المغربي محسن الوكيلي: «أسير البرتغاليين» مغامرة سردية تُسخّر الماضي لفهم الحاضر

غلاف «أسير البرتغاليين»
غلاف «أسير البرتغاليين»
TT

المغربي محسن الوكيلي: «أسير البرتغاليين» مغامرة سردية تُسخّر الماضي لفهم الحاضر

غلاف «أسير البرتغاليين»
غلاف «أسير البرتغاليين»

بوصول روايته «أسير البرتغاليين» إلى القائمة القصيرة لجائزة «بوكر»، يكون الروائي المغربي محسن الوكيلي قد أكد أن الحضور المتواصل للروائيين المغاربة في مشهد التتويج الثقافي العربي ليس وليد الصدفة أو فلتة إبداعية، بل نتيجة لدينامية إيجابية صارت تميز المشهد الإبداعي المغربي، في السنوات الأخيرة.
في هذا الحوار، يتحدث الوكيلي عن «بوكر»، وعن منجزه الإبداعي، قبل التركيز على روايته الأخيرة، حيث سيشدد على أن للتاريخ في السرد جاذبيته التي لا تقاوم؛ وأنه لا يوجد حاضر إلا على ما مضى، كما لا يبنى مستقبل إلا على حاضر، ومن هنا تكون «العودة إلى الماضي حاسمة في فهمنا لما يجري اليوم ولما يمكن أن يحدث مستقبلاً».
وفيما يلي نص الحوار:
> تم اختيار روايتك الأخيرة ضمن القائمة القصيرة لـ«بوكر»... أود أن أسألك عن مشاعرك وأنت تتلقى الخبر؟
- جائزة «بوكر» من الجوائز العربية والعالمية العريقة. لا يمكنني إلا أن أكون سعيداً بوصول رواية «أسير البرتغاليين» إلى القائمة القصيرة في منافستها على اللقب. نعم، أسعدني تلقي الخبر، كان لا بد للصوت أن يذهب أبعد في طريقه إلى جمهور القراء والشغوفين بالأدب عامة والرواية خاصة.
> ما رأيك في وجهات النظر والآراء التي تظهر بين الحين والآخر لتنتقص أو تنتقد الخلفيات التي تحكم الجوائز، عربيا وعبر العالم؟ وإلى أي حد يمكن لجوائز الرواية أن تؤثر بشكل إيجابي في تأكيد حضور وتطور الرواية العربية؟
- لا يوجد إجماع مطلق حول أي نشاط أو تظاهرة إنسانية. من الطبيعي جداً، لا سيما في وجود متوجين وخارجين من المنافسة، أن ترتفع أصوات منتقدة. الأمر ليس جديداً في ثقافة الجوائز العالمية، جائزة «نوبل» أكبر دليل على هذا. في الوقت نفسه يصعب على أي أحد أن ينفي الدور الذي تلعبه الجوائز بشكل عام في تكريس الرواية العربية وتطوريها. لقد بات جمهور القراء في عموم الدول العربية يتطلع إلى جائزة «بوكر». الكتب التي تنافس على الجائزة تحقق انتشاراً واسعاً وتجلب أيضا مبدعين جدداً. هذا أمر مهم للغاية وأراه ضرورياً لتكريس الرواية في مجتمعاتنا.
> هل يمكن أن تلخص لنا «أسير البرتغاليين» في بضع كلمات؟
- هي مغامرة سردية تُسخر الأدب والتاريخ لأجل فهم أدق للحاضر.

محسن الوكيلي

> تتعدد شخصيات الرواية، لنكون، مثلا، مع الأسير وهو يلعب مع سجانه «لعبة يقايض فيها السجان الأيام بالحكايات». كأنها حكاية شهرزاد من زمن آخر، بمضامين مختلفة يجمعها مبدأ المقايضة بالحكي؟
- حكاية شهرزاد مستمرة، لا تعترف بزمان أو مكان، فمبدأ المقايضة موجود في ثقافة جنس بني البشر، قد يكون عادلاً وقد يكون ظالما مثل ما في «أسير البرتغاليين». المقايضة بالحكم أقسى صور المقايضة لأنه يمتد ليطال كل شيء في حياة الفرد والجماعة.
> هذا خامس عمل سردي تنجزه في ظرف عشر سنوات... ألا يحتاج المبدع إلى بعض الوقت لإنجاز عمل روائي؟
- أستحضر، هنا، ما كتبه أمبرطو إيكو في «اعترافات روائي ناشئ» عن «جزيرة اليوم السابق» و«بندول فوكو» و«اسم الوردة»، وحديث أوهان باموك في كتابه «الروائي الساذج والروائي الحساس» عن تجربته مع كتابة الرواية، مشيراً إلى «متحف البراءة»، التي قال عنها إنها أخذت منه «عشر سنوات من التخطيط وأربع سنوات من الكتابة».

