توازنات الذات في مواجهة الماضي والحاضر شعرياً

الشاعرة المغربية عائشة بلحاج في «لا أعرف هذه المرأة»

توازنات الذات في مواجهة الماضي والحاضر شعرياً
TT

توازنات الذات في مواجهة الماضي والحاضر شعرياً

توازنات الذات في مواجهة الماضي والحاضر شعرياً

ما بين تقلبات الماضي والحاضر ومناخات الطفولة تدور أجواء ديوان «لا أعرف هذه المرأة» للشاعرة المغربية عائشة بلحاج. فرغم ما يشي به عنوان الديوان من نفي للمعرفة ظاهرياً فإنه يؤكدها في الوقت نفسه عبر حضور الذات الشاعرة في النصوص، وعبر مراوحات من الشك واليقين، الشك في بداهة الحقيقة وإيقاعها الماثل للعيان، بخاصة حين تتحول في خضم حالات المد والجزر عاطفياً إلى مجرد نثار من الرغبات والأماني المفتتة، في مقابل ذلك يبدو البحث عن اليقين بمثابة حلقة مفرغة ومخاتلة لحلم لا يبرح العتبات ويراوغ من أجل أن يظل هو الشيء ونقيضه معاً. ما يضعنا أمام ذات شاعرة قلقة، لا تمل من البحث عن نفسها، محاولة الإمساك بنقطة توازن، أو يقين مضاد، يشكل خطاً موازياً مع الماضي والحاضر، تتحصن به من هواجسها والمخاطر العالقة في علاقتها مع الآخر، في حين تبرز الفوضى، فوضى المشاعر والعواطف، والأحلام، وما ينعكس عليها من تحولات الطبيعة، في إشارة إلى ما تبعثر هنا وهناك، وإعادة ترتيبه من جديد في جعبة الذات والطبيعة والواقع أيضاً. تقول في نص (ص 14):
«لا تحتاج الصحراءُ إلى عواصف
لكنها تستعين بها لترتيب تلالها.
لا تحتاج الغابة إلى فيضانات
لكنها تنتظرها أعواماً
لتقتلع فخاخ الصيادين
لا يحتاج البحرُ إلى سفن
لكنه يحملها بصبر
ليقف العاشقون
على سطحها
يراقبون ظلالهم الليلية
على موجة
ليتوازن العالم».
يرشح النص بما يمكن تسميته «هاجس الفكرة، حيث يضعنا أمام نفي لها، واستدراك في الوقت نفسه (لا يحتاج... لكن). ورغم ما يشي به هذا الهاجس من شغف الذات الشاعرة بالتأمل والذهاب إلى ما وراء الأشياء، فإنه يبقى تأمل ابن هاجس الفكرة المجردة المسكونة برذاذ من الفلسفة، وليس ابن الحدس الشعري الجامح الذي يفجر الفكرة نفسها، ويقفز على المقدمات والنتائج، ويفتح لها نوافذ إدراك جديدة مباغتة، تكسر قشرة الرصد وتتابعه المنطقي في بنية الصورة الشعرية، وأحادية المعنى المباشر دلالياً ورمزياً... نعم، الطبيعة مسكونة بالفوضى والإنسان أيضاً، لكن لا أحد ابن فوضاه، ستظل الفوضى المطلقة فعل هدم، أو على الأقل فعل سلب يعتمد على المصادفة العابرة، بينما التحقق والنظام فعل وجود وإرادة واعية. ومن ثم يتوازن العالم حين يتحرر من نفسه، من فوضاه، من كونه معطى خارجياً في النص وفي الحياة. الشعر ليس مشغولاً بتفسير الأشياء ولا بتعليلها، وإنما يفجّر ما بها من طاقة مخبوءة لإثارة الدهشة والأسئلة. كما أنه لا يحتاج إلى هذه المسافة الزمنية الرخوة ما بين النفي والاستدراك، والتي ربما يحتاج إليها الشاعر بعدما يفرغ من النص، كي يستريح قليلاً من مكابداته.
لا يقتصر الدوران حول الفكرة وهاجسها على هذا النص السالف، إنما يمتد لنصوص كثيرة بالديوان الصادر أخيراً عن دار «ناشرون وموزعون» بالأردن، وتنجح الشاعرة في الاقتراب كثيراً من «شعرية الأفكار»، أحد أسمى أشكال التعاطي مع الشعر والوجود، حيث كلاهما يشكل الآخر، ويفيض عنه، في نسق حر لا تحده أطر شعرية ودلالات جافة، إنما إطاره الوحيد هو الالتصاق بالروح، وبإشراق العقل في سطوعه الأنقى. يبرز هذا على نحو لافت، في نص قصير بعنوان «مصائر» (ص33)، حيث مصادفة الوجود والفيزياء؛ تجمع بين اثنين وجدا نفسيهما.
في مرآتها، تنمو هذه المصادفة في النص بقوة الفكرة وتصنع نوعاً من الموازاة بين الرؤية كمقوم مادي بصري، وبين ما يتخفى وراءها، وذلك عبر: التحديق، والتطلع، والمشي، والخوف من الالتفات إلى الخلف، وكأنهما سيفقدان في غباره نفسيهما وظلالهما، بل إطلالتيهما على الغد والمستقبل. وهي الفكرة نفسها تكاد تكون صدى لمقولة الروائي اليوناني الشهير نيكوس كازانتزاكيس «افتح فمي وتغدو الفكرة حكاية» والتي تصدر بها الشاعرة نصاً بعنوان سلفادور دالي (ص47). يجرد كازانتزاكيس الفكرة من محمولاتها الغيرية المسبَّقة، ويجرها لمنطق السرد، حيث تتحول في مصفاته إلى حكاية؛ الأمر الذي يذكرنا بـ«مونادات» الفيلسوف الألماني ليبينتز، والتي قصد بها الذرات الروحية المكونة للعناصر والأشياء. لذلك؛ في الشعر يصبح الهدف النقدي الأمثل ليس تفكيك شفرات النص فحسب، وإنما الوصول إلى روح النص نفسه، إلى بيت الشاعر وكينونته. في سياق هذه الرؤية تلجأ الشاعرة إلى ما يمكن تسميته أيضاً محاولة «هندسة الفكرة»، وهي تقوم على تتابع الضربات الشعرية في بناء المشهد أو الصورة، بشكل خاطف ومكثف لتنمية معنى محدد والوصول إليه ببساطة وتلقائية. هنا تبرز كاف التشبيه، كأداة لتثبيت المشهد، أو الصورة، واختزال المسافة بين المشبه والمشبه به، وكأنهما انعكاس للذات الشاعرة نفسها... تقول في نص بعنوان «كأن الذي بيننا حروب وأدخنة» (ص91):
بإصبعين اثنين
أرفع النظاراتِ عن عينيّ
في باب المقهى المشرع نصفُه
أختار طاولة إلى يمين الكونتوار
أطلب قهوة خفيفة
أشعل سيجارة وأنتشي بالرائحة
أهزُّ العُقبَ شبهَ المحترق
بخفَّة فوق المنفضة الحمراء
وأنفض نظراتِ رجل عجوز
في أقصى اليسار.
أبادله التحديق.
أغمض العينين،
وآخذ نفساً عميقاً
أتركه داخلي،
أتشرَّب النفسَ المدَخّن
وأنفثه في وجه الرجل العجوز.
يحجبني الضباب
كأن الذي بيننا حروب وأدخنة}.
تتناثر هندسة الفكرة في نصوص الديوان، بخاصة القسم الأخير، لكن بعضها يقع في فخ النص المقفول على ذاته، تحت وطأة تراكم صوري كمي، كما نلمح استخدام بنية التعدد الرقمي في أكثر من نص مثل «عشرة منازل» و«ثلاث فوائد للحب»، لكنها تظل مجرد حِيلة فنية على عتبة شكل لم ينضج بعد. ومع ذلك تبدو أغلب هذه النصوص مشغولة بمغامرة ما، بقنص زاوية خاصة للمشهد أو الحالة، تنعكس بدورها على طريقة بناء الصورة وعمل المخيلة، والدمج بين نثريات الحياة اليومية وهموم الفعل الشعري. نرى ذلك، في النص الأخير بالديوان «فرصة عمل» (ص 98):
«شخصٌ مبتسمٌ
مطلوبٌ للعمل في نوبات الصباح
شخصٌ واحدٌ
آخذه
إلى العمل
لأتقي بابتسامته شرَّ الزملاء،
إلى السوق ليتدافع مكاني
إلى البنك لقبض ثمن عرقي
أوراقا قليلة
شخص واحد يذهب
إلى الأعراس
التي تجرُّني إليها أمي
وينام على سرير كوابيسي
شخص أبادله اسمي
وأهرب»
في عباءة الطفولة يصل الديوان إلى خلاصته الشعرية، فلا تصبح الذات مشغولة بتوازناتها، وإنما بالقفز وراء الأشياء، وتحسس نبض الأزمنة والأمكنة فيها، وتكتنز العين والجسد نشوة اللمسة الأولى وبراءة الحكايات، ومشاحنات البيت والتكوين واكتساب الخبرة والمعرفة: «التجربة معيار الحقيقة»... هكذا تأتي إحدى الخلاصات (ص20) من نص «ما زلت أقفز بين الغرف» (ص17) ومنه:
«أدخلتني أمي المطبخ
بيد مشغولة بالأسئلة
من أين أفصلُ جذوعَ الدجاج
كم من الزيت احتاج
لتغطيس البطاطس؟
ما من أحدٍ يجيب
بينما الأفواهُ الجائعة كثيرة
لم يعلِّمني أحدٌ
كيف أغطس آلامي في الورقة
ولا أغرق،
أو كيف أمنع الكلماتِ
من أن تحمل قلبي في انهمارها.
لم يعلِّمني أحدٌ
كيف أنزع فتيل الذكريات
وألقيها على الورق
مثل وحوش تزحف داخلي
بدأب منشار تقاوم يدي العارية.
لا أعرف كيف أقود الشِّعرَ
الذي أتنفس
لنعود معاً من حيث مرت الحياة».
في هذا النص وهو أطول نصوص الديوان (16) صفحة، تطالعنا شرائح من السيرة الذاتية للشاعرة، وهي طفلة غضة، تحبو على سلالم الحياة، مشرّبة بقلق أنثوي وإحساس لاعج بالافتقاد للحرية، والنزوع إلى المغامرة والتمرد على وضعية المرأة البائسة في مجتمع لا يزال يمارس سطوته الذكورية، وغيرها من الأسئلة التي لا تزال تدور على طاولة اللحظة الراهنة.
تبقى من الأشياء اللافتة في النص تعامل الشاعرة مع الطفولة كفعل معايشة مفتوح على تخوم البدايات والنهايات، أنه فعل بناء وتكوين، لا يزال قادراً على إثارة الدهشة والأسئلة، وليس مجرد استحلاب لذكريات تتقافز فوق حبال الشجن بمشاهدها الشقية وأحلامها الغاضبة المشاكسة. الطفولة صيرورة الحياة، محطة متجددة قد نغادرها أحياناً، لكننا سرعان ما نعود إليها، لنلحق بأحلام قصية، ما زلنا نسابق من اجلها خطواتنا:
«تركت كل شيء
كأنني ذاهبة إلى عالم آخر
أشيائي هنا لا تعني أحداً هناك
توقعت بيتاً آخر،
أو ما يشبه البيت
لكن ماذا في الشوارع
غير الذئاب والكلاب
والقطط والقمامة؟
في الصباح التالي،
طرقتُ البابَ بخزي جندي
قلبه لم تعجنه المعارك.
في المطبخ وضعت سكينا
على بطني لأواجه أمي:
«لا يسألني أحد أين كنت}.
في الختام، يبقي في هذا الديوان، أنه ابن عاطفة خاصة، مشغوفة بالشعر كضرورة حياة ووجود، كما يشكل محطة متقدمة في تجربة الشاعرة، للوصول إلى المعنى الخلاق للحرية والجمال.



إدوارد سعيد يسأل عمَّا «بعد السماء الأخيرة»

 عروسان بمخيم البداوي - طرابلس 1983 بعدسة السويسري جان مور
عروسان بمخيم البداوي - طرابلس 1983 بعدسة السويسري جان مور
TT

إدوارد سعيد يسأل عمَّا «بعد السماء الأخيرة»

 عروسان بمخيم البداوي - طرابلس 1983 بعدسة السويسري جان مور
عروسان بمخيم البداوي - طرابلس 1983 بعدسة السويسري جان مور

بعد أربعين عاماً على صدور كتاب إدوارد سعيد «بعد السماء الأخيرة»، أحسنت فعلاً «دار الساقي» أن أعادت نشر ترجمته العربية في هذا الوقت بالذات، الذي تصبح فيه قراءة التاريخ بأعين حاذقة متفكرة، حاجة عربية. سعيد ليس مجرد كاتب يسرد الأحداث، بل هو مبدع متعمق في قضية فلسطين التي شغلته العمر كله. وفي هذا الكتاب يستجمع مهاراته كونه ناقداً، وعالماً ومحللاً، ليقدم نصاً يدمج بين الحدث التاريخي، والسيرة العائلية والذاتية. في الكتاب يأتي نص إدوارد سعيد (1935 - 2003) منسجماً ومتكاملاً مع صور السويسري جان مور التي التقطها بالأبيض والأسود، وهو يوثِّق الحياة اليومية الفلسطينية في بلادها والشتات. وقد وجد فيه سعيد، المصور الذي «رآنا كما لم يرنا أي شخص آخر». فالصور التي اختارها لنشرها في الكتاب تعيد الاعتبار للرواية الفلسطينية بتفاصيلها بعيداً عن فجاجة السردية السياسية. الناس عند ما يمارسون مهنهم، ينتظرون على قارعة الطريق، ينصرفون إلى فرح، يقطفون الزهر، يتأملون في جلسة استراحة. هكذا يعيد إلى شعب أغفلت إنسانيته نبض الحياة، ويعرّف به في انسجاميته مع محيطه الطبيعي.

شراكة الكاتب والمصوّر

الشراكة بين سعيد ومور ولدت عام 1983، أثناء مؤتمر للأمم المتحدة في جنيف، أراد له سعيد أن يقترن بعرض لصور مور. لكن الموافقة جاءت غريبة، وهو أن تبقى الصور من دون أي تعليق عليها. إجحاف، ومحاولة لطمس أي ذكر واضح لفلسطين، مما استفزَّ إدوارد سعيد واستدعى منه فيضاً من الكلام جاء في هذا الكتاب أشبه باستعادة لكل ما يجول في خاطره. حتى ليبدو للقارئ أن سعيد ينخرط في كتابة سيرته مندغمة بسيرة شعبه، وهو يعيد قراءة تجربته وتكوينه الشخصي، عبر فهم المسار الفلسطيني العام. «هو كتاب منفى» يقول سعيد، الذي يعبّر عن ألم ومرارة شديدين، بسبب الظروف التي عاشها منذ كان تلميذاً صغيراً، ورأى عائلته تعاني التهجير والضياع، حتى لنشعر أن كل النجاحات الأكاديمية والفكرية التي حصدها خلال مساره المهني، لم تكن قادرة على إسكات قلق الهوية الذي بقي يعانى منه طوال حياته.

فمنذ غادرت عائلته القدس عام 1947 وكان في الثانية عشرة من عمره، لم يعد سعيد إلى فلسطين إلا عام 1992 مع زوجته وولديه. يومها تمكَّن وبعد 45 عاماً، من زيارة أماكنه الأولى التي لم يعد فيها أحد من أقاربه. لكن بقي لديه شيء من أمل بسبب الانتفاضة التي كانت مشتعلة في تلك الفترة.

النكبة بداية الجحيم

العودة الكاملة للوطن، بقيت حلماً معلقاً، بينما المشهد كله يتغير، حتى ليبدو أن الماضي الذي يعرفه ينسف من جذوره. وهذا هو ما أحب أن يكتب عنه، ليس فقط ليسجل ما حدث، وإنما ليوضح كيف أن الفعل الأول، أي النكبة، جرَّت وراءها تاريخاً من التحولات العظمى، حيث سيصبح من المستحيل استعادة ما فقد. لهذا فإن الكتاب يزاوج بين الأحداث وانعكاساتها، ومسار سعيد وعائلته وحياتهم في المهاجر، وهي تتداخل بحيوات من هم في الصور المرافقة للكتاب. نشاهد البلدة القديمة في القدس، عمال مصنع للصابون في نابلس، نجار من عكا، أطفال يلعبون في مخيم البداوي اللبناني، وفلسطينيون في ميناء عكا، شخص يجلس على الرصيف في الناصرة، وآخرون في غزة. وجوه معروفة، وأخرى تكتسب أهميتها من قدرتها على شحذ الذكريات والأفكار في ذهن إدوارد سعيد، بصرف النظر عن جماليتها.

تتفرع الموضوعات في كل اتجاه. وهي تنطلق في بدء الكتاب من صورة التقطت في مخيم البداوي للاجئين الفلسطينيين في شمال لبنان، فيها عروسان يوم زفافهما يهمان بالصعود إلى سيارة مرسيدس قديمة، ومعهما عدد قليل من الأشخاص، وبقربهما ولدان يلعبان. ويعلِّق سعيد بعد شرح مطول: «لا يمكنني الوصول إلى الأشخاص الفعليين الذين تم تصويرهم إلا من خلال مصور أوروبي رآهم نيابة عني وأتخيل أنه بدوره تحدث اليهم، من خلال مترجم. ومع ذلك، فإن الشيء الوحيد الذي أعرفه على وجه اليقين هو أنهم عاملوه بأدب، ولكن كشخص جاء من قبل، أو ربما تصرف بتوجيه من أولئك الذين وضعوهم في مكانهم البائس هذا».

سرقة الأرض بالتدريج

إنها النكبة التي ولَّدت المصائب المتسلسلة. في تلك السنة المشؤومة لم يكن لليهود من أراضي فلسطين سوى 7 في المائة، لكنهم رغم ذلك، فرضوا وجودهم وطردوا أهل البلاد. وبالتدريج، وعبر السنين، سنُّوا القوانين التي جردت الفلسطينيين من حقوقهم، وأرغمت الكثيرين منهم على الهجرة، حتى فرغت الأرض منهم، ليحلِّ مكانهم غرباء، طامعون. خلال كل تلك الحقبات السوداء المتلاحقة، كان الفلسطينيون يتحولون إلى شتات مشرذم في بلدان مختلفة. يحاول الكاتب أن يعيد تجميع هذا البزل البشري المتشظي، متحدثاً عن صعوبة قصوى في إعادة بناء ما تفتت. يحكي قصص الفلسطينيين في الداخل، مساراتهم، معاناتهم. يروي ما يعرفه عن أعمامه وأولادهم ثم عائلة والدته، التي تركت فلسطين بعد أسرة والده بقليل، منهم من ذهب إلى مصر، وبعض آخر إلى الأردن. يتحدث عن الإرهاق، عن الصدمة التي رافقتهم، عن محاولات فهم ما سيكون عليه مستقبلهم وقد فقدوا بيوتهم وحاضرهم. عمة إدوارد التي وصلت إلى مصر تحوَّلت إلى دينامو، لا همّ لها سوى مساعدة اللاجئين الذين لم يجدوا من يُعنَى بهم. تمكنت من أن تكون همزة الوصل بين أغنياء الفلسطينيين النازحين وفقرائهم. يتحدث عنها وعن جهودها بإعجاب شديد لعلو إنجازاتها، التي بقي صداها يتردد طويلاً حتى خارج مصر.

كتابات كثيرة ومفعول ضئيل

رغم الكتابات الكثيرة عن الفلسطينيين فإنهم بقوا مجهولين، خاصة في الغرب. فالشعب الفلسطيني، لم يلق الكتابة التي توازي كثافة التجربة. «أننا أكثر هذراً وإثارة للمتاعب من أن نختصر بمجرد كوننا كتلة من اللاجئين البائسين». لهذا، ربما، لا بد من كتابات تجاري هذه الكينونة الصعبة والمركبة. وبما أن مهمة الكتاب هي محاولة الإحاطة بواقع معقد، لتجربة فريدة في اللجوء، كان لا بد من أشكال تعبيرية غير تقليدية تتوافق مع حالة هجينة ومتشظية.

يكاد سعيد لا يترك ناحية إلا ويتكلم عنها، البيوت الفلسطينية، المنتوجات الزراعية التي باتت تصدر باسم المحتلّ، الذكريات التي حملها معهم النازحون من بيوتهم من مفاتيح وتطريز وأقمشة، وتعلقهم بذاك التراث الذي يذكرهم ببلادهم، ووالده الذي تجنَّب هذه الرموز، حذراً من الحنين. يعود الكاتب إلى اللكنات الفلسطينية التي بقيت صامدة على الألسن وتطعمت بلهجات دول اللجوء. يُعرِّج على العادات التي ظلَّت راسخة رغم مرور الأيام. يذكرنا بالاضطرابات العائلية التي عاشتها الأسر بسبب التمزق والفرقة وصعوبة الالتقاء، هو الذي حرم لسنين من رؤية والدته التي أصرَّت على البقاء في بيروت في فترة الحرب الأهلية.

الاختزال والتقزيم

يسأله صديق له، لما يعنى بالفلسطينيين في هذا الزمن. «فمن يهتم بأولئك الذين يأكلون على الأرض بأيديهم؟» يزيد إصرار سعيد على إكمال كتابه هذا «بالتحديد، لأردّ على هذا النوع من الحماقات». كم هي صعبة الإحاطة بكل ما يتعلق بالفلسطينيين «لا يوجد إحصاء سكاني فلسطيني. لا يمكن رسم خطّ يصل فلسطينياً بآخر من دون أن يبدو أنه يتداخل مع المخططات السياسية لدولة أو لأخرى». هو مؤلف تجريبي لا يروي أحداثاً متسلسلة، ولا يشكل مقالاً سياسياً، بل يحاول أن يتلاءم وطبيعة الموضوع الذي يصعب القبض عليه كون الفلسطينيين الذين يتحدث عنهم بلا دولة، ولا مركز، مجموعات «مسلوبة». يقول: «حوصرنا في مساحات مصممة لاختزالنا أو تقزيمنا، ولطالما شُوِّهنا بسبب ضغوط وقوى كانت أكبر من طاقتنا».

رد الاعتبار بالكتابة

لا يخفي الكاتب أنه إنما يردُّ الاعتبار لشعبه على طريقته. فالمأساة بدأت قبل النكبة، التي دفعت بعائلته وأسر أخرى إلى المجهول. ثم جاءت النكسة عام 1967، ولا ينسى تجربة منظمة التحرير الفلسطينية. وفي الكتاب مقاطع طويلة عن بيروت التي بقدر ما يعرفها سعيد، اضطر أن يغيب عنها بسبب الحرب. يتحدث عن عذابات لبنان المتتابعة، عن عيوب أهله وطائفيتهم البغيضة، عن تجاربهم المريرة المتلاحقة، يعرج على بعض الكتاب الفلسطينيين مثل إميل حبيبي وجبرا إبراهيم جبرا ومحمود درويش الذي من ديوانه «ورد أقل» استعار اسم الكتاب وصدَّره بعبارة من قصيدة «تضيق بنا الأرض». حقاً لقد ضاقت الأرض بالشعب الفلسطيني!


«سر الأسرار» لدان براون بالعربية

«سر الأسرار» لدان براون بالعربية
TT

«سر الأسرار» لدان براون بالعربية

«سر الأسرار» لدان براون بالعربية

خلال رحلته برفقة العالمة المرموقة كاثرين سولومون التي دُعيت لإلقاء محاضرة في العاصمة التشيكية براغ، يجد العالم روبرت لانغدون نفسه في دوامة تخرج عن السيطرة حين تختفي كاثرين من غرفتهما في الفندق من دون أثر، فيضطر إلى مواجهة قوى مجهولة لاستعادة المرأة التي يحبها.

بهذه الحبكة البوليسية القائمة على التشويق، يعود مؤلف الإثارة والغموض الشهير دان براون إلى قرّائه حول العالم عبر رواية «سر الأسرار» الصادرة عن دار «الكرمة» بالقاهرة، ترجمة زينة إدريس، في نص ينتمي إلى الخيال العلمي، ويتسم بسرعة الإيقاع رغم ضخامته اللافتة؛ إذ يقع في 582 صفحة من القطع الكبير، موزعة على 138 فصلاً، بالإضافة إلى مقدمة وخاتمة.

تبرز الرواية خصوصية براغ كمدينة حضارية موغلة في القدم تزخر بالأساطير ويكتنفها الغموض، فعلى مدى ألفي عام تقاذفتها أمواج التاريخ فتركت في حجارتها صدى ما مضى من أحداث وتقلبات؛ إذ لم يكن لانغدون يدرك أن طيفاً من ماضي المدينة المظلم يراقبه عن كثب، غير أنه يجد نفسه مرغماً على الاستعانة بكل ما في جعبته من معارف غامضة لفك رموز ذلك العالم من حوله قبل أن تبتلعه هو الآخر دوامات الخداع والخيانة التي ابتلعت كاثرين.

يجد البطل، عالم الرموز في جامعة هارفارد، نفسه في مدينة سرية تختبئ في وضح النهار، مدينة احتفظت بأسرارها قروناً طويلة ولم تفصح عنها بسهولة، فتتحول النزهة البريئة ذات الطابع شبه السياحي إلى ما يشبه ساحة معركة لم يشهد لها أحد مثيلاً.

ودان براون هو مؤلف ثماني روايات تصدرت جميعها قوائم المبيعات، من بينها «شيفرة دافنشي» التي أصبحت من أكثر الكتب مبيعاً، إلى جانب روايات «الأصل» و«الجحيم» و«الرمز المفقود» و«ملائكة وشياطين».

ومن أجواء الرواية نقرأ:

«لا بد أنني فارقت الحياة.. هذا ما فكرت فيه المرأة وهي تنجرف عالياً فوق أبراج المدينة القديمة، تحتها كانت أبراج كاتدرائية القديس فيتوس المتلألئة تشع وسط بحر من الأضواء البراقة. تتبعت بنظرها، هذا إذا كانت لا تزال تملك عينين، الانحدار بلطف نحو قلب العاصمة البوهيمية، هناك تمتد متاهة من الأزقة المتعرجة المغطاة ببساط من الثلج المتساقط حديثاً.

شعرت بالضياع وبذلت جهداً لتفهم ما حلّ بها، قالت في محاولة لتطمئن نفسها: أنا عالمة أعصاب وأتمتع بكامل قواي العقلية، غير أن هذا الادعاء الثاني بدا لها موضع شك، الأمر الوحيد الذي كانت الدكتورة بريغيتا غسنر واثقة منه أنها معلقة الآن فوق مسقط رأسها مدينة براغ، لم يكن جسدها معها بل كانت بلا كتلة ولا شكل ومع ذلك كانت بقية كيانها؛ أي ذاتها الحقيقية ووعيها، سليمة ومتقدة تنجرف ببطء في الهواء باتجاه نهر فلتافا.

لم تستطع غسنر أن تتذكر شيئاً من ماضيها القريب، باستثناء ذكرى باهتة من الألم الجسدي، لكن بدا لها الآن أن جسدها لا يتكون إلا من الهواء الذي تنساب عبره. كان الإحساس فريداً لم يسبق لها أن خبرته، وعلى الرغم من كل ما تعرفه بوصفها عالمة لم تجد لذلك سوى تفسير واحد: مت وأنا الآن في العالم الآخر!

لكنها سرعان ما رفضت هذه الفكرة، في الواقع بوصفها طبيبة كانت على دراية وثيقة بالموت؛ ففي كلية الطب وفي أثناء تشريح الأدمغة البشرية، فهمت غسنر أن كل ما يجعلنا ما نحن عليه؛ أي آمالنا ومخاوفنا وأحلامنا وذكرياتنا، ليس إلا مركبات كيميائية معلقة بشحنات كهربائية. وعندما يموت الإنسان ينقطع مصدر الطاقة في دماغه وتذوب تلك المركبات وتتحول إلى بركة سائلة بلا معنى، لكنها الآن تشعر بأنها حية تماماً».


الدولة الحية والدولة التاريخية

الدولة الحية والدولة التاريخية
TT

الدولة الحية والدولة التاريخية

الدولة الحية والدولة التاريخية

الدولة الحية والدولة التاريخية ليستا توصيفين زمنيّين بقدر ما هما طريقتان في العيش داخل الزمان. ليست المسألة أن تكون الدولة قديمة أو حديثة، بل كيف تفهم نفسها، وكيف تُدير علاقتها بالماضي والحاضر والمستقبل. هناك دول تجعل الماضي مادةً للفهم، وتبني مشروعها على ما يمكن أن يكون، وهناك دول تجعل الماضي مرجعاً أعلى، وتعيد إنتاجه في الحاضر بوصفه معياراً للحكم.

يمكن أن نلاحظ هذا المعنى في تجارب مثل الولايات المتحدة الأميركية والمملكة العربية السعودية الجديدة. كلتاهما حديثة نسبياً من حيث التكوين السياسي، فأعمارهما تتراوح بين المائتين والثلاثمائة سنة، وهذا منح كل واحدة منهما خاصية مهمة، هي أن مشروع كلٍّ منهما لم يُبنَ على استعادة ماضٍ بعيد، بل على تأسيس معنى جديد للحاضر. لم يكن هناك ثقل تاريخي يفرض نفسه بوصفه مرجعاً نهائياً، بل كان المجال مفتوحاً لبناء الشرعية على الإنجاز، وعلى القدرة على التشكّل.

الدولة الحية لا تنكر تاريخها، لكنها لا تسكن فيه. تتعامل مع الماضي بوصفه خبرة قابلة للتحليل، وأنه ليس سردية ملزمة. لذلك تكون هويتها مرنة، وشرعيتها قائمة على الفعل، وليست على الذاكرة. وهي لهذا لا تخاف التغيير، لأن التغيير جزء من بنيتها.

في الجهة المقابلة، تبدأ المشكلة حين يتحول التاريخ إلى سلطة. عندها لا يعود الماضي مادة للفهم، بل يصبح معياراً يُقاس عليه كل شيء، فتتشكل بنية كاملة من التعثر تمتد عبر الاقتصاد والتعليم والإدارة والثقافة. تُدار الموارد بعقلية الحفظ والخوف لا بعقلية المبادرة، ويُعاد إنتاج المعرفة بدل توليدها، وتتقدم الاستمرارية على الكفاءة، ويُستبدل بالإبداع التمجيد. وهنا لا يكون الفشل حادثة عابرة، بل يكون نمطاً يتكرر عبر العقود، لأن المنطلق واحد، وهو رد الحاضر دائماً إلى نموذج سابق.

ومع هذا النمط تتشكل طبقة أعمق، طبقة الوعي. فالمشكلة لا تبقى في المؤسسات، بل تمتد إلى طريقة إدراك الناس للعالم وتصورهم لأنفسهم فيه. بينهم يتكون وعي يميل إلى الخطاب أكثر من الفعل، وتُروى الحكايات بلغة الانتصار الذي لم يقع، حتى في لحظات الفشل العميق، وتُضخَّم الوقائع الصغيرة لتؤدي وظيفة نفسية، لا معرفية.

ويظهر هنا نوع من التكيّف المفرط، قدرة عالية على الاحتمال، لكنها تنقلب أحياناً إلى قبول طويل بالأوضاع بدل السعي إلى تغييرها. يعرف الفرد في داخله أن هناك خللاً، لكنه يتعامل معه بازدواجية، فيُبقي هذا الإدراك في مستوى صامت، بينما يشارك في خطاب علني يخففه أو ينفيه.

هذا الانفصال لا يأتي من جهل، بل من آلية دفاع. فالصورة المثالية عن الذات تُصبح شرطاً نفسياً للاستمرار، ولذلك يُعاد إنتاجها باستمرار، حتى لو كانت لا تنسجم مع الواقع وحتى إن كان الناس يقتاتون على أكاذيب ويعيشون في أوهام. وهنا تتشكل بطولات رمزية، وتُستعاد أمجاد آلاف السنين، ويُعاد تفسير الأحداث الواقعية بحيث تحافظ على تماسك هذه الصورة.

وفي هذا السياق، يصبح الحس الفكاهي وخفة الظل أداة مزدوجة، يخفف الضغط من جهة، لكنه قد يتحول إلى وسيلة للهروب من المواجهة من جهة أخرى. ومع الوقت، يتشكل حسّ حساس تجاه النقد، لا لأنه غير صحيح، بل لأنه يُفهم بوصفه تهديداً للصورة الجمعية. فيُستعاض عن المساءلة بالتبرير، وتُفسَّر الإخفاقات بعوامل خارجية، أو يُعاد تأويلها بما يحفظ المعنى العام للسردية. هنا لا يكون الكذب فعلاً واعياً بالضرورة، بل بنية يعيش داخلها التاريخيون. يعرفون في قرارة أنفسهم أن هناك فجوة بين الواقع وما يُقال، لكنهم يستمرون في إعادة إنتاج هذا الخطاب، لأنه يمنحهم شعوراً بالتماسك. وهكذا يصبح الانفصال عن الواقع شرطاً نفسياً للاستقرار، لكنه في الوقت نفسه يُعمّق الأزمة.

ويضاف إلى ذلك أن هذا النمط يعيش على استعراض عمر الدولة الطويل بوصفه دليلاً على العظمة، مع أن معظم المواطنين تعساء، ومع أن هذا العمر لم يُترجم إلى قدرة فعلية على البناء. تُذكر آلاف السنين كما لو كانت إنجازاً قائماً، بينما الحاضر عاجز عن تحقيق أبسط ما تحققه دول أصغر سناً بكثير. تتكرر المقارنة في الخطاب لا في الواقع، ويُستدعى التاريخ لتعويض فجوة الإنجاز. ومع وفرة الموارد، يبقى العائد محدوداً، لأن المشكلة ليست في الإمكانات، بل في طريقة النظر إليها، حيث تُستهلك دون أن تتحول إلى مشروع منتج يغيّر ملامح الواقع.

أما الدولة الشابة الحية، فتسير في الاتجاه المعاكس. لا تحتاج إلى حماية صورة مثالية، لأنها لا تدّعي الاكتمال. تقبل بالنقص، وترى في الاعتراف بالخلل بداية للإصلاح. تبني شرعيتها على الفعل، لا على الحكايات والأساطير، ولا تسمح لذاكرتها بأن تتحول إلى معيار يحكم قراراتها اليومية. لهذا تظل قادرة على التغير، لأن وعيها مفتوح، لا مغلق. ولا تعيش داخل سردية جاهزة، بل تصنع سرديتها مع كل خطوة.

وفي النهاية، لا تنهار الدول لأنها فقيرة في تاريخها، بل لأنها تُخطئ النظر إلى واقعها. الدولة الحية ترى ما هو كائن، فتُحسِن التعامل معه، وتبني عليه ما يمكن أن يكون. أما الدولة التاريخية، فتُصرّ على أن ترى ما تتمنى، فتفقد القدرة على الفعل، وتكتفي بالتعويض الرمزي، والخطاب العالي، والبطولات المتخيَّلة. هنا لا يكون الماضي ذاكرةً تُعين على الفهم، بل يصبح عبئاً يُعطّل الحاضر، ويُغلق أفق المستقبل. لذلك، فمصير الدولة لا يُحسم في أرشيفها، بل في وعيها. ليس السؤال كم عاشت، بل كيف تعيش؟ هل تُقيم في العالم كما هو، أو في صورةٍ عنه تُرضي نرجسيتها؟ في هذا الاختيار الصامت، الذي لا يُعلن نفسه، يتقرر كل شيء.

* كاتب سعودي