأدباء، أسّس مطبعته الخاصة التي عُرفت في البداية باسم «المطبعة الميمنية» قبل أن يتغير اسمها لاحقاً إلى «مطبعة الحلبي» لتكون واحدة من أوائل المطابع الأهلية في مصر، واعتمدت أسلوب الطباعة بالحروف العربية، محلية الصنع، ما أضفى طابعاً خاصاً على مطبوعاتها، تميز بصرامة في التدقيق والمراجعة وقلة الأخطاء المطبعية، مع جمال الإخراج الفني.

بعد وفاة المؤسس أحمد الحلبي في عام 1898 عن عمر ناهز 82 عاماً، تولى أبناء إخوته إدارة المطبعة حيث لم ينجب أحمد أبناء من صُلبه؛ ولذا استدعى أبناء إخوته الذكور من بلدته «الباب»، ومنهم مصطفى وعيسى وبكري ليشاركوه في إدارة المطبعة.

تحولت المطبعة من نشاط فردي إلى مؤسسة عائلية لها امتداد تجاري وثقافي، وتوسع الإنتاج ليشمل كتب التراث الإسلامي والمعاجم والمراجع الجامعية، فضلاً عن طباعة رسائل أكاديمية، كما غدت مرجعاً للطلاب والباحثين في العالم العربي واشتهرت بطباعتها المتقنة للكتب التراثية.

شهدت الأربعينيات وبداية الخمسينيات ذروة نشاط المطبعة؛ فقد بلغ حجم الإنتاج السنوي للمطبعة نحو 7.5 مليون نسخة، ونشرت أكثر من 440 كتاباً بين عامي 1900 و1949، ما جعلها رائدة في نشر كتب التراث الإسلامي عالمياً؛ حيث أصبحت من أكبر دور النشر في الشرق الأوسط.

اعتمدت المطبعة نهجاً ريادياً في توظيف التقنيات الطباعية المتقدمة وتطوير الخطوط العربية، مما أضفى على إصداراتها هوية بصرية متفردة عُرفت بـ«طبعة الحلبي»، امتازت بدقة التنفيذ وسلامة المتون. وإلى جانب ثقلها المعرفي، شكلت المطبعة ركيزة اقتصادية مهمة؛ إذ أصبح «حي الحسين» بسببها وجهة عالمية لصناعة النشر، ومقصداً رئيساً للوراقين وطلاب الأزهر والمستشرقين من شتى البقاع.

اللافت أيضاً أن المطبعة مثلت جسراً حضارياً يربط عراقة التراث بمتطلبات الحداثة؛ حيث ساهمت بفاعلية في النهضة الثقافية عبر رفد الجامعات بالمادة العلمية الرصينة. وعلى مدار عقود، ظلت مطبوعاتها المرجع الأوثق للباحثين في العلوم الشرعية واللغوية، ما رسخ مكانتها كحارس للذاكرة العربية.

تصدرت «أمهات الكتب» قائمة منشوراتها، لا سيما في علوم التفسير والقرآن، مثل «تفسير الطبري» و«القرطبي» اللذين ظهرا في طبعات فاخرة ومنقحة. كما أولت عناية فائقة بالسنة النبوية، فأخرجت «فتح الباري» وشروح «صحيح مسلم»، فضلاً عن المراجع الفقهية الكبرى التي غطت أصول المذاهب الأربعة وفروعها بدقة متناهية.

ولم تقتصر رسالتها على العلوم الدينية، بل شملت كنوز الأدب مثل «لسان العرب» و«الأغاني»، ودواوين فحول الشعراء كالمتنبي وشوقي. وفي حقل التاريخ والسير، برزت طبعاتها لكتابي «تاريخ الأمم والملوك» و«البداية والنهاية»، لتكرس بذلك حضوراً لافتاً في المكتبة العربية.


تحديات الأدب الصيني المترجَم للعربية

تحديات الأدب الصيني المترجَم للعربية
TT

تحديات الأدب الصيني المترجَم للعربية

تحديات الأدب الصيني المترجَم للعربية

يستعرض كتاب «الأدب الصيني بالعربية - الترجمة والتلقي والانتشار» للشاعر والكاتب علي عطا، الصادر عن دار «بيت الحكمة» بالقاهرة، أبرز خصائص الأدب الصيني الحديث التي تؤهله للانتشار العالمي، مع التركيز على المعوقات التي تعترض نقله إلى اللغة العربية، عبر اللغة الصينية الأصلية، وليس عبر لغات وسيطة، في وقت يشهد تصاعداً في التواصل بين بكين والعواصم العربية على المستويات الثقافية والاقتصادية والسياسية.

ويندرج الكتاب ضمن حقل «دراسات الترجمة»، التي تعاني من الندرة بالمكتبة العربية؛ إذ يسلط الضوء على مسار ترجمة الإبداع الصيني للغة الضاد، لا سيما الأعمال التي تعد من «الروائع العالمية»، وتحديداً المنتمية لمدرسة «البحث عن الجذور»، التي يعد مو مويان من أهم أقطابها، بهدف التعرف على الروح الصينية الحقيقية، والابتعاد عن الصورة السطحية النمطية التي تختصر حضارة «بلاد التنين الأحمر» في شعب غريب الأطوار يأكل الحشرات، أو مجرد البراعة في الرياضات القتالية، كما في أفلام بروس لي ورياضة «الكاراتيه» التي صدّرتها هوليوود للعالم.

ويرى المؤلف أن الهدف السينمائي هنا يتمثل في تشويه الانطباع حول بلد يرى الغرب مصلحته في تسطيح صورته الذهنية، مع حصد أرباح مادية بالتأكيد، ومن هنا تبرز ضرورة الانفتاح عبر الترجمة على الأدب الصيني المعاصر، للمساهمة في تقويم تلك المفاهيم الضحلة.

ويشدد علي عطا على ضرورة إدراج دراسات الترجمة بمناهج اللغة الصينية في الأكاديميات العربية، مع ملاحظة صدور مؤلفات عديدة حول الأدب الصيني في القرن العشرين مترجمةً للعربية، مقابل غياب تام لترجمات تخص أدب الربع الأول من القرن الحالي. ويسري ذلك النقص على نقد الأعمال الصينية المترجمة، فلا يتوفر كتاب بحثي يحللها نقدياً ضمن سياق الترجمة أو الأدب المقارن، رغم ما تعرِض مقدمات المترجمين لهذا الجانب أحياناً.

ويشيد المؤلف في هذا السياق ببحث قدمته دكتورة دينا بيومي بعنوان «المهمشون في الرواية الصينية والرواية المصرية المعاصرة»، وقد وازنت من خلاله بين رواية «مذكرات بائع الدماء» للصيني يوهوا، ورواية «شكاوى المصري الفصيح» للكاتب المصري يوسف القعيد، والتي خلصت فيها إلى أن النصين يشكلان مادة ثرية لبيان حجم مكابدة هذه الفئات داخل الوسطين: الصيني والمصري؛ إذ برع الأديبان في تجسيد واقع شعوبهما الموجع والمضني في الخمسينات والستينات بالنسبة للجانب الصيني، والسبعينات بالنسبة للجانب المصري.

وترصد دراسات أكاديمية عربية تصاعد الشغف بالنقل عن الصينية للعربية بالأعوام الأخيرة، مع بروز كوادر متخصصة وظهور مؤسسات نشر مهتمة بهذا الحقل، إلا أنه رغم ذلك، لا تزال هناك عقبات تخص ندرة الكوادر المحترفة، وهو ما يبرز الحاجة الشديدة لمزيد من المساندة الجامعية للتعريب من الصينية للعربية، إما عبر تقديم مسارات تدريبية احترافية، وإما عبر مساندة دور النشر والمبادرات الاستقصائية.

في المقابل، يلاحظ باحثون صينيون أنه رغم النجاحات، تواجه الصين والعرب تحديات في الترجمة والنشر؛ منها نمطية الكتب المترجمة وتذبذب جودتها وضعف انتشارها السوقي، فرغم التوجه العربي العام نحو الصين، يظل شغف الشباب العرب بالثقافتين اليابانية والكورية أكبر.

كما يفتقر الشباب الصيني للمعرفة بالمنطقة العربية مقارنة بالثقافة الغربية، ما يعكس قصوراً في النشر بالجانبين. ولتجاوز ذلك، يقترح هؤلاء الباحثون تنويع موضوعات الترجمة، وتكثيف جهود التسويق والتوزيع، مع ضرورة استقطاب القراء من مختلف المجالات للاهتمام بالإبداعات الثقافية المتميزة لتعزيز تأثيرها وجاذبيتها.