عشر سنوات أصدرت فيها خمس روايات وأعمالا أدبية أخرى، في القصة والمسرح. أؤمن بأن الزمن ليس محددا في جودة النصوص، هناك أعمال روائية عالمية استغرقت كتابتها بضعة شهور. الأمر يرتبط بالمبدع نفسه وقدراته الإبداعية ومدى تكريسه للوقت المخصص للكتابة. أسوق هنا مثالا بيّنا: «رواية مائة عام من العزلة» للكبير غابرييل غارسيا ماركيز.
> إلى أي حد ساعدك مسارك الجامعي كحاصل على الإجازة في التاريخ والحضارة في كتابة «رواية تاريخية»؟
- الرواية آسرة بما توفره من إمكانيات التعبير. إنها أكثر الأجناس انفتاحاً على غيرها. يمكنك أن توظف الشعر والقصة القصيرة وتقنيات الإخراج السينمائي والمسرحي بكل يسر وهو ما يتأتى في غيرها. مع ذلك أنا أعشق القصة القصيرة وأداوم على كتابتها بشكل مستمر، كما أكتب النص المسرحي بشغف. بيد أن الرواية تأخذني أكثر من غيرها. هذا أمر صحيح تماماً. أحببت الأدب، ومعه التاريخ والفلسفة. أؤمن بأن الفلسفة والتاريخ ركيزتان لكل عمل سردي متميز. درست التاريخ في الجامعة. كانت دراسة رافد مهم، لكن اهتمامي بقراءة المؤلفات التاريخية استمر. صادفت في هذا الإبحار الحر كتبا ملهمة وعبقرية. أعمال ستبقى معي إلى نهاية الدرب.
> أنت من الوجوه الروائية المغربية الشابة التي برزت عربياً، في السنوات الأخيرة. ما سر هذا الحضور، وكيف هي علاقتك بالأجيال السابقة، التي تكرست مغربياً وعربياً؟
- أعتقد أن الإبداع بكل صنوفه وعاء لرسائل إنسانية، إسهام في بناء عالم أكثر انفتاحا وتسامحا وجمالا. من هنا أعمل بجد، وبشكل يومي. الحضور هو تجل للصبر والثبات والمثابرة والإيمان بالإنسان. تربطني علاقات جميلة مع كتاب من مختلف الأجيال، بعضهم رحل، لكن أعمالهم لا تزال حاضرة معنا وبيننا، محمد شكري ومحمد زفزاف وعبد الكريم غلاب وغيرهم كانوا ملهمين بالنسبة لي. آخرون ما زالوا بيننا أشبه بفوانيس. أحترمهم جميعا، أحافظ على علاقات طيبة معهم دون استثناء لأنهم يستحقون منا كل الاحترام. دونهم ما كنا لنكون.
> من هو الروائي المغربي أو العربي الذي تجد نفسك قريباً منه؟
- روائيون كثر تعلقت بهم، مغاربة وعرب. أحببت الطاهر بن جلون ومحمد زفزاف. يبقى محمد شكري الأقرب إليّ. إنه أحد الكتاب الذين انطلقوا من الصفر وحققوا ما لم يحققه غيرهم في المغرب.
> لماذا برأيك هذا الارتفاع الملحوظ في منسوب الروايات التي تبني أحداثها انطلاقا من الماضي؟
- شخصياً أكتب أكثر الروايات التي تعنى بالحاضر كما هو الشأن مع رواية «رياح آب» و«شظايا» و«في كراهية الحدود». الروايات التي تنحاز للتاريخ ليست الأكثر انتشاراً. لننظر إلى القائمة الطويلة لـ«بوكر» وسنكتشف أن معظم ما كتب كان خارج نطاق التاريخ والذاكرة. مع ذلك فللتاريخ في السرد جاذبيته التي لا تقاوم. مرد هذا في نظري أننا في حاجة دائمة للعودة للماضي حتى نفهم حاضرنا. لا يوجد حاضر إلا على ما مضى، كما لا يبنى مستقبل إلا على حاضر. من هنا تكون العودة إلى الماضي حاسمة في فهمنا لما يجري اليوم ولما يمكن أن يحدث مستقبلاً. الرواية باعتبارها الجنس الأدبي الأكثر انتشاراً معنية بتكريس الوعي وبناء عالم أفضل. ولعلها الأجدر والأكفأ للخوض في هذه العلاقة الشائكة من جهة والممتعة من جهة أخرى.
> يتحدث بعض الروائيين عن المصادر التي اعتمدوها في بناء عوالمهم السردية ذات الخلفية التاريخية. لا بد أن هناك مراجع اعتمدتها بالنسبة لـ«أسير البرتغاليين»؟
- لا يمكن للروائي أن يكتب نص سردياً بطابع تاريخي دون أن يرجع إلى مراجع تاريخية. لا بد لنا، فضلا عن معرفة الأحداث والوقائع، أن نعرف نمط السلوك والذهنية السائدة للإنسان آنذاك. للأسف معظم المراجع التاريخية تكتفي بسرد سيرة الحكام والوقائع الكبرى على حساب حياة الشعوب، لكن بعضها يفتح أبوابا نطل عبرها على ماضينا، سأكتفي بذكر مرجع أثار اهتمامي أكثر من غيره. إنه كتاب «الدولة السعدية التكمدارتية» لمؤلف مجهول.
> بمناسبة صدور روايتك الأخيرة، هل سبق لك أن زرت البرتغال؟
- كلا، لم أزر البرتغال إلى حد اليوم، لكن آثارهم الباقية في أرضنا كانت كافية، ولعلها الأهم، بالنسبة للرواية، فمعظم الأحداث جرت على أرض مغربية في مدن وحصون كان البعض منها برتغاليا.
> ربما تستحق «أسير البرتغاليين» أن تترجم إلى البرتغالية ليستعيد بها البرتغاليون جانباً من علاقتهم مع المغرب، في قرون سابقة؟
- يحتاج الأدب للترجمة لكي يحقق غاياته القصوى في ملاقاة ثقافات جديدة. «أسير البرتغاليين»، بتطرقها لزمن سجل احتكاكاً كبيراً بين ثقافة المغرب بأبعادها المختلفة وثقافة البرتغال بأبعادها المتنوعة تكون في حاجة للترجمة إلى أكثر من لغة، على رأسها البرتغالية. سيكون جميلا أن يقرأ البرتغاليون عن ماضيهم المحفور في أرضنا.
> تَكتب الرواية والقصة. أيهما الأقرب إلى نفَسك... هل أنت قاص أكثر أم روائي أكثر أم هما معا؟
- نعم، أكتب في أجناس أدبية مختلفة، كما ذكرتُ سابقا، أعشق القصة والرواية على السواء. أجد نفسي أكثر في الرواية، ذلك أنني أكتب أحيانا القصة داخل الرواية. الرواية منفتحة أكثر، لا تعترف بحدود، لعل هذا ما يجعل منها الشكل الأدبي الأقرب إليّ. لكنني في الأخير قاص وروائي بالدرجة نفسها.
> رواية تمنيتَ لو أنك أنت من كتبها؟
-«مائة عام من العزلة» لغابرييل غارسيا ماركيز.



وود: الحكم الإسلامي في مناطق الرومان كان فترة تطور ثقافي

فيليب وود
فيليب وود
TT

وود: الحكم الإسلامي في مناطق الرومان كان فترة تطور ثقافي

فيليب وود
فيليب وود

قد يفاجأ من يلتقي بالباحث في الكتابات التاريخية، فيليب وود، بصغر سنه، خصوصاً إذا كان اطّلع على قائمة ما أنجزه من كتب، وأوراق بحثية، وقيادته لعدد من مشاريع البحث الأكاديمي، وما أثارت أفكاره من نقاشات في العديد من الجامعات البارزة في العالم الأنجلوساكسوني بالدرجة الأولى، وانعكست عبر الكثير من المجلات الأكاديمية المتخصصة في التاريخ الروماني-البيزنطي.

لقد صدر كتابه الأول القائم على أطروحة الدكتوراه عام 2010 عن دار نشر جامعة أكسفورد، أي إن البروفسور وود كان في سن السابعة والعشرين، ولا بد أن صدوره تطلب انتظاراً لعامين على الأقل، أي إنه كان قد حاز درجة الدكتوراه وهو ربما في سن الخامسة والعشرين.

استعار وود جزءاً من عنوان كتابه من شعار رفعه سكان مدينة الرُّها (أورفا التركية حالياً) خلال الحصار الذي فرضه الشاه الساساني قُباذ الأول حول أسوارها عام 503 ميلادية مطالباً بفتح أبوابها، وفيه عبروا عن معارضتهم للملوك الأغراب، سواء كانوا ببيزنطيين، أو ساسانيين: «لا ملك عندنا غير المسيح».

كتب المؤرخ الكندي جفري غريتريكس من جامعة أوتاوا الأميركية في دورية «بي إم سي آر» في عددها الصادر يوم 31 مايو (أيار) 2011 مراجعة للكتاب جاء فيها: «يُعدّ كتاب فيليب وود عملاً أولاً لافتاً للنظر، ويختلف كثيراً عن معظم الأعمال المقتبسة من رسائل الدكتوراه. فالكتاب واسع الأفق، ومقتصد في استخدام الهوامش، ومحفّز فكرياً في الصورة التي يرسمها للمشرق الروماني في القرنين الخامس والسادس الميلاديين».

ورأى آدم شور المؤرخ المتخصص بأواخر العصر القديم Antiquity والأستاذ في جامعة ساوث كارولاينا الأميركية في مراجعة أخرى أن أهمية الكتاب «تكمن في أنه لا يدرس اللاهوت وحده، بل يدرس تشكل هوية سياسية وثقافية سريانية مستقلة داخل عالم تهيمن عليه الإمبراطورية الرومانية المسيحية».

يركّز الكتاب على الكيفية التي بدأت بها الجماعات المسيحية السريانية في سوريا الكبرى وبلاد ما بين النهرين في تطوير هوية دينية-سياسية خاصة بها داخل الإمبراطورية البيزنطية، وهذا التطور الفكري والثقافي ساهم لاحقاً في تهيئة بعض الجماعات المسيحية الشرقية للتكيّف مع الحكم العربي الإسلامي بعد الفتح، لأن ولاءها الديني والثقافي لم يكن مرتبطاً بالكامل بالإمبراطورية البيزنطية.

فخلال المرحلة الأولى من نشوء الدولة الأموية استمر السِّريان في إدارة الدواوين، وخصوصاً في الشام، وكانت الإغريقية والسريانية مستخدمتين في بعض الدواوين قبل تعريبها في عهد عبد الملك بن مروان.

أما خلال عهد العباسيين، فقد بلغ دور السريان ذروته الثقافية والعلمية، خاصة في بغداد، حيث كانوا العمود الفقري لحركة الترجمة الكبرى في بيت الحكمة، إذ ترجموا هناك الكثير من كتب الفلسفة اليونانية، والطب، والرياضيات، والمنطق، وعلوم الطبيعة. وغالباً ما كانت الترجمة تمر من اليونانية إلى اللغة الآرامية (السريانية)، ثم إلى العربية.

كان حُنين بن إسحاق من أعظم المترجمين في التاريخ الإسلامي، فهو من ترجم جالينوس، وأبقراط، وأرسطو. وهناك ثابت بن قرة الذي هو من أسرة سريانية-صابئية في حران، وأسهم في الرياضيات، والفلك، وفي بغداد كان يوحنا بن ماسويه من أشهر أطبائها.

سنوات التأهيل

كان السؤال الذي دار في بالي عند لقائي بأستاذ الديانات المقارنة والباحث في الكتابات التاريخية فيليب وود هو التالي: كيف جاء اهتمامك بتاريخ الآراميين السريان في العراق وسوريا؟

وكانت المفاجأة أن ذلك الولع جاء بفضل سفرة بحرية قام بها وهو في سن الحادية عشرة من خلال المدرسة الابتدائية التي كان يتلقى تعليمه فيها. «يعود اهتمامي هذا أولاً إلى وقوعي في حب سوريا. حين كنت طالباً في المدرسة ذهبت إلى شرق المتوسط لوحدي من دون والديّ. وتلك الرحلة كانت مهمة. تأثير السفر برؤية العالم لا من خلال عيون الوالدين. والداي التقيا أولاً في ماليزيا، وكنا هناك، أنا رافقتهما في السفر إلى إندونيسيا، والصين، وماليزيا، وتايلاند. كنت دائماً معهما. لكن تلك الرحلة في الباخرة كانت المرة الأولى لي في مكان آخر، لذلك فأنا ذهبت من دون أي مساعدة إلى فلسطين، ومصر، وكريت، وقبرص لوحدي، في رحلة بحرية. وأظن أنه كان مهمّاً أن أرى هذه الأماكن من البحر للمرة الأولى بدلاً من الوصول إليها إلى مطاراتها بالطائرة».

ثم خلال المرحلة الأولى الجامعية درس وود تاريخ الحروب الصليبية على يد أستاذ اسمه جوناثان رايلي سميث. «كان إنساناً إنجليزياً تقليدياً، وقد تنقل خلال رحلاته داخل سوريا في كل مناطقها، وأراني كل الصور التي التقطها هناك».

وفي عام 2002 حين لم يبلغ بعد سن العشرين لم يكتفِ وود بزيارة سوريا فقط. وقد حاول آنذاك إقناع بعض الأصدقاء لمرافقته، ولكن لا أحد رغب في ذلك.

«في عطلة عيد الميلاد، اشتريتُ تذكرة إلى دمشق، وفي بداية عام 2003 ذهبت إلى دمشق، وحلب، وتدمر، ومن هناك تنقلت بين المدن الأخرى عن طريق إيقاف السيارات العابرة. قضيت وقتاً رائعاً، وكان شعوري في دمشق أن المدينة حافظت على تركيبها كمدينة رومانية».

«كيف ذلك؟» أسأله محفزاً. «أظن أنه هناك كثيراً من كتابات المستشرقين التي أكدت أن دمشق كانت المدينة الرومانية المثالية، ولكنها تحت الحكم الإسلامي شُوِّهت، وفقدت طابعها، ولكنني لم أشعر بذلك أبداً، بل كنت أشعر دائماً أن المدينة الإسلامية هي تطوُّر للمدينة الرومانية. وهذا ما جعلني مقتنعاً بأن ذلك ينطبق على الكثير من المناطق المدينية في سوريا، وأناضوليا. بل وأرى أن بقاء النمط المعماري الروماني أكثر في تلك المناطق مما هو قائم في الغرب. وهذا ينطبق على لبنان أيضاً، إذ تجد أن هناك استمرارية في نمط العمارة الذي تشاهده في الإمبراطورية الرومانية، وهذا أكثر بكثير مما نجده في الغرب».

هذا الجانب كان أحد المواضيع التي شغلت د.فيليب، آنذاك وقد توصل إلى قناعة أن سيادة المجتمع الإسلامي في المناطق التي كانت تحت حكم الرومان لفترات طويلة لم تكن عنصر تحلل وتفكك في مجال العمارة، بل فترة تطور وتكيف لما كان موجوداً سابقاً، سواء كان ثقافياً، أو بما يخص الأنظمة المدنية.

«ثم درستُ التاريخ في جامعة كمبردج، حيث حصلت على شهادة البكالوريوس فيه. وهذا تضمن دراسة مواضيع أخرى مثل تاريخ الفكر السياسي، والتاريخ الاستعماري. وأنا قمت بالعديد من البحوث المتعلقة بالأثنوغرافيا الاستعمارية. (الأثنوغرافيا هي دراسة الحياة اليومية للمجتمعات ضمن سياقاتهم الثقافية)».

إضافة إلى ذلك درس وود خلال المرحلة الجامعية الأولى عالم روما في مرحلته الأخيرة، وكتب أطروحته عن المانوية. وهذا ما جعل كل من كان يعرفه يعتبر اختياره جنونياً. يعلق وود ضاحكاً: «وربما كانوا على حق!».

بدء مرحلة التخصص

يشكل التاريخ الروماني البيزنطي حقلاً أساسياً في العديد من الجامعات العريقة مثل كمبردج، وهذا يعود إلى كون الإمبراطورية الرومانية الغربية انهارت في القرن الخامس الميلادي في حين أن قسمها الشرقي الذي عاصمته القسطنطينة (إسطنبول لاحقاً) ظل قائماً حتى سقوط هذه المدينة بيد العثمانيين عام 1453، رغم فقدانها آنذاك كل أراضي الشرق الأوسط قبل قرون عديدة.

«اخترتُ حقل الدراسات البيزنطية للماجستير، ومع هذا الاختيار بدأتُ في تعلم الإغريقية (اليونانية) والسريانية، ومن هنا بدأت رحلتي مع اللغات».

بلغ دور السريان ذروته الثقافية والعلمية خلال عهد العباسيين خاصة في بغداد حيث كانوا العمود الفقري لحركة الترجمة الكبرى

ولا بد أن وود كان محظوظاً أن يدرس على يد أستاذ حريص على اتباع أسلوب قديم في التدريس يدعى جيمس هوارد جونسون، ومعه درس موضوع الإمبراطورية البيزنطية، وكان هذا الأستاذ مهتماً بالجيوش، وبنى الدولة، وهذا ما قاده إلى الأدب الآرامي (بلهجته السريانية). «وتحت تأثير تلك الفترة من دراستي للماجستير، اتخذتُ قراراً أن تكون الدكتوراه في خريف التاريخ الروماني مع البروفسورة أفيرِل كاميرون التي كانت من بين الأوائل التي طبقت كتابات ميشيل فوكو على أواخر العصر الكلاسيكي القديم».

وكانت د.كاميرون قد ألفت كتاباً ترك أثراً كبيراً على طالب الدكتوراه فيليب عنوانه: «المسيحية والخطاب الإمبراطوري». وكانت مهتمة باستكشاف كيف أن التوحيد (الإيمان بإله واحد) تفاعَلَ مع الثقافات الحضرية في الشرق الأوسط، وهذا ما حدد، كما رأت، ملامح أواخر العصر القديم، «وعلى ضوء ذلك نستطيع أن نرى نوعاً من الاستمرارية ابتداء من الإمبراطور قسطنطين... وهذه هي المنطقة التي تجذبني... هذه الوحدة... لديك إمبراطورية عالمية، وثقافة حضرية وتوحيد... وضمن هذا السياق لم يكن قدوم الإسلام مخالفاً لما هو قائم... إنه كان حركة جديدة ضمن السيمفونية نفسها. فهو لم يكن اقتحاماً، بل قطعة موسيقية متواصلة».

كتب فيليب أطروحته مع أستاذته أفيرِل كاميرون، وأكملها في عام 2007 «أتذكر أن مخطط أطروحة الدكتوراه حضرني وأنا هناك، كنت جالساً في سوق النحاسين بمدينة أورفة (الرُّها سابقاً) وأنا أستمع إلى أصوات المطارق المعدنية المتواصلة حولي. وعلى ورقة كبيرة خططت الكتاب كاملاً».

وكان هذا الكتاب عن المسيحيين السريان في سوريا الكبرى قبيل الفتح العربي-الإسلامي.

يقول وود موضحاً: «كان مهيَّأ لي إلى حد ما كتابة تاريخ برؤية حديثة، لذلك حاولت تطبيق الأسئلة نفسها التي يستخدمها المؤرخون الذين يتناولون العصر الحديث حول الاعتزاز بالهوية الوطنية والدولة، لكن طرح هذه الأسئلة على الإمبراطورية الرومانية. لذلك فنحن لدينا عالم خالٍ من أية نزعة انفصال قومية، ولكن مع ذلك ما زال لدينا عالم يعبّر الناس فيه بوضوح عن كل أنواع الاستقلال الثقافي».


المرجعية الجغرافية والتاريخية للأدب الخليجي

جانب من لقاء ثقافي في الرياض
جانب من لقاء ثقافي في الرياض
TT

المرجعية الجغرافية والتاريخية للأدب الخليجي

جانب من لقاء ثقافي في الرياض
جانب من لقاء ثقافي في الرياض

يُعد الأدب أحد أهم العوامل الثقافية التي تحفظ ذاكرة المجتمعات وتوثق تحولات الإنسان في المكان والزمان، ولذلك ارتبطت دراسة الآداب العالمية والعربية بمفهوم المرجعية الجغرافية والتاريخية بوصفهما عنصرين أساسيين في فهم النصوص الأدبية وتأويلها. فالنص الأدبي لا يُنتج في فراغ، بل يتشكل داخل بيئة جغرافية محددة وسياق تاريخي معين ينعكسان على لغته وصوره ورموزه وقضاياه. ومن هذا المنطلق تبرز أهمية تدريس الأدب الخليجي في الجامعات الخليجية، باعتباره تعبيراً عن تجربة ثقافية وحضارية نشأت في فضاء جغرافي وتاريخي خاص، وأسهمت في إثراء المشهد الأدبي العربي المعاصر.

تمثل الجغرافيا الخليجية العربية أحد أهم مكونات الهوية الأدبية في المنطقة؛ فالبحر والصحراء والموانئ القديمة وطرق التجارة والغوص على اللؤلؤ ليست مجرد عناصر مكانية، بل تحولت إلى رموز ثقافية شكّلت الوعي الجمعي لسكان الخليج العربي، وانعكست بصورة واضحة في الشعر، والرواية، والقصة القصيرة، والمسرح. ومن خلال دراسة الأدب الخليجي العربي يتعرف الطالب إلى العلاقة بين المكان والإبداع، ويدرك كيف أسهمت البيئة المحلية في تشكيل الرؤية الأدبية والإنسانية للكاتب الخليجي.

أما المرجعية التاريخية فتتمثل في قدرة الأدب الخليجي على توثيق التحولات التي شهدتها المنطقة عبر مراحلها المختلفة؛ من الحياة التقليدية قبل النفط، إلى التحولات الاقتصادية والاجتماعية التي رافقت بناء الدولة الحديثة، وصولاً إلى التحديات الثقافية المرتبطة بالعولمة والتحول الرقمي. وبهذا المعنى يصبح الأدب مصدراً معرفياً يوازي الوثيقة التاريخية؛ لأنه يرصد تفاصيل الحياة اليومية ومشاعر الأفراد وتصوراتهم تجاه الأحداث والتحولات الكبرى.

وتشير مراجعة أولية لعدد من الخطط الدراسية المعلنة في الجامعات الخليجية، والمتاحة عبر الأدلة الأكاديمية الإلكترونية (Course Catalogs)، إلى أن الأدب الخليجي لا يزال يحظى بحضور محدود مقارنة بالأدب العربي العام. فبينما تستحوذ مقررات الأدب العربي القديم والحديث والنقد الأدبي على ما يقارب 80-90 في المائة من إجمالي المقررات الأدبية، لا تتجاوز نسبة المقررات المتخصصة مباشرة في الأدب الخليجي ما بين 3 في المائة و8 في المائة في معظم البرامج الأكاديمية. كما يدرس الطالب في المتوسط ما بين 20 و30 مقرراً أدبياً خلال مرحلته الجامعية، مقابل مقرر واحد أو مقررين فقط يتناولان الأدب الخليجي بصورة مباشرة. وتكشف هذه المؤشرات عن أن الأدب الخليجي غالباً ما يُقدَّم بوصفه جزءاً تكميلياً داخل السردية الأدبية العربية العامة، لا بوصفه مجالاً معرفياً يمتلك مرجعيته الجغرافية والتاريخية الخاصة.

- كاتب وناقد كويتي


قصة لإديث وارتون عن الحرب ترى النور بعد نحو 100 عام

إديث وارتون
إديث وارتون
TT

قصة لإديث وارتون عن الحرب ترى النور بعد نحو 100 عام

إديث وارتون
إديث وارتون

في قصة لم يسبق نشرها للكاتبة إديث وارتون، كانت هناك مأدبة عشاء داخل قصر فرنسي خلال صيف عام 1918، مع اقتراب الحرب العالمية الأولى من نهايتها، في حين يُسمع دويّ المدافع من بعيد.

تحمل القصة القصيرة التي لم يسبق نشرها من قبل، اسم «الرجال الذين أنقذوا العالم»، وهي من إبداعات وارتون الحائزة جائزة «بوليتزر»، وقد ظهرت بعد وفاتها، تحديداً قبل أسبوعين في مجلة «ذا ستراند» الفصلية.

ويُعتقد أن القصة، التي يعتقد أنها كتبت في يوليو (تموز) 1918، على أقصى تقدير، قد تخلت وارتون عنها وظلت محفوظة في «مكتبة بينيك للكتب والمخطوطات النادرة»، التابعة لجامعة ييل.

تدور أحداث القصة، الموجودة في مخطوطتين مطبوعتين غير مؤرختين، ويبدو أنهما مسودتان مختلفتان، حول مأدبة عشاء أُقيمت على الطاولة نفسها، التي كان جرّاح في الجيش قد أجرى عليها عمليات بتر في وقت سابق من الحرب.

وخلال تلك المأدبة، كان لا بد من إعادة ترتيب زهور الأوركيد، بعدما اهتزت بفعل الاهتزازات الناجمة عن الانفجارات.

جاء في إحدى الفقرات: «هناك، في تلك الساعة نفسها، كان الرجال يسقطون بالآلاف لجعل العالم آمناً... من أجل هذا!». وجاء كذلك: «وكان بعض الضباط الشباب، الذين بدأ الضيق يتسلل إلى مضيفهم بسبب تأخرهم، قادمين مباشرة من قلب تلك المشاهد».

اللافت، أنه بعد نحو قرن، لا يزال موضوع القصة يلقى صدى، حسب أندرو غولي، المحرر الإداري لمجلة «ذا ستراند»، ومقرها في رويال أوك، بولاية ميشيغان.

يقول غولي: «تقرأ عن حرب تدور رحاها في الخارج، لكن لم تشعر يوماً بأنها تمسُّك شخصياً، لقد شاهدتها فقط على شاشات التلفاز فحسب»، مضيفاً أن القصة تُصوّر «شيئاً عالمياً مشتركاً، حيث يمكن للناس مشاهدة الحرب من بعيد، لكنهم لا يستطيعون حقاً الشعور بتداعياتها».

من جهتها، نشأت وارتون، التي تتضمن أعمالها «عصر البراءة» و«إيثان فروم» و«بيت المرح»، في صفوف نخبة مدينة نيويورك، أواخر القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين، وغالباً ما ضمّنت قضايا الطبقة الأرستقراطية في كتاباتها.

لقد كانت في باريس أثناء الحرب العالمية الأولى، وكرّست نفسها لأعمال الإغاثة، بما في ذلك تنظيم مساكن للاجئين، وافتتاح مستشفى لعلاج السل.

وفي عام 1916، نالت وسام جوقة الشرف الفرنسي؛ تقديراً لجهودها خلال الحرب.

في سياق متصل، تقول إميلي أورلاندو، أستاذة اللغة الإنجليزية، في جامعة فيرفيلد بولاية كونيتيكت، ومؤلفة كتاب «إديث وارتون والفنون البصرية»، والتي درست أعمال وارتون لعقود: «القراءة التقليدية لأعمال وارتون توحي بأنها مجرد مؤرخة للطبقة الأرستقراطية في نيويورك فقط»، منوهة بأن: «الكثير من عامة الناس لا يدركون عملها الإنساني المذهل على الخطوط الأمامية».

وأضافت أورلاندو، متحدثةً عن القصة المنشورة حديثاً: «حتى من خلال أعمالها الروائية، تُسلّط وارتون الضوء على الحرب العالمية الأولى من خلال منظورها النقدي».

ويذكر أن إيزابيل بارسونز، أستاذة الأدب الإنجليزي في الجامعة المفتوحة بإنجلترا، كتبت تحليلاً نقدياً لقصة «الرجال الذين أنقذوا العالم» عام 2023.

ومع ذلك، قال غولي إنه لم يعثر على أي دليل على نشر القصة للجمهور، قبل ظهورها على صفحات مجلة «ذا ستراند».

تصوّر القصة «حقيقة عالمية مشتركة... حيث يمكن للناس مشاهدة الحرب من بعيد... لكنهم لا يستطيعون حقاً الشعور بتداعياتها»

في عام 2016، اكتشف باحثون مسرحية لوارتون أيضاً بعنوان «ظل الشك»، التي عُرضت بوقت لاحق على خشبة المسرح. وأوضح غولي أن مجلة «ذا ستراند» تُعدّ الوريث الروحي للمجلة البريطانية التي تحمل الاسم نفسه.

وقد بدأت نسختها الحالية بالصدور عام 1998، ونشرت قصصاً لم تُنشر سابقاً لكتاب مرموقين، بينهم ريموند تشاندلر وإرنست همنغواي.

يقول غولي إن وارتون كانت ضمن قائمة الكُتّاب، الذين ظل يبحث عن أعمالهم، وقد تلقى بالفعل عدداً من المواد من «مكتبة بينيكي»، وقضى شهوراً في دراستها بجدية؛ بحثاً عن مواد جديدة. لكن الكثير من المواد، كما يذكر، كان مكتوباً بخط اليد؛ ما يُصعّب فك رموزه: «ربما نحتاج إلى خبراء خطوط يعملون لدى مكتب التحقيقات الفيدرالي؛ لمحاولة فك رموز ما كانت تكتب وارتون». ويقول عن العثور على قصة «الرجال الذين أنقذوا العالم»: «قرأتُ القصة لم تُنشر من قبل، وقلت في نفسي: (حسناً، هذا العمل الأنسب في الوقت الراهن، ولن يكون هناك جدل حول استخدام الفاصلة أو علامة الاستفهام)».

ومع أن القصة القصيرة غير مكتملة، تظل عناصرها السردية والموضوعية متماسكة. وربما تكون هذه القصة واحدة من بين الكثير من أعمال وارتون الأخرى التي لم تر النور بعد. وتؤكد هذا الاحتمال أورلاندو بقولها: «هناك الكثير من المواد الأخرى، التي جرى اكتشافها. ولا تزال هناك اكتشافات أخرى في انتظارنا. هذا ليس الاكتشاف الأخير، لكنه يبقى إنجازٌ عظيمٌ لأي باحثٍ معني بأعمال وارتون».

* خدمة «نيويورك تايمز»