قبضة الأسد على السلطة تبدو أكثر اهتزازًا بعد انتصارات المعارضة

حالة الإجهاد المستمرة التي يعانيها نظام الأسد بشريًا ولوجستيًا باتت جلية للغاية

مقاتل من المعارضة ويبدو خلفه الدخان المتصاعد من «معسكر القرميد» بريف إدلب بعد السيطرة عليه ودحر قوات النظام منه أول من أمس (رويترز)
مقاتل من المعارضة ويبدو خلفه الدخان المتصاعد من «معسكر القرميد» بريف إدلب بعد السيطرة عليه ودحر قوات النظام منه أول من أمس (رويترز)
TT

قبضة الأسد على السلطة تبدو أكثر اهتزازًا بعد انتصارات المعارضة

مقاتل من المعارضة ويبدو خلفه الدخان المتصاعد من «معسكر القرميد» بريف إدلب بعد السيطرة عليه ودحر قوات النظام منه أول من أمس (رويترز)
مقاتل من المعارضة ويبدو خلفه الدخان المتصاعد من «معسكر القرميد» بريف إدلب بعد السيطرة عليه ودحر قوات النظام منه أول من أمس (رويترز)

تغلبت مكاسب المعارضة السورية المتصاعدة في الآونة الأخيرة على الافتراضات طويلة الأمد بشأن صلابة ومدى رسوخ نظام الرئيس السوري بشار الأسد، الذي يبدو في الوقت الراهن وكأنه يشهد خطرا أكبر من أي وقت مضى خلال السنوات الثلاث الماضية، بحسب تقرير لصحيفة «واشنطن بوست» الأميركية من مراسلتها من بيروت، حيث جاءت سيطرة المعارضة يوم السبت الماضي على بلدة جسر الشغور الواقعة في محافظة إدلب الشمالية، كآخر حلقة في مسلسل طويل من انتصارات ساحة القتال الدائر بين القوات النظامية السورية وبين قوات المعارضة التي تمكنت من تحقيق تقدم ملموس على كلتا الجبهتين الشمالية والجنوبية من البلاد.
وكما كان الواقع في عاصمة محافظة إدلب خلال الشهر الماضي، فقد تهاوت الدفاعات الحكومية في بلدة جسر الشغور عقب عدة أيام فقط من القتال المستمر، مما يشير وبقوة، إلى حالة الضعف الشديدة التي لحقت بالقوات النظامية السورية مع تصاعد زخم المعارضة.
وجاءت التحولات المشهودة في ميدان القتال السوري في وقت أرجأت فيه إدارة الرئيس أوباما ملف الأزمة السورية لإفساح المجال من أجل التركيز على أولوياتها الرئيسية: هزيمة تنظيم داعش الإرهابي في العراق، وإبرام الاتفاق النووي مع إيران.
وعلى الرغم عن ذلك، فإن الوتيرة المتسارعة للأحداث الحالية في سوريا، قد تدفع بالولايات المتحدة إلى إعادة النظر والتركيز على ملف الحرب المتفاقمة التي تحتل مكان القلب من حزمة الاضطرابات التي تجتاح منطقة الشرق الأوسط. ووفقا لما أفاد به المحللون، فإن الدعم الإيراني لنظام الأسد، والدعم السعودي للمعارضة، مع التحول في موازين القوى في سوريا قد يحمل انعكاسات عميقة ومؤثرة على الصراعات المشتعلة في العراق واليمن.
يقول جمال خاشقجي، (مدير عام قناة «العرب» الدولية) «إننا نشهد لعبة تبادل جارية في سوريا. وأعتقد أننا قريبون من رؤية نهاية لنظام الأسد، وعلينا التفكير الآن فيما يمكن أن يحدث في اليوم التالي، لأن ذلك اليوم بات قريبا للغاية».
وأفاد مراقبون آخرون، بأن احتمال انهيار نظام الأسد في سوريا لا يزال احتمالا بعيد الوقوع، إذ تتمتع العاصمة دمشق بدفاعات قوية، وجاءت مكاسب المعارضة على الأطراف الخارجية المحيطة بها، حيث تمتد خطوط إمدادات النظام الحاكم.
غير أن التكهنات باستمرار نظام الأسد إلى ما لا نهاية أو بقائه في محل الموازنة المؤقتة بمواجهة تنظيم داعش ومعاقله في شمال سوريا، لا تزال محل شكوك، حسبما أفاد إميل حكيم من المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية. وإن حالة الإجهاد المستمرة التي يعانيها نظام الأسد على مسار القوة البشرية والموارد اللوجسيتة، كما تابع حكيم: «باتت جلية للغاية، ومقدار خسائره الميدانية أصبحت أكبر مما يمكن إنكاره أو إخفاؤه».
ويضيف المحلل قائلا: «يقضي ذلك على الطرح القائل بأن الأسد ينتصر، الذي كان يُستند عليه كثيرا، وعلى الفرضية القائلة بأنه أفضل الخيارات المطروحة في مقابل داعش. وإذا عجز الأسد عن تحقيق النصر أو حتى عن الدفاع ضد هجمات المعارضة، فسوف يصعب عليه كثيرا تقديم ذاته كمحارب قادر على مواجهة داعش».
ويُعزى تصاعد مكاسب المعارضة في جانب كبير منه إلى التقارب الأخير ما بين المملكة العربية السعودية الأكثر حزما، وبين المنافسين السابقين لها، من حيث النفوذ والتأثير على المعارضة السورية - تركيا وقطر.
كما كان هناك تحالف متماسك بصورة غير متوقعة بين المعارضة تحت اسم «جيش الفتح»، ويتألف من جبهة النصرة (ذراع تنظيم القاعدة)، ومجموعة متنوعة من الألوية الإسلامية مع عدد صغير من الكتائب الأكثر اعتدالا. ذلك التحالف، الذي انطلق خلال الشهر الماضي، أثبت فعالية في ميدان القتال أكثر مما كان متوقعا له.
وعقب الاستيلاء على غالبية مناطق محافظة إدلب في الأسابيع الأخيرة، تتحرك المعارضة جنوبا في اتجاه معاقل القوات النظامية في حماه وحمص، ويهددون مدينة اللاذقية الساحلية، معقل عائلة بشار الأسد ذاته. وقد حقق تحالف آخر مستقل من المعارضين المعتدلين تقدمات سريعة باتجاه الجنوب كذلك، حيث يصارعون سيطرة الحكومة على مدينة درعا، العاصمة الإقليمية الرئيسية هناك، ويتقدمون شمالا في اتجاه العاصمة السورية دمشق.
وعلى نفس القدر من الأهمية، أثبتت القوات الحكومية عجزا متزايدا في ساحات القتال. ومهد انهيار أكبر هجومين حكوميين في وقت مبكر من هذا العام، في جنوب سوريا وفي مدينة حلب، الطريق لنجاح هجمات المعارضة الأخيرة، وأشار إلى أنه رغم سيطرة النظام على العاصمة دمشق، فإن فرص استعادة بقية البلاد باتت بعيدة المنال.
وهناك إشارات تدل على أن النظام الحاكم ذاته يقبع تحت ضغوط هائلة سببتها حرب السنوات الأربع الماضية. وفي يوم الجمعة الماضي، ذكرت وسائل الإعلام الموالية للنظام السوري وفاة رستم غزالة مدير الأمن السياسي، ومن أقوى رجال الأسد لفترة طويلة، بعد شهور من الشائعات حول خلافات عميقة جمعته بالنظام الحاكم، وأنه تعرض لضرب مبرح من قبل المنافسين ظل على إثره في المستشفى.
وجاءت تقارير إخبارية حكومية كذلك تفيد بفصل رفيق شحادة مدير الاستخبارات العسكرية، وهو من أقرب الموالين للرئيس السوري. ويقول الدبلوماسيون الغربيون الذين يراقبون الوضع السوري عن كثب من العاصمة اللبنانية بيروت، إنه يبدو أن الرجلين قد اشتبكا مع عائلة الأسد حول الدور المتزايد الذي تلعبه إيران في ميدان القتال.
كذلك، وصلت التوترات إلى قلب عائلة الأسد، التي بدا حكمها للبلاد لما يربو على أربعة عقود غير متزعزع، حتى اندلعت الثورة في عام 2011. وقد فُصل حافظ مخلوف، ابن عم الرئيس الأسد ورئيس الأمن في العاصمة دمشق، أواخر العام الماضي، وفرّ من البلاد منذ ذلك الحين، حسبما أفاد دبلوماسيون غربيون. وهناك ابن عم آخر للأسد، يدعى منذر الأسد، وقع رهن الاعتقال هذا الشهر وسط شائعات تشير إلى أنه كان يخطط لانقلاب على السلطة الحاكمة. ويقول أحد الدبلوماسيين في هذا السياق «يبدو أن هناك حالة من الانقسامات الخطيرة تتفشى داخل نظام الأسد. والانهيار العسكري من جانب النظام الحاكم ليس أمرا مستحيلا».
ويعتمد الأمر كثيرا على إيران، التي برزت في الآونة الأخيرة لإيفاد الرجال والأموال والأسلحة كلما بدا الأسد محتاجا إليها، أو متعثرا في مساره. غير أن إيران تعاني هي الأخرى، كذلك، من وقع الآثار الاقتصادية المستمرة للعقوبات الدولية، وإثر المطالب المتزايدة من الحرب الدائرة في العراق المجاورة، وهي التي حولت بعض الميليشيات الشيعية التي كانت تقاتل في العراق لصالح النظام الحاكم في سوريا.
وفي تعليق لصالح معهد الشرق الأوسط أفاد به روبرت إس. فورد المبعوث الأميركي السابق إلى سوريا، قال فيه إنه لا يستبعد انهيارا تاما للنظام السوري، فالانقسامات التي يعاني منها النظام، مع الإخفاقات التي مني بها في ميادين القتال، والنقص الشديد في القوة البشرية المسلحة، كلها عوامل تؤكد حالة الضعف التي يعيشها نظام الأسد، وكتب قائلا: «ربما نرى علامات على بداية نهايتهم قريبا».

* خدمة «واشنطن بوست»
خاص بـ«الشرق الأوسط»



لعام آخر... فجوة التمويل تهدد بقاء ملايين اليمنيين

مساعٍ أممية لجمع تمويل يكفي لإغاثة نصف المحتاجين في اليمن الذين يزيد عددهم على 22 مليوناً (غيتي)
مساعٍ أممية لجمع تمويل يكفي لإغاثة نصف المحتاجين في اليمن الذين يزيد عددهم على 22 مليوناً (غيتي)
TT

لعام آخر... فجوة التمويل تهدد بقاء ملايين اليمنيين

مساعٍ أممية لجمع تمويل يكفي لإغاثة نصف المحتاجين في اليمن الذين يزيد عددهم على 22 مليوناً (غيتي)
مساعٍ أممية لجمع تمويل يكفي لإغاثة نصف المحتاجين في اليمن الذين يزيد عددهم على 22 مليوناً (غيتي)

منذ بداية العام الحالي، ترسم الأمم المتحدة صورة قاتمة لمستقبل الأزمة الإنسانية في اليمن، محذّرة بأن البلاد تقف على «حافة منعطف حرج» قد يدفع بملايين إضافيين إلى دائرة الخطر.

وفي تقريرها الأخير المعنون «اليمن 2026: ثمن التقاعس»، تشير التقديرات الأممية إلى أن نحو 22.3 مليون شخص، أي غالبية السكان، يحتاجون إلى شكل من أشكال المساعدة الإنسانية والحماية، في ظل تراجع حاد في التمويل الدولي وتقلّص نطاق الاستجابة.

يأتي هذا الانحسار في الموارد، في وقت تتصاعد فيه الاحتياجات بوتيرة مقلقة. ووفقاً لـ«مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (أوتشا)»، فإن نحو 18.3 مليون شخص قد يواجهون مستويات حادة من انعدام الأمن الغذائي خلال العام الحالي، مع انزلاق مناطق جديدة نحو ظروف توصف بأنها «كارثية».

ويعاني نحو 2.2 مليون طفل دون سن الخامسة سوءَ تغذية حاداً، في مؤشّر يعكس مخاطر طويلة الأمد تتجاوز الجوع إلى أضرار لا رجعة فيها بشأن النمو الجسدي والذهني.

بدوره، يقدم القطاع الصحي دليلاً إضافياً على هشاشة الوضع، إذ تشير التقديرات إلى أن 40 في المائة من المرافق الصحية تعمل جزئياً فقط، أو توقفت بالكامل، فيما يواجه نحو 19.3 مليون شخص مخاطر صحية متصاعدة.

وتتقاطع هذه المؤشرات مع واقع النزوح، حيث يعيش أكثر من 5.2 مليون يمني في ظروف قسرية متدهورة؛ مما يضاعف من هشاشة الفئات الأضعف ويزيد الضغط على الخدمات الأساسية.

في غضون ذلك، أعلن «صندوق التمويل الإنساني (YHF)» في اليمن أنه قدم المساعدة لأكثر من 307 آلاف شخص في المناطق الأكبر تضرراً من انعدام الأمن الغذائي في البلاد.

أزمة إدارة الإغاثة

وقال «الصندوق»؛ التابع للمكتب الأممي «أوتشا»، في تقرير حديث، إنه خصص، في الثلث الأخير من العام الماضي، 20 مليون دولار لدعم المجتمعات التي تعاني أعلى مستويات انعدام الأمن الغذائي، وسوء التغذية، ومخاطر الحماية في اليمن، مركزاً على الخدمات الأساسية المنقذة للحياة، وأولوية خدمات الحماية للأسر والأفراد الأكبر عرضة للمخاطر.

طفلتان برفقة والدتيهما تتلقيان خدمات علاجية أممية لمنع وعلاج سوء التغذية بين الأطفال (الأمم المتحدة)

وبلغ عدد المستفيدين 307.4 ألف شخص، بينهم 37 ألفاً من ذوي الإعاقة.

وحتى الآن، تلقى «الصندوق» نحو 14.3 مليون دولار مساهمات في ميزانيته للعام الحالي، أبرزها من الدنمارك (5.4 مليون)، وفنلندا (3.4 مليون)، والسعودية (3 ملايين)، وكندا (1.2 مليون)، إضافة إلى جهات مانحة أخرى.

ويرى جمال بلفقيه، المنسِّق العام لـ«اللجنة اليمنية العليا للإغاثة»، (لجنة حكومية)، أن تحسين آليات إدخال المساعدات يمثل نقطة مفصلية في خفض التكلفة وزيادة الفاعلية، مشدداً على أن الاستفادة من الممرات البرية والبحرية في المناطق الخاضعة لسيطرة الحكومة يمكن أن تحدّ من «الابتزاز» وتعزز انسيابية الإغاثة.

ويذهب بلفقيه، في حديث لـ«الشرق الأوسط»، إلى أن «التعويل الآن هو على دور الداعمين الإقليميين، وعلى رأسهم السعودية، في سد الفجوة التمويلية، ليس فقط عبر المساعدات الطارئة؛ بل من خلال دعم مؤسسي ومشروعات تنموية طويلة الأمد».

مشروع أممي لتعزيز الأمن الغذائي في اليمن يوفر فرص عمل لـ42 ألفاً و964 شخصاً (الأمم المتحدة)

غير أن المسؤول الحكومي يقرّ بوجود اختلالات في إدارة العمل الإنساني خلال فترات سابقة، لافتاً إلى أن ضعف التنظيم والرقابة الميدانية أسهم في حرمان فئات من مستحقي المساعدات، ويطرح في المقابل مقاربة تقوم على «إعادة ترتيب أولويات التدخل وتعزيز الشراكة مع القطاع الخاص، بما يفتح المجال أمام انتقال تدريجي من الاستجابة الطارئة إلى التعافي الاقتصادي».

ورغم استمرار حالة التهدئة النسبية منذ أبريل (نيسان) 2022، بعد سنوات من حرب مدمّرة بين الحكومة الشرعية والجماعة الحوثية الانقلابية، ألحقت أضراراً واسعة بالبنية التحتية والاقتصاد، فإن التحسن الأمني لم يُترجم إلى تعافٍ إنساني ملموس، وباتت فجوة التمويل العامل الأكبر تأثيراً في تحديد مصير الاستجابة.

اختبار أخلاقي للعالم

وتحتاج خطة الأمم المتحدة للعام الحالي إلى 2.16 مليار دولار لتقديم مساعدات منقذة للحياة لنحو 12 مليون شخص فقط، أي نحو نصف المحتاجين.

وكالات أممية قدمت مساعدات لآلاف الأسر المتضررة من الفيضانات الأخيرة في 7 محافظات (الأمم المتحدة)

ويحذّر تقرير «أوتشا» بأن استمرار «التقاعس» سيؤدي إلى خسائر بشرية مباشرة، مع اقتراب أنظمة حيوية من الانهيار وتآكل قدرة المجتمعات على الصمود. ويشير إلى أن «الشركاء الإنسانيين اضطروا بالفعل إلى تقليص برامج أساسية نتيجة نقص التمويل وصعوبات الوصول»؛ مما يفاقم من فجوة الاحتياجات غير الملبّاة.

ويقدّم إيهاب القرشي، الباحث اليمني في الشؤون الإنسانية، قراءة أكبر تشاؤماً، عادّاً أن التراجع في تمويل خطط الأمم المتحدة يعكس تحولات أوسع في أولويات المانحين، في ظل أزمات دولية متزامنة، مستبعداً أن يتجاوز التمويل هذا العام 40 في المائة من المستويات السابقة؛ مما يعني عملياً اتساع الفجوة بين الاحتياجات والموارد المتاحة.

ويوضح القرشي لـ«الشرق الأوسط» أن «العجز التراكمي في تغطية الاحتياجات الإنسانية بلغ مستويات غير مسبوقة»، وأن «إخفاق المعالجات السياسية والاقتصادية أسهم في تعميق الأزمة وتحويلها إلى (حلقة ضغط) مستمرة على الوضع الإنساني».

تدريب أممي لأعضاء «جمعيات مستخدمي المياه» في ريف محافظة تعز على مهارات جمع التبرعات وإعداد المقترحات والتواصل مع المانحين (الأمم المتحدة)

وينبه إلى أن ملايين اليمنيين قد يواجهون صعوبات يومية في تأمين الغذاء، «مع ما يرافق ذلك من ارتفاع معدلات سوء التغذية ووفيات الأطفال، واتساع رقعة المجاعة»، في ظل هذه المعطيات.

ومن دون دعم مستدام، فسيظل ملايين الأشخاص عرضة لخطر تفاقم الجوع، والأمراض التي يمكن الوقاية منها، وتهديدات الحماية، حيث يتطلب خفض الاحتياجات المزمنة تعاوناً طويلاً بين جميع الفاعلين لاستعادة الخدمات الأساسية، وإنعاش وسائل الحياة، وتعزيز القدرة على الصمود في وجه الصدمات المستقبلية، وإنهاء الصراع.


هيكلة القوات اليمنية توشك على إكمال مرحلتها الأولى

ضابط في الجيش الحكومي اليمني في قارب بباب المندب (رويترز)
ضابط في الجيش الحكومي اليمني في قارب بباب المندب (رويترز)
TT

هيكلة القوات اليمنية توشك على إكمال مرحلتها الأولى

ضابط في الجيش الحكومي اليمني في قارب بباب المندب (رويترز)
ضابط في الجيش الحكومي اليمني في قارب بباب المندب (رويترز)

قطعت عملية إعادة هيكلة ودمج التشكيلات العسكرية والأمنية في اليمن شوطاً متقدماً، مع اقتراب المرحلة الأولى من الاكتمال، في إطار جهود تقودها الحكومة اليمنية بإشراف ودعم من تحالف دعم الشرعية بقيادة السعودية، بهدف إعادة تنظيم المؤسسة العسكرية وتعزيز كفاءتها القتالية والإدارية.

ووفق مصادر حكومية تحدثت لـ«الشرق الأوسط»، تركزت المرحلة الأولى على بناء قاعدة بيانات موحدة ودقيقة لجميع منتسبي الوحدات العسكرية والأمنية، باستخدام أحدث وسائل التحقق من الهوية، وعلى رأسها نظام البصمة الحيوية، بما في ذلك بصمة العين، وهو ما مكّن الجهات المختصة من كشف الاختلالات في سجلات القوى البشرية.

وأوضحت المصادر أن عملية التحقق كشفت وجود عشرات الآلاف من الأسماء المزدوجة، إلى جانب إدراج أسماء وهمية ضمن كشوفات القوات العسكرية والأمنية، في مؤشر واضح على حجم التحديات التي واجهت الدولة خلال السنوات الماضية، في إدارة هذا الملف الحيوي.

تنظيم المؤسسة العسكرية اليمنية وتعزيز كفاءتها القتالية (إعلام محلي)

وتقول المصادر إن العمل لا يزال مستمراً لاستكمال تسجيل جميع الأفراد ضمن قاعدة البيانات الجديدة، التي تُعدّ حجر الأساس لإعادة بناء المؤسسة العسكرية على أسس سليمة، مشيرة إلى أن هذه المرحلة أسهمت في إسقاط الأسماء غير القانونية، وتصحيح البيانات بما يعزز الشفافية والكفاءة في إدارة الموارد البشرية.

وأضافت أن استكمال هذه الخطوة سيفتح الطريق أمام الانتقال إلى المرحلة الثانية، التي تتضمن دمج مختلف التشكيلات العسكرية ضمن هيكل موحد يخضع لوزارتي الدفاع والداخلية، وفق الأطر القانونية المعتمدة.

إشراف مباشر

يتولى مسؤول القوى البشرية في القوات المشتركة بقيادة السعودية اللواء فلاح الشهراني، الإشراف على هذا الملف اليمني المعقد، الذي تعثر في مراحل سابقة بسبب تعدد التشكيلات العسكرية وتباين تبعياتها داخل معسكر الشرعية، وهو ما تطلب مقاربة تدريجية في التنفيذ.

وبدأت عملية الهيكلة من المناطق العسكرية في شرق اليمن، تحديداً المنطقتين الأولى والثانية، اللتين تشملان محافظات حضرموت والمهرة وأرخبيل سقطرى، قبل أن تمتد لاحقاً إلى عدن ولحج وأبين وشبوة، ثم إلى الساحل الغربي ومأرب، على أن تشمل في مراحلها المقبلة بقية المناطق، بما في ذلك تعز والضالع.

ويعكس هذا التسلسل الجغرافي حرص الجهات المعنية على تنفيذ العملية بشكل مرحلي ومدروس، بما يضمن دقة النتائج وتفادي أي اختلالات قد تعيق تحقيق الأهداف المرجوة.

استبعاد الأسماء الوهمية من قوام القوات اليمنية (إعلام محلي)

في السياق ذاته، ترأس وزير الدفاع اليمني الفريق الركن طاهر العقيلي، اجتماعاً لهيئة القوى البشرية في العاصمة المؤقتة عدن، اطّلع خلاله على مستوى التقدم المحرز في تحديث بيانات القوات المسلحة، والإجراءات المتخذة لتعزيز دقتها.

وقدم مسؤولو الهيئة شرحاً مفصلاً حول آليات العمل، بما في ذلك تحديث قواعد البيانات، وضبط الجوانب الإدارية والمالية، بما يسهم في تحسين كفاءة الأداء المؤسسي.

وشدد العقيلي على ضرورة مواصلة الإصلاحات، ومعالجة أوجه القصور، وضمان خلو قاعدة البيانات من أي ازدواج أو تكرار، مؤكداً أن بناء مؤسسة عسكرية حديثة يتطلب إدارة فعالة للموارد البشرية، قائمة على معايير دقيقة وشفافة.

وبحسب المصادر، فإن تأخر صرف رواتب بعض منتسبي وزارتي الدفاع والداخلية خلال الفترة الماضية، كان مرتبطاً بغياب قاعدة بيانات موحدة، إلا أن التقدم المحرز في هذا الجانب سمح ببدء صرف الرواتب للوحدات التي استكملت إجراءات التسجيل، على أن تستمر العملية تدريجياً لتشمل بقية الوحدات.

تمهيد للدمج الشامل

تُمهد هذه الإجراءات للانتقال إلى مرحلة أكثر تقدماً، تتضمن دمج كل التشكيلات العسكرية والأمنية ضمن قوام القوات المسلحة، بما يعزز وحدة القرار العسكري، ويحد من التشتت الذي عانت منه المؤسسة خلال السنوات الماضية.

وفي هذا الإطار، وجّه عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني عبد الرحمن المحرمي، بتشكيل لجنة مختصة لمعالجة أوضاع بعض الوحدات، من بينها «لواء بارشيد» و«كتيبة الدعم الأمني»، من خلال تنظيم أوضاعها الإدارية والمالية، وضمها رسمياً إلى القوات المسلحة.

إنشاء قاعدة بيانات يمنية موحدة لجميع التشكيلات العسكرية والأمنية (إعلام محلي)

وتشمل مهام اللجنة حصر المعدات والآليات، وتجهيز معسكرات مناسبة، إضافة إلى إلزام الأفراد بالخضوع لإجراءات البصمة الحيوية، بما يضمن إدراجهم ضمن قاعدة البيانات الموحدة، وتمكينهم من الحصول على مستحقاتهم المالية وفق الأطر القانونية.

ويرى مراقبون أن نجاح هذه المرحلة يمثل خطوة مفصلية نحو إعادة بناء المؤسسة العسكرية اليمنية، بما يمكنها من أداء دورها في حفظ الأمن والاستقرار، ومواجهة التحديات الأمنية، في ظل دعم إقليمي ودولي يركز على تعزيز مؤسسات الدولة.


اليمن: انقطاع الكهرباء يهدد حياة مرضى الكلى في الحديدة

القطاع الصحي في اليمن يعيش وضعاً متردياً تحت سيطرة الحوثيين (إ.ب.أ)
القطاع الصحي في اليمن يعيش وضعاً متردياً تحت سيطرة الحوثيين (إ.ب.أ)
TT

اليمن: انقطاع الكهرباء يهدد حياة مرضى الكلى في الحديدة

القطاع الصحي في اليمن يعيش وضعاً متردياً تحت سيطرة الحوثيين (إ.ب.أ)
القطاع الصحي في اليمن يعيش وضعاً متردياً تحت سيطرة الحوثيين (إ.ب.أ)

تتصاعد المخاوف الإنسانية في محافظة الحديدة الساحلية غرب اليمن، مع استمرار قطع التيار الكهربائي عن مراكز الغسيل الكلوي، في خطوة تُنذر بعواقب كارثية على حياة مئات المرضى الذين يعتمدون بشكل كامل على هذه الخدمات للبقاء على قيد الحياة.

وأثار هذا الإجراء، الذي تنفذه الجهة الحوثية المسيطرة على قطاع الكهرباء في المحافظة، موجة واسعة من الاستياء في الأوساط الطبية والإنسانية، وسط تحذيرات من ارتفاع وشيك في معدلات الوفيات.

تأتي هذه التطورات في ظل أوضاع صحية ومعيشية بالغة التعقيد، تعيشها الحديدة وبقية المناطق الخاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية، حيث يواجه القطاع الصحي انهياراً كبيراً نتيجة نقص التمويل وشح الموارد، مما يجعل أي خلل إضافي، مثل انقطاع الكهرباء، عاملاً مباشراً في تهديد حياة المرضى، خصوصاً أولئك المصابين بالفشل الكلوي.

طفلة يمنية مريضة بفشل كلوي بمركز خاضع للحوثيين في الحديدة (إكس)

وأفادت مصادر طبية بأن استمرار انقطاع الكهرباء أدى إلى تعطيل عدد كبير من جلسات الغسيل الكلوي، وتأجيل أخرى، في وقت يعجز فيه الطاقم الطبي عن توفير بدائل مناسبة لتشغيل الأجهزة الحيوية.

وتزداد خطورة الوضع مع دخول فصل الصيف وارتفاع درجات الحرارة، مما يضاعف من معاناة المرضى ويزيد من احتمالات تدهور حالتهم الصحية.

نقص حاد

أكدت المصادر الصحية أن مراكز الغسيل في الحديدة تعاني أصلاً من نقص حاد في الإمكانات، سواء من حيث عدد الأجهزة أو توفر المحاليل الطبية، فضلاً عن غياب مولدات كهربائية كافية أو توفر الوقود اللازم لتشغيلها بشكل مستمر.

ويُعد التيار الكهربائي عنصراً أساسياً لا غنى عنه لتشغيل أجهزة الغسيل، حيث تستغرق الجلسة الواحدة ما بين ثلاث إلى خمس ساعات، ويحتاج كل مريض إلى ثلاث جلسات أسبوعياً على الأقل.

صالة مركز الغسيل الكلوي في مدينة الحديدة خلال توقفه عن العمل (إكس)

في المقابل، تبرر الجهة الحوثية المسؤولة عن الكهرباء قرارها بتراكم فواتير الاستهلاك وعدم سدادها من إدارات المراكز الطبية، وهو ما يرفضه العاملون في القطاع الصحي، مؤكدين أن هذه المرافق تقدم خدمات إنسانية منقذة للحياة، ولا ينبغي إخضاعها لمثل هذه الإجراءات التي تتجاهل طبيعة عملها الحساسة.

كما كشف عاملون في أحد مراكز الغسيل عن توافد أعداد كبيرة من المرضى يومياً من مختلف مديريات الحديدة، إضافةً إلى مناطق مجاورة، مثل حجة والمحويت وريمة وذمار، مما يؤدي إلى ازدحام شديد أمام المراكز، في ظل محدودية القدرة الاستيعابية وتراجع مستوى الخدمات.

معاناة إنسانية

في ظل هذه الظروف، عبّر مرضى وأهاليهم عن استيائهم الشديد من استمرار انقطاع الكهرباء، مؤكدين أن هذا الإجراء يفاقم معاناتهم اليومية ويضع حياة ذويهم في دائرة الخطر المباشر.

وأوضحت المصادر أن المرضى يواجهون آلاماً متزايدة نتيجة تأخر جلسات الغسيل أو توقفها، وهو ما قد يؤدي إلى مضاعفات خطيرة، تصل في بعض الحالات إلى الوفاة.

وأشار الأهالي إلى أن فرض تحصيل الفواتير بهذه الطريقة لا يراعي الأوضاع الإنسانية الصعبة، ولا يأخذ في الاعتبار طبيعة الخدمات التي تقدمها هذه المراكز، مطالبين بتدخل عاجل لإعادة التيار الكهربائي وضمان استمرارية العمل دون انقطاع.

من جهتهم، حذر ناشطون في المجال الإنساني من خطورة استخدام الخدمات الأساسية، مثل الكهرباء، وسيلةَ ضغط، معتبرين أن ذلك يمثل انتهاكاً واضحاً للحقوق الإنسانية، ويزيد من تعقيد الأزمة التي تعيشها المحافظة.

وأكد الناشطون أن استهداف مراكز الغسيل الكلوي، التي تقدم خدمات حيوية، يعكس غياب الاعتبارات الإنسانية، وينذر بتداعيات خطيرة على حياة مئات المرضى